الرئيسية الجزائیات العام الفقه الجزائی و السیاسة الجنائیة
الفقه الجزائی و السیاسة الجنائیة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 03 أكتوبر 2010 16:32

الشاکری، طوبی
القسم الأوّل
لعلّ التأملات الفقهیة الحدیثة الموسّعة فی الفقه الجزائی خلال العقدین الأخیرین ، ولا سیما فی الأعوام القریبة ، ستستتبع تطورات جوهریة تشمل ـ علی الأقل ـ أسالیب المحاکمة وأدلة إثبات الدعوی . إلا أن ما یدعو إلی التردد والقلق تجاه هذه التطورات المستقبلیة المحتملة هو أنه إذا لم یقترن هذا الاتجاه الجدید بفکرة استخراج سیاسة جنائیة شاملة ومنهجیة من النصوص الجزائیة ؛ فإنه لن یخفف من عب‏ء مشاکل الأجهزة القضائیة علی الصعید الشرعی ولن یجاب عن الانتقادات الموجّهة إلی الفقه الجزائی من خارج الدین من زاویة نظر السیاسة الجزائیة الغربیة . من هنا فإن التفکیر بسیاسة جنائیة شاملة إلی جانب مواجهة الانتقادات الموجّهة من خارج الدین والتی تمثّل سیاسة جنائیة إنسانیة عقلانیة تجاه الجریمة ، یعتبر أمراً ضروریاً فی التأملات الفقهیة الحدیثة .

وبملاحظة زاویة النظر النقدیة هذه ، ربما أوضح لنا التمهید الموجز أعلاه ضرورة هذه المقالة وأهدافها ، والتی یمکن إبرازها فی النقاط التالیة :

1 ـ لزوم إثارة التفکیر الشمولی فی هذا الاتجاه الجدید بالنسبة إلی الفقه
 (صفحه 98)

الجزائی ، والإیحاء بفکرة رسم الخطوط العامة للتطورات المستقبلیة المحتملة فی القوانین الجزائیة وأسالیب المحاکمة ، إلی جانب الدراسة الفقهیة للسیاسة الجنائیة الإسلامیة وإمکان استخراجها من النصوص الجزائیة : الکتاب والسنة والفقه الجزائی .

2 ـ إلقاء نظرة علی السیاسة الجنائیة فی الغرب واُصولها وأهدافها العلمیة والعملیة .

3 ـ نقد النتائج العملیة للتأملات الفقهیة الحدیثة ؛ حیث تحدثنا عن التطورات المستقبلیة المحتملة فی القوانین الجزائیة ـ ولا سیّما فی أسالیب المحاکمة الجزائیة ـ بالنظر إلی التیارات الفقهیة الموجودة ، کما تناولنا هذه التیارات بدراسة معرفیة لأسباب ستتضح أثناء البحث .

وقبل الدخول فی الموضوعات أعلاه ، لنتناول قبل کل شیء المفهوم العام لمصطلح السیاسة الجنائیة فی الغرب .
مفهوم السیاسة الجنائیة فی الغرب :

لا توجد ثمرة علمیة ملموسة فی البحث تاریخیاً عن عودة فکرة السیاسة الجنائیة ( بمعنی الموقف العقلانی من الجریمة ) فی الغرب إلی « فورباخ » ( (1) ) الذی عرّف السیاسة الجنائیة : بأنها مجموعة الأسالیب القمعیة التی تعکس الحکومة باستخدامها موقفها من الجریمة ( (2) ) ، طارحاً بذلک هذا المفهوم للمرة الاُولی فی بدایات القرن التاسع عشر ، أو أن ذلک عملیاً کان من صنع « بکاریا » ( (3) ) فی القرن الثامن عشر الذی عهد برسالة عظیمة ، واجه فیها الأنظمة الجزائیة التی تقابل الجریمة بالانتقام والکفارة والمجازاة من خلال التبریر العقلانی للعقوبة وتناسبها المنطقی مع الجریمة وبلا دخل ـ بالتأکید ـ لشخصیة المجرم فی الموقف المتخذ تجاه الجریمة ، کما عُرف فیما بعد من
 (صفحه 99)

مفهوم السیاسة الجنائیة ، وإنْ کان هو نفسه بعیداً عن هذا المفهوم بالذات ( (4) ) ، أو أنه یعود إلی « مونتیسکیو » الذی سبق « بکاریا » ؛ حیث کان کتابه روح القوانین رسالة فی السیاسة الجنائیة فی الحقیقة ( (5) ) . وهذا لأنه مهما بلغت الدراسات التاریخیة فی هذا المجال فإنها لا توءثر فی الإجماع العملی ، علی أن ظهور هذا المفهوم هو بمعنی بدایة عقلانیة لمواجهة الجریمة فی الغرب ، ونتاج الجهود العلمیة لعصر التنویر فی أوربا . وهذه المواجهة تستبدل الموقف المتسرع القمعی من الجریمة ، والترکیز علی التصدی للعنصر المجرم بتعامل متعدد الاُصول والأبعاد تجاه ظاهرة الجریمة تلاحظ القضایا المتعلقة بشخصیة المجرم ویراعی جوانب حمایته إلی جانب حمایة المجتمع . والهدف من ذلک هو الصیاغة العقلانیة للموقف تجاه الجریمة .

ویبدو أن الإجماع والقطع العلمی فی هذه المسألة هو الذی أدی إلی إثارة شکوک جادة تجاه منطقیة طرح سوءال : ما هی النسبة بین الفقه الجزائی الإسلامی وهذه السیاسة الجنائیة العقلانیة تجاه الجریمة ؟ وکذلک إلی رفض منتقدی الفقه الجزائی الإسلامی للإجابات المعقولة فی هذا المجال .
الروءیة النقدیة من خارج الدین ( تباین النسبة ) :

یری منتقدو الفقه الجزائی الإسلامی أن النسبة بین الفقه الجزائی الإسلامی والسیاسة الجنائیة هی نسبة التباین ، ودلیلهم علی ذلک هو :

أولاً : تقدّم الفقه الجزائی الإسلامی تاریخیاً وتأخّر موضوعات السیاسة الجنائیة طرحاً ؛ حیث یبدو أن وجود السیاسة الجنائیة وتطوراتها التاریخیة خلال القرنین الأخیرین هو ولید البحوث والتعالیم الحقوقیة لفترة التنویر وما بعدها فی أوربا .

فتعالیم شخصیات من أمثال « مونتیسکیو » و« بکاریا » و« بنتام » ( (6) )
 (صفحه 100)

وغیرهم التی تلاها ردّ من قبل وضعیین کـ « لومبروزو » ( (7) ) و « أنریکوفری » ( (8) ) و« جاروفالو » ( (9) ) ، هی التی فتحت الطریق أمام نظریات الحمایة الاجتماعیة لأمثال « أدلف برینس » ومن بعدها للتعالیم المتطرفة المضادة للحقوق الجزائیة لـ « جرامانیکا » ، وأخیراً للآراء المعتدلة لمدرسة الحمایة الاجتماعیة الحدیثة فی السیاسة الجنائیة بزعامة « مارک أنسل » ( (10) ) ، والتی أثرت بدورها جمیعاً فی ظهور مفهوم ونظرة خاصة حول الإنسان وحقوقه وحریاته ، وروءی إنسانیة فی النظام الجزائی ، وأدت بالتدریج إلی مواقف معقولة منظمة تدافع عن المجرم فی الغرب ( (11) ) .

کما یری المنتقدون أن هذا التباین قائم فی الماهیة أیضاً باعتبار أن الحقوق الإسلامیة مثال للمدارس الفطریة الطبیعیة التی کانت قبل القرنین السابع والثامن عشر ، والتی کانت تری أن الحکم لله ، وأن الأمر والنهی إنما یصدران عن إرادته ، وأن الفقه الجزائی یتّسم بطابع الکفارة والعقاب والتحقیر ؛ نتیجة النظرة التی حملها الفقهاء تجاه الإنسان من استحقاق الفرد العاصی غیر المطیع للقهر الإلهی والتطهیر بالعقاب ، إیماناً منهم بالعلاقة الکائنة بین العبد والمولی .

فمن وجهة نظر المنتقدین ، ما قاله الإمام الخمینی فی الفقه الجزائی حول قتل الیهود من بنی قریظة : « کان هذا القتل فی صالحهم ( بنی قریظة ) ، وأیضاً یمکن القول بأن قتلهم هو من تمام رحمة خاتم الأنبیاء صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم ؛ لأنه بوجودهم فی هذا العالم کانوا یُعدّون لأنفسهم فی کل یوم ألوان العذاب ، ولا تعادل الحیاة کلها هنا یوماً واحداً من العذاب هناک » ( (12) ) ، هو ـ هذا القول ـ بموازاة خطاب « القدیس بولس » للرومانیین : « إذا أسأتم فخافوا لأنه لیس من العبث أن یکون السیف بید السلطة الحاکمة ، فهی خلیفة الله فی الحقیقة » ( (13) ) ، وذلک من حیث تعارضه مع تعالیم فلاسفة من أمثال « لوک » و« روسو »
 (صفحه 101)

و« کانت » و« استپنسر » وغیرهم ممن حطّموا بتعالیمهم الهیاکل الإلهیة والدینیة للحقوق الفطریة الطبیعیة . فکأنّهم لم یستطیعوا التغاضی عن ضرورة وجود قواعد أرقی من إرادة الحکومات والحقوق الموضوعة ، ولکنهم من بعد أن فصلوها عن الإرادة والعقل الإلهی ، أکّدوا وجودها عن طریق معطیات عقلیة صرفة ( (14) ) ؛ فقد أکّد روسو أنه « من دون شک توجد عدالة اجتماعیة منشوءها العقل » ( (15) ) وأخذ الآخرون یستلهمون منه ، فأصبحت الحقوق الطبیعیة فی قراءة الفلاسفة الغربیین عبارة عن :

« أصول وقواعد یعتبر أعمها الشعور بمفهوم العدالة ، النابع من العقل الإنسانی السلیم والهادف إلی حمایة الفرد وحقوقه وحریاته » .

وهذه النزعة الفردیة القائمة علی أصالة الفرد عند الفلاسفة هی مصدر إلهام تلک الاتجاهات الحقوقیة التی تفکّر الیوم ـ من خلال سیاسة جنائیة إنسانیة ـ بجعل النظام الجزائی إنسانیاً وبمکافحةٍ للجریمة تقوم إلی جانب مکافحة العقاب ، وهذه السیاسة الجنائیة هی منشأ النظرة النقدیة للغرب تجاه الفقه الجزائی الإسلامی . فهم یحاولون مکافحة العقاب من خلال التمییز بین الذنب والجریمة والکفارة والعقاب ، وملاحظة القضایا الإنسانیة بالنسبة إلی المجرم وتأکید الشخصیة الإنسانیة والنزعة الفردیة ورفض العقوبات الدینیة .
التیارات العلمیة والفقهیة الدینیة وموقفها من هذه الانتقادات :

هذه النظرة النقدیة للفقه الجزائی من خارج الدین استتبعتها فی بدایة الأمر ردود فعل من علماء الدین ؛ حیث أدت سرعة الرد فیها إلی فقدانها العمق والانسجام المطلوب ، وردود الفعل هذه جاءت علی شکل دفاعات متناثرة ، تحدثت تارة عن حکمة تشریع القوانین الجزائیة وتارة عن الفوائد والآثار الأخلاقیة والتربویة لتنفیذها وما إلی ذلک .
 (صفحه 102)

إلا أنه خلال العقدین الأخیرین ، تشکلت تیارات فکریة منسجمة ضمن النطاق الدینی بخصوص الفقه والعقوبات بسبب تجذّر الفکر النقدی من الخارج والداخل وأخذه منحی سریعاً فی الآونة الأخیرة ؛ حیث یمکن تقسیم هذه التیارات إلی ثلاثة اتجاهات رئیسیة من داخل الدین .

وعلی الرغم من اختلاف هذه التیارات فی الماهیة وکذا فی الأسلوب والمبادئ ، إلا أنها تشترک فی أمر واحد ، وذاک هو عدم مواجهتها ـ عند الإجابة ـ لمنشأ هذا التفکیر النقدی ، هذا المنشأ الذی یتخذ شکل السیاسة الجنائیة والذی یعتبره رجال السیاسة الجنائیة ـ ولا سیما « مارک أنسل » ـ موقفاً معقولاً فی قبال النظام التقلیدی القمعی ، وحرکة مضادة للعقاب أو غیر عقابیة کحد أدنی من إحدی النواحی ، وموقفاً مطالباً بضمان حقوق الفرد وحمایة الإنسان وتعزیز القیم الإنسانیة من ناحیة أخری ( (16) ) . وبتعبیر آخر ، ضمان حمایة المجتمع من الجریمة إلی جانب احترام القیم الإنسانیة والاجتماعیة ( (17) ) .

ونحن لنا طریقتان مختلفتان فی معالجة هذه التیارات الدینیة الداخلیة الثلاثة :

1 ـ باعتبار اختلاف التیار الأول عن التیارین الآخرین فی المبادئ المعرفیة من الدرجة الاُولی تجاه النصوص الجزائیة ، فلابد من أن نلقی نظرة عامة علی أسلوب ومبادئ التفسیر داخل هذه التیارات تجاه الشریعة والنصوص الدینیة .

وهذا ما یتأکّد عندما نعلم أن الأبحاث المعرفیة الدینیة من الدرجة الثانیة تعکس عدم وجود إجابة منطقیة عقلانیة للمعارف الدینیة ـ ولا سیما المعارف الفقهیة والجزائیة ـ تجاه التساوءلات والعلاقات الناشئة عن السنة التاریخیة فی عصرنا الراهن . والحل العملی لذلک یکمن فی الفصل بین النصوص المقدسة والشریعة من ناحیة ، والمعرفة الدینیة وفهم الشریعة من ناحیة أخری ، وعدم
 (صفحه 103)

التقدیس والتعبّد تجاه الفهم المقیّد المشروط لفقهاء ، مثل : الشیخ الطوسی ، والعلاّمة ، وصاحب الجواهر ، وبکلمة واحد المطالبة بتغییر جوهری فی مبادئ المعارف الفقهیة .

ویبدو أن صاحب التیار الأول یستند إلی هذا الأساس ، وکذا إلی مبادئه فی الهرمونوطیقیا الفلسفیة عند معالجة النصوص الجزائیة فی الکتاب والسنة ، معتقداً عدم حملها رسالة خاصة للسنة التاریخیة للمجتمع المعاصر ، وأن فهم الفقهاء السابقین فی الفقه الجزائی وقضایا السیاسة هو إجابة عقلانیة للسنن التاریخیة للعصر الذی کانوا یعیشونه .

والنتیجة المنطقیة لهذا النوع من قراءة النصوص الفقهیة هو تأکید نسبة التباین بین الفقه الجزائی والسیاسة الجنائیة ، وذلک خلافاً للتیارین التالیین اللذین یحاولان استخراج إجابات تبریریة معیّنة من نصوص الفقه الجزائی عن طریق سنة التفقه بعلم الاُصول .

إذا قبل تناول الموضوعات الفقهیة التی تحاول الإجابة عن السوءال السابق ، سیکون لنا بحث معرفی موجز عن هذه التیارات وعن علم الاُصول باعتباره المنقّح لاُصول الاجتهاد .

2 ـ من بعد المعالجة المعرفیة للتیارات الدینیة الداخلیة الثلاثة ، سنتناول التحدیات الفقهیة التی تواجهها هذه التیارات ضمن الموضوعات الفقهیة التی تحاول الإجابة عن سوءالنا المذکور ( ما هی النسبة بین الفقه الجزائی والسیاسة الجنائیة ؟ ) .

وبعد أن اتضحت ـ بإیجاز ـ طریقة معالجتنا للتیارات الدینیة الداخلیة فی ردها علی منتقدی الفقه الجزائی الإسلامی ، نتناول أدناه هذه التیارات :

1 ـ التیار الذی ینکر وجود رسالة تشریع وسننا للقوانین الجزائیة فی
 (صفحه 104)

النصوص الدینیة من الکتاب والسنة فی أبواب الحدود والقصاص والدیات ، وبإنکاره للدلیل الاجتهادی فی السیاسات والعقوبات الذی یعتبر هذه الاُمور داخلة فی منطقة الفراغ ( (18) ) .

یشرح صاحب هذا التیار دعواه هذه بالقول :

« قدر کبیر من الفتاوی والآراء الفقهیة فی باب السیاسات یتعلّق بالحدود والدیات والقصاص والشهادة والقضاء والبیعة والولایة العامة وأمثالها ، والسوءال المطروح أمام فقهائنا الیوم ما هی نسبة هذه الفتاوی والآراء من الأهداف العقلانیة المطروحة فی أبواب السیاسات فی العصر الحاضر ، وإلی أی مدی تستطیع تلبیتها ؟

فقهاوءنا الذین یقولون فی باب السیاسات أیضاً بأن الفقه عبارة عن عرض الوقائع الاجتماعیة والسیاسیة القائمة للمسلمین علی الکتاب والسنة ، واستخراج أحکامها الشرعیة ، لابد لهم أولاً أن یحددوا ما هی وقائع العصر الحاضر . هذه الوقائع تکشف عن نفسها من خلال أسئلة مطروحة حول المجتمعات الإسلامیة ، وبالإمکان ملاحظة نموذجین أساسیین من هذه الأسئلة فی باب نظام الجزاء ونظام الحکم . فمثلاً سوءالنا الأساسی المطروح الیوم فی باب ( الجریمة والعقاب ) هو بأی نظام جزائی وقضائی یمکن الحیلولة دون وقوع الجریمة وتکرارها وشیوعها ، أو الاستجابة للوجدان الأخلاقی للمجتمع وضمان العدالة ؟ هذه أسئلة تُثار فی العصر الحاضر من منطلق فکرة السیادة الکاملة للدولة والمحافظة علی الحقوق العامة ، ولم یکن لها وجود فی صدر الإسلام » ( (19) ) .
ویقول الموءلف فی موضع آخر من کلامه :

« هذا الواقع یوجّه أنظارنا إلی تلک النصوص التی قامت علیها تلک الفتاوی
 (صفحه 105)

والآراء . فنسأل أنفسنا : هل أن تلک النصوص ترید الإجابة عن تساوءلات عصرنا أیضاً ؟ أو أنها فی موقع الإجابة عن تساوءلات اُخری کانت مطروحة فی عصر صدور تلک النصوص وأجابت عن تلک التساوءلات مع المحافظة علی المصلحة الشرعیة والعقلائیة للمسلمین » ( (20) ) ؟

فمن خلال دراسة الاُفق التاریخی والحالة الاجتماعیة والثقافیة لعصر النزول ومقارنتها بالتطورات الجوهریة الحاصلة فی مجتمعنا الحاضر ، یعتقد هذا التیار أن هذه النصوص إنما تجیب عن تساوءلات عصر النص ، وأن دلالتها لا تتجاوز هذا الحد ، وأنها لا ترید تقدیم أوامر ونواهی محددة فی مجال السیاسات والعقوبات فی عصرنا الحاضر ؛ ولذلک فإن الفقه الجزائی والفتاوی القائمة علی هذه النصوص هی خارج نطاق العقلانیة ، ولا تلبی الأهداف العقلانیة لمجتمع الیوم .

ونحن نعتبر هذا التیار من داخل الدین لأنه تبلور فی نطاق الدین ، ولکنه حیث لم یأخذ بعلم الاُصول وقواعد الدلالة فهو تیار انتقائی . فالمعرفة الدینیة والمعارف من الدرجة الاُولی لهذا التیار فی مجال الفقه وتفسیر نصوصه متأثرة بنظریة المعرفة الحدیثة ، والهرمونوطیقیا الفلسفیة ـ عند جادامر ـ التی تدعو إلی التأمل فی ماهیة فهم النص وطبیعة تکوّنه ؛ لتوءکد مسألة تاریخیة الفهم وتقوم بعملیة التفسیر من خلال ملاحظة اختلاف الاُفق التاریخی للنص ، والاُفق التاریخی للمفسر من أجل الحصول علی أسئلة یبلورها الأفق المعنوی للمفسر والسنة التاریخیة التی یعیشها .

وما توءمن به الهرمونوطیقیا الفلسفیة هو أن المخاطب والمفسر لا یمکنه التوصل إلی فهم نهائی للنص علی الإطلاق ، وأن التفاسیر لا یمکنها الاتصاف بالصحة وعدمها ، والمخاطب إنما یستنطق النص من خلال مفروضاته الأولیة النابعة من تقلیده الخاص ، ویستخرج منه أجوبة لأسئلته وشوءونه الخاصة .
 (صفحه 106)

من هنا لیس هناک فهم نهائی مقدس ثابت للنص .

ولذلک فإن صاحب هذا التیار لا یجد فی نفسه الالتزام العلمی والتعبّد الداخلی تجاه تعالیم الفقه الجزائی للماضین من الفقهاء ، ویری ـ کما هو الحال عند منتقدی الفقه الجزائی الإسلامی ـ أن الفقه الجزائی وفتاوی الفقهاء فی السنة التاریخیة لمجتمعنا الحاضر هی خارج نطاق العقلانیة .

2 ـ یمیل التیار الثانی إلی تعطیل الحدود فی زمن الغیبة ، ویری أن إقامة هذه الأحکام هی من مستلزمات المجتمع المثالی ؛ حیث یعیش الناس حالة السلوک التکاملی التوحیدی فی ظل إدارة وهدایة الإنسان الکامل ، مستنداً فی ذلک إلی أدلة القائلین بأن إقامة الحدود هی من صلاحیات الإمام المعصوم علیه‏السلام ، مع عدم إنکار التشریع الجزائی ووجود الدلیل الاجتهادی فی هذا المجال .

فبعد أن یتناول أدلة الفقهاء الموءیدین لإقامة العقوبات الإسلامیة وکذلک القائلین بتعطیل الحدود فی زمن الغیبة ، یقول :

« بغض النظر عن الأدلة النقلیة التی تقدّم تحلیلها ، فإنّ النقطة التی تجول فی خاطرنا ، والتی لا تخلو من أهمیة وإنْ خلت من طابع تفقهی ، هی أن الإسلام مجموعة ذات أبعاد مختلفة : بعد أخلاقی ، بعد اجتماعی ، بعد إداری ، وفوق ذلک کله أنه یشتمل علی نظام تشریعی وحقوقی یسمی اصطلاحاً بالشریعة . وهناک شعور بوجود ترابط وانسجام تام بین هذه الأبعاد المختلفة . وقد اتخذت تدابیر متنوعة لتربیة البشر وتحلّیهم بمکارم الأخلاق ولتعالی الإنسانیة ورقیها ، ووضعت أشکال الطرق الراقیة لطلاّب الکمال ، وإلی جانب ذلک تقررت عقوبات تشریعیة صارمة تجاه المخالفین الذین تمت علیهم الحجة فی تربیة أنفسهم وتهذیب أخلاقهم .
 (صفحه 107)

وبهذا ، لو فرضنا عدم اجتماع کامل الشروط ، والتی أهمها برأی الشیعة الاثنی عشریة الصائب هو وجود بشر کاملین علی قمة إدارة المجتمع ممن له دور أکید وفاعل فی تربیة المجتمع ، فإن احتمال التردد فی تنفیذ العقوبات الشرعیة سیکون أمراً جاداً » ( (21) ) .

ثم یتناول نماذج تاریخیة من إقامة الحدود أجراها أمیر الموءمنین علیه‏السلام ، وکیف تعامل الإمام علیه‏السلام مع المخاطبین والمجرمین ؛ واضعاً نفسه فی ظل الظروف الثقافیة والاجتماعیة والإیمانیة لعصر النص ، لیمیل من خلال تأمل الظروف الخاصة بالعصر الراهن إلی القول بتعطیل الحدود فی زمن الغیبة معتقداً وجود ما یبرر ذلک اجتماعیاً .

ومن وجهة نظر معرفیة ، نجد أن المبادئ التی یعتمدها هذا الاتجاه فیها مجال للتأمل ، بغض النظر عن النتائج الفقهیة الحاصلة . فعلی الرغم من أن هذا التیار هو من داخل الدین تماماً ، ویستند إلی سنة التفقه عن طریق علم وقواعد الدلالة ، فهو یتخذ طریقاً نفسیاً وراء اللغة فی تفسیر النص ، ویعید استکشاف خصوصیات صاحب النص وطبیعة موقفه من المخاطبین ، وبشکل عام فانّه یعید استکشاف الحالة التاریخیة والاجتماعیة والثقافیة للعصر الذی ظهر فیه النص . وهذا أمر ـ بغض النظر عما یواجهه من نقد ـ یتمتع بإیجابیات أسلوب التفسیر الرومانطیقی الذی یعتبره « شلایر ماخر » من مستلزمات تفسیر النص إلی جانب التفسیر النحوی واللغوی ، کما أنه فی الفقه الشیعی غالباً ما تستند فتاوی الفقهاء ـ ولا سیما فی الفقه الجزائی ـ إلی هذا النوع من تعاطی الشارع مع مخاطبیه عند إقامة الأحکام الجزائیة باعتبارها فعلاً للمعصوم وسنة عملیة .

ویظهر أنه قد تم الإعراض عن بعض الحالات أیضاً باعتبارها حالات واحدة ومنفردة .
 (صفحه 108)

فإذا اعتبرنا کل عنوان من أبواب الجامع الروائی فی وسائل الشیعة رأیاً فقهیاً للشیخ الحرّ العاملی ، فسنجد أنّ من حالاته التی تدعو إلی التأمل هو تمسّکه بخبر أبی إسحاق الخفاف عن الیعقوبی عن أبیه فی الحکم بکراهة اجتماع الناس عند إقامة الحد . فقد جاء فی هذا الخبر : « اُتی أمیر الموءمنین علیه‏السلام وهو بالبصرة برجل یقام علیه الحد ، قال : فأقبل جماعة من الناس فقال أمیر الموءمنین علیه‏السلام : یا قنبر انظر ما هذه الجماعة ؟ قال رجل یقام علیه الحد ، قال : فلما قربوا ونظر فی وجوههم قال : لا مرحباً بوجوه لا تُری إلا فی کل سوء ، هوءلاء فضول الرجال أمطهم عنی یا قنبر » ( (22) ) .

فی ضوء هذا الخبر ، نجد أنه عندما جیئ بشخص إلی أمیر الموءمنین علیه‏السلام لإقامة الحد علیه ، تدافع قوم للتفرج علی إقامة الحد ، فتساءل أمیر الموءمنین عن سبب ذلک فأجاب قنبر بأنهم جاءوا یتفرجون علی إقامة الحد ، فنظر أمیر الموءمنین باشمئزاز إلیهم وأعرب بقوله : « لا مرحباً بوجوه لا تُری إلا فی کل سوء . . . » عن امتعاضه من أناس لا یُرون إلا فی موارد السوء ، ثم طلب من قنبر إبعادهم عنه .

وکما یُلاحظ ، فإن هذا الخبر هو مجرد روایة لنوع من التعاطی القائم علی ملاحظات نفسیة من قبل الشارع تجاه مخاطبیه .

أضف إلی ذلک ، لو صرفنا النظر عن مشکلات السند ، فإن نص الخبر یتعارض مع دلالة الآیة : « ولیشهد عذابهما طائفة من الموءمنین » ( (23) ) ، وأما الجمع بین الخبر والآیة بالحکم بکراهة الحضور عند إقامة الحد فهو بعید جداً بالنظر إلی اللهجة غیر التسامحیة للآیة . وإذا کان العلاّمة وغیره قد حملها علی الوجوب بالنظر إلی ظاهر الآیة ، فلو تساهلنا فی قبولنا رأی الشیخ الطوسی فی المبسوط بحملها علی الاستحباب ، فإن حملها علی الکراهة نظراً للخبر المذکور هو موضع تأمل للغایة من الناحیة الاُصولیة ؛ إلا أن نأخذ بنظر الاعتبار
 (صفحه 109)

صحیحة محمد بن خالد ومرسلة ابن أبی عمیر وخبر الأصبغ بن نباتة ( (24) ) وغیرها .

ولنقل إن المراد من الأفراد الذین توجهت إلیهم الکراهة المذکورة هم من علیه حد إلهی بسبب ارتکابه لکبیرة مشابهة ( فی الجنس أو النوع ) .

ومع ذلک ، لم یغفل الفقهاء عن التمسک بأمثال هذا التعاطی التاریخی للشارع مع مخاطبیه ، والنابع من ملاحظات نفسیة خاصة لدی الشارع تجاه المخاطبین وتفهّم لظروف ومصالح المجتمع الإسلامی وما شابه ذلک .

یعکس التأمل الفقهی فی بحوث القدماء والمتأخرین ـ عدا کتب الفقه الروائی مثل « المقنع والهدایة » للشیخ الصدوق ـ عدم جمود الفقهاء فی یوم من الأیام علی اللفظ فی تفسیر النص والتفقّه فیه ، وأنهم لم یکونوا یتداولون أسلوب التفسیر الکلاسیکی الذی ظل إلی القرن الثامن عشر تقریباً الأسلوب المعروف فی تفسیر النصوص المقدسة فی أوربا .

ومن ناحیة اُخری ، قد عرف فقهاوءنا ـ علی مدی تاریخ الفقه تقریباً ـ ابتکارات « شلایر ماخر » فی القرن الثامن عشر وطریقته العامة فی التفسیر ، القائمة علی التأمل التاریخی والاجتماعی والثقافی فی ظروف عصر النص ، ومحاولة إدراک تعاطی الشارع مع المخاطبین ، إلی جانب أسلوب التفسیر النحوی القائم علی فقه اللغة وقواعد الدلالة ( المعروف فی تقلیدنا الفقهی بعلم الاُصول ) .

بل والملاحظ هو أن إعراض فقهائنا فی بعض الحالات عن النهج العملی والقضائی للشارع باعتباره قضیة واحدة منفردة نابعة عن ذلک الأسلوب التفسیری والفقهی الذی اتخذوه ، ولیس عن تأکیدهم الجمود علی اللفظ فی التفقه والفقه .
 (صفحه 110)

ولذلک نراهم یعرضون عن بعض هذه القضایا الواحدة المنفردة لأسباب ، من قبیل : عدم العمل بما تفرّد به الشارع وعدم الاطلاع علی الظروف الثقافیة والمصالح الاجتماعیة الخاصة التی دفعت إلی هذا النوع من تعامل الشارع مع مخاطبیه .

3 ـ وأما التیار الثالث ، فهو لا یعتقد بجواز إقامة الحدود والعقوبات الشرعیة للإمام علیه‏السلام فحسب ، بل وللفقیه الجامع للشرائط أیضا ، ولکن مع تخصیص بعض الأدلة ـ کعلم القاضی ـ بالإمام المعصوم علیه‏السلام ( (25) ) وکذلک صلاحیة الحاکم فی الامتناع عن إقامة الحدود فی حالات تشخیص ولی الأمر مع وجود مصلحة فی تعطیل الحدود ، مثل حالات التزاحم مع مفسدة أهم ، أو حالات عدم تحقّق الأهداف العقلانیة المرجوة من العقوبات ـ التی منها الحیلولة دون وقوع الجریمة وإصلاح المجرم ـ أو عدم تناسب الوسط الاجتماعی والثقافی مع إعمال العقوبات الشرعیة ، الأمر الذی ینطوی علی رسالات أخلاقیة وتربویة إلی جانب الأهداف المذکورة أعلاه ( (26) ) . کما أنها تخفف من المشاکل الناجمة عن تنفیذ العقوبات والانتقادات الموجّهة التی تنشأ ـ کما یبدو ـ عن عدم تطابق العقوبات مع الأهداف المبرمجة للسیاسة الجنائیة .

یقول صاحب هذا التیار فی معرض الحدیث عن التعطیل الموقت للعقوبات الإسلامیة :

« هل یستطیع حاکم الشرع أو ولی الأمر فی غیر الحالات التی مر ذکرها الامتناع عن إقامة الحد فی حال وجود مصلحة ، سواء أکان الحد من الحقوق الإلهیة أم من حقوق الناس ، أو أنه لابد من إقامة الحد علی أی حال ؟ یمکن القول بإمکان امتناع الحاکم عن إقامة الحد فی الحدود التی هی من حق الله أو الناس فی إحدی الحالات الثلاث التالیة :

1 ـ حالة التزاحم : وهی کلما وجد الحاکم فی إقامة الحد مفسدة وضرراً
 (صفحه 111)

لا یمکن أن یرضی بهما الشارع ، من قبیل إعراض الناس عن الدین نفسه وفتح ثغرة ضعف ووهن داخل الحکم وما إلی ذلک .

2 ـ أن توءدی إقامة الحد الشرعی إلی ضیاع الهدف المرجو منها ؛ فمما لا شک فیه أن الحدود الإلهیة هی روادع یُراد بها إصلاح المجرم وکفّه مع غیره عن مثل هذه الأعمال ؛ لکی یتدبّر عاقبة الجرم ، فلو فرضنا أن إقامة الحد ستوءدی إلی فساد المجرم وتباعده أکثر من السابق عن الدین ، الأمر الذی یدفعه بالتالی إلی الارتداد عن الإسلام والانخراط فی سلک الأعداء والمعارضین ، ففی مثل هذه الحالات یقال بامتلاک الحاکم صلاحیة المنع عن إقامة الحد أو إرجائه .

3 ـ فی حالات عدم إمکان إقامة الحدود أو صعوبتها ، وإنْ کانت تلک الصعوبة ناتجة عن حاجة الناس إلی تنفیذ هادئ وتدریجی للأحکام الإسلامیة فی المجتمع ، وعدم القدرة علی تحمل تنفیذ کل الأحکام مرة واحدة » ( (27) ) .

کما یقول فی خصوص عدم إمکان التمسک بإطلاق الآیات والروایات الجزائیة لإثبات حجیة علم القاضی فی إقامة الحدود والعقوبات الإسلامیة :

« شروط تنفیذ العقوبات وحق تنفیذها أو کیفیة إثبات الجرم علی المتهم ، هی من المسائل الواقعة خارج نطاق دلالة تلک الآیات والروایات ؛ ولذلک لا یمکن الاستناد إلی إطلاق تلک الأدلة لإلغاء کل شروط تنفیذ الأحکام ، کشرط البیّنة أو القسم فی إثبات تلک الجرائم » ( (28) ) .

إن الدلالة المطابقیة لهذا الاتجاه من ناحیة ، وتحدید أدلة إثبات الجرائم من ناحیة اُخری ، والتعطیل الموقت للعقوبات الشرعیة علی أساس مصالح ، أفرزتها التطورات الاجتماعیة والثقافیة الحاصلة فی صمیم المجتمعات الإسلامیة ، وکذا الدلالة الالتزامیة للاتجاهین الأخیرین ، یعتبر شکلاً من أشکال
 (صفحه 112)

التراجع العلمی قبال الناقدین الغربیین .

ومن حیث الأسلوب المعرفی ، فإن التیار الثالث یشارک التیار الثانی فی میزاته العلمیة ، إلی جانب أنه یرکز ـ وبکثافة أکبر ـ فی دراساته الفقهیة علی الترتیب المنطقی للتقدم والتأخر التاریخی للنصوص ؛ حیث یعدّ ذلک من مزایا المتابعة الفقهیة والعمق الفکری عند صاحب هذا التیار .

والأمر الذی یدعو إلی الترکیز علی ذلک فی الدراسات والتعالیم الفقهیة لصاحب هذا التیار ، هو تأثیره فی تحقیق فهم فقهی معقول وانسجام النتائج الحاصلة من الناحیة العلمیة .

فکأنّ النص هو فی حوار مستمر مع المخاطبین علی مدی سنن التاریخ المختلفة . وقد تناول الفقهاء الفاصلة الزمنیة التی تدّعی الهرمونوطیقیا الرومانطیقیة لـ « شلایر ماخر » معالجتها من خلال إعادة بناء ذهنیة صاحب النص والمخاطبین ، والتأمل النفسی والثقافی والتاریخی فی عصر صدور النص وما إلی ذلک ، فی حین تقتصر الهرمونوطیقیا الفلسفیة لـ « جادامر » علی محاولة تقریب الآفاق التاریخیة للنص والمخاطبین ، وحیث أن الأفق المعنوی للمخاطب مقیّد بخلفیاته التاریخیة ، فإنها لا توءمن بإمکان فهم کامل للنص ، باعتبار أن هذا التقلید الفلسفی یری النص وکأنه بناء قدیم صامت متأثّر من مسافة بعیدة عازلة عن المخاطبین ، ولمّا کان المخاطب مقیداً بالخلفیات التاریخیة الخاصة به فهو غیر قادر علی التوصل إلی فهم للنص خالص وغیر مشوب .

فی التقلید الفقهی ، النص هو تمثیلات إیحائیة لصاحبه ، فإذا أُلقی إلی المخاطب صارت له حیاة مستقلة عن الذهنیة الإلهیة الفریدة لصاحبه هذا ، وهذه الحیاة تقوم ـ فی الوقت ذاته ـ فی ذهن هذا الإنسان أو ذلک من الفقهاء والمخاطبین .
 (صفحه 113)

ولذلک فإن تقیید فهم المخاطب والفقیه بالخلفیات التاریخیة الخاصة لا یوءدی إلی عدم الفهم ما دام النص بإمکانه أن یحکی عن نفسه من خلال تعالیم الفقه . ففی التقلید الفقهی ، لا یکون النص صامتاً متأثراً ، بل هو فی حوار مستمر مع المخاطبین ، والمخاطب والفقیه إنما یتسنی له فهم النص إذا ما أصغی إلی هذا الحوار التاریخی للنص فی سنن مختلفة ، وهذا هو السر فی إصرار الفقیه علی فهم آخِر وأکمل الحوارات التاریخیة للنص عن طریق بحوث واجتهادات الفقهاء ، علی الرغم من أنه لا یوءمن بآراء فقهاء من أمثال الشیخ الطوسی والمحقق والعلاّمة وصاحب الجواهر والشیخ الأنصاری وغیرهم . فکأنه لا یستطیع تناسی ضرورة الرجوع المستقل إلی النص من الکتاب والسنة باعتبارهما مصدرا للتشریع ومرجعا أولیّا لاستخراج الأجوبة المناسبة الحدیثة عن التساوءلات والقضایا التی أفرزتها السنة التاریخیة الخاصة بها ، موءمناً بأن تناوب النص فی أذهان المخاطبین لا یوءدی إلی تحوّل حقیقته فی تعالیم الفقه ، وأنه یحتفظ بهویته المستقلة لحوارات جدیدة فی سنن تاریخیة مختلفة .

وهذا الأمر هو ما یلتزم به بقوة صاحب التیار الثالث ، وینبئ علی أساسه عن التطورات القادمة ولا سیما فی أدلة إثبات الدعوی وأسالیب المحاکمة فی ضوء تعاطی فاعل مع النص وتعالیم الفقه ، وهذا ما امتاز به المتضلّعون فی الفقه والاُصول بین القدماء والمتأخرین ، کابن الجنید وابن أبی عقیل فی الفقه ، والشیخ الطوسی فی الفقه والاُصول ، والوحید البهبهانی فی الأصول والشیخ الأنصاری فی الفقه والأصول . إلا أن المیزة الإضافیة لصاحب التیار الثالث والتی نتوصل إلیها من خلال المقاربة المعرفیة لهذا التیار ، هی أن صاحبه الموقر یوحی فی بحوثه بأن لا تعتری الفقیه والمخاطب عند فهم النص عن طریق تعالیم الفقه طفرة تراجعیة قهقرائیة واضحة ، وألا یغفل عن المسار المنطقی لتبلور الحوارات التاریخیة للنص .
 (صفحه 114)

فکما یلزم رعایة ترتیب طبقات الرجال عند دراسة سند معیّن فی النصوص الروائیة ، وأن الإخلال بذلک ـ علی الرغم من وثاقة الرواة وعدالتهم ـ یوءدی إلی عدم الاعتماد علی النص ، کذلک التأمل فی النصوص وتعالیم الفقه باعتبارها حوارات متناسقة منطقیة للنص یستلزم رعایة هذا الترتیب الطبقی .

فهل تُوصلنا المتابعة الفقهیة ـ وإنْ کانت دقیقة وعمیقة ـ إلی استخراج إجابات فقهیة سلیمة إذا استندنا أولاً إلی کلام صاحب الجواهر الذی هو من الطبقة الثالثة والثلاثین من الفقهاء ، ثم تناولنا آراء العلاّمة وهو من فقهاء الطبقة الثامنة عشرة ، ثم تابعنا آراء الشیخ الطوسی فی الطبقة الثانیة عشرة من الفقهاء والمحدثین ، وبعد ذلک قفزنا تاریخیاً إلی آراء صاحب البلغة ، فقیه الطبقة السادسة والثلاثین وهکذا ؟

فهل هذا لیس إلا تحویلاً للحوارات المنطقیة للنص إلی أصوات غیر مفهومة لا یمکن استیعابها ؟

هذا الأمر هو الذی لا یجری التأکید علیه الیوم فی التأملات الفقهیة ، ویسعی صاحب التیار الثالث إلی اجتنابه ، محاولاً استخراج النسب التاریخی للحکم .

أضف إلی ذلک أن معرفة الظروف والسنن التاریخیة المختلفة باعتبارها خلفیات لظهور حوارات النص وتعالیم الفقه ، ستعین المخاطب والفقیه علی إدراک رسالته تجاه تضاریس الزمان فی المجتمع ، ومعرفة تساوءلاته وشوءونه الخاصة والمطالب المنطقیة المعقولة المرجوة من النص .

فلا یمکن الوقوف علی سبب رقی واتساع تعالیم الفقه عند الشیخ المفید ـ وهو من الطبقة الحادیة عشرة من العلماء والفقهاء ـ مقارنةً بالفقه الروائی عند الشیخ الصدوق وغیره من دون معرفة الظروف الخاصة التی فرضها الانفتاح
 (صفحه 115)

الحاصل عن اعتناق آل بویه للتشیع ، والذی مهّد لأرضیات الرقی الفقهی والکلامی لهذا الفقیه الکبیر .

وهذا ما دفع بالشیخ الطوسی ـ الفقیه الذی عرف کیف یغتنم الفرص ـ إلی توسیع فرید للفقه الشیعی ، ومواجهته للفقه السنی وإجابته عن الاتهامات التاریخیة ، والإصرار القائم علی نزعة القیاس والاستحسان المتظاهر بالتجدد عن أهل السنة ، الذی أدی إلی تفریع الفروع وتوسیع الفقه السنی .

کما أنه وسّع مصادر التشریع الشیعی من خلال تأکید حجیة خبر الواحد ، وعلّم الفقهاء الشیعة جرأة وقدرة علی تفریع فروع أکثر وقد کانوا ـ لشدة تعبدهم بالسنة ـ لا یأخذون فی الغالب إلا بالخبر المتواتر ، وبالتالی استطاع البلوغ برسالته إلی النهایة بإخراجه المبسوط فی قبال مبسوط السرخسی والخلاف ( فی الفقه المقارن ) .

وهکذا بإلقاء نظرة علی ظهور السلاجقة بهدف إحیاء سلطة الحکم المرکزی ، الآخذة بالاضمحلال آنذاک من بعد الإحساس بخطر الهیمنة القریبة للفقه الإمامی لقوة آل بویه التی لم یسبق لها نظیر من ناحیة ، والفاطمیین والحمدانیین من ناحیة أخری ، سیعین علی إدراک عوامل السبات العلمی من بعد الشیخ وثبات عصر المقلدة .

وکذا ظهور التعالیم الفقهیة للمحقق والسید ابن طاووس وغیرهما ، ولا سیما أفکار العلاّمة المنظمة فی الحکم وتعالیمه المتسقة ، إلی جانب اطلاعه علی سنته التاریخیة الخاصة الناتجة عن المیولات الشیعیة للمغول ـ وخاصةً محمد خدابنده ـ کل ذلک سیعین الفقیه والمخاطب علی إدراک السنة التاریخیة الخاصة به والرسالة المترتبة علی هذه السنة للإجابة عن التساوءلات والعلاقات الخاصة بالمجتمع الحدیث .
 (صفحه 116)

وأخیراً فإن تأمل الآراء الفقهیة لعلماء وفقهاء من الطبقة السابعة والعشرین والثامنة والعشرین والتاسعة والعشرین ، کصاحب المعالم وصاحب المدارک والشیخ البهائی والمولی محمد تقی المجلسی والملا محمد باقر المجلسی ، مع ملاحظة الخلفیات الخاصة الناتجة عن سیادة أول حکومة شیعیة ، تبرّر لنا توقعات معقولة من الإبداع الفقهی ، ولا سیما فی الفقه الجزائی ( (29) ) .

هذا ما یوءکده بقوة صاحب التیار الثالث ، ویصرّ علی ضرورته فی أحادیثه إلی جانب ما فی موءلّفاته ( (30) ) .

إلا أننا نجد خللاً ملموساً فی المعرفة الفقهیة من الجانب المعرفی لهذا التیار الفقهی الجزائی ، وذاک هو الفراغ الموجود فی دراسة النصوص الفقهیة السنیة ، والتی نجد ضرورة منطقیة معقولة لها لسببین :

الأول : تبلوّر النصوص الروائیة الشیعیة فی داخل السنة التاریخیة الثقافیة السیاسیة الخاصة لمجتمع عصر الصدور ، والتی کانت محکومة لفقه أهل السنة ، ولا سیما فی الشوءون السیاسیة والجزائیة ، وغالباً ما کانت هذه النصوص ـ خاصةً فی القضایا الجزائیة ـ فی تضارب أو تعاطی سلبی مع الفقه السنی .

ویظهر نموذج تضارب النصوص الروائیة الجزائیة مع فقه أهل السنة فی أخبار وروایات القسامة . فطبیعة دلالة الروایات وتأکیدها لکون القسامة ( التی تعتبر من الأحکام الإمضائیة بحسب الرأی المشهور ) حکماً تأسیسیاً من خلال عبارة : « إن الله حکم فی دمائکم بغیر ما حکم فی أموالکم ، حکم فی أموالکم أن البینة . . . علی المدعی والیمین علی من أنکر ، وحکم فی دمائکم أن البیّنة علی من ادّعی علیه والیمین علی من ادّعی » ( (31) ) .

فی صحیحة أبی بصیر ، وتبریر الحکم وتعلیله فی صحیحة عبد الله بن
 (صفحه 117)

سنان بعبارة « . . .أما إنه حق ، ولولا ذلک لقتل الناس بعضهم بعضاً . . . وإنّما القسامة حوط یحاط به الناس » ( (32) ) أو فی ممدوحةٍ أو مرسلة أخری عن زرارة بعبارة : « إنما جعلت القسامة لیغلظ بها فی الرجل المعروف بالشر المتهم » ( (33) ) ، هو نوع من التضارب الشدید ( أثناء الفرصة التاریخیة الحاصلة من ضعف السلطة الأمویة ، وعدم استحکام السلطة العباسیة ) ، مع أسالیب الهیئة الاستشاریة العامة للأمویین عند عمر بن عبد العزیز .

یقول أبو قلابة وضع عمر بن عبد العزیز فی أحد مجالسه الرسمیة القسامة ـ باعتبارها أحد أدلة إثبات الدعوی ـ فی معرض الاستشارة العامة ، وعندما وصل الدور إلیه ( أبی قلابة ) استطاع هو بأسلوبه القیاسی إقناع عمر ابن عبد العزیز بعدم کفایة وجدوی المحاکمة عن طریق القسامة ؛ فکتب بعد ذلک إلی القضاة أنه إذا شهد شاهدان عادلان علی القتل جری القصاص وأما مع خمسین قسماً فلا ( (34) ) .

وطبیعی أن هذا التضارب لیس بمعنی الاعتراض علی الدیمقراطیة ، بل هو صراع سقراطی مع نزعة التأثر بالعوام التی کانت تضع ـ لشدة إدمانها علی الاستشارة ـ تنفیذ عقوبة القتل والإعدام وغیرها أمام هیئة استشاریة عامة من الفلاحین والتجار وغیرهم ، ویشاء القدر أن یکون قرار العوام قتل سقراط هو الرد علی خطاباته الثوریة المناوئة لهذا الانصیاع الصاخب للعوام . تلک الخطابات التی کانت ضد حالة الانصیاع للعوام فی الوقت الذی لم یکن فیها أثر للدفاع عن حزب الأقلیة الحاکمة أو الطبقة الأرستقراطیة المثقفة ( (35) ) .

فهل یمکن ـ إذن ـ التغاضی عن الخلفیات التاریخیة لظهور النصوص الروائیة ، ولا سیما النصوص الجزائیة ، وخوض غمار البحث الفقهی بالتأمل التجریدی فی النصوص أعلاه والتفحّص فی المضمون التأسیسی للتعابیر المذکورة حول مدی الأخذ بالقسامة وأبعادها للحکم بأن القسامة حکم
 (صفحه 118)

تأسیسی ؟ أو أن الأمر هو کما فعل صاحب الجواهر مع خبر أبی بصیر الذی یقول : « سألت أبا عبد الله علیه‏السلام عن القسامة ، أین کان بدوءها ؟ فقال : کان من قبل رسول الله صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم » ( (36) ) ، حیث توقف عند عبارة ( من قبل ) التی یمکن قراءتها بالفتح والکسر متردداً فی کون القسامة حکماً تأسیسیاً أو إمضائیاً ( (37) ) .

ثانیاً : تعامل المعصوم علیه‏السلام سلباً وتقیةً تجاه الفقه السنی الحاکم فی أخبار وروایات کثیرة . وهذا ما یتفق علیه الفقهاء ، المتقدمون منهم والمتأخرون . إلا أن تحدید مفردات هذا التعامل السلبی وروایات التقیة یعتمد إلی حد کبیر جداً علی استیعاب الفقه السنی ، والاطلاع علی الخلفیات التاریخیة لعصر النص . وصاحب التیار الثالث لا یتعامل مع الفقه السنی لأسباب لا نعرفها علی الرغم من وقوفه فقهیاً علی أبعاد هذا الأمر .

والنتیجة التی نخرج بها من البحث المعرفی لتیارات الفقه الجزائی التی مرت ، ولا سیما التیار الثالث ، هی کما یلی :

1 ـ تأکید سنة التفقه عن طریق علم الاُصول وقواعد الدلالة .

2 ـ ضرورة تأمل تعالیم الفقه باعتبارها حوارات تاریخیة للنص مع ملاحظة التقدّم والتأخّر فی عملیة تبلور هذه الحوارات .

3 ـ ضرورة الاطلاع علی السنن التاریخیة المختلفة التی عاشها النص من عصر الصدور ، ثم مع تعالیم الفقهاء علی شکل تفاسیر دینیة ، وکذا التفسیر النفسی لحالات تفرّد صاحب النص وتعامله مع المخاطبین .

4 ـ خروج التیار الأول تلقائیاً ؛ حیث اعتمد فی تفسیر النصوص المبحوثة علی نظریة المعرفة الحدیثة والهرمونوطیقا الفلسفیة فحسب .

وأخیراً نشیر إلی أننا سنتناول هذین التیارین فی أثناء معالجتنا للمشکلات
 (صفحه 119)

الفقهیة من بعد البحوث المعرفیة والدخول فی الموضوعات الفقهیة الصرفة لاستخراج النسبة بین الفقه الجزائی والسیاسة الجنائیة .
الآثار العلمیة والعملیة للاتجاهات ونقدها :

لا تنتهی ردود الفعل عند هذه الاتجاهات العلمیة من داخل الدین ، بل إن موضوعات وتعالیم الفقه الجزائی الحدیث ( بغض النظر عن التیار الأول ) ولا سیما فی التیار الثالث ، قد فتحت آفاقاً عملیة جدیدة إلی جانب تأثیرها فی الدراسات الفقهیة والحقوقیة ، سواء فی المنهجة أو فی المحتوی العلمی ، وهی تحکی عن بدایة عهد جدید من نظامنا الجزائی وتنبئ عن تغییرات جوهریة فی التشریع والقضاء ، ولکن ما هو اتجاه هذه التغییرات ؟ بالنسبة إلینا ، لا نجد فرقاً بین کونها ستوءول إلی إصلاحات أساسیة فی القوانین الجزائیة وتثبیت أصل الأحکام المتعلقة بالحدود والقصاص والدیات ، أو أنها ستوءدی إلی تغییرات فی ماهیة القوانین ونظام المحاکمات الجزائیة .

المهم هو أن یواجه فقهاوءنا هذا السوءال ( ما هی النسبة بین الفقه الجزائی والسیاسة الجنائیة العقلانیة تجاه الجریمة ؟ ) .

ولا بد من العلم هنا أن الاعتقاد بتباین هذه النسبة هو منشأ کل الانتقادات من خارج الدین ، وأن اتجاهاتنا العلمیة ومحاولتنا إصلاح القوانین الجزائیة إذا تمت من دون مواجهة هذا السوءال ومن دون الحرص علی تکوین مشروع سیاسة جنائیة ترسم الخطوط العامة للإصلاحات والتطورات المستقبلیة ، فإنها لن تخفف من مشاکل الجهاز القضائی ، ولا من الموءاخذات علی نظام العقوبات ولا ـ بالتالی ـ من الانتقادات .

وعند تناولنا هذا السوءال سیتضح لنا ما هو المصدر الذی یجب أن نستلهمه لاتخاذ سیاسة جنائیة منهجیة فاعلة توجیهیة .
 (صفحه 120)

فإذا أردنا رفض الآخر بطریقة غیر علمیة لتثبیت أنفسنا وبطریقة غیر اُصولیة عن طریق التعصب والمفروضات والأحکام الفقهیة والکلامیة المسبقة ، ومن دون دراسة متأملة حدیثة وشاملة فی النصوص الدینیة والفقهیة ، ودراسات مقارنة فی السیاسة الجنائیة للغرب فی القرنین الماضیین ؛ فإننا بذلک لن نقلل من مشاکلنا فحسب ، بل وسنبتعد عن السنة الفقهیة لأسلافنا ، کالشیخ الأنصاری الذی کان قبل الأخذ بتوضیح روءاه الفقهیة فی مسألة من المسائل ، یعالج أولاً الأفکار المخالفة ویحاول تبریرها بالمنطق والدلیل ؛ لیقوم بردها علمیاً ، فیزید بذلک من متانة نظریاته الفقهیة .

ولعلنا نحن أیضاً قد اقتفینا أثر الناقدین التقلیدیین منا وانتهینا ـ من الناحیة العملیة ـ إلی الاعتقاد بتباین النسبة بین الفقه الجزائی والسیاسة الجنائیة ، وإن عدم مواجهة هذا السوءال هو فی الحقیقة تناسی تاریخی مصلحی ، وإغفال نشأ عن أن الشعور بالحاجة إلی سیاسة جنائیة ذات موقف عقلائی ستعلّم رجال القانون والقضاة لدینا طریقة تعامل الإنسان مع المجرم فی الأبعاد التشریعیة والقضائیة ، تعاملاً ینتهی إلی ضمان الحقوق والحریات الشخصیة للمجرم ، والدفاع عن الکرامة الإلهیة والأخلاقیة ، وتفتّح القیم الإنسانیة بخطاب ذی نزعة إنسانیة فی نظام العقوبات ، فی الوقت الذی یدافع فیه عن المجتمع ، کما أنه یوحی بفکرة رفع العقوبات فی التشریع والقضاء .

هذا إلی جانب ما یوحیه انتساب هذه المفاهیم والأصول المنهجیة إلی التعالیم الحقوقیة لرجال السیاسة الجنائیة فی الغرب ، ولا سیما انتسابه فی العقود الأخیرة إلی مدرسة الحمایة الاجتماعیة الحدیثة ، وتعارض ذلک مع الجزم والیقین فی مفاهیم من قبیل : « لا تأخیر فی الحد » ( (38) ) و« لا کفالة فی حد » ( (39) ) و« لا یشفعنّ أحد فی حد » ( (40) ) والاعتماد علی علم القاضی
 (صفحه 121)

فی الآیة « ولا تأخذکم بهما رأفة » ( (41) ) .

إلی جانب وجود حالة من الإباء عن المواجهة العلمیة مع النصوص الجزائیة من ناحیة ، ومحاولة التهرب من هذا الجزم والیقین بأسالیب من قبیل تخصیص صلاحیة إقامة الحدود بالإمام علیه‏السلام أو التعطیل الموقت والمصلحی للعقوبات من ناحیة اُخری .

إلا أننا لا نصحح ذلک الأسلوب غیر المنضبط ولا نستسلم لهذا التناسی المصلحی ، بل سنواجه النصوص الدینیة والفقه الجزائی بتأمل وتناول جدید ، وسنعالج هذا السوءال بالدقة العلمیة التی هی المیراث التقلیدی والتاریخی لفقهائنا فی الجدل الفقهی العلمی ، ومهما تکن النتیجة التی سنصل إلیها فی هذه المواجهة العلمیة ، نعتقد أننا سنفتح ـ فی آخر المطاف ـ أبواباً جدیدة وآفاقاً حدیثة إلی الدراسات الفقهیة علی صعید الفقه الجزائی فننتزع بذلک رهبة مواجهة هذا السوءال عن غیرنا .

ویظهر لنا أن ذلک سیشکل بدایة جدیدة للفقه الجزائی ، ولکننا خلافاً لثوابت الهرمونوطیقا عند من ینتقد القراءة الرسمیة للدین ، سنعالج ذلک بأسلوب التفقه عن طریق علم الاُصول وقواعد الدلالة الذی یمثّل الأسلوب المرسوم عند الفقهاء فی تتبعاتهم الفقهیة .

وباعتبار أن البحث فی السیاسة الجنائیة یدور حول التعامل مع المجرم وملاحظة الکرامة الإنسانیة والدفاع عن حقوقه الشخصیة ، حیث تثار مسألة رفع العقوبة ولا سیما فی البعد القضائی ، فإن التفسیر النفسی للنص وملاحظة ما وراء اللغة ، ودراسة تعاطی صاحب النص مع المخاطبین من أجل الوقوف علی السلوک القضائی للشارع هی مسألة ضروریة ، کما لم یغفل التیار الثانی والثالث عن أهمیة ذلک .
 (صفحه 122)
النسبة بین الفقه الجزائی الإسلامی
والسیاسة الجنائیة
مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات :
منشأ هذا المبدأ فی المدارس الحقوقیة المختلفة :

علی الرغم من أن الشعور بالتشویش والغموض تجاه مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات کان علی مر التاریخ مشعل هدایة لمصلحین من أمثال « سولون » ( (42) ) ممن کان یشغله التفکیر بإصلاح الفوضی الحقوقیة والقضائیة وإقامة العدل ، إلا أنه منذ أن أخذ الإنسان بالتعقل والتفکیر الجاد فی الموقف تجاه الجریمة راح هذا المبدأ یتجسد فی وعیه کوسیلة لتحقیق هذا التعقل والتفکیر ، وبالفعل أصبح هذا المبدأ حقیقة فی القرن الثامن عشر بنشر رسالة الجرائم والعقوبات فی تعالیم « بکاریا » المستوحاة من أفکار سلفه « مونتیسکیو » ، ثم راح غیرهم ـ حتی الوضعیون ـ یتناولون هذا المبدأ فی بحوثهم وتعالیمهم فی مجال السیاسة الجنائیة بصورة مباشرة أو غیر مباشرة .

وتبعاً لهذه السنّة التاریخیة ، سننطلق نحن أیضاً من هذا المبدأ فی الإجابة عن سوءالنا الأول ، والکشف عن النسبة بین الفقه الجزائی والسیاسة الجنائیة .

ولکن قبل تناول الموضوعات الفقهیة الصرفة ، سندرس بإیجاز منشأ هذا المبدأ فی مختلف المدارس الحقوقیة ، والذی یمثل فی الوقت ذاته المنشأ العلمی للتطورات والتغییرات التاریخیة لهذا المبدأ خلال القرنین السابقین ، بالإضافة إلی ضرورة ذلک فی التأملات الفقهیة للإجابة عن سوءالنا المذکور .
 (صفحه 123)
مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات فی المدارس المختلفة :
أ ـ المدرسة الکلاسیکیة :

فی التقلید « البکاریائی » والمدرسة الکلاسیکیة ، ینشأ هذا المبدأ عن الأمرین التالیین :

1 ـ منع القضاة عن التسیب والتعسف فی إصدار العقوبات بحق المجرمین . یقول « مونتیسکیو » فی تأکید ضرورة وجود قانون : فی « لاسیدیمون » ، کان أحد عیوب هذه الجمهوریة هو أن قضاة إسبارطة کانوا یحکمون کما یحلو لهم بلا قوانین ترشدهم . . . فی الحکومات الاستبدادیة حیث لا یوجد قانون یکون تفکیر القاضی ومیوله هو القانون ( (43) ) .

ویقول « بکاریا » نفسه بهذا الصدد : « لا یمکن تحدید العقوبات المناسبة للجرائم إلا علی أساس القوانین ، وهذه الصلاحیة ینفرد بها المشرّع الذی هو ممثل مجتمع تکوّن علی أساس العقد الاجتماعی . لا یمکن للقاضی وهو أحد أعضاء المجتمع أن یقرر بعدالة مقدار وکیفیة عقاب عضو آخر فی المجتمع نفسه ؛ وعلی هذا لا یمکن لقاضٍ رفع عقوبة مواطن مجرم بدافع من حمیّته والمصلحة الاجتماعیة » ( (44) ) .

2 ـ ضرورة حمایة الأمن فی المجتمع ومنع الجریمة ، والاهتمام بالدور الرادع للعقوبات مع ملاحظة التناسب المنطقی بین الجریمة والعقاب .

وخلافاً لـ « جروسیوس » ( (45) ) الذی کان یفکر بجانب الاقتصاص من العقوبة ، وبعیداً عن « هوبز » ( (46) ) الذی کان یلاحظ مبدأ النفع فی تحدید درجة العقاب ، فإن « بکاریا » کان یوءمن بأن أحد موانع ارتکاب الجرم هو عدم إمکان التنصّل من الجزاء ( (47) ) ، وکان یقول فی موضع آخر : « إذا أدرک الناس إمکان العفو عن ذنوبهم وأن الجزاء لیس نتیجة حتمیة لأعمالهم ، فإن الرجاء الکاذب
 (صفحه 124)

للتخلص من العقاب سینمو فی کیانهم » ( (48) ) .

من هنا فإن حتمیة الجزاء هی أحد فروع مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات فی تعالیم « بکاریا » ، وإن واجب القاضی عنده لیس سوی إثبات جرم المتهم وتطبیق العقوبات المقررة وتنفیذها ، وأن أی شکل من أشکال التفسیر الموسّع الذی من شأنه تحسین وضع المجرم والإخلال بحتمیة المبدأ المذکور ، فهو ممنوع .

لذلک فإن تعالیمه تخلو من أفکار الفلاسفة من قبله ، کـ « فولتیر » ( (49) ) ، ممن کان یوحی للقضاة بالعفو والتغاضی وهو یدافع عن حقوق المتهم .

وأما « بنتام » فهو وإنْ کان یلاحظ مسألة حتمیة العقاب وسرعة تنفیذه ، إلاّ أنه کان یعتقد أن من المناسب منح القضاة شیئاً من الحریة فی العمل ، ولیس هذا بهدف تشدید العقوبة ، بل لتخفیفها فی حالات یُظن فیها أن خطر أو مسوءولیة فرد هی أقل من فرد آخر ( (50) ) .

وکما نلاحظ فإن آثار المیل والعدول عن مبدأ حتمیة العقاب التی هی من فروع مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات فی تعالیم « بکاریا » ، أخذت تظهر تدریجاً فی أفکار « بنتام » والمدرسة الکلاسیکیة .
ب ـ المدرسة الوضعیة :

أول من وضع أسس المدرسة الوضعیة فی أوربا هو « لومبروزو » الطبیب العسکری الإیطالی ومدیر مستشفی الأمراض العقلیة لأسری الحرب ، وأستاذ الطب الجنائی فی « تودین » الذی عکف علی دراسة الخصائص الجسمیة للمجرمین ، ولا سیما الترکیز علی فحص الکثیر من جماجم المجرمین ؛ حیث یعتقد بوجود مشترکات خاصة فی جماجمهم .

ثم جاء « أنریکوفری » رجل القانون وعالم الاجتماع الإیطالی الذی بدأ عمله
 (صفحه 125)

بدارسة الإحصائیات الجنائیة فی فرنسا ، فکانت حصیلة دراسات هذا الطبیب ورجل القانون هی ـ بالترتیب ـ إیجاد فرعی علم الإنسان الجنائی ، وعلم الاجتماع الجنائی .

ومن بعده قدّم « جاروفالو » أحد القضاة الإیطالیین دراساته فی کتاب باسم علم الجریمة استکمالاً لعمل « لومبروزو » و« أنریکوفری » ( (51) ) .

وهوءلاء یبحثون عن الموقف الاجتماعی من المجرم فی تدابیر تأمینیة وإجراءات وقائیة ، ویعارضون مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات الذی تتعارض قطعیته ـ بنظرهم ـ مع حریة القضاة فی اتخاذ القرار اللازم فی الحالات الخطرة ، وهم یقترحون منح القضاة صلاحیات أکبر لمکافحة الحالات الإجرامیة الخطرة الکامنة ، ویعتقدون أن المکافحة یجب أن تأخذ شکل العامل الوقائی . أی أن العقاب هو حالة خطرة ساذجة وسلوک مولّد للجریمة قد یحّمل المجتمع الخسائر ، کما أنه لیس من غیر المعقول أن نعتبره عملاً إجرامیاً علی أی حال .

وهم یعترضون حتی علی المبدأ الکلاسیکی للتناسب الکمی بین الجریمة والعقاب . فهم یرون أن الإجراءات الوقائیة یجب ألاّ تکون لفترة محددة ؛ لأن مدة العمل بهذه الإجراءات لا تنتهی إلا مع توقف حالة الخطر ( (52) ) .

وبالتالی فإن أنصار هذه المدرسة یعارضون مبدئیاً استخدام مفردات من قبیل الجزاء والعقاب التی تعکس ذهنیة الاقتصاص والعقوبة ، ویستخدمون مفاهیم منهجیة کالتدابیر التأمینیة والإجراءات الوقائیة وما إلی ذلک .

ولأنه لا وجود لمسألة الاقتصاص والعقوبة فی الموقف الاجتماعی تجاه الجریمة بحسب رأیهم ، فلا وجود لمبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات القائم علی هذه المفاهیم .
 (صفحه 126)
ج ـ مدارس الحمایة الاجتماعیة :

فی مدارس الحمایة الاجتماعیة ، ولا سیما مدرسة الحمایة الاجتماعیة الحدیثة ، یعتبر منشأ مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات هو الأمر الأول فحسب ؛ ولذلک فهم لا یستطیعون تحمّل اتجاه الوضعیین حول صلاحیات القضاة فی منع الحالات الخطرة للمجرمین المحتملین والتدابیر التأمینیة فی هذا المجال . کما أنهم یرفضون حتمیة العقوبات باعتبارها وسیلة تأمین الحمایة الاجتماعیة والوقایة من الجریمة .

وبرأیهم ، یلزم التوجه إلی شخصیة المجرم من أجل إعادة بنائه اجتماعیاً إلی جانب الحمایة الاجتماعیة ( (53) ) .

وعلی هذا ، إذا أخذنا شخصیة المجرم بنظر الاعتبار ، فإن الإجراءات المحتمل تنفیذها بحقه یجب أن تتخذ أشکالاً متنوعة لکی تسمح للقاضی باختیار أفضلها فی کل حالة من الحالات ( مبدأ فردیّة العقوبات ) ، حتی أنه من اللازم متابعة شخصیة المجرم علی مدی مراحل التحقیق ( تقطیع المحاکمة الجزائیة ) . وهذا ما یستدعی التعاون مع متخصصین آخرین فی الشوءون الطبیة والنفسیة والطب النفسی وعلم الاجتماع وغیرها . ولذلک ، فإن الحقوق الجزائیة ـ فی تعالیمهم ـ لیست الوسیلة الوحیدة ، ولا أفضل الوسائل لمکافحة الجریمة ( رفع العقوبة ) ، وبالتالی فإن مختلف أشکال مکافحة الجریمة فی مدرسة الحمایة الاجتماعیة الحدیثة هی من أسالیب الموقف العقلانی تجاه الجرم . ولکن « مارک أنسل » یمیل بالطبع إلی رفع العقوبة أکثر من میله إلی رفع الجریمة بالمعنی الدقیق لهذه الکلمة ( (54) ) .

من هنا فإن مدارس الحمایة الاجتماعیة ولا سیما الحمایة الاجتماعیة الحدیثة تلتزم مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات بمنشئه الأولی ، وتوءکد ضرورة هذا المبدأ ، ولکنها فی الوقت ذاته لا تبحث عن حلول الحمایة الاجتماعیة فی
 (صفحه 127)

ضمان تنفیذ العقوبات وتدخّل المراجع القضائیة ، بل فی حرکة واسعة لرفع العقوبة تتخذ شکل السیاسة الجنائیة الحدیثة التی ترفع حکم الإعدام ، وتمیل إلی رفع أو تحدید العقوبات التی تسلب الحریة وتفکّر ببدیل مناسب لها .

ومن ناحیة اُخری ، فإنها تدافع عن فردیّة العقوبات راغبةً فی دور أکبر وصلاحیات أوسع للقضاة من أجل التکییف الکمی والکیفی للمواقف الاجتماعیة من شخصیة المجرم . من هنا نجد فی السیاسة الجنائیة الحدیثة أن مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات یأخذ ـ وهو یحافظ علی منشئه الأولی ـ منحی خاصاً باتجاه رفع العقوبة وفردیّة العقوبات فی سبیل حمایة الکرامة الإنسانیة لشخصیة المجرم وإعادة بنائه اجتماعیاً ، وفی المقابل نجد مسألة حتمیة العقاب المتفرعة عن المنشأ الثانی من مبدأ قانونیة الجرائم والعقوبات فی التقلید البکاریائی ، هی فی طریقها إلی الخروج عن القبول العلمی .

 (صفحه 128)
الهوامش

______________________________

( 1 )1775 - 1833 Fouerbach Anseimvon .

( 2 )السیاسة الجنائیة ، کریستین لازرج ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور علی حسین نجفی .

( 3 )1794-1737 Bccaria Cesare .

( 4 )أنسل ، الحمایة الاجتماعیة : 33 ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور محمد آشوری والدکتور نجفی ابرندآبادی .

( 5 )رسالة الجرائم والعقوبات ، زار بکاریا ، ترجمها إلی الفارسیة الدکتور محمد علی أردبیلی .

( 6 )1832-1748 Bentham Germy .

( 7 )breso Lom .

( 8 )1920-1850 Ferri .

( 9 )1852 ـ 1934 Falo Garo .

( 10 )رسالة الحمایة الاجتماعیة ، مارک أنسل Ancel Mark ، ترجمها إلی الفارسیة الدکتور آشوری والدکتور نجفی .

( 11 )سنبحث بالتفصیل تعالیم هذه الشخصیات فی الحقوق الجزائیة وعلم الإجرام تحت موضوعات ثلاثة : المدرسة الکلاسیکیة ، والوضعیة ، ومدارس الحمایة الاجتماعیة ) .

( 12 )آداب الصلاة .

( 13 )جان برادل ، تاریخ الفکر الجزائی : 25 ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور نجفی .

( 14 )جورج دل وکیف ، فلسفة الحقوق ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور علی واحدی .

( 15 )روسو ، العقد الاجتماعی : 44 ، ترجمه إلی الفارسیة منوتشهر کیا .

( 16 )مارک أنسل ، الحمایة الاجتماعیة : 45 ، ترجمها إلی الفارسیة الدکتور آشوری والدکتور علی حسین نجفی .
 (صفحه 129)

( 17 )المصدر السابق : 21 .

( 18 )اصطلاح استخدمه آیة الله الشهید الصدر قدس‏سره یُراد به الموضوعات التی لیس للشارع فیها حکم سلباً أو إیجاباً .

( 19 )نقد القراءة الرسمیة للدین ، مجتهد شبستری : 169 و 170 ، ( بالفارسیة ) .

( 20 )المصدر السابق .

( 21 )الدکتور مصطفی محقق ، مقالة الحدود فی عصرنا ، مجلة الأبحاث الحقوقیة (بالفارسیة) .

( 22 )وسائل الشیعة 18 : 334 ، باب 22 من أبواب مقدمات الحدود ، ح 1 .

( 23 )النور : 2 .

( 24 )وسائل الشیعة 18 : 242 ، باب 31 من أبواب مقدمات الحدود ، ح 1 ، 2 ، 4 .

( 25 )آیة الله السید محمود الهاشمی ، مقالة علم القاضی ، کتاب مستلزمات الفقه الجزائی : 7 ، ( بالفارسیة ) .

( 26 )آیة الله السید محمود الهاشمی ، مقالة دراسة صلاحیة ولی الأمر فی العفو عن العقوبات ، کتاب مستلزمات الفقه الجزائی : 181 ، ( بالفارسیة ) .

( 27 )المصدر السابق : 203 .

( 28 )المصدر السابق : 13 .

( 29 )تاریخ الشیعة ، الأزهر فی ألف عام ، الشیعة والتشیع ، تاریخ ابن الأثیر وغیرها .

( 30 )کلمة آیة الله الهاشمی الشاهرودی فی تجمع أساتذة وطلاب معهد الشهید المطهری .

( 31 )وسائل الشیعة 19 : 15 ، باب 9 من أبواب دعوی القتل ، ح 4 .

( 32 )المصدر السابق : 116 ، ح 8 .

( 33 )المصدر السابق : ح 7 .

( 34 )بدایة المجتهد ونهایة المقتصد 6 : 97 .

( 35 )ویل دیورانت ، تاریخ الفلسفة الغربیة .

( 36 )وسائل الشیعة 19 : 118 ، باب 10 من أبواب دعوی القتل وما یثبت به ، ح 5 .

( 37 )جواهر الکلام 42 : 226 .
 (صفحه 130)

( 38 )وسائل الشیعة 18 : 336 ، باب 25 من مقدمات الحدود ، ح 1 و2 .

( 39 )المصدر السابق : 333 ، باب 21 من مقدمات الحدود ، ح 1 .

( 40 )المصدر السابق : 332 ، باب 20 من مقدمات الحدود ، ح 4 .

( 41 )النور : 2 .

( 42 )فی نهایة القرن السابع قبل المیلاد قام « سولون » من خلال قانونه الشهیر المسمی ( Seisch ) بنهضة لمحاربة الفوضی وإصلاح القوانین وبشکل خاص الضوابط المتعلقة بالقضاة فی أثینا . فقام بإلزام کل الناس وطبقات المجتمع بقوانین مشترکة ، ووضع للجمیع عقوبات موحّدة ، ( راجع مسار القضاء فی مختلف عهود التاریخ ، علی حجتی کرمانی ـ بالفارسیة ) .

( 43 )مونتیسکیو ، روح القوانین : 201 ، ترجمه إلی الفارسیة علی أکبر مهتدی .

( 44 )بکاریا ، الجرائم والعقوبات : 41 ، ترجمه إلی الفارسیة محمد علی أردبیلی .

( 45 )1645-1583 Grotius .

( 46 )الفیلسوف الإنجلیزی 1645 - 1588 Hobbes .

( 47 )بکاریا ، الجرائم والعقوبات : 98 .

( 48 )المصدر السابق : 100 .

( 49 )1778-1694 Voltaire

( 50 )جان برادل ، تاریخ الفکر الجزائی : 63 ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور نجفی .

( 51 )مارک أنسل ، الحمایة الاجتماعیة ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور آشوری والدکتور علی حسین نجفی .

( 52 )جان برادل ، تاریخ الفکر الجزائی : 63 ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور نجفی .

( 53 )فی الفکر الکلاسیکی ، یکون الفرد قبل الحکم علیه تحت الحمایة العامة ، ومن بعده یخرج عن حمایة المجتمع لنقضه العقد الاجتماعی . راجع : کتاب الجرائم والعقوبات .

( 54 )راجع : جان برادل ، تاریخ الفکر الجزائی ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور نجفی ، ومارک أنسل ، الحمایة الاجتماعیة ، ترجمه إلی الفارسیة الدکتور آشوری .

منبع:مجله فقه اهل البیت (عربی) » تابستان 1382 - شماره 30 (از صفحه 97 تا 130)
 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010