الرئيسية الجزائیات العام القواعد الشرعیة و القانونیة و الأخلاقیة دراسة مقارنة
القواعد الشرعیة و القانونیة و الأخلاقیة دراسة مقارنة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 03 أكتوبر 2010 16:37

الکعبی، عباس
تعریف الشریعة وما یشابهها من المصطلحات الدینیة :
1 ـ فی اللغة :
قال الراغب فی المفردات : الشرع نهج الطریق الواضح ، یقال : شرعت له طریقا ، والشرع مصدر ثمّ جعل اسما للطریق النهج ، فقیل له شِرع وشَرع وشریعة ، واستعیر ذلک للطریقة الإلهیة قال : شرعة ومنهاجا إلی أن قال : قال بعضهم : سمّیت الشریعة شریعة تشبیها بشریعة الماء . وعلّق علی ذلک العلاّمة الطباطبائی فی المیزان ، بقوله ( (1) ) : لعلّ الشریعة بالمعنی الثانی مأخوذ من المعنی الأوّل لوضوح طریق الماء عندهم بکثرة الورود والصدور .

ولو تصفّحنا سائر کتب اللغة ( (2) ) لعرفنا : إنّما فی الأصل تطلق علی الطریق الظاهر الذی یوصل منه إلی الماء ، وتطلق علی مورد الشاربة الذی یشرعه الناس ، أی ینحدرون إلیه فیشربون منه ویستقون ، والعرب لا تسمّی ذلک الموضع شریعة حتی یکون عدّا لا انقطاع له ، ویکون ظاهرا معیّنا لا یسقی بالرشاء ، وهی مشتقة من التشریع ؛ وهو إیراد الإبل شریعة لا یحتاج معها إلی نزع بالعلق ولا سقی فی الحوض ، فیقال فی المثل : أهون السقی التشریع » .
(صفحه 30)
2 ـ فی المصطلح القرآنی :

فی مصطلح القرآن : الدین والشریعة والملّة بمعنی واحد مع فرق أنّ الدین أعمّ والشریعة ، والملّة بمعنی واحد مع الفرق بینهما بالعنایة : فالشریعة هی الطریقة الممهّدة لاُمّة من الاُمم أو لنبی من الأنبیاء الذین بعثوا بها ، کشریعة نوح وإبراهیم وشریعة موسی وشریعة عیسی وشریعة محمّد صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم ، والدین هو السنّة والطریقة الإلهیة العامّة لجمیع الاُمم ، فالشریعة تقبل النسخ دون الدین بمعناه الوسیع ، وهناک فرق آخر فإنّ الدین ینسب إلی الواحد والجماعة کیفما کانا لکن الشریعة لا تنسب إلی الواحد إلاّ إذا کان واضعها أو القائم بأمرها یقال : دین المسلمین ودین الیهود وشریعتهم ویقال : دین اللّه‏ وشریعته ودین محمّد صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم وشریعته ویقال دین زید وعمروا ، لکن لا یقال شریعة زید وعمروا ولعلّ ذلک لما فی لفظ الشریعة من التلمیح إلی المعنی الحدثی ، وهو تمهید الطریق ووضعه ، فمن الجائز أن یقال : الطریقة التی مهدها اللّه‏ أو الطریقة التی مهّدت للنبی أو للاُمّة الفلانیة دون أن یقال : الطریقة التی مهّدها اللّه‏ أو الطریقة التی مهّدت لزید إذ لا اختصاص له بشیء .

وکیف ما کان فالمستفاد منها أنّ الشریعة أخصّ معنی من الدین . ویفید قوله تعالی : « شرع لکم من الدین ما وصّی به نوحا والذی أوحینا إلیک وما وصینا به إبراهیم وموسی وعیسی » ( (3) ) ، إنّ شریعة محمّد صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم المشروعة لاُمته هی مجموع وصایا اللّه‏ سبحانه لنوح وإبراهیم وموسی وعیسی علیهم‏السلام مضافا الیها ما أوحاه اللّه‏ إلی محمّد صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم وهو کنایة إمّا عن کون الإسلام جامعا لمزایا جمیع الشرائع السابقة وزیادة ، أو عن کون الشرائع جمیعا ذات حقیقة واحدة بحسب اللب وإن کانت مختلفة بحسب اختلاف الاُمم فی الاستعداد کما یشعر به أو یدلّ علیه قوله تعالی : « أن أقیموا الدین ولا تتفرّقوا فیه » ( (4) ) .

أمّا الملّة : فهی السنّة الحیویّة المسلوکة بین الناس ، وعندما یقال الملّة
(صفحه 31)

الإسلامیة فالمراد هو السبیل الذی مهّده اللّه‏ تعالی لسلوک الناس إلیه ، والملّة تطلق علیها لکونها مأخوذة عن الغیر بالإتباع العملی ، ومن هنا فإنّها لا تضاف إلی اللّه‏ فیصح أن نقول دین اللّه‏ أو شریعة اللّه‏ ولا یقال ملّة اللّه‏ .

وتضاف إلی النبی مثلاً من حیث إنّها شریعته وسنّته أو إلی الاُمّة من جهة أنّهم سائرون مستقون به قال تعالی : « ملّة إبراهیم حنیفا وما کان من المشرکین » ( (5) ) ، وقال تعالی حکایة عن یوسف علیه‏السلام : « إنّی ترکت ملّة قوم لا یؤمنون باللّه‏ وهم بالآخرة هم کافرون واتّبعت ملّة آبائی إبراهیم وإسحاق ویعقوب » ( (6) ) وقال تعالی حکایة عن الکفّار فی قولهم لأنبیائهم : « لنخرجنّکم من أرضنا أو لتعودنّ فی ملّتنا » ( (7) ) .

فقد تلخّص أنّ الدین فی عرف القرآن أعمّ من الشریعة والملّة وهما مترادفان مع فرق ما من حیث العنایة اللفظیة ( (8) ) .
3 ـ فی المصطلح الکلامی والفقهی :

علی ضوء المصطلح القرآنی یمکن لنا أن نقول فی بیان المصطلح الکلامی للدین : بأنّه مجموعة المعارف الإلهیة النظریة والمناهج الأخلاقیة القیمیّة والآداب العامة والأحکام الشرعیة العملیة ( (9) ) .

ومن هنا صحّ أن نقسّم التعالیم الدینیة إلی ثلاثة أقسام :

أ ـ العقائد . ب ـ الأخلاق . ج ـ الأحکام ( (10) ) . والشریعة هی قسم من التعالیم الدینیة لا کلّها ( (11) ) .

والشریعة یقصد بها فی اصطلاح الفقهاء : مجموعة الأحکام الشرعیة التی سنّها اللّه‏ لعباده والتی بلغت عن طریق الرسل ، وتحتوی من الأحکام ما ینظّم علاقة الإنسان بنفسه وعلاقة الإنسان بربّه ثمّ علاقته بأخیه الإنسان وبالجماعة التی یعیش فیها . فالشریعة نظام عام شامل یتناول کافّة جوانب الحیاة
(صفحه 32)

الإنسانیة .

والشریعة الإسلامیة : عبارة عن مجموعة الأحکام والأنظمة والقواعد الشرعیة التی شرّعها اللّه‏ عزّوجلّ وارتضاها لعباده ، والتی بلغت بواسطة خاتم الأنبیاء محمّد بن عبد اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم .
المبحث الأوّل
مقارنة خصائص قواعد الشریعة وقواعد القانون
من ناحیة تنظیم السلوک الاجتماعی :

أوّلاً ـ کلاهما ینظّمان السلوک الاجتماعی للإنسان بالتقییم والتوجیه بإصدار أحکام قیمیة وفق تصوّر معیّن ، والقضاء علی تصرّفات الإنسان بالسلب أو الإیجاب سواء عن طریق الضغط أو التخییر أو التوصیف الاجتماعی کما مرّ ، مع فارق الخلاف بین علماء القانون علی إطلاق الصفة التکلیفیة أو الفرضیة للقواعد القانونیة علی ما وضّحناه .

ثانیـا ـ فی القواعد القانونیة دائرة التخییر الاجتماعی ، تتمثّل فی منطقة واحدة هی منطقة عدم الاهتمام الاجتماعی من ناحیة المشرّع ، ویکون الفعل والترک فیها سواء ، بینما نجد أنّ القواعد الشرعیة تقسم دائرة التخییر هذه إلی مستحب ومکروه ومباح ، فالمستحب والمکروه هو علی حدّ توصیات قانونیة فی مطلوبیة الفعل المستحبّ ومبغوضیة الفعل المکروه بنحو غیر إلزامی ، وإتیان المستحبّات واجتناب المکروهات یؤثر بشکل بارز فی بناء شخصیة الفرد وکیان المجتمع المادّی والمعنوی بما یسهّل علیه تنظیم السلوک الاجتماعی متناسبا مع أهداف المشرّع الاسلامی ، والمفروض أنّ کل ما هو مطلوب للشارع یؤثّر فی الکمال والقرب إلی اللّه‏ ، وتوجد فیه مصلحة واجبا کان أو مستحبا ، وکلّ ما هو مبغوض للشارع یبعد الإنسان عن دائرة الإیمان
(صفحه 33)

والتقوی حراما کان أو مکروها .

وبعبارة اُخری علی ما فی علم الاصول یمکن تقسیم الأحکام التکلیفیة کالقدماء إلی اقتضائیة وتخییریة ، والمراد من الاقتضائیة : ما یکون له اقتضاء للفعل أو الترک فیشمل الوجوب والحرمة والاستحباب والکراهة ، والمراد من التخییریة : ما لیس له اقتضاء ورجحان من حیث الفعل والترک وهی المباحات ـ کما یطلق فی لسانهم علی المستحبّ والمکروه والمباح معا المباحات بالمعنی الأعمّ ، ویطلق علی الترخیص من دون رجحان للفعل أو الترک المباح بالمعنی الأخصّ .

وربّما یتساءل عن قانونیة المباحات بمعنی الأخص ، وقد أجبنا فیما سبق بأنّ الإباحة أیضا تقنین للسلوک ، ونضیف هنا أنّ المقنن تارة ینشئ القانون علی نحو الإلزام الوجوبی أو التحریمی وتارة ینشئ الجواز والترخیص ، ومن هنا فإنّ الإباحة فعل وجودی ، مثال ذلک : ورود المتاع الفلانیة جائز من هذا التاریخ ، وهذا لیس مجرد رفع المنع السابق ، بل انّه انشاء جدید وحکم وجودی فی مقابل حکم وجودی سابق ، لا فسخه ونسخه فقط ( (12) ) .

ثالثـا ـ « الإسلام ـ کما یقول العلاّمة الطباطبائی فی تفسیر المیزان ( (13) ) ـ اجتماعی بجمیع شؤونه ، فالشریعة الاسلامیة توظّف جمیع قواعدها بجمیع أبعادها الفردیة والاجتماعیة لبناء المجتمع الاسلامی ، والعمران المادی والمعنوی بما لا نجده فی الشرائع الاُخری أو القواعد القانونیة الوضعیة ، فنظام العبادات لیس منفصلاً عن الحیاة ، وإنّه إلی جانب البعد الغیبی یعطی دافعا روحیا لبناء صرح الحضارة الاسلامیة الشامخة ، وحیویة منقطعة النظیر للإنسان المسلم الملتزم بقواعد الشریعة .

فالصلاة مع أنّها تنظّم علاقة الإنسان بربّه إلاّ أنّ فیها منظوراً اجتماعیاً أیضا ، لذلک یستحبّ إقامتها جماعة ، وتجب فی کلّ اسبوع مرّة جماعة ، وفی
(صفحه 34)

الجماعة المستحبة جرت السنّة علی أدائها بالاجتماع ، وقد قال رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم فی قوم من المسلمین ترکوا الحضور فی الجماعة : لیوشک قوم یدعون الصلاة فی المسجد أن نأمر بحطب فیوضع علی أبوابهم فتوقد علیهم نار فتحرق علیهم بیوتهم ( (14) ) .

وأمّا الصوم فتمامه مقرون بعید الفطر ، وکذلک بزکاة الفطرة التی هی للصوم بمنزلة الصلاة علی محمّد وآل محمّد فی الصلاة ، فالصوم من دون زکاة الفطرة کالصلاة من دون الصلوات تبقی ناقصة وبتراء ، والحجّ مع ما فیه من اجتماع فتمامه بعید الأضحی وهکذا فی جمیع التشریعات الاسلامیة وهذا ما لا نجده فی القواعد القانونیة الوضعیة .

رابعـا ـ لحاظ الدعائم الخلقیة والتربویة فی القواعد القانونیة الشرعیة فی تنظیمها للسلوک الاجتماعی بما لا توجد فی غیرها من القواعد ؛ وذلک یکفل احترامها بالنفوذ إلی عمق الوجدان البشری وتحول دون وقوع الجرائم ، واللّه‏ جلّ وعلا یقول : « إنّ الصلاة تنهی عن الفحشاء والمنکر » ( (15) ) والصوم کتب من أجل التقوی ، والقصاص فیه حیاة لاُولی الألباب لعلّهم یتّقون ، وعندما یتکلّم عن الزواج یبیّن أساس بناء البیت الإسلامی بقوله تعالی : « ومن آیاته أن خلق لکم من أنفسکم أزواجا لتسکنوا إلیها وجعل بینکم مودّة ورحمة » ( (16) ) ، وعند ذکر الطلاق یقول عزّوجل : « الطلاق مرّتان فإمساکٌ بمعروف أو تسریحٌ بإحسان » ( (17) ) .

خامسـا ـ القاعدة الشرعیة فی مجال تنظیمها لسلوک الإنسان تخاطب الفرد والمجتمع علی حدّ سواء ، ومن هذه الناحیة فهی أوسع نطاقا من القواعد الوضعیة ؛ فعندما تنظم العلاقة الفردیة مع اللّه‏ تبعث فی قلب الإنسان من خلال تقرّبه إلی اللّه‏ روح المسؤولیة والشعور بضرورة القیام بالمهمّات والتکالیف الشرعیة بعنوانها الجامع من دون فرق بین هذه وتلک .

والقرآن فی مجال ذمّه للذین یفصلون بین الاعتقاد أو العمل ببعض القواعد
(صفحه 35)

الشرعیة دون الاُخری یقول تعالی : « أفتؤمنون ببعض الکتاب وتکفرون ببعض » ( (18) ) ، کما یقول تعالی : « الذین جعلوا القرآن عضین فوربک لنسئلنّهم أجمعین عمّا کانوا یعملون فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشرکین » ( (19) ) ، قوله تعالی : عضین أی فرّقه أجزاءً وأعضاءً ، وآمنوا ببعض وکفروا ببعض ، وقوله تعالی : فاصدع بما تؤمر : أی أعلن وأظهر تبلیغ الرسالة ، والشریعة بکاملها تعتبر بعض الرسالة التی یجب العمل بکاملها ، فإنّ العبادة ( Worship ) هی الامتثال بقصد التقرّب به إلی اللّه‏ تعالی ، هی بعض هذه القواعد الشرعیة ، ولا یمکن حصر القواعد الشرعیة بالعبادة بهذا المعنی فقط ، ومن غیر الصحیح أیضا فصلها عن سائر القواعد الشرعیة والاکتفاء بالقواعد الشرعیة الاجتماعیة ، فالشریعة کلٌ مترابط متکامل الأجزاء .

ومن هنا فإطاعة اللّه‏ عن طریق العبادة من القواعد القانونیة الإلزامیة فی الإسلام ، ویجب علی الدولة الاسلامیة الاهتمام بأمرها قال تعالی : « الذین إن مکنّاهم فی الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزکاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنکر » ( (20) ) ؛ ولذلک نجد مؤسسة حکومیة کـ « الشوری المرکزیة لتنظیم السیاسات العامة لإقامة صلاة الجمعة » أو « مرکز إقامة الصلاة ونشر الوعی فیما یتعلق بها وبأحکامها وإقامتها فی الدوائر الحکومیة والمدارس والمعسکرات والمصانع والمرافق العامّة » أو لجنة « إقامة الزکاة » ، وهکذا دوائر الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر أو منظّمة الحج والأوقاف وأمثال ذلک فی الجمهوریة الاسلامیة ، وقوننة العبادات فی الحکومة والقرارات الحکومیة فی هذا الشأن لیست قلیلة بما تکفل احترام هذه القواعد ، وفقهیّا لو امتنع الناس عن الحج فعلی الحاکم أن یجبرهم علی ذلک وعلی الإقامة فی مکة المکرمة والمدینة المنوّرة ، وإقامة صلاة الجمعة بنصب من الحاکم ، ولو ثبت ترک الصلاة وأمثالها من العبادات فی المحکمة الشرعیة للحاکم الشرعی أن یعزره لترکها .

بقی علینا أن نشیر إلی أمر هو فی غایة الخطورة فی مسألة العبادات : إذ
(صفحه 36)

یمکن تصنیف سلوک الإنسان إلی قسمین : أ ـ ظاهری ، ب ـ روحی ومعنوی . مثلاً : لو ساهم الإنسان فی الجهاد وأتی بالفعل المطلوب منه شرعا یسقط عنه التکلیف ظاهرا ، أو تترتب علی مساهمته هذه الآثار الظاهریة مثل منحه بطاقة الخدمة العسکریة والتی تسمّی بخدمة العلم ، وفیما لو یهرب من الخدمة العسکریة یستحقّ الجزاء الحکومی لمخالفته ، إلاّ أنّه یشترط فی الجهاد قصد التقرب إلی اللّه‏ ، وأن یکون فی سبیل اللّه‏ ، وهذا یرتبط بنیّة الشخص المقاتل ویترتّب علی النیة الخالصة الأثر الروحی والمعنوی من الکمال النفسی والتقرّب إلی اللّه‏ ، فالشریعة الاسلامیة فی قواعدها العبادیة تنفذ إلی أعماق ضمیر الإنسان وتصلحه وتحرّکه نحو القیام بالتکالیف الحقوقیة بما لا نجد فی أیّة قواعد اُخری ، وفی الحدیث إنّما الأعمال بالنیات ولکلّ امرئ ما نوی ، فأنّی لشرطی الدولة وقاضیها التعرّف علی هذه الأبعاد الروحیة واکتشاف الخفایا والدفائن لولا إیمان الفرد والمجتمع بأوامر ونواهی الخالق المتعال .

سادسـا ـ التماسک والتلاحم بین الفرد والدولة وآحاد المجتمع بعضهم لبعض ، بما یؤدّی إلی عزّة المجتمع ، من الخصائص التی تنفرد بها الشریعة الاسلامیة فی تنظیمها للسلوک الاجتماعی :
أ ـ التلاحم بین الفرد والدولة :

فمن جانب الدولة : 1 ـ الحرص علی خدمة الشعب ، 2 ـ ورفع العنت والمشقّة عنهم . 3 ـ والرأفة ، 4 ـ والرحمة بهم . « لقد جاءکم رسول من أنفسکم عزیز علیه ما عنتم حریص علیکم بالمؤمنین رؤوف رحیم » ( (21) ) .

ومن آثار هذه الرأفة المبارکة والرحمة الکریمة النبویة نجد وللأسف الشدید حرمان بعض الاُمّة عن قبول ما جاء به کما قال اللّه‏ تعالی : « فلعلّک باخع نفسک علی آثارهم إن لم یؤمنوا بهذا الحدیث أسفا » ( (22) ) ، وقال تعالی مسلّیا لرسوله صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « فلا تذهب نفسک علیهم حسرات » ( (23) ) ، ونجد هذه الخصائص
(صفحه 37)

تماما یوصی بها أمیر المؤمنین علیه‏السلام مالک الأشتر حین ولاّه مصر وقال : « وأشعر قلبک الرحمة للرعیة والمحبّة لهم واللطف بهم ، ولا تکوننّ علیهم سبعا ضاریا تغتنم اکلهم فإنّهم صنفان : إمّا أخ لک فی الدین ، أو نظیر لک فی الخلق » ( (24) ) .

وجاء فی کلام لمعاذ بن جبل : « آخر ما أوصانی به رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم حین وضعت رجلی فی الغرز أن قال : أحسن خلقک للناس یا معاذ بن جبل » ( (25) ) .

ومن جانب الفرد : إذا کانت هذه صفات الدولة فما یکون من المواطنین إلاّ الطاعة والمحنة والمحبّة والتکاتف مع الحکومة ، یقول اللّه‏ تعالی : « إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِینَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا کَانُوا مَعَهُ عَلَی أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ یَذْهَبُوا حَتَّی یَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِینَ یَسْتَأْذِنُوکَ أُولئِکَ الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوکَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ » ( (26) ) وبکلمة جامعة فی تبیین العلاقة الرصینة بین الدولة والمواطن علی أساس قواعد الشریعة لتنظیم السلوک الاجتماعی ، یقول مولانا أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه‏السلام : « وأعظم ما افترض اللّه‏ سبحانه من تلک الحقوق ، حق الوالی علی الرعیة وحق الرعیة علی الوالی . فریضة فرضها اللّه‏ سبحانه لکل علی کل فجعلها نظاما لاُلفتهم وعزّا لدینهم ، فلیس تصلح الرعیة إلاّ بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعیة . فإذا أدّت الرعیة إلی الوالی حقه وأدّی الوالی الیها حقّها ، عزّ الحقّ بینهم وقامت مناهج الدین ، واعتدلت معالم العدل وجرت علی إذلالها السنن ، فصلح بذلک الزمان وطمع فی بقاء الدولة ویئست مطامع الأعداء ، وإذا غلبت الرعیة والیها أو أجحف الوالی برعیته ، اختلفت هناک الکلمة وظهرت معالم الجور وکثر الأدغال فی الدین وترکت محاج السنن ؛ فعمل بالهوی وعطّلت الأحکام وکثر علل النفوس ، فلا یستوحش لعظیم حق عطّل ، ولا لعظیم باطل فعل ، فهنالک تذل الأبرار وتعزّ الأشرار وتعظم تبعات اللّه‏ سبحانه عند العباد ، فعلیکم بالتناصح فی ذلک وحسن التعاون علیه » ( (27) ) .
(صفحه 38)
ب ـ التلاحم بین آحاد المجتمع بعضهم لبعض :

1 ـ الرحمة والرأفة فیما بینهم : یقول اللّه‏ تعالی : « محمّد رسول اللّه‏ والذین معه أشدّاء علی الکفّار رحماء بینهم » ( (28) ) .

2 ـ التعاون علی البرّ والتقوی : « وتعاونوا علی البرّ والتقوی ولا تعاونوا علی الإثم والعدوان » ( (29) ) .

3 ـ الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر : « والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولیاء بعض یأمرون بالمعروف وینهون عن المنکر » ( (30) ) ، وقوله صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « کلکم راع وکلکم مسؤول عن رعیته ، الإمام راع ومسؤول عن رعیته والرجل راع فی أهله وهو مسؤول عن رعیته ، والمرأة راعیة فی بیت زوجها ومسؤولة عن رعیتها ، والخادم راع فی مال سیده ومسؤول عن رعیته » ( (31) ) . وفی شرح النهج لابن أبی الحدید یقول أمیر المؤمنین علیه‏السلام : « اتقوا اللّه‏ فی عباده وبلاده فإنّکم مسؤولون حتی عن البقاع والبهائم ، وأطیعوا اللّه‏ ولا تعصوه » ( (32) ) .

4 ـ الاعتصام بحبل اللّه‏ والوحدة والتآخی فیما بینهم : قال تعالی : « واعتصموا بحبل اللّه‏ جمیعا ولا تفرّقوا » ( (33) ) ، وقوله تعالی : « أقیموا الدین ولا تفرّقوا فیه کبر علی المشرکین ما تدعوهم إلیه » ( (34) ) .

ویقول مولانا أمیر المؤمنین علیه‏السلام علی ما فی النهج ، الخطبة 127 : « فإنّ ید اللّه‏ مع الجماعة وإیّاکم والفرقة فإنّ الشاذ من الناس للشیطان ، کما إنّ الشاذّ من الغنم للذئب ، ألا من دعا إلی هذا الشعار فاقتلوه وإن کان تحت عمامتی هذه » .

وقال تعالی : « إنّما المؤمنون اخوة ، فأصلحوا بین أخویکم » ( (35) ) . وتصنع الشریعة الاسلامیة بقواعدها مجتمعا متعاضدا متماسکا متراصّا ، قال عنه الرسول الأکرم صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : «المؤمن للمؤمن کالبنیان یشدّ بعضه بعضا » .
(صفحه 39)

وقال صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « مثل المؤمنین فی توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ، إذا اشتکی منه عضو تداعی له سائر الجسد بالسهر والحمّی » .

وقال صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « المسلمون کرجل واحد إن اشتکی عینه اشتکی کله ، وإن اشتکی رأسه اشتکی کلّه » .

من خلال هذا البنیان المرصوص التی صرّحت به هذه النصوص المستقاة من مصادر الشریعة ( الکتاب والسنة ) ، تتحقق العزّة والعظمة للإنسان المؤمن فردا وجماعة ، حاکما ومحکوما ، کما قال اللّه‏ تعالی : « فللّه‏ العزّة ولرسوله وللمؤمنین » ، وقال تعالی : « ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن کنتم مؤمنین » ( (36) ) .

ونجد هذه الأبعاد الحیویّة بین الفرد والدولة وآحاد المجتمع فیما بینهم قد وردت صراحة فی دستور الجمهوریة الاسلامیة لا سیّما المادة الثالثة ببنودها الستّة عشر باعتباره قانونا اسلامیّا .
المبحث الثانی
المقارنة من ناحیة الإلزام والجزاء والعمومیة
المطلب الأوّل ـ من ناحیة الإلزام :

قد عرفنا سابقا تشابه القاعدة الشرعیة والقانونیة من ناحیة اشتراط « الإلزام » فی ذات وجوهر کلا القاعدتین من دون فرق ، إلاّ أن التصوّر الحقوقی الکلاسیکی مبهم فی کلامه من حیث إدخال الجزاء القانونی فی تکوین القاعدة القانونیة ، بینما الشریعة الاسلامیة صریحة فی الفصل بین الإلزام والجزاء ، وأنّ الجزاء لا یعتبر جزء من صمیم القاعدة التکلیفیة وإن کان هو علی حدّ نفسه حکما شرعیا آخر ، فحرمة شرب الخمر قاعدة شرعیة إلزامیة
(صفحه 40)

یؤدّی اختراقها إلی جزاء قانونی فی جلد الشارب ثمانین جلدة ، وهذا الجلد وإن کان جزاء لحکم آخر إلاّ أنّه علی حدّ نفسه یعتبر قاعدة شرعیة اُخری ، وهکذا تتسلسل الأحکام الشرعیة کمنظومة مترابطة ومتشابکة .
الخلاف فی منشأ الإلزام :

المراد من المنشأ هو ذلک النبع التی تتدفق منه القاعدة القانونیة أو الشرعیة ، والتی تجری فی المجتمع بعد میلادها لتدبّ روح الحیاة فی البلاد والعباد .

وفی التعبیر « الحقوقی » یصطلح علی منشأ ولادة القانون تارة « أساس » القاعدة القانونیة واُخری « المصادر المادیة » فی قبال المصادر الرسمیة ، والتی یأتی دورها فی المرتبة التالیة وبعد نشأة القاعدة .

إذا یقصد بأساس القانون البحث فی جوهر القاعدة القانونیة والمنبع الذی تستمد منه ، والمادة الأوّلیة التی تتکون منها ، فالبحث عن أساس القانون لا یعنی شکل القاعدة القانونیة قدر عنایته بمضمونها . واعتاد کتّاب القانون أن یتطرّقوا لهذا الموضوع تحت عنوان « مدارس القانون » .

إنّ البحث عن الأساس الملزم للقاعدة الشرعیة جاء فی بحوث علماء الدین ضمن « علم الکلام » وأبحاث اُصول الفقه والدراسات التفسیریة . أمّا مدارس القانون فی صدد معرفة الأساس الملزم للقاعدة القانونیة تنقسم إلی قسمین رئیسیین هما : « مدرسة القانون الطبیعی » و « مدرسة القانون الوضعی والاجتماعی » وکلّ منهما یتفرّعان إلی مذاهب ونظریات اُخری بعد اتّفاقهم جمیعا علی أنّ القانون من صنع الإنسان .

وأمّا علماء الدین والشریعة فکلّهم متّفقون علی الأساس الربانی لقواعد الشریعة ، وأنّ القانون لیس وضعیا ومن صنع الإنسان وإلاّ یفقد نفوذه من جهة العقل ولا یکون الإنسان مسؤولاً عنه .
(صفحه 41)

وبعد هذه الإشارة التوضیحیة العابرة نحیل التفاصیل إلی وقتها عندما نبحث « أساس القاعدة الشرعیة والقانونیة » ، بإذن اللّه‏ تعالی .
المطلب الثانی ـ من ناحیة الجزاء :

صار من الواضح أنّ الجزاء فی الشریعة الإسلامیة یشتمل علی صورتی « الثواب » کمکافأة قانونیة و « العقاب » کردة فعل للمخالفة القانونیة ، یقول اللّه‏ تعالی : « لیجزی الذین أساءوا بما عملوا ویجزی الذین أحسنوا بالحسنی » ( (37) ) ، وقوله تعالی : « وأن لیس للإنسان إلاّ ما سعی * وأنّ سعیه سوف یری * ثمّ یُجزاه الجزاء الأوفی » ( (38) ) ، ثمّ هذا الجزاء إمّا أن یکون مادّیا یصیب الإنسان فی جسمه کالقتل والرجم والجلد والقطع ، أو فی ماله کالدیة ، وقد یکون جزاءً معنویا یتمثل فی الخوف أو الرجاء ، أو الحبّ الإلهی وهو أعظم کفیل بإطاعة القوانین ، وقد یکون دنیویا یوقع بواسطة السلطة العلیا فی البلاد ، أو اخرویا إذا لم یستوف بالدنیا « أمّا الجزاء فی القواعد القانونیة دائما وأبدا دنیوی مادّی مقدّر ومنفّذ من قبل السلطة الحاکمة » ، وقد أقرأت الشریعة الاسلامیة جمیع الجزاءات المادیة سواء منها الجنائیة أو المدنیة أو الإداریة أو السیاسیة أیضا علی طریقتها وبمصطلحاتها الخاصّة .
إشارة إلی نوعی الجزاء الاُخروی والدنیوی :

ربّما یردد المنهمکون فی البحوث القانونیة : نحن لا نتعقل معنی الجزاء من غیر سلطة تکفل احترام القواعد القانونیة ، وهذا ما یجعل القواعد الشرعیة العبادیة من القواعد الأخلاقیة الملزمة داخلیا ، ثمّ القواعد الشرعیة الاُخری من غیر حکومة تقرّرها وتصادق علیها لتجعلها فی ذمّة التاریخ ، وعلی حدّ الاعتقاد الشخصی ویصیر البحث عنها إمّا من شعب « تاریخ الحقوق » أو البحوث الدینیة لا أکثر ، وهکذا تنفصل عن القاعدة القانونیة ، وللإجابة علی
(صفحه 42)

ذلک نشیر هنا إلی أثر الجزاء الاُخروی والدنیوی فی توجیه سلوک الإنسان الاجتماعی والفردی فی الشریعة الإسلامیة .

أ ـ الجزاء الاُخروی : یتولاه اللّه‏ جلّ جلاله فی الآخرة « یَوْمَ تَجِدُ کُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَیْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَیْنَهَا وَبَیْنَهُ أَمَداً بَعِیداً وَیُحَذِّرُکُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤوفٌ بِالْعِبَادِ » ( (39) ) ، ویقول تعالی : « فَلْیَحْذَرِ الَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِیبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ یُصِیبَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ » ( (40) ) .

وهذا النوع من الجزاء هو الأصل فی الشریعة الاسلامیة ؛ لأنّه یتمّ بعد انتهاء مدّة الامتحان وإتمام الإنسان رحلته علی الأرض ، وطیّ صحیفة أعماله ثمّ تقویم هذه الأعمال من قبل ربّ العالمین ، ثمّ محاسبة اللّه‏ للناس فی الآخرة علی أساس هذا التقویم ؛ ولهذا سمّیت الآخرة بیوم الدین ، أی یوم الحساب ، وبالتالی ینال المحسن ما یستحقه من ثواب ، وینال المسیء ما یستحقه من عقاب ، وهذا النوع من العقاب هو من مقتضی عدل الربّ ومن لوازم الأمر والنهی .
ب ـ الجزاء الدنیوی : وهذا النوع علی قسمین :

القسم الأوّل : عقاب جرت به سنة اللّه‏ الکونیة ، ویقوم علی قانون السبب والمسبب وربط النتائج بالمقدمات ، ویصیب الأفراد والجماعات فی حالة انحرافهم عن شرع اللّه‏ ، ویأخذ هذا النوع من العقاب أشکالاً مختلفة ، فقد یکون بالهلاک للاُمّة أو بتشتت کلمتها وتسلیط الأعداء علیها أو بضرب المهانة والذلة علیها بإصابة الناس بالضنک والخوف والقلق ونقص فی الأنفس أو الثمرات أو بغیر ذلک من أشکال العقاب وأنواعه .

وقد أشار القرآن الکریم فی کثیر من آیاته إلی سنّته الثابتة فی هذا النوع من العقاب ، وهو علی أنواع :
(صفحه 43)
أ ـ أنواع العذاب الجاری علی أساس سنّة اللّه‏ :

1 ـ عذاب الدمار فی الدنیا : « قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِکُمْ سُنَنٌ فَسِیرُوا فِی الاْءَرْضِ فَانْظُرُوا کَیْفَ کَانَ عَاقِبَةُ الْمُکَذِّبِینَ » ( (41) ) ، وقوله تعالی : « أَفَلَمْ یِسِیرُوا فِی الاْءَرْضِ فَیَنظُرُوا کَیْفَ کَانَ عَاقِبَةُ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ وَلِلْکَافِرِینَ أَمْثَالُهَا » ( (42) ) .

فسنّة اللّه‏ لا تتبدل ولا تتغیر فی المنحرفین عن شرعه ، یصیبهم الدمار وهو من عقاب اللّه‏ الذی جرت به سنّته الکونیة فی الناس ، القائمة علی ربط السبب بالمسبب والمقدمة بالنتیجة ولا یمکن أن یتخلف هذا القانون أو یتعطل وإنّما تتأخر النتیجة لمانع .

2 ـ عذاب الهلاک لشیوع الظلم : « وتلک القری أهلکناهم لمّا ظلموا وجعلنا لمهلکهم موعدا » ( (43) ) ، وقوله تعالی : « فتلک بیوتهم خاویة بما ظلموا » ( (44) ) فنتیجة لشیوع الظلم فی المجتمع تجری سنة اللّه‏ فی عذاب الهلاک فی الدنیا .

3 ـ عذاب الفشل وذهاب القوّة : نتیجة للنزاع وعصیان أوامر اللّه‏ ورسوله ، ونتیجة للتفرّق وعدم الاعتصام بشرع اللّه‏ . یقول تعالی : « واعتصموا بحبل اللّه‏ جمیعا ولا تفرّقوا » ، ویقول أیضا : « وأطیعوا اللّه‏ ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ریحکم » ( (45) ) ، وفی الحدیث الشریف : « والجماعة رحمة والفرقة عذاب » .

4 ـ عذاب الضنک : فالمعیشة الضنک بمختلف أشکالها وأنواعها سواء کان الضنک مادیا أو معنویا یصیب الأفراد والجماعات فی حالة انحرافهم عن ذکر اللّه‏ وشرعه . قال تعالی : « ومن أعرض عن ذکری فإنّ له معیشة ضنکا ونحشره یوم القیامة أعمی » ( (46) ) .

5 ـ التبعیض فی إقامة الحدود وعدم المساواة أمام القانون : فی الحدیث الشریف عن النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « إنّما اُهلک من کان قبلکم أنّهم کانوا إذا سرق فیهم الشریف ترکوه ، وإذا سرق فیهم الضعیف أقاموا علیه الحدّ » .
(صفحه 44)
ب ـ خصائص العذاب الجاری علی أساس سنّة اللّه‏ :

1 ـ إنّ هذا العقاب إذا نزل فی الجماعة لتلبسها بأسباب هذا العقاب فإنّه یصیب الصالح والطالح ، قال تعالی : « واتقوا فتنة لا تصیبنّ الذین ظلموا منکم خاصّة واعلموا أنّ اللّه‏ شدید العقاب » ( (47) ) . وقد جاء فی تفسیر القرطبی ( (48) ) عن ابن عباس فی تفسیر الآیة : « أمر اللّه‏ المؤمنین أن لا یقروا المنکرین بین أظهرهم فیعمّهم العذاب » ، وإصابة الصالح بهذا النوع من العقاب إمّا یکون بمنزلة المرض الذی یصیب الصحیح عند انتشار الوباء وإمّا بسبب تقصیر من الصالح فی منع أسباب العقاب لترک الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر .

2 ـ إنّ هذا النوع من العقاب الدنیوی لا یرفع العقاب الاُخروی عن مستحقیه وإن أصابهم العقاب فی الدنیا ، ویکون نزوله فیهم فی الدنیا مع معاقبتهم فی الآخرة بمقتضی سنّة اللّه‏ الکونیة وللاعتبار والاتعاظ . « لقد کان فی قصصهم عبرة لاُولی الألباب » ( (49) ) .

القسم الثانی : العقوبات المنصوص علیها فی الشریعة الإسلامیة ، والتی یجب علی الدولة الاسلامیة تنفیذها وهی علی أنواع :

أ ـ العقوبة المقدّرة شرعا من حیث الکمّ ، وهی الحدود . وأسباب الحدود ستّة : أوّلها الزنا ، ثانیها ما یتبع الزنا من اللواط والسحق ، والثالث القذف ، والرابع شرب الخمر ، والخامس السرقة ، والسادس قطع الطریق ، وزاد البعض حدّ المرتدّ وحدّ المحارب ( (50) ) .

ب ـ التعزیرات . وأسباب التعزیرات أربعة : البغی ـ الردّة ـ إتیان البهیمة ـ ارتکاب ما سوی ذلک من المحرّمات ( (51) ) .

ج ـ القصاص ، وهو علی قسمین : قصاص النفس وقصاص الأعضاء .

د ـ الدیّات ، وهی العقوبة المالیة بدل القصاص فی القتل العمدی وبدل
(صفحه 45)

قصاص الأعضاء فی القطع العمدی ، وفی القتل الخطائی وقطع العضو الخطائی ، کما هو مبوّب فی الکتب الفقهیة .

وهذه العقوبات لا تمنع العقاب الاُخروی عمّن اُقیمت علیه فی « حقّ اللّه‏ » منها ، کالزنا واللواط إلاّ بالتوبة النصوح لا بإقامة العقوبة الدنیویة ، وفی « حق الناس » باستیفاء الحقّ کالأموال المغصوبة فی السرقة وإقامة الحد أو العفو ، وباستیفاء القصاص أو أخذ الدیة أو العفو والتوبة ، مع ذلک یوجد فی وسائل الشیعة باب 9 و 10 من أبواب القصاص فی النفس ( (52) ) ، روایات تدلّ علی أنّ من قتل مؤمنا علی دینه فلیست له توبة وإلاّ صحّت توبته ، نذکر واحدة منها :

الروایة 1 من باب 9 : عن ابن بکیر عن أبی عبد اللّه‏ علیه‏السلام ، قال : سئل عن المؤمن یقتل المؤمن متعمّدا ، هل له من توبة ؟ قال : إن کان قتله لإیمانه فلا توبة له ، وإن کان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنیا فإنّ توبته أن یقاد منه ، وإن لم یکن علم به انطلق إلی أولیاء المقتول ، فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم ؛ فإن عفوا عنه فلم یقتلوه أعطاهم الدیة وأعتق نفسه وصام شهرین متتابعین وأطعم ستین مسکینا توبة إلی اللّه‏ عزّوجل .

هذا کلّه إشارة إلی الجزاء الاُخروی والدنیوی من ناحیة العقاب ، وأمّا الجزاء علی أثر موافقة القاعدة الشرعیة بما سمّی « ثوابا » فهو أیضا یشتمل علی أبعاد فی غایة الأهمّیة نحیل ذلک إلی الکتب فی هذا الفن کـ « ثواب وعقاب الأعمال » للصدوق ، و « جزاء الأعمال فی دار الدنیا » بالثواب والعقاب ، للسید الجزائری ، طبعت منه إلی الآن ثلاثة عشر جزءا فی مخالفة القاعدة القانونیة ، أمّا فی الموافقة فطبع أربعة عشر جزءا باسم آثار الأعمال فی دار الدنیا ، وکذلک جزاء المعاصی وأثر المعصیة فی حیاة الفرد والمجتمع للسید هاشم الرسولی المحلاتی باللغة الفارسیة ( کیفر کناه ونقش وآثار آن در زندگی فردی واجتماعی ) ، فراجع .
(صفحه 46)
المطلب الثالث ـ من ناحیة العمومیة والتجرید :

فالقاعدة شرعیة کغیرها من القواعد ، عامة ومجرّدة لا تختلف من هذه الناحیة أصلاً لقاعدة الاشتراک فی التکالیف ؛ ومعنی ذلک : أنّه « إذا ثبت حکم لواحد من المکلّفین أو لطائفة منهم ولم یکن هناک ما یدلّ علی مدخلیة خصوصیة لا تنطبق إلاّ علی شخص خاص أو طائفة خاصة أو زمان خاص کزمان حضور الإمام علیه‏السلام ، فالحکم مشترک بین جمیع المکلّفین رجالاً ونساءً إلی یوم القیامة ، سواء کان ثبوته بخطاب لفظی أو دلیل لبّی من إجماع وغیره ( (53) ) .

ویدلّ علی هذه القاعدة الإجماع القطعی وارتکاز المتشرّعة علی ذلک والروایات الواردة فی المقام ، منها ما فی الوسائل فی حدیث طویل فی کتاب الجهاد ومن جملته : « لأنّ حکم اللّه‏ عزّوجل فی الأوّلین والآخرین وفرائضه علیهم سواء إلاّ من علّة أو حادث یکون ، والأولون والآخرون أیضا فی منع الحوادث شرکاء والفرائض علیهم واحدة یسأل الآخرون من أداء الفرائض عمّا یسأل عنه الأوّلون ویحاسبون عمّا به یحاسبون » ( (54) ) . ومنها النبوی المشهور : « حکمی علی الواحد حکمی علی الجماعة » ( (55) ) . ومنها قوله صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم المشهور : « حلال محمّد صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم حلال إلی یوم القیامة وحرام محمّد حرام إلی یوم القیامة » ( (56) ) . ومنها قوله صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « فلیبلغ الشاهد الغائب » ( (57) ) ، وفی آخر : « أوصی الشاهد من اُمّتی والغائب منهم ومن فی أصلاب الرجال وأرحام النساء إلی یوم القیامة أن یصلوا الرحم » .

وهناک قاعدة اُخری باسم قاعدة اشتراک الکفار مع المؤمنین فی التکلیف مبحوثة فی الفقه ، تجعل الکفّار مکلّفین بالفروع کما فی الاُصول ( (58) ) ، وما نودّ التأکید علیه هنا : أنّ عمومیة القاعدة لا تتنافی مع وجود قواعد لصنف أو طبقة خاصة بصفاتهم لا بذواتهم حتّی ولو کان شخصا واحدا بصفته ، ومن
(صفحه 47)

هنا جاء الحجّ للمستطیع والزکاة والخمس لمن بلغ ماله قدرا معیّنا ، والجهاد لمن له القدرة علی ذلک ، وهناک أحکام خاصة بالمرأة أو بالرجل أو بالمسافر أو الحاضر أو الولی ، وهکذا .
المبحث الثالث :
مقارنة القاعدة القانونیة
والقاعدة الشرعیة والقاعدة الأخلاقیة
المطلب الأوّل ـ القاعدة القانونیة والقاعدة الأخلاقیة :

یختلف القانون عن الأخلاق فی نقاط عدیدة ، ولکل واحد من الاثنین ذاتیاته الخاصة . أهم الفروق هی :
أ ـ نقاط الافتراق بین الأخلاق والقانون :

1 ـ إنّ القاعدة القانونیة تنظّم السلوک الخارجی للإنسان ولا تدخل فی الأعماق والوجدان . مثلاً رعایة قوانین المرور سلوک مطابق للقانون حتی إذا کان لباعث الخوف من شرطی المرور ، بینما هذا الفعل یعتبر أخلاقیا فیما لو توقف السائق عند الإشارة الحمراء احتراما للآخرین واعتقادا بالنظام .

2 ـ إنّ القاعدة القانونیة ترتّب الجزاء القاهر علی من یخالف الظاهر لا النیة والباطن ، فی حین أنّ القاعدة الأخلاقیة تنظر إلی الباعث علی الفعل ، وتدرس الدافع والغایة ثمّ تحکم علی التصرف من خلال تلک البواعث ، فالتبرّع قد یکون متفقا مع مقتضی المبادئ الأخلاقیة إذا کان القصد منه الإعانة علی الخیر ، وقد یتناقض مع المبادئ الأخلاقیة إذا کان یهدف إلی التباهی والتفاخر ، أو إذا کان یهدف لمصالح اُخری منظورة .

3 ـ الهدف من القاعدة القانونیة تحقیق الأمن والنظام والعدالة والصحة
(صفحه 48)

والرفاه علی اختلاف المدارس والمذاهب فی مبحث أهداف القانون ، بینما الهدف من القاعدة الأخلاقیة تحقیق السعادة والکمال علی اختلاف المذاهب والمدارس الأخلاقیة ؛ ولذلک فهی تبحث عن « الضمیر » ، القیم الأخلاقیة ، المیول الطبیعیة والالتزامات الباطنیة ، الفضیلة والرذیلة . مثل الفطنة أو الحکمة ، العدل ، الشجاعة ، العفّة ، الصدق والأمانة ، المحبة والإحسان ، التواضع ، السخاء ، وهکذا تبحث عن اللذة والألم ، النفع والضرر ، الزهد والعزلة ، أو الترف والعشرة ، وعن أخلاق العقل وأخلاق الإرادة وهکذا ( (59) ) .

وعلی هذا الأساس الأخلاقی یلتزم بالقاعدة القانونیة بقدر ما هی تکفل سعادته وأهدافه المرسومة والملتزم بها ، والقانونی یصوغ المفاهیم الأخلاقیة باُطر قانونیة بقدر ما هی توافق أهدافه المتوخّاة .

4 ـ نطاق القاعدة الأخلاقیة أوسع من القاعدة القانونیة ، فالاولی تشمل العلاقات الفردیة والاجتماعیة علی حد سواء ، بینما الثانیة تختص بتنظیم السلوک الاجتماعی ، فیصح تقسیم الأخلاق إلی فردی واجتماعی بخلاف القانون .

5 ـ القاعدة القانونیة مصحوبة بجزاء یکفل احترامها ، وهکذا القاعدة الأخلاقیة ، بفارق « القوة الملزمة » ففی الاُولی السلطة الخارجیة مثل « الدولة » وفی الثانیة : السلطة الداخلیة مثل « الضمیر والوجدان والمعتقد » .
ب ـ نقاط الالتقاء بین الأخلاقی والقانونی :

القاعدة القانونیة وإن انفصلت عن القاعدة الأخلاقیة من حیث الذات والماهیة مع ذلک نجد النظم الوضعیة المعاصرة تستعین کثیرا بالقواعد الأخلاقیة فی وضع القانون ، وتحرص علی أن تکون القاعدة القانونیة منسجمة مع القاعدة الأخلاقیة ، غیر أنّ القانون لا یفعل هذا دائما لرغبة عنده فی النزول عند
(صفحه 49)

مقتضی الأخلاق ، ولکن یفعله لبواعث ومقتضیات من طبیعة اُخری ، لکی یتلافی أضرارا ومخاطر واضطرابات اجتماعیة ، ویکون التوافق فی هذه الحالة بین القانون والأخلاق من قبیل المصادفة ومقصورا علی أغراض معیّنة ، تتناسب مع أهداف القانون ( (60) ) . مثل « هوبس » ( Hobse ) یری أنّ القانون واقعة تتمیز بالجزاء وتخلو من کل معنی أخلاقی ، ولقد ترتب علی هذا أنّ الزنا لا یعدّ خطأ لأنّه یخالف قاعدة أخلاقیة ، بل لأنّ القانون قد وضع شروطه ( (61) ) .

ومن هنا نجد القانون الوضعی یشرّع « الآداب العامة » ولا یسمح بالمساس بها ، ولیست قلیلة القواعد الأخلاقیة التی اکتست ثوبا قانونیا منها : قاعدة الوفاء بالعقد ووجوب ردّ الأمانة وعدم جواز إلحاق الضرر بالآخرین . وهکذا القواعد التی تحرّم الاعتداء علی النفس أو العرض ، أو الأثراء بغیر سبب مشروع أو تحریم الرشوة والتزویر وإصدار شیک بدون رصید ( (62) ) ، کما أدخلت هذه القواعد فی تشریعات الجمهوریة الإسلامیة فی إیران أیضا . ونذکر علی سبیل المثال لا الحصر :

1 ـ المادة 6 من قانون اُصول المحاکمات المدنیة : « لا یترتب أی أثر فی المحاکم ، علی العقود التی تخلّ بالنظام العام أو الأخلاق الحسنة » .

2 ـ المادة 975 من القانون المدنی : « لا یسمح للمحاکم تنفیذ القوانین الأجنبیة أو العقود الخاصة فیما لو کانت خلافا للأخلاق الحسنة حتی لو کان تنفیذ تلک القوانین جائزا من حیث المبدأ » ( (63) ) .

ومن نافلة القول التأکید علی أنّ قانون الجمهوریة الاسلامیة فی نظرته إلی الأخلاق یختلف عمّا علیه النظم الوضعیة ، وهو یستقی من نبع القواعد الشرعیة ، ومن وحی هذه الحقیقة نقرأ فی الدستور الاسلامی لهذه الدولة المبارکة النصوص التالیة :

1 ـ فی مقدمة الدستور : ولأنّ الهدف من إقامة الحکومة ، هدایة الانسان
(صفحه 50)

للسیر نحو النظام الإلهی « وإلی اللّه‏ المصیر » کی تتهیأ الظروف المناسبة لظهور المواهب وتفتحها فی سبیل نموّ الأخلاق الإلهیة فی الإنسان « تخلّقوا بأخلاق اللّه‏ » ؛ وهذا لن یتحقق إلاّ بالمشارکة الفعالة والشاملة من قبل جمیع أفراد المجتمع فی مسیرة التطور الاجتماعی .

2 ـ البند السادس من المادة الثانیة : الإیمان بکرامة الإنسان وقیمته الرفیعة وحریته الملازمة لمسؤولیته أمام اللّه‏ .

3 ـ البند الأوّل من المادة الثالثة : خلق المناخ الملائم لتنمیة مکارم الأخلاق علی أساس الإیمان والتقوی ، ومکافحة کل مظاهر الفساد والضیاع ( من وظائف الدولة الاسلامیة ) .

4 ـ المادة العاشرة : . . . . وتمتین العلاقات العائلیة علی أساس الحقوق والأخلاق الإسلامیة .

5 ـ المادة الرابعة عشرة : . . . وعلی المسلمین أن یعاملوا الأشخاص غیر المسلمین بالأخلاق الحسنة والقسط والعدل الإلهی ( (64) ) .
المطلب الثانی ـ القاعدة الأخلاقیة والقاعدة الشرعیة :

القاعدة الشرعیة لها وجهان : فهی قانونیة ذاتا بالوجه الأوّل ، وبهذا اللحاظ هی قاعدة قانونیة تختلف قطعا عن القاعدة الأخلاقیة . وأمّا بالوجه الثانی فهی صنو القاعدة الأخلاقیة . فإنّ الشریعة والأخلاق والعقیدة أجزاء ثلاثة لکل واحد هو الدین الکامل الشامل والنظام الموحد الکافل للحیاة الإنسانیة ؛ لذلک لا یمکن الفصل بین هاتین القاعدتین .
أ ـ الوجه القانونی للقاعدة الشرعیة :

حتی وإن اختلفت القاعدة الشرعیة عن الأخلاقیة باللحاظ القانونی ، غیر أنها لا تتفق مع القاعدة القانونیة الوضعیة بالفروق بینها وبین الأخلاق فی جمیع
(صفحه 51)

النقاط لما بینها من أوجه الخلاف . وقد مرّ بیانه خلال مقارنة القاعدتین ، ونشیر هنا إلی وجهة نظر القاعدة الشرعیة فی الوجه القانونی .

أوّلاً : إنّ القاعدة الشرعیة فی بعض أقسامها نظیر الأحکام الوضعیة والتوصلیات من الأحکام التکلیفیة تقوم بتنظیم سلوک الإنسان الخارجی من دون أن تستهدف النفوذ إلی الأعماق والداخل . وفی قسم آخر تنفذ إلی القلب والروح ، وهی التی تسمّی بالأحکام العبادیة المشروط فیها « نیة التقرب إلی اللّه‏ » .

والنیة فی الأحکام العبادیة من الأرکان ، والعمل من دونها کالجسم بلا روح سبق وأن أشرنا إلی ذلک مع الأمثلة فراجع .

فمثال رعایة قوانین المرور من أمثلة الأحکام الوضعیة ؛ فإنّ سلوک السائق المتوقف عند الإشارة الحمراء مطابق للقانون بأی باعث ودلیل وقف . فهذا المثال تصادق علی قانونیته الشریعة ، والجزاء القاهر یقع هنا علی من یخالف الظاهر ، بینما فی مثال الواجبات المالیة کالخمس والزکاة ، أو العسکریة کالجهاد والرباط ، أو الاجتماعیة کالحج وصلاة الجمعة یشترط « القربة إلی اللّه‏ » . ولا یتصف الامتثال الظاهری بالقانونیة إلاّ إذا کان منضما إلی الطهارة الروحیة ؛ فلا یصح العمل من الکافر والمرائی ، ولئن فاته الجزاء الفردی الحکومی فلن یفلت عنه فی یوم الحساب فی الآخرة .

ثانیـا : القاعدة الشرعیة ذات أهداف قریبة ومتوسطة ونهائیة ، فالقریب من أهدافها تحقیق السلامة والرخاء والاطمئنان وسائر الآثار الاجتماعیة والفردیة لکل قاعدة شرعیة علی حدها . والمتوسط من الأهداف تحقیق العدالة والمصلحة والأمن . والهدف النهائی القرب الإلهی والکمال اللائق بالإنسان لیکون خلیفة اللّه‏ .

ومن هنا فهی تهتم بهدایة الإنسان وسعادته إلی جانب أمنه وراحته ؛ مما
(صفحه 52)

یجعل القاعدة الشرعیة أخلاقیة النزعة منسجمة مع أهداف القاعدة الأخلاقیة ومترابطة معها .

ثالثـا : لا یضرّ قانونیة القاعدة الشرعیة ، إذا غطت علاقات الإنسان الفردیة والاجتماعیة وحتی علاقة الإنسان بربّه . فإنّ هذا الأمر یعدّ من إیجابیاتها فتتحد مع الأخلاق فی تغطیة المساحة الفردیة وتختلف عنه فی الشروط ، مثلاً حضور القلب فی الصلاة شأن أخلاقی ، لکن الإخلاص فی النیة شأن قانونی وأخلاقی معا . ومن هنا فرّقوا بین شروط الصحة وشروط القبول . فقبول الأعمال متوقف علی التقوی . وهذا مفهوم أخلاقی لا حقوقی . والصحة متوقفة علی الامتثال بالضوابط المقررة بالفقه ؛ بحیث لا تحتاج إلی إعادة أو قضاء . والصحة مفهوم حقوقی لا أخلاقی .

رابعـا : القوة الملزمة فی القاعدة الشرعیة هی سلطة خارجیة لا داخلیة ، الأمر الذی جوز لنا اطلاق اسم القاعدة الشرعیة والقانونیة علیها لنمیّزها عن القاعدة الأخلاقیة . غیر أنّ السلطة الخارجیة تنحصر دائما بـ « الدولة » . فإنّ العرف والاجتماع وظروفه والاستحیاء منه قوة إلزامیة خارجیة أیضا . وتعدّ أکبر قوة ملزمة للإنسان ، بل ینحصر الإلزام بها عقلا فهی القوة الأساسیة التی تنشأ منها القوات والسلطات ، وهی فی اعتقاد الموحدین قوة اللّه‏ تعالی : « وللّه‏ جنود السماوات والأرض » و « أنّ القوّة للّه‏ جمیعا » ، فاللّه‏ خالقنا وهو رقیب علینا وشاهد علی أعمالنا وموجه لحیاتنا ، وأمرنا أن نطبق شریعته . وقد بیّن سبحانه لنا مصیر المخالفین لأحکامه ؛ بأن یشملهم الخزی والعقوبة الصارمة فی الدنیا والآخرة . ورسم لنا عقاب العصاة فی الشرع الاسلامی بما یکفل احترام القاعدة القانونیة الشرعیة بأحسن وجه .

وقد ورد ذلک فی الشریعة والبحوث الکلامیة والتفسیریة . وقد تطرقنا لذلک عند المقارنة بین القاعدة القانونیة والشرعیة من ناحیة الجزاء القانونی .
(صفحه 53)
ب ـ الوجه الأخلاقی للقاعدة الشرعیة :

الأخلاق للشریعة بمنزلة الدم فی العروق والروح للجسد ، الأخلاق نجدها فی الغایة والوسیلة ، الشکل والموضوع ، الظاهر والباطن للمسألة الشرعیة . فهی تحیط بها من کل حدب وصوب . ولذلک فأنت لا تجد حکما شرعیا إلاّ وتحوطه المسألة الأخلاقیة ، إمّا فی مقدماته ومبادئه ، أو نتائجه ونهایته ، أو فی عناصره وأرکانه .

ولتوضیح هذا الأمر نسجل النقاط التالیة :

النقطة الاُولی : یعتبر العمل بالقاعدة الشرعیة وضعیة کانت أم تکلیفیة ، فعلاً أو ترکا علی حدّ نفسه مرتبة من مراتب الکمال النفسانی ؛ وعلی هذا الأساس تلتقی المسألة الشرعیة مع الأخلاقیة من جهة الغایة الواحدة . یقول فی هذا الشأن أحد کبار الفقهاء المعاصرین رحمه‏الله فی کتابه الفقهی ( (65) ) : « أوّل مرتبة جهاد النفس الذی یکتفی به اللّه‏ عزوجل عن عامة عباده ، إنّما هو إتیان الواجبات وترک المحرّمات » . ثمّ یستدلّ علی ذلک بما جاء فی جملة من الروایات ، منها :

ما رواه الصدوق بإسناده عن جعفر بن محمّد الصادق عن آبائه علیهم‏السلام فی وصیة النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم لعلی علیه‏السلام قال : « یا علی ، ثلاثة من لقی اللّه‏ عزّوجل بهنّ فهو من أفضل الناس : 1 ـ من أتی اللّه‏ بما افترض علیه فهو من أعبد الناس ، 2 ـ ومن ورع عن محارم اللّه‏ فهو من أورع الناس ، 3 ـ ومن قنع بما رزقه اللّه‏ فهو من أغنی الناس . ثمّ قال : یا علی ، ثلاث من لم یکن فیه لم یتم عمله : ورع یحجزه عن معاصی اللّه‏ ، وخلق یداری به الناس ، وحلم یردّ به جهل الجاهل . . . إلی أن قال : یا علی ، الإسلام عریان ولباسه الحیاء ، وزینته العفاف ، ومروّته العمل الصالح ، وعماده الورع » ( (66) ) .
(صفحه 54)

الشاهد فی الاستدلال هو العمل بالفریضة وترک الحرام یعدّ ورعا . وهذا أقل المقدار الذی یکتفی به فی مسألة الکمال النفسی ، الأمر الذی ینقذ الإنسان من النار ویدخله الجنة .

وما رواه أبو بصیر عن الإمام الصادق جعفر بن محمّد علیهماالسلام : « من أقام فرائض اللّه‏ واجتنب محارم اللّه‏ وأحسن الولایة لأهل بیتی وتبرّأ من أعداء اللّه‏ فلیدخل من أی أبواب الجنة الثمانیة شاء » ( (67) ) .

فیما رواه السکونی عن أبی عبد اللّه‏ عن رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « إعمل بفرائض اللّه‏ تکن أتقی الناس » ( (68) ) .

وفی روایة اُخری عن محمّد الحلبی عن أبی عبد اللّه‏ علیه‏السلام قال : « قال اللّه‏ تعالی : ما تحبب إلیّ عبدی بأحب مما افترضت علیه » ( (69) ) . وجاء هذا الحدیث فی بعض الکتب بلفظ : « ما تقرّب إلیّ عبدی بشیء أحب إلیّ مما افترضت علیه » ( (70) ) .

وفی روایة اُخری عن أبی حمزة الثمالی عن الإمام علی بن الحسین علیهماالسلام : « من عمل بما افترض اللّه‏ علیه فهو من خیر الناس » ( (71) ) .

وفی البحار عن الإمام الحسن علیه‏السلام : « إنّ اللّه‏ عزّوجل بمنّه ورحمته لمّا فرض علیکم الفرائض ، لم یفرض علیکم لحاجة منه إلیه بل رحمةً منه إلیکم ، لا إله إلاّ هو لیمیز الخبیث من الطیب ولیبتلی ما فی صدورکم ولیمحّص ما فی قلوبکم » ( (72) ) .

تلخص من ذلک کلّه بأنّ من یعمل بالواجبات وینتهی عن المحرّمات علی ما هو مقرر فی الفقه وعلی حسب قواعد الشریعة یصحّ إطلاق الصفات الأخلاقیة التالیة علیه لما له من أثر معنوی کبیر علی القلب وکمال النفس :

1 ـ خیر الناس ، 2 ـ أتقی الناس ، 3 ـ أعبد الناس ، 4 ـ محبوب اللّه‏ ،
(صفحه 55)

5 ـ مقرّب عند اللّه‏ 6 ـ أورع الناس ، 7 ـ تحت رحمة اللّه‏ ، 8 ـ طیّب ، 9 ـ وبالتالی دخول الجنة والنجاة من النار ، فما خیرٌ بخیر بعده النار وما شرّ بشرّ بعده الجنّة .

هذه بعض الجوانب من آثار العمل بالواجبات وترک المحرمات ، ولیس بإمکاننا أن نذکر جمیع الآثار ، ثمّ تزداد العظمة ویصل الإنسان إلی قمّة الکمال فیما لو عمل بالمستحبات أو انتهی عن المکروهات ، وهکذا ترک ما هو أولی ترکه من المباحات ، وهذه الاُمور کلها فقهیة وتستتبع العظمة الروحیة : وقد بحثها الفقهاء فی کتب الفقه ( (73) ) .

النقطة الثانیة : لا بأس أن نشیر هنا إلی الأحکام الشرعیة ذات الطابع الأخلاقی ، حتی تعرف مدی الترابط بین الفقه والأخلاق ، مضافا إلی ما بیّناه فی النقطة الاُولی ، وإلیک فهرسة من تلک الأحکام ، تتلخص فی وجوب تهذیب النفس وطهارة الروح ، ویندرج تحت هذا الواجب الاُمور التالیة :

1 ـ وجوب اجتناب المحارم .

2 ـ وجوب أداء الفرائض .

3 ـ وجوب تقوی اللّه‏ .

4 ـ وجوب الورع .

5 ـ وجوب الطاعة للّه‏ والصبر علی طاعته والصبر عن معصیته .

6 ـ وجوب الخوف من اللّه‏ .

7 ـ وجوب الجمع بین الخوف والرجاء .

8 ـ عدم جواز تعلّق الرجاء والأمل بغیر اللّه‏ .

9 ـ وجوب التوکل علی اللّه‏ والتفویض إلیه .

10 ـ وجوب حسن الظن باللّه‏ وتحریم سوء الظن به .

11 ـ وجوب الیقین باللّه‏ فی الرزق والعمر والنفع والضرر .
(صفحه 56)

12 ـ وجوب العدل .

13 ـ لا یجوز لمن وصف عدلاً أن یخالف إلی غیره .

14 ـ وجوب تدبر العاقبة قبل العمل .

15 ـ وجوب إنصاف الناس ولو من النفس .

16 ـ إنّه یجب علی المؤمن أن یحب للمؤمنین ما یحب لنفسه ، ویکره لهم ما یکره لها .

17 ـ وجوب إیثار رضا اللّه‏ علی هوی النفس وتحریم العکس .

18 ـ تحریم کفران نعمة اللّه‏ .

19 ـ وجوب اجتناب الکبائر ، وتعیین الکبائر التی یجب اجتنابها وأنّها : الشرک ، والقتل ، والعقوق ، والربا ، التعرّب بعد الهجرة ، القذف ، أکل مال الیتیم ، الفرار من الزحف ، الیأس من روح اللّه‏ ، الأمن من مکر اللّه‏ ، السحر ، الزنا ، الیمین الفاجرة ، الغلول ، منع الزکاة ، شهادة الزور ، کتمان الشهادة ، شرب الخمر ، ترک الصلاة ، ترک شیء من الفرائض ، نقض العهد ، قطیعة الرحم ، والسرقة ، لعن الأب ، ضرب الولد ، السحت ، المیسر وهو القمار ، البخس فی المکیال والمیزان ، اللواط ، القنوط من رحمة اللّه‏ ، معونة الظالمین والرکون إلیهم ، وحبس الحقوق ، الکذب ، الکبر ، الإسراف ، التبذیر ، الخیانة ، والاستخفاف بالحج ، محاربة أولیاء اللّه‏ والاشتغال بالملاهی والإصرار علی الذنوب ، وترک معاونة المظلوم .

20 ـ تحریم طلب الریاسة مع عدم الوثوق بالعدل .

21 ـ تحریم إساءة الخلق .

هذه بعض الأبواب الواجبة والمحرمة مما یتعلّق بتهذیب النفس علی ما هو مبوّب فی وسائل الشیعة ( (74) ) ، ولو أردنا أن نذکر جمیع الأبواب بطولها لطال
(صفحه 57)

المقام ( (75) ) ، وهکذا توجد نفس المسائل فی باقی الجوامع الروائیة والفقهیة ( (76) ) وبعض الرسائل العملیة الجدیدة ، فراجع ( (77) ) !

وممّا جعل البعض من أهل التحقیق والفلاسفة والفقهاء المعاصرین أن یدرج عنوانا فی بیان نطاق المسائل الفقهیة ومجالاتها قد أسماه « الفقه الأخلاقی » فی کتابه المسمی بـ « فلسفة الدین » . وذلک إلی جنب تقسیمات اُخری کفقه العرفان وفقه العبادة ( (78) ) .

ویقول فی صدد تعریفه للفقه بمعناه الواقعی الشامل : « الفقه هو عبارة عن العلم بأحکام جمیع الأفعال والتروک للمکلفین بالنطاقین المادی والمعنوی ، مستندا إلی اللّه‏ بوسیلة الکتاب والسنة والإجماع والعقل ، بما یبین المصالح والمفاسد للحیاة المعقولة الإنسانیة ، مما تتوقّف سعادة الإنسان الدنیویة والاُخرویة علی ذلک » ( (79) ) ، ثمّ یضیف قائلاً : إنّ « المولوی » فی الکتاب الأوّل من دیوانه الشعری المسمی بـ « المثنوی » قد عبّر عن هذا الفقه بنطاقه الواسع باسم « الفقه الأکبر » ( (80) ) .

ولصحة عنوان « فقه الأخلاق » إلی جنب سائر التقسیمات الفقهیة یستدلّ العلاّمة الجعفری بقوله صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم : « بعثت لاُتمم مکارم الأخلاق » ، إذا نشکّل « الأخلاق » جانبا من رسالة الأنبیاء الحیویة وهی تدخل فی دائرة الفقه بمعناه العام ( (81) ) .

النقطة الثالثة : من شروط الفقیه الذی یرجع إلیه فی الفتوی « العدالة » وهی عبارة عن ملکة إتیان الواجبات وترک المحرمات ، والبعض أضاف : « وأن لا یکون مقبلاً علی الدنیا وطالبا لها مکبّا علیها مجدا فی تحصیلها » ، ففی الخبر : « من کان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدینه مخالفا لهواه مطیعا لأمر مولاه فللعوام أن یقلّدوه » ( (82) ) .
(صفحه 58)

والشهید العلاّمة المطهری رحمه‏الله أیضا یری أنّه یشترط فی المرجع للتقلید أمرا فوق العدالة ویذکر الحدیث المروی عن الإمام جعفر الصادق علیه‏السلام : « إنّا لا نعدّ الفقیه منکم فقیها حتی یکون محدّثا » ، أی یلهم إلیه من الباطن ، ویسأله الراوی متعجّبا : « أوَ یکون الفقیه محدّثا ؟ » ؛ حیث إنّ التحدیث الباطنی عن طریق الملک هو خاص بالرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم والإمام المعصوم علیه‏السلام ، فیجیب الإمام علیه‏السلام : « یکون مفهّما والمفهوم محدّث » ( (83) ) .

وقال بعض الفقهاء فی شروط نائب الغیبة :

الثانی من الشروط : إحاطته بالفقه تماما من کلّ حیثیة وجهة علما وعملاً ؛ بحیث یکون مرآة واقعیة للشریعة المقدسة من جمیع الجهات .

والرابع من الشروط : ـ وهو الأهمّ ـ انسلاخه عن المادیات بتمام معنی الانسلاخ وعلو همّته من کل جهة وکثرة اهتمامه بالدین وأهله وجهده فی الورع والتقوی ، وأن یکون متنزّها عن الصفات الرذیلة بل المکروهة ـ عند الناس ـ وعدم توهّم الاعتلاء فی نفسه علی أحد وکثرة مواظبته علی العبادة مع الخلوص ، کالتهجد فی اللیل والمداومة علی النوافل ، لیأخذ اللّه‏ تعالی بیده کما فی بعض الروایات ویلهمه بما هو صلاح النوع ( (84) ) ، ومراده من بعض الروایات هی الروایة المعروفة بـ « قرب النوافل » علی ما رواه أبان بن تغلب عن أبی جعفر علیه‏السلام ، أنّ اللّه‏ جلّ جلاله قال : « ما یقرب إلیّ عبد من عبادی بشیء أحب إلیّ ممّا افترضت علیه ، وأنّه لیتقرّب إلیّ بالنافلة حتی أحبه ، فإذا أحببته کنت سمعه الذی یسمع به ، وبصره الذی یبصر به ، ولسانه الذی ینطق به ، ویده التی یبطش بها ، إن دعانی أجبته وإن سألنی أعطیته » ( (85) ) .

ثمّ إذا کان الفقیه کذلک ، فلا شک أن تطفح رائحة الأنوار المعنویة علی المسائل الشرعیة من خلال طهارته الروحیة ؛ ممّا یجعل الفقیه والفقه والطالب
(صفحه 59)

والسائل فی أجواء التقرّب إلی اللّه‏ والنیل من السعادة والکمال وهی غایة أخلاقیة .

ومن هنا صحّ إطلاق « القدسیة » علی العلوم الفقهیة ومجتهدیها ، وقالوا : « إنّ الاجتهاد ملکة قدسیة » ، وقد نری هذه المسحة الإیمانیة ظاهرة علی العلوم الشرعیة برمّتها فی جمیع کتبها .

جعلنا اللّه‏ من الحاملین والطالبین والعاملین بعلوم آل محمّد علیهم‏السلام . وکمثال فعلیک بتورق صفحات المکاسب ، وکما یقول بعض الأساتذة من الفقهاء المعاصرین : المکاسب فقه مزدوج ومختلط مع الأخلاق والتربیة الإسلامیة ، وهو فی عین کونه کتابا فقهیا تحقیقیا فقد أشرب فی مطاویه الأخلاق الإنسانیة والعرفان الإسلامیة ، مما یجعل مدرّسی المکاسب الأجلاء فی غنی عن ذکر النکات الأخلاقیة التی یؤکّد علیها فی الحوزات العلمیة إذا وقفوا دون الظرائف الرائعة فیه ( (86) ) .

(صفحه 60)
الهوامش

______________________________

( 1 )المیزان فی تفسیر القرآن 5 : 350 .

( 2 )انظر : لسان العرب 8 : 175 ـ 177 . النهایة لابن الأثیر فی غریب الحدیث 2 : 231 . القاموس المحیط 3 : 44 . المصباح المنیر : 473 . المفردات فی غریب القرآن : 259 .

( 3 )الشوری : 13 .

( 4 )الشوری : 12 .

( 5 )البقرة : 135 .

( 6 )یوسف : 38 .

( 7 )إبراهیم : 13 .

( 8 )المیزان 5 : 350 ـ 351 .

( 9 )الحقوق فی القرآن ( بالفارسیة ) للشیخ آیة اللّه‏ مصباح الیزدی ( دام عزّه ) .

( 10 )الحقوق فی القرآن ( بالفارسیة ) للشیخ آیة اللّه‏ مصباح الیزدی . وراجع أیضا : کشاف الاصطلاحات للفنون لمحمد علی التهانوی ، مادة الشریعة 5 : 835 ـ 836 . ط ـ الإستانة 1317 .

( 11 )وربما إلی هذا التقسیم یشیر الحدیث النبوی المعروف کما فی الکافی الشریف وشرحه : إنّما العلم ثلاثة : أیة محکمة وفریضة عادلة وسنّة قائمة وما خلاهنّ فهو الفضل .

( 12 )راجع : أنوار الاُصول 3 : 362 . تقریرات درس آیة اللّه‏ مکارم الشیرازی ، ومصباح الاُصول 3 : 78 . تقریرات درس آیة اللّه‏ الخوئی رحمه‏الله فی معرفة حقیقة الحکم الشرعی التکلیفی والوضعی کما جاء فی تنبیهات الاستصحاب فی البحوث الاُصولیة .

( 13 )راجع : المیزان 4 : 137 فصاعدا ، فی ذیل الآیة الکریمة : « اصبروا وصابروا ورابطوا » .
(صفحه 61)

( 14 )راجع : المیزان فی تفسیر القرآن 4 : 127 . الوسائل ، باب کراهة ترک حضور الجماعة من کتاب الصلاة .

( 15 )العنکبوت : 45 .

( 16 )الروم : 21 .

( 17 )البقرة : 229 .

( 18 )البقرة : 85 .

( 19 )الحجر 91 ـ 94 .

( 20 )الحج : 41 .

( 21 )التوبة : 128 .

( 22 )الکهف : 6 .

( 23 )فاطر : 8 .

( 24 )نهج البلاغة ، الکتاب 53 .

( 25 )موطأ مالک 2 : 902 .

( 26 )النور : 62 .

( 27 )نهج البلاغة ، الخطبة : 216 .

( 28 )الفتح : 29 .

( 29 )المائدة : 2 .

( 30 )التوبة : 71 .

( 31 )البخاری فی صحیحه 2 : 6 .

( 32 )شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید ، الخطبة 167 .

( 33 )آل عمران : 130 .

( 34 )الشوری : 13 .

( 35 )الحجرات : 10 .

( 36 )آل عمران : 139 ، راجع فی المطلب بکامله تفسیر المیزان الجزء الرابع فی ذیل الآیة الکریمة « اصبروا وصابروا ورابطوا » ، والبحوث التفسیریة لآیة اللّه‏ جوادی آملی
(صفحه 62)

( دامت برکاته ) وکذلک کراس : حول العناصر الرئیسیة للسیاسة الإسلامیة لآیة اللّه‏ جوادی آملی ، طبع منشورات جماعة المدرسین فی الحوزة العلمیة بقم المقدسة .

( 37 )النجم : 31 .

( 38 )النجم 39 ـ 41 .

راجع : فی معنی الجزاء بالتفصیل : تفسیر المیزان 6 :358 ـ 361 .

( 39 )آل عمران : 30 .

( 40 )النور : 63 .

( 41 )آل عمران : 137 .

( 42 )محمّد : 10 .

( 43 )الکهف : 59 .

( 44 )النمل : 52 .

( 45 )الأنفال : 46 .

( 46 )طه : 134 .

( 47 )الأنفال : 25 .

( 48 )تفسیر جامع البیان لأحکام القرآن ، القرطبی 7 : 391 .

( 49 )یوسف : 111 . راجع : مجموعة بحوث فقهیة : 378 ـ 381 ، عبدالکریم زیدان ، مکتبة القدس ، مؤسسة الرسالة .

( 50 )راجع : اُسس الحدود والتعزیرات : 10 و 11 ، الطبعة الاُولی 1417 لآیة اللّه‏ الاُستاذ میرزا جواد التبریزی دام ظلّه .

( 51 )راجع : المصدر السابق .

( 52 )وسائل الشیعة للحر العاملی 19 : 19 ـ 33 ، باب 9 و 10 من أبواب قصاص النفس .

( 53 )القواعد الشرعیة 1 : 295 ، تألیف آیة اللّه‏ فاضل اللنکرانی ، الطبعة الاُولی 1416 ه .

( 54 )وسائل الشیعة 11 : 27 ، باب 9 من أبواب الجهاد ، ح 1 .

( 55 )عوالی اللئالی 1 : 456 . ورواه الترمذی فی کتابه 4 : 153 ، ب 40 .

( 56 )الکافی 2 : 17 ، ح 2 ، والبحار 89 :148 .
(صفحه 63)

( 57 )البحار ، 22 : 150 و 478 ، ح 142 و ح 26 .

( 58 )راجع : القواعد الفقهیة ، المصدر السابق .

( 59 )راجع : الأخلاق النظریة ، د . عبد الرحمن البدوی ، الطبعة الثانیة 1976 ، الکویت وکالة المطبوعات .

( 60 )راجع : أبحاث فی الاقتصاد الاسلامی : 21 ـ 22 ، د . محمّد فاروق النبهان ، مدیر دار الحدیث الحسنیة للدراسات الإسلامیة العلیا ـ طبع مؤسسة الرسالة .

( 61 )المدخل لدراسات العلوم القانونیة ، دکتور عبد الحی الحجازی 1 : 165 ـ 166 .

( 62 )هذه القواعد الأخلاقیة التی شرّعها القانون وألبسها ثوب القاعدة القانونیة ، جاءت فی کتاب القانون الخاص للحقوقی الفرنسی الشهیر کابیتان ، راجع H. Capirtant [ fntroduction a L,enude du droit civil ] : 23 ـ 24 ، نقلاً عن المدخل العام لعلم القانون باللغة الفارسیة للدکتور جعفری لنکرودی : 83 .

( 63 )راجع : المدخل لعلم القانون باللغة الفارسیة ، الدکتور ناصر کاتوزیان :32 ، الطبعة الثامنة عشر : بهنشر ، وکذلک المدخل العام لعلم القانون ، د . جعفری لنکرودی ، المصدر السابق .

( 64 )دستور الجمهوریة الاسلامیة ـ الترجمة العربیة ـ طبعة منظمة الإعلام الإسلامی ، طهران .

( 65 )مهذّب الأحکام فی بیان الحلال والحرام 15 : 272 ، طبع مؤسسة المنار ، الطبعة الرابعة 1416 ه .

( 66 )وسائل الشیعة 11 : 195 ، باب 21 من أبواب جهاد النفس ، ح 15 ، طبع إحیاء التراث العربی .

( 67 )المصدر السابق : 204 ، باب 33 من أبواب جهاد النفس ، باب وجوب اجتناب المحارم ، حدیث 16 .

( 68 )المصدر السابق : 206 ، باب 24 من أبواب جهاد النفس ، ح 6 .

( 69 )المصدر السابق 2 : 206 ، باب 24 من أبواب جهاد النفس ، ح 4 .

( 70 )جامع أحادیث الشیعة 7 : 99 .
(صفحه 64)

( 71 )وسائل الشیعة 11 : 205 ، باب 24 من أبواب جهاد النفس ، ح 1 .

( 72 )البحار 23 : 100 .

( 73 )راجع : مهذّب الأحکام فی بیان الحلال والحرام 15 : 259 ـ 315 .

( 74 )وسائل الشیعة 11 : 10 ـ 19 ، فهرست کتاب جهاد النفس .

( 75 )واحد ومائة باب بین واجب وحرام ومستحب ومکروه .

( 76 )راجع : مهذّب الأحکام الجزء 15 .

( 77 )توضیح المسائل لآیة اللّه‏ الشیخ حسین المظاهری ، الملحقات : 435 ـ 527 ، بالفارسیة ، فراجع .

( 78 )فلسفة الدین ، العلاّمة محمّد تقی الجعفری : 188 ، بالفارسیة ، الطبعة الاُولی .

( 79 )المصدر السابق : 177 و 188 .

( 80 )المصدر السابق : 188 . وراجع : المثنوی المولوی ، الباب الأوّل ، المقدمة .

( 81 )المصدر السابق : 199 .

( 82 )العروة الوثقی 1 : 1 ، مسألة 22 فی التقلید ـ طبع المکتبة العلمیة الإسلامیة ـ وعلیها تعلیقات کبار مراجع العصر .

( 83 )کتاب « خاتمیت » بالفارسیة 127 ـ 128 ، انتشارات صدرا ـ الطبعة الاُولی ، وهو ینقل عن رجال الکشی ، ح 2 ، بدل منکم : منهم أی « من الشیعة » .

( 84 )مهذّب الأحکام 15 : 77 و 86 .

( 85 )وسائل الشیعة 3 : 53 ، باب 17 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها ، ح 6 .

( 86 )آیة اللّه‏ الشیخ علی الکریمی الجهرمی فی کتابه « مع معلّم الأخلاق فی صفحات المکاسب » : 5 ، طبع المؤتمر العالمی لمناسبة الذکری السنویة الثانیة لمیلاد الشیخ الأنصاری قدّس اللّه‏ سرّه .
منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » تابستان 1382 - شماره 30 (از صفحه 29 تا 64)

 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010