الرئيسية الجزائیات العام الفقه والعرف (1)
الفقه والعرف (1) PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 03 أكتوبر 2010 19:06

 الواسعی، السیدمحمد
فی البدء یتعرض المقال إلی أهمیة العرف ودوره فی الاستنباط من زوایا وجهات عدیدة ، مؤکدا من خلال ذلک سعة البحث فی هذا المضمار وعمقه .

ثمّ یعرض وبشکل منهجی للموضوعات التالیة :

أوّلاً ـ تعریف العرف .

ثانیـا ـ تقسیمات العرف .

ثالثـا ـ حجّیة العرف .

رابعـا ـ مجالات العرف .

وخاتمة فی نتائج البحث .
المقدمة : فی أهمیة البحث :

البحث عن العرف ودوره فی الاستنباط یُعدّ من أکثر البحوث أهمیة فی عصرنا الحاضر ؛ وذلک :

1 ـ إهتمام وسائل الإعلام ـ کالصحف ـ بطرحه ، حیث تعرضت له وناقشت
(صفحه 144)

دوره فی عملیة التقنین . وطُرحت فی هذا المجال بعض التصورات الداعیة إلی ضرورة التغییر فی أحکام الشرع وقوانین الاسلام تبعا لتغیر الأعراف وتبدلها ، لکی یحافظ الاسلام علی مواکبته للعصر والعرف السائد فیه .

فیما ذهب بعض آخر إلی أکثر من ذلک مدّعیا حیلولة الدین دون حرکة المجتمع وتطوره ، ورائدهم فی ذلک ما تصوروه ـ خطأ أو خداعا ـ عن ثورة الغرب الصناعیة فی اُخریات القرن التاسع عشر المیلادی وعلاقتها السلبیة بالمسیحیة المحرّفة ، حیث تصوروا أنّ وقوع تلک الثورة واستمرارها بفعل التطورات ، والإختراعات العلمیة ، والقوانین المناسبة لها ، کان تماما فی النقطة المقابلة لأحکام المسیحیة وتشریعاتها الجافّة .

ومن هنا تأتی الدعوة إلی إهمال قوانین الاسلام والعمل بالقوانین المتمشیّة والعرف فی کل زمان . الأمر الذی صنعته اُورپا حین خلعت سلطنة الکنیسة المتحجرة وانطلقت إلی تطور مذهل وسریع فی کافة الصُعد العلمیة والصناعیّة والمدنیة والإقتصادیة .

لقد تکفل الإسلام ـ باعتباره الدین الوحید الذی لم تمسه ید التحریف ـ بسعادة الإنسان فی شتی الأبعاد المادیة والمعنویة . وسعی عبر تشریعاته النابعة من حاجات الإنسان الواقعیة إلی تحقیق کافة مقتضیات التنمیة وعوامل التقدم فی جمیع المجالات العلمیة ، والثقافیة ، والاجتماعیة ، والسیاسیة والاقتصادیة . أجل ، لقد شرع اللّه‏ سبحانه الإسلام وقوانینه وهو المحیط العالم بما تملیه حیاة الإنسان الفردیة والاجتماعیة من مقتضیات وضرورات ، فکانت تشریعاته علی وفق مصالح الإنسان ونفعه .

ومن هنا فإنّ من واجب الباحثین والعلماء التعریف بالوجه الحقیقی والمشرق للبعد التشریعی والتقنین فی الاسلام ، والتصدّی لعملیات التشویه المطروحة فی هذا المجال ( (2) ) .
(صفحه 145)

وتأتی دراستنا للعرف وعلاقته بالفقه ـ بصورة مستوعبة وشاملة ـ خطوة فی هذا السیاق المذکور .

2 ـ وجود حالة من التطلّع إلی معرفة دور العرف ، فإنّ ثمّة أسئلة تثار ـ وهی تعکس بلاشک انفتاح باب البحث فی هذا الموضوع ودراسة علاقته بالفقه ـ عن مدی حجیته واعتباره دلیلاً علی الأحکام الفرعیة ، وهل أنّها ترقی فی قیمتها الدلالیة إلی مستوی الإستنباط کواحد من الأدلّة المعتبرة فیه ، أم تنحصر حجیته بموارد سکوت الشارع ، وما لا نصّ فیه ؟ وإذا کان الأمر کذلک فهل أنّ حجیة العرف إلی حدّ بحیث تقع طرفا فی معارضة أدلّة الأحکام ، أو انّها تتأطر بحدود تشخیص الموضوع وتحدید دائرته سعة وضیقا ، وفهم معانی الألفاظ ؟ وهل ثمّة اتفاق بین المسلمین علی اعتبار العرف وحجیته أم تختلف الآراء فی ذلک ( (3) ) ؟

3 ـ عدم تعرض کتبنا الاُصولیة لهذا البحث بصورة مستقلة بالرغم من أهمیته الکبیرة ودوره فی جملة من الأدلّة ؛ کدوره فی حجیة الظواهر ، ومرجعیته فی تحدید الموضوعات الفقهیة والاُصولیة ، کما أنّ البحث فیه یشمل بناء العقلاء ، وسیرة المتشرعة ، وغیرها من الأدلّة الاُصولیة ( (4) ) ، وهذا ما یحتّم بحثه بشکل منفرد ومستقل ، لاستکشاف دوره فی عملیة الاستنباط .

4 ـ دور العرف فی فهم الخطابات الشرعیّة ؛ وذلک لأنّ الفهم العرفی یعتبر من أهم العناصر المؤثرة فی الاستنباط ؛ إذ مما لاشک فیه أنّ بعثة الأنبیاء إنّما هی لبیان الأحکام والمعارف للناس ، قال تعالی : « وما أرسلنا من رسولٍ إلاّ بلسانِ قومه لیبیّنَ لهم » ( (5) ) ، وهذا یفترض أن یکون بیانهم واضحا ومفهوما للناس ، فما لم یتضح مراد الشارع فإنّه لا یمکن إطاعة أوامره .

وعلی ضوء ذلک ، فإنّ فهم الأجیال المتأخرة عن عصر التشریع للأدلة والخطابات الشرعیّة یتوقف علی تشخیص العرف القائم حین صدور
(صفحه 146)

الخطابات ، کی تحمل مفاداتها علی معانیها العرفیة ( (6) ) ، هذا من جهة .

ومن جهة اُخری فانّه لابدّ من ملاحظة حالة اللاّاستقرار والتغیّر فی الأعراف واختلاف الأعراف الموجودة فعلاً عن الأعراف المقارنة زمن الصدور ، مما قد یوجب خلطا ـ کما وقع فیه کثیرون ـ فی فهم الأخبار ( (7) ) ، ولذا فانّه لابدّ من دراسة العلاقة بین العرف المقارن والعرف المتأخر ، ودور الأخیر فی تشخیص واکتشاف العرف المقارن .

5 ـ الدور الکبیر الذی یضطلع به العرف فی عملیة الاستنباط ؛ إذ قد لا نبالغ إذا قلنا أنّ الأساس فی کثیر من الخلافات الفقهیة یرجع إلی تعدد الاستظهارات العرفیة ، وقد یعوّل الفقیه علی فهمه الشخصی بظن أنّه مستمد من العرف ، کما أنّه قد یعتمد الدّقة العقلیّة والذوق الفلسفی بدل الفهم العرفی ( (8) ) . فالفقیه کما یقول المحقق القمی قدس‏سره : « متّهم فی حدسه بالنسبة إلی العرف ، وإن کان هو من أهل العرف ؛ لکثرة وفور الاحتمالات وغلبة مزاولة المتخالفة من الاستعمالات » ( (9) ) .

ویقول الإمام الخمینی قدس‏سره فیما یشترط فی الاجتهاد : « الاُنس بالمحاورات العرفیة ، وفهم الموضوعات مما جرت محاورة الکتاب والسنة علی طبقها والاحتراز عن الخلط بین دقائق العلوم والعقلیات الرقیقة ، وبین المعانی العرفیة العادیة ؛ فانّه کثیرا ما یقع الخطأ لأجله کما یتفق کثیرا لبعض المشتغلین بدقائق العلوم ـ حتی اُصول الفقه بالمعنی الرائج فی أعصارنا ـ الخلط بین المعانی العرفیة السوقیة الرائجة بین أهل المحاورة المبنی علیها الکتاب والسنة ، والدقائق الخارجة عن فهم العرف » ( (10) ) .

ومن هنا تتأکد وتتبلور ضرورة البحث فی هذا الموضوع والتحقیق فی جمیع ما کتب إلی الآن عنه ؛ لنقف علی الفرق الفارق بین العرف والعقل فی مجال الاستنباط .
(صفحه 147)

6 ـ إعتماد العرف وسیرة العقلاء دلیلاً بوحدهما فی کثیر من الموارد ، خصوصا بعد رفض جمع من محققی علم الاُصول لجملة مما کان یعتمده القدماء ، من قبیل الشهرة الفتوائیة ، والإجماع المنقول ، وانجبار ضعف الروایة بعمل الأصحاب ( (11) ) .

ولا شک فإنّ الشارع قد اعتبر حجیة العرف فی کثیر من السیر العملیة ، إلاّ أنّ المهم هو التمییز بین أنواع هذه السیر العرفیة وتصنیفها ، فانها تختلف باختلاف المنشأ فیها ، فقد یکون المنشأ فیها هو العواطف ، أو الأخلاق ، أو العادة ، أو الحسن والقبح العقلیین ، أو الارتکازات والفطریات ، فلابدّ إذا من التمییز بین هذه المناشئ وعدم الخلط بینها لنصون بذلک عملیة الاستنباط من حالات الإفراط أو التفریط التی قد یبتلی الفقیه بها ( (12) ) .

وبعد هذه المقدمة فی أهمیة البحث وضرورة دراسته ، فإنّا سنعقد البحث هنا فی أربعة اُمور رئیسة ، هی :

الأمر الأوّل : کلیات عامّة ، تشمل : تعریف العرف لغة واصطلاحا ، المقارنات ، أرکان العرف .

الأمر الثانی : أنواع العرف ، وتشمل : العوامل المؤثرة فی العرف ، معرفة أنواع العرف .

الأمر الثالث : العرف والشرع ، ویحتوی علی مقارنة بین العرف وطریقة الشارع ، شروط حجیة العرف ، کون العرف دلیلاً مستقلاً أو لا ، درجات العرف فی الحجیة .

الأمر الرابع : تطبیقات العرف وموارد استعماله ، وتشمل : العرف ومسائل الاُصول ، استعمالات العرف وتطبیقاته فی الاستنباط ، حدود الدلالة العرفیة ، دور العرف فی تغییر الموضوع .

وخاتمة : نلخّص فیها نتائج البحث .
(صفحه 148)
الأمر الأوّل : حقیقة العرف

ونتعرض فیه للمعنی اللغوی واستعمالاته ، وکذلک المعنی الإصطلاحی ، ومقارنته بالمفاهیم المشابهة له ، ثمّ نبیّن أرکانه وعناصره .
أ ـ تعریفه اللغوی :

یستعمل فی عدّة معانی :

1 ـ تتابع الشیء علی نحو تتصل أجزاؤه .

2 ـ کل عال مرتفع .

3 ـ ضد المنکر ، بمعنی المعروف . والمعروف : الوجه ؛ لأنّ الإنسان یُعرف بـه .
ب ـ تعریفه الاصطلاحی :

وقد ذکروا له ـ سیما الاُصولیون ـ عدّة تعاریف متقاربة ، نذکرها مع حذف المکرر منها :

1 ـ تعریف الغزالی : هو ما استقر فی النفوس من جهة العقول ، وتلقته الطبائع السلیمة بالقبول ( (13) ) .

وقریب من هذا التعریف ما ذکره الجرجانی ( (14) ) ، وابن عابدین ( (15) ) .
المناقشة ـ ویلاحظ علیه :

أوّلاً : عدم کونه جامعا ولا مانعا ، لأنّه إن اُرید من ( العقول ) جمیعها ، فالتعریف غیر جامع ، وإن اُرید اجتماع جماعة من العقلاء علی أمر ، فالتعریف غیر مانع للأغیار .

ثانیـا : إنّ قید ( تقبله الطبائع السلیمة ) یُخرج العرف الخاص من التعریف ؛
(صفحه 149)

وذلک لأنّ الطبائع السلیمة واحدة وثابتة فی جمیع الأزمنة والأمکنة ، وأمّا العرف الخاص فهو متغیر بلحاظ المکان والزمان والطبقات الاجتماعیة .

ثالثـا : انّه یخرج ـ بقید ( العقول والطبائع السلیمة ) ـ العرف الفاسد ، مع أنّهم قسّموا العرف إلی صحیح وفاسد ( (16) ) .

2 ـ تعریف بدران : العرف هو ما اعتاده الناس فی سلوکهم ومعاملاتهم ، واستقامت علیه أوضاعهم ( (17) ) .
المناقشة ـ ویلاحظ علیه :

أوّلاً : عدم انحصار العرف بالمعاملات والسلوک ، بل هو شامل للأقوال والأفعال والاستعمالات ، حیث قسموا العرف إلی العرف القولی والعرف العملی ( (18) ) .

ثانیـا : عدم شموله لما یعتاد الناس ترکه . وعلیه فالتعریف غیر جامع .

3 ـ تعریف الاُستاذ عمید زنجانی : فقد عرّفه : بالعمل الإرادی الذی یعتاده الناس ، من دون نِفرة أو اشمئزاز منه ، ویطلق علیه الفقهاء : « السیرة العقلائیة » أو « السیرة العملیة » ( (19) ) . وعرّفه أیضا فی تعریف آخر : بالفعل الذی یستند إلی العقل العملی ، المعبّر عنه فی المنطق بـ « الآراء المحمودة » وهی : مجموع القضایا التی یتلقاها عامّة الناس بالقبول ، ویجرون علیها بحسب ارتکازاتهم ( (20) ) .
المناقشة ـ ویلاحظ علیهما :

أوّلاً : عدم شمولهما للعرف القولی ، فإنّ مما لا شکّ فیه أنّ المتفاهم العرفی للألفاظ المعبّر عنه بالحقیقة العرفیة ، هو عبارة اُخری عن العرف القولی الناشئ من کثرة استعمال اللفظ فی معناه المجازی مع قیام القرینة الصارفة ،
(صفحه 150)

والذی قد یبلغ کثرة الاستعمال فیه حدا یحصل معه التبادر بدون قیام القرینة علیه ، فإذا وجود العرف القولی أمر مفروغ عنه . والتعریفان المذکوران لا یشملان العرف القولی .

وأمّا عملیة الإنصراف إلی معنی خاص فهی وإن کانت ترتکز علی البناءات العرفیة کالتمسک بأصالة الظهور ، وأصالة الإطلاق ، وأصالة الجهة ، وهی جمیعا من العرف العملی التی یتمسک بها العرف العام ویجری علیها ، إلاّ أنّ المتفاهم العرفی من تلک الألفاظ هو عین العرف القولی کما بیّناه .

ثانیـا : خروج العرف الخاص والعرف المشترک بقید ( الأکثر ) فی التعریف الأوّل ، وقید ( مدرکات العقل العملی ) فی التعریف الثانی .

ثالثـا : اختصاص التعریف الأوّل بالعرف الناشئ من الفعل الإرادی المتکرر خاصة ، کأماریة الید علی الملکیة ، ولا یشمل الأعراف العقلائیة الناشئة من الارتکازات الفطریة ، کالتملک بالحیازة ـ مثلاً ـ الذی هو من المرتکزات الفطریة .

رابعـا : عدم شمول التعریف الثانی للعرف الفاسد ، مع أنّه ینقسم إلی الصحیح والفاسد .

خامسـا : خلط فی التعریف الثانی بین العرف فی محل الکلام وبین العرف الناشئ من الحسن والقبح العقلیین ، فإنّ الثانی وإن استند إلیه الفقیه ، إلاّ أنّه من باب حکم العقل ، لا العرف المصطلح ، فهو خارج عن محل الکلام .

4 ـ تعریف عبد الوهاب خلاّف : ما تعارفه الناس وساروا علیه من قول أو فعل أو ترک ـ ثمّ قال : ـ ویسمّی العادة ( (21) ) .

وهذا التعریف مطلق یشمل العرف العام والخاص ، والصحیح والفاسد ، فلا یتوجه علیه ما تقدم علی نظائره . ومن هنا فقد عبّر عنه العلاّمة السیّد محمّد
(صفحه 151)

تقی الحکیم بأنّه أقرب إلی الحقیقة ( (22) ) .

ومما یهوّن الخطب فی هذه التعاریف أنّها لیست تعاریف حقیقیة یراد بها بیان حقیقة الشیء ، بل هی شرح للإسم وتوضیح عام للمفهوم ( (23) ) .
ج ـ مقارنات :

1 ـ العرف والعادة : العادة هی من العود ، وتطلق علی الخُلق أیضا ، وهی أعم ـ کما یقول الاُستاذ مصطفی الزرقا ـ من العرف ؛ لشمولها للعادة الناشئة من العوامل الطبیعیة ، ومن العادة الفردیة ( (24) ) . فإنّ العادات علی ثلاثة أنواع :

الأوّل : العادات الفردیة التی یمارسها الفرد فی أعماله وتصرفاته الشخصیّة کالنوم فی ساعة معینة مثلاً .

الثانی : الاُمور المتکررة بفعل العوامل الطبیعیة والأسباب التکوینیة ، کالبلوغ المبکر فی المناطق الحارّة .

الثالث : ما تعتاده المجتمعات البشریة فی علاقاتها ،فإنّ لکل مجتمع طریقته واُسلوبه الخاص فی نمط علاقاته ( (25) ) .

والمنشأ فی هذه العادات مختلف ، فقد یکون المنشأ هو الارتکازات الفطریة ، وقد یکون الأهواء النفسیة ، أو الفکر والإرادة أو غیر ذلک . وجمیع هذه العادات هی مما یرادف العرف ، بغض النظر عن صحتها أو سقمها من حیث المنشأ .

2 ـ العرف والإجماع : ویفترقان فی :

1ً ـ یشترط فی تحقق الإجماع تحقق اتفاق الاُمّة ، أو کافّة أهل النظر والاجتهاد فیها ، أو مجتهدی مذهب معین علی اختلاف المبانی فی الإجماع . وأمّا العرف فانّه لا یشترط فیه ذلک ، بل یکفی سلوک الأکثریة ، بلا فرق بین أهل الاجتهاد وغیرهم ( (26) ) .
(صفحه 152)

2ً ـ یعتبر فی العرف تحقق الجری العملی علی فعل أمر أو ترکة ، فیما یکفی فی الإجماع اتفاق الفقهاء فی الرأی حسب ، ولو لم یستتبعه جری عملی .

3ً ـ إنّ العرف یتصف بالحسن تارة وبالقبح اُخری ، وأمّا الاجماع فلیس کذلک ( (27) ) .

4ً ـ قد یختص العرف بأهل بلد أو مکان ما ، والإجماع لیس کذلک ( (28) ) .

3 ـ العرف والقانون : والفوارق بینهما هی :

1ً ـ إنّ تحقق العرف واستقراره یستلزم مرور فترة طویلة ، وکذلک الأمر فی نسخ عرف ما بعرف آخر . وهذا بعکس القانون ، فإنّ تحققه أو نسخه لا یحتاج إلی ذلک .

2ً ـ إنّ العرف یستمد وجوده من سیرة الناس ، فهو ینشأ بشکل مباشر من الارتکاز الفطری لدیهم . وأمّا القانون فإنّه یُقرر بشکل غیر مباشر من قبل المنتخبین والنوّاب .

3ً ـ العرف أکثر إبهاما من القانون ( (29) ) .

4 ـ العرف و ( الموظة ) ! : والفوارق بینهما هی :

1ً ـ وجود الفارق النفسی بینهما ، فالأوّل فیه جانب الإلزام الاجتماعی بحیث یؤنب المتخلف عنه . وأمّا الثانی فلیس کذلک ، بل هو أمر طوعی ، والسرّ هو : ابتناء الأوّل علی أساس فکری ومنطقی بعکس الثانی ( (30) ) .

2ً ـ العرف أکثر ثباتا وبقاءً ، بعکس الثانی فإنّه أکثر تغیّرا وتحولاً . ومن هنا نجد أنّ العرف والعادات والآداب والرسوم هی من النماذج البارزة للترابط الخلقی والاجتماعی بین الناس ، الأمر الذی لا نلحظه فی الثانی ( (31) ) .
(صفحه 153)
د ـ أرکان العرف :

یتبین مما تقدم أنّ أرکان العرف عبارة عن :

1 ـ القول أو الفعل الخاصّین ، أو ترکهما .

2 ـ الاستمرار والدیمومة لهما .

3 ـ الاستمرار إلی حدّ العادة .

4 ـ أن لا یکونا ـ القول أو الفعل ـ ناشئین من الغریزة أو العوامل الطبیعیة .
الأمر الثانی : أنواع العرف

نعرض فی البدء للعوامل المؤثرة فی إیجاد العرف واستمراره وتغیّره ، ثمّ نشیر إلی أنواعه .
العوامل المؤثرة فی العرف :

لا شک أنّ للأعراف والعادات التی تظهر بین الناس ویطرأ علی بعضها التغیّر والتحول ، عللاً تتحکم بها ـ فهی معلولة لتلک العلل ـ مثلها فی ذلک مثل سائر الظواهر المعلولة الاُخری . ویمکن تحدید المنشأ والعلّة فیها بما یلی :

1 ـ الفطرة الإنسانیة یقول المحقق النائینی قدس‏سره فی بیان مناشئ السیرة العقلائیة : « . . . وإمّا أن تکون ناشئة عن فطرتهم المرتکزة فی أذهانهم حسب ما أودعها اللّه‏ تعالی فی طباعهم » ( (32) ) .

2 ـ الإدراک والتعقل ( (33) ) .

3 ـ التجارب ( (34) ) . الحاصلة من مجموع النجاحات والإخفاقات .
(صفحه 154)

4 ـ الأحکام الشرعیّة التی یبلّغها الأنبیاء فی وقتهم ثمّ تستمر من بعدهم ( (35) ) .

5 ـ القوانین اللزومیة التی تؤسسها الدولة أو أی سلطة اجتماعیة اُخری ، بحیث یجری علیها الجمیع حتی العقلاء ، فتکون عرفا جاریا فی المجتمع ( (36) ) .

6 ـ ما تملیه حاجات المجتمع ومتطلباته ، بنحو یقتضی طبع المجتمع بنفسه وجود العرف ، وتتفاوت هذه المتطلبات بحسب الأوضاع الاقتصادیة والاجتماعیة والطبیعیة والنظم والقوانین ، وخصائص الناس الخُلقیة والوطنیة ومیزان تمدنهم ( (37) ) .

7 ـ التعصبات العرقیة ، والمعتقدات الدینیة ( (38) ) .

8 ـ تقلید الآخرین سواء کانوا من المتقدمین أو المعاصرین ؛ فإنّ بعض الأعراف یمکن الاستغناء عنها وإلغاؤها ؛ لانعدام الحاجة إلیها ، ولکنها تُقرّ فی المجتمع وتبقی من باب التقلید للسلف ، أو المجاراة مع رأی غیرهم من المعاصرین ( (39) ) .

9 ـ العلاقات الاقتصادیة والثقافیة والریاضیة المتبادلة مع الدول المجاورة أو غیر المجاورة التی تؤثر وبشکل طبیعی فی تشکّل العرف وإیجاده .

10 ـ الغزو الثقافی الذی تقوده الدول الاستعماریة لتخریب القیم الخلقیة لدی شعوب الدول الاُخری ، وإحلال ثقافتها المتحلّلة مکانها . وبالمآل إلغاء عرف وإیجاد عرف جدید .

11 ـ التسامح ، فإنّ بعض الأعراف تنشأ من التسامح الذی یبدیه الناس فی بعض الاُمور ، فمثلاً نراهم ومن باب التسامح یدّعون الوصول إلی محل أو مکان ما مع انّه لم یحصل الوصول حقیقة . أو یتسامحون فیدّعون حصول القدر المعین الذی یفرض حصوله حقیقة مع أنّه غیر حاصل کذلک ( (40) ) .
(صفحه 155)

12 ـ الجهل ، فإنّه مصدر من مصادر الإفراط والتفریط فی السلوک الاجتماعی ، بحیث یتحول ذلک السلوک وبالتدریج إلی عرف رائج فی المجتمع .

وبعد ملاحظة هذه العوامل وتأثیرها فی العرف تتجلّی حینئذ ضرورة البحث فی أنواع العرف .

أنواع العرف : یمکن تقسیم العرف من جهات مختلفة إلی أنواع عدیدة :
أ ـ العرف العام والخاص :

العرف العام : هو العرف الذی یشترک فیه الأکثریة الساحقة من الناس ( (41) ) ، علی اختلاف ألوانهم وقومیاتهم ، ولغاتهم وثقافاتهم ، وأقطارهم وأزمانهم ( (42) ) وینتظم فی هذا القسم :

1 ـ المتفاهم العرفی ( = الفهم العرفی ) ، وهو عبارة عن الفهم العام لدی عموم الناس من الألفاظ علی اختلاف اللغات بینهم ، مثل المتفاهم العرفی من لفظ : ماء ، و ( آب ) بالفارسیة ، و ( Water ) بالانجلیزیة و . . .

2 ـ سیرة العقلاء فی الأخذ بظهور الکلام ، التملک بالحیازة ، أماریة الید علی الملکیة ، رجوع الجاهل إلی العالم ، وغیر ذلک من بناءات العقلاء .

3 ـ تشخیص المصداق ، فإنّ العرف العام یحکم بعدم صدق الدم کمفهوم علی مجرد اللون ( (43) ) .

والعرف الخاص : هو العرف الذی ینشأ عند طبقة خاصة تجمعهم وحدة من لغة أو دین أو مکان أو زمان أو مهنة ( (44) ) . وینضوی تحته :

1 ـ عرف المتشرعة الحاصل من استمرار المسلمین فی استعمال لفظ فی معنی ما ، أو فعل أو ترک ، علی نحو یکون المنشأ فیه هو الشرع ( (45) ) . ویشمل هذا : الحقیقة المتشرعیة فی الألفاظ ، وسیرة المتشرعة فی السلوک والأفعال ،
(صفحه 156)

وسیرتهم الاستنکاریة فی باب ترک الفعل . وسیأتی توضیحها لاحقا ( (46) ) .

2 ـ عرف أهل بلد معین أو محل خاص ( (47) ) .

3 ـ عرف بعض الأعصار والأزمنة . کما فی استعمال صیغ الوقف والوصایا التی تختلف من زمان إلی زمان ، کما أنّها تختلف باختلاف الأمکنة أیضا ( (48) ) .

4 ـ عرف أهل صنف معین ، کعرف أهل اللغة فی استعمال اللفظ فی معنی خاص بدون نصب قرینة ـ المعبر عن ذلک العرف بالحقیقة اللغویة ـ أو کعرف الخیاطین مثلاً فی کون الخیط والازرار علیهم فی خیاطة الثوب ( (49) ) .
ب ـ العرف القولی والعملی :

العرف القولی : هو العرف الحاصل من شیوع استعمال لفظ فی معنی معین ، بحیث ینصرف الذهن إلی ذلک المعنی بدون قرینة تدل علیه ( (50) ) . ویشمل هذا العرف : العرف القولی العام ، والعرف القولی الخاص :

1 ـ العرف القولی العام : وهو عبارة عن المتفاهم العرفی فی باب استعمال الألفاظ فی معانیها ، المعبّر عنه بالحقیقة العرفیة . وقد یشترک فی هذا العرف جمیع الناس علی اختلاف لغاتهم کما تقدم توضیحه فی تقسیم العرف إلی عام وخاص ، وقد یختص بأهل لغة خاصّه کاختصاص العرب فی إطلاق لفظ الدابة علی حیوان خاص مع أنّه عام وضعا لکل ما یدبّ علی الأرض ( (51) ) .

2 ـ العرف القولی الخاص : الشامل للحقیقة الشرعیّة والحقیقة المتشرعیة ، والفرق بینهما هو انّ الاُولی بلغ استعمال المتشرعة للّفظ فی معناه حدّا بحیث یتبادر المعنی من إطلاقه بلا قرینة فی عصر النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم ، کما فی لفظ الصلاة والصوم والزکاة والحج وغیرها ، وأمّا الثانیة فإنّه یتبادر المعنی من الاطلاق فیه ، ولکن فی العصر المتأخر عن زمانه صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم ( (52) ) .
(صفحه 157)

والعرف العملی : عبارة عن منهج عملی فی سلوک الناس ، ولیس المنشأ فیه العامل الطبیعی ، وتطبیقاته هی :

1ً ـ سیرة العقلاء ، وهی عبارة عن العمل العقلائی الذی یمارسه العقلاء ، کالتعاطی فی المعاملات مثلاً ( (53) ) .

2ً ـ سیرة المتشرعة ، وهی عبارة عن السلوک الذی یسلکه المتشرعة ـ بما هم متشرعة ـ المعاصرون لزمن الأئمة علیهم‏السلام . نظیر سیرتهم فی غسل الوجه فی الوضوء من الأعلی إلی الأسفل ( (54) ) .

3ً ـ السیرة العملیة المختصة ببعض البلاد ، کسیرة أهل بعض البلاد فی بیع بعض المبیعات بالعدد ( (55) ) .

4ً ـ الانصراف اللفظی القائم علی أساس البناءات العرفیة ، کانصراف الذهن عند سماع لفظ الخبز إلی الخبز المتخذ من الدقیق ، ولفظ اللحم إلی خصوص لحم الشاة . فلو قال القائل : اشتر خبزا ولحما ، انصرف إلی هذین الفردین من باقی الأفراد الاُخری للفظ الخبز واللحم ، ولیس ذلک إلاّ من باب المتعارف العملی بین الناس .
ج ـ العرف المطرد ، الغالب ، والمشترک :

العرف المطرد : هو العرف العام والشامل لکل ما تحته من مصادیق ، علی نحو یکون هو المتبع فی جمیع البلاد بین عامة الناس .

العرف الغالب : هو العرف الذی یُراعی فی أکثر الأعمال والوقائع الجاریة ( (56) ) .

وهذا العرفان لا یختصان بالعرف العام ، بل قد یکونا فی العرف الخاص أیضا ، فانّه قد یکون فی بعض الحالات مطردا ، کقیام العرف بشکل مطرد فی
(صفحه 158)

بعض المناطق علی أخذ قسم من المهر معجلاً وبعضه الآخر مؤجلاً . وقد یکون أیضا غالبا کقیام العرف فی بعض البلاد علی التعامل بالدینار أو الدولار ( (57) ) .

والعرف المشترک : هو الذی یتساوی العمل به أو ترکه بین الناس ، وقد یصطلح علیه بالمتساوی أیضا ( (58) ) .
د ـ العرف المقارن وغیر المقارن :

العرف المقارن : هو الذی یقترن وجوده مع شیء آخر ( (59) ) . وهو علی ضربین :

1ً ـ العرف المقارن لظهور الاسلام وصدر التشریع ، سواء کان قبل ذلک ثمّ بقی معاصرا له ، أو اقترن وجوده بالعصر الأوّل للاسلام ، بحیث یکون شاملاً للعرف المقارن القولی والعملی .

2ً ـ العرف المقارن لانعقاد العقود والمعاملات ، وصیغ الوصایا ، والإقرار وأمثالها .

والعرف غیر المقارن : هو العرف المتأخر عن حدوث الشیء . وهو علی ضربین :

1ً ـ العرف الحادث ، وهو الحاصل بعد تشریع الأحکام ( (60) ) .

2ً ـ العرف المتأخر ، وهو الحاصل بعد انعقاد العقد ، أو بعد الإقرار ، أو بعد الوصیة .
ه ـ العرف الدقیق والمسامحی :

العرف الدقیق : هو العرف الناشئ عن دقة التحقیق ( (61) ) . فمصداق کل مفهوم ینبغی تشخیصه بشکل دقیق . ولا ینبغی الخلط هنا بین العرف الدقیق ،
(صفحه 159)

والدقة الفلسفیة ، فالعرف یحکم ـ مثلاً ـ بعدم وجود الدم مع بقاء لونه ، ولکن العقل یحکم بوجوده لعدم إمکان التفکیک بنظره بین بقاء اللون وعدم وجود الدم ( (62) ) .

والعرف المسامحی : هو العرف الناشئ عن التسامح وعدم التدقیق ، المصاحب لحالة التخمین والتقریب .
و ـ العرف الصحیح والفاسد :

العرف الصحیح : هو العرف الموافق للموازین الشرعیّة ، کالعرف القائم بین الناس علی استعمال الألفاظ فی معانیها ومصادیقها ، أو قیام بعض المعاملات فی بعض المناطق بالنقود الرائجة فیها ( (63) ) .

والعرف الفاسد : هو العرف المخالف للموازین الشرعیّة ، کمخالفته لنص الکتاب أو ظاهره ، کالعرف القائم علی المعاملات الربویة ، أو الانشغال باللهو واللعب ، وکذا العرف المخالف للإجماع إذا کان کاشفا عن رأی المعصوم علیه‏السلام ، فإنّه من المخالفة للسنة کما لا یخفی .
الأمر الثالث : العرف والشرع
أ ـ العرف وطریقة الشارع :

یعتبر الاسلام ـ من حیث الزمان ـ آخر الأدیان ، کما أنّه ـ من حیث المضمون ـ یعتبر من أکمل الأدیان ، قال عزّ من قائل : « انّ الدین عند اللّه‏ الاسلام » ( (64) ) .

وأحکام الاسلام علی نوعین : الأحکام التأسیسیة ، والأحکام الإمضائیة . والاُولی هی الأحکام التی أسّسها الشارع ولم تکن إلی قبل تشریعه ، کوجوب الصلاة ، والحج بخصوصیاته التی فی الاسلام ( (65) ) . والثانیة هی الأحکام التی
(صفحه 160)

کانت موجودة قبل الاسلام فی الأدیان والمجتمعات السابقة علیه ، ثمّ جاء الاسلام وأمضاها .

کما أنّ ثمّه أعراف قد منعها الشارع ولم یقرّها . ونشیر فیما یلی إلی طریقة الشارع فی إنکار العادات والأعراف السابقة علیه :

1 ـ إقرار العادات والأعراف الدخیلة فی حفظ المجتمع وبقائه ، والتی تنسجم ومقاصد الاسلام ومصالح المکلفین الواقعیة . ومن ذلک باب المعاملات والعقود والایقاعات التی کان تشریعها عبارة عن إمضاء الشارع لها وإقرارها . کما فی آیة « وأحلّ اللّه‏ البیع » ( (66) ) ( (67) ) .

2 ـ إقرار بعض الأعراف مع تهذیبها وإجراء بعض التعدیلات علیها ، من قبیل أحکام القصاص ، والدیات ، والطلاق ، والعدّة ، وغیرها من الأعراف التی أمضاها الاسلام .

3 ـ رفض کثیر من العادات التی لا تنسجم وتشریعات الاسلام ، کالمعاملات الغرریة والربویة ، وظاهرة تبنی الأولاد التی کانت سائدة فی المجتمع العربی . وقد أوصی النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم معاذ بن جبل عندما وجّهه إلی الیمن قائلاً : « وأمت أمر الجاهلیة إلاّ ما سنّه الاسلام » ( (68) ) .
ب ـ الشروط المعتبرة فی العرف :

ذکر الفقهاء لحجیة العرف شروطا ، نشیر لها :

1 ـ أن یکون العرف عامّا وغالبا : وهذا الشرط لازم فی جمیع الأقسام المتقدمة للعرف ، اللفظی والعملی ، الخاص والعام . ولا ینبغی الخلط بین هذا الشرط وبین العرف العام والخاص ، لأنّ العرف الخاص واجد للشرط المذکور فی مورده ودائرته ( (69) ) .
(صفحه 161)

2 ـ أن یکون العرف دقیقا : یشترط فی العرف الدقة والوضوح للکشف عن مراد الشارع أو تشخیص مصداق الموضوعات بدقة . کما فی موارد الأوزان ، والمقادیر ، والمسافات الشرعیّة ، فإذا نقص الکر أو المسافة الشرعیّة شیئا قلیلاً ، لم یُلتفت إلی الصدق العرفی للکر والمسافة علیهما . بل لابدّ من مراعاة الدقة فی ذلک ( (70) ) .

3 ـ عدم مخالفة العرف للعقل العملی : بأن یکون مطابقا للعقل والذوق السلیم والرأی العام ( (71) ) . فالأعراف الفاسدة والضرریة والمخالفة للعقل العملی غیر مشمولة لدلیل الحجیة ، وهذا الشرط هو غیر البحث فی اتصاف العقل النظری وتمیّزه عن العرف بالدقة ، حیث یتقدم العرف ( أو الدقة العرفیة ) ولا یعتنی بالدقة العقلیّة ، کما تقدم بیانه فی الشرط الثانی .

4 ـ أن یکون العرف مقارنا : یشترط فی التمسّک بالعرف ـ فی الموارد التی نفتقد الدلیل فیها علی الحکم الشرعی ، ونلجأ لاثباته من طریق سیرة العقلاء ، أو المتشرعة ، أو للاستدلال به علی قاعدة اُصولیة ـ اتصاله بزمن المعصوم علیه‏السلام ؛ لیکون کاشفا عن صدور الردع أو عدم صدوره ، وبالتالی ثبوت کاشفیته عن الحکم الشرعی فی الصورة الثانیة . وأمّا إذا لم یحرز اتصالها وامتدادها إلی زمن المعصوم علیه‏السلام فلا یمکن حینئذ اعتماد کلا هاتین السیرتین فی الکشف عن الحکم الشرعی . کما أنّه ینبغی أیضا عند مراجعة العرف لتحدید معانی الألفاظ أن یکون مقارنا لزمن صدور الخطاب ، فالمدار لدی الشارع هو عرف زمن الصدور ، من دون ملاحظة ما یطرأ علی الألفاظ فی الأزمنة المتأخرة ، وعلی المکلفین فی عصر الحضور والخطاب ـ سیما أصحاب الأئمة علیهم‏السلام وتلامذتهم ـ نقل تلک المعانی التی فهموها إلی المتأخرین عنهم .

5 ـ إحراز عدم ردع الشارع : یشترط فی اعتبار العرف مضافا إلی ما تقدم
(صفحه 162)

ـ من لزوم مقارنته واتصاله بعصر المعصوم ، لکی یثبت حکما شرعیّا ، أو قاعدة اُصولیة ـ إحراز عدم صدور الردع عنه ( (72) ) . فلا یکفی مجرد عدم العلم بصدوره ، أو احتماله حتی یقال : ما لم یصدر الردع فإنّ سلوک العقلاء وسیرتهم حجة یلزم العمل بها شرعا ، بل لابدّ من إحراز عدم الردع کشرط کاشف عن تقریر الشارع . ولإحراز عدم الردع یشترط :

أن تکون السیرة العقلائیة بمرئی ومنظر من المعصوم علیه‏السلام ، أی متصلة بزمانه .

أن لا یکون ثمة معذور من الردع کالتقیة ؛ لیکتشف من سکوته الإمضاء والرضا ، وعلیه فإذا لم یتمکن الشارع من الردع من السیرة فلا کاشفیة عن الإمضاء ( (73) ) .

عدم وجود ما یصلح للردع فی الکتاب والسنّة ؛ فإذا وجد ما یصلح للردع فیهما کان کافیا فی الردع ، ولا یشترط أکثر من ذلک ، بأن یبرز الشارع بیانا خاصا للردع عن العرف ( (74) ) .

ومنه یعرف أنّه لو کان العرف مخالفا للإجماع الکاشف عن رأی المعصوم علیه‏السلام ، فلا عبرة به حینئذ ، وأمّا إذا لم یکن الإجماع کاشفا اُخذ بالعرف ( (75) ) .

6 ـ عدم التصریح بالخلاف : لا شک أنّه یرجع إلی العرف فی فهم مراد المتکلم ، إلاّ إذا کان هناک معنی خاصا مقصودا عند الطرفین ، فلا یرجع إلیه حینئذ ( (76) ) . وذلک لأنّ دلالة العرف دلالة ظنیة وظهوریة ، والتصریح بالخلاف متیقن ، فیتقدم علی الظنی ولا ینعقد للکلام ظهور بحسب الفهم العرفی . ومثاله ما لو کان العرف قائما علی تقسیط الثمن ، واتفق المتبایعان علی خلافه ( (77) ) .
(صفحه 163)
ج ـ عدم استقلال العرف فی الدلیلیة :

اتضح مما تقدم أنّ العرف لیس دلیلاً مستقلاً بنفسه ، بل هو بحاجة إلی إمضاء الشارع أو عدم ردعه . وقد اتضح هذا مما ذکرناه فی شرطیّة إحراز عدم صدور الردع من الشارع ، حیث ثبت هناک أنّ السیرة العقلائیة تستمد حجیتها من سکوت الشارع وتقریره ( (78) ) ؛ إذ العرف حجة ظنیة کاشفة کشفا غیر تام عن الحکم الواقعی ، والمتمم لحجیتها هو تقریر الشارع ( (79) ) . وهذا بخلاف حکم العقل فانّه حجة قطعیة مستقلّة لا یمکن للشارع رفعها ، کحکم العقل بوجوب العدل وحرمة الظلم ، وأیضا بخلاف سیرة المتشرعة ، فانها ناشئة من الشارع نفسه .

فالمتحصل هو عدم اعتبار العرف حجة مستقلة فی مقابل الکتاب والسنّة ، بل هو کاشف عن السنّة أو داخل فیها ( (80) ) کما هو الأمر فی الإجماع وسیرة المتشرعة .
د ـ مراتب حجیة العرف :

لا شک أنّ العرف العام هو المرجع فی فهم مدالیل الخطابات الشرعیّة ، فیما إذا لم یکن هناک عرف شرعی مفسّر للخطاب ( = الحقیقة الشرعیّة ) . فالعرف الشرعی مقدّم علی العرف العام . والعرف العام ( = الفهم العرفی ) مقدّم فی حال الاختلاف علی العرف الخاص ( العرف اللغوی ) ؛ إذ الثانی طریق وکاشف عن العرف العام . کما أنّ المرجع فی تحدید مصادیق الألفاظ بعد اتضاح معانیها ، هو العرف العام الدقی ( غیر المسامحی ) ، ومع فقده واختلاف الأعراف بلحاظ الزمان والمکان ، فالمرجع هو العرف المکانی أو الزمانی الخاص ، دون العرف المعاصر لزمن الشارع کما تقدم بیانه فی شروط حجیة العرف . فإذا کان ـ مثلاً ـ شیء کالحنطة من المکیلات عند بعض المکلفین ، فلا یصح عدّه من الموزونات إذا کان کذلک بلحاظ عرف بلد الآخر ( (81) ) .
(صفحه 164)

وأمّا مدالیل الخطابات غیر الشرعیّة ، فالمرجع فی فهمها وتعیین مصادیقها هو العرف الخاص لا العرف العام ، إلاّ إذا کان العرف الخاص مفقودا . کما أنّ المقدّم حال الاختلاف بین سیرة العقلاء والمتشرعة هو الثانی ؛ لأنّه کاشف قطعی عن الردع عن الأوّل .
الأمر الرابع : مجالات العرف
أ ـ العرف والمسألة الاُصولیة :

یختلف العرف باختلاف موارده . فقد یمکن عدّه مسألة اُصولیة فیما لو کان کاشفا عن حجیة الظواهر أو قول الثقة ، ونظائرهما مما یقع ممهدا فی طریق الاستنباط ، وأمّا لو کان کاشفا عن رأی المعصوم علیه‏السلام ، أو مراد المتکلم ( (82) ) ، أو لاثبات موضوع الحکم ، فلا یمکن حینئذ عدّه من مسائل الاُصول .
ب ـ دخالة العرف فی الاستنباط :

وینتظم فیه الموارد التالیة :

1 ـ فیما لو لم یوجد دلیل علی الحکم الشرعی سوی کاشفیة العرف . ویشترط فیه أن یکون عاما غیر خاص بزمان أو مکان معین ، وذلک لکی یتم إحراز اتصاله بعصر المعصوم علیه‏السلام ، وإحراز السکوت والتقریر وکونه من السنّة التقریریة ، وتعتبر سیرة العقلاء والمتشرعة من هذا القبیل ( (83) ) ، ولنذکر مثالین علی ذلک :

1ً ـ البیع المعاطاتی : قال الامام الخمینی قدس‏سره فی وجه صحته : « یدل علی صحتها ـ المعاطاة‏ـ السیرة المستمرة العقلائیة من لدن تحقق المدنیة والإحتیاج إلی المبادلات إلی زماننا ، بل الظاهر أنّ البیع معاطاة أقدم زمانا وأوسع نطاقا من البیع بالصیغة ، فلا ینبغی الشبهة . . . وقد کانت متعارفة فی عصر النبوة
(صفحه 165)

وبعده بلا شبهة ، فلو کانت غیر صحیحة لدی الشارع . . . لکان علیه البیان القابل للردع » ( (84) ) .

2ً ـ التصرف فی مثل الأراضی الوسیعة والأنهار الکبیرة : حیث قامت السیرة القطعیة علی ذلک وهی برأی ومنظر من الشارع . قال المحقق السیّد الخوئی قدس‏سره فی بیان ذلک : « فالعمدة هی السیرة القطعیة المستمرة حیث إنّ الناس یتصرفون فی الأراضی الوسیعة بمثل الاستراحة ، والتغذی أو الصلاة فیها ، وفی الأنهار الکبیرة بالشرب ، والإغتسال ، والتوضؤ ، کما هو المشاهَد فی الماشین إلی زیارة الحسین علیه‏السلام راجلاً » ( (85) ) .

2 ـ موارد الخطابات الشرعیّة المتضمنة للألفاظ التی لیس لها حقیقة شرعیة ، فإنّ المرجع فی فهم معانیها هو العرف العام ، المعبّر عنه بالتبادر المنساق إلی الذهن ، أو الانصراف والظهور العرفی ، کانصراف لفظ الدابّة لذوات الأربع خاصّة ، مع أنّه للأعم منها وهو کلّ ما یدبّ علی الأرض .

3 ـ الموارد التی أناط الشارع المقدس أمرها بالعرف ، کالموضوعات الخارجیّة المعبّر عنها بالموضوعات العرفیة ، فإنّ تشخیصها سعة وضیقا بید العرف ( (86) ) . ولم یتدخل الشارع فی تحدیدها . ویشکّل هذا القسم أهم موضوعات الأحکام الشرعیّة ، مثل :

إحیاء الأرض الموات ، فإنّه موضوع لحکم التملّک . قال المحقق السبزواری : « الإحیاء ورد فی الشرع مطلقا من غیر تفسیر ، فلابدّ فیه من الرجوع إلی العرف ، فالتعویل علی ما یسمّی فی العرف إحیاء » ( (87) ) .

مفهوم المؤونة المستثناة من الخمس ، ومفهوم العیال الواقع موضوعا لأحکام عدیدة . فانها مما یرجع فی تحدیدها إلی العرف ، قال صاحب الجواهر : « فالأولی إیکاله إلی العرف کإیکال المراد بالعیال إلیه » » ( (88) ) .
(صفحه 166)

الزیادة والنقیصة غیر المتسامح فیهما ، حیث تقعان موضوعا لخیار الغبن ، قال فی الجواهر : « والمرجع فی ذلک ـ بعد ان لم یکن له مقدّر فی الشرع ـ إلی العرف » ( (89) ) .

الاستحالة والإنقلاب ، فانهما موضوعان لطهارة الأعیان النجسة ، کاستحالة الکلب إلی الملح ، وانقلاب الخمر خلاًّ . فإنّ الملاک فی صدقهما هو العرف .

بقاء الموضوع فی الاستصحاب ، حیث یشترط فی جریان الاستصحاب اتحاد القضیّة المتیقنة والقضیّة المشکوکة حال الشک ، بمعنی بقاء القضیّة المتیقنة سابقا وکونها عین القضیّة المشکوکة فعلاً حال الشک ، وعلیه فإنّ بقاء الموضوع وتشخیص سعته وضیقه بید العرف . وقد صرّح بذلک صاحب الکفایة حیث ذکر : إنّ المعیار فی بقاء الموضوع هو اتحاد القضیّة المتیقنة والمشکوکة ( (90) ) .

4 ـ الموارد التی یُرجع فیها ـ لتعیین مراد المتکلم فی حال الإطلاق‏ـ إلی العرف سواء کان المتکلم هو الشارع أو غیره . أمّا الکشف عن مراد الشارع وفهمه فإنّه یدخل فیه کل ما یرتبط بالمدالیل الالتزامیة لکلامه ، شریطة أن تکون الملازمات العرفیة هی المنشأ فی الدلالة المذکورة . کما لو حکم الشارع بطهارة الخمر بعد انقلابه خلاًّ ؛ فإنّ العرف یحکم بطهارة ظرفه . ومثله أیضا الموارد التی یصلح فیها العرف أن یکون قرینة لتحدید مراد الشارع .

وأمّا الکشف عن مراد غیر الشارع فانّه یدخل فیه جمیع ما یدخل فی صیغ الوصایا والشروط والأوقاف وغیرها إذا کانت لها مدالیل ومعان عرفیة ، عرفا عامّا أو خاصّا ( (91) ) .

5 ـ موارد القواعد الاُصولیة المستخدمة فی الفقه وللعرف دور الکشف
(صفحه 167)

عنها ، کالعرف القائم علی الأخذ بظواهر الکلام ، أو بقول الثقة وغیر ذلک ( (92) ) . فقد ذکر المحقق النائینی : أنّ العمدة فی حجیة خبر الثقة هو السیرة العقلائیة . وأفاد المحقق السیّد الخوئی ـ فی حجیة الظواهر ـ : أنّ حجیتها مورد اتفاق العقلاء فی محاوراتهم ، حیث لم یؤسس الشارع طریقة جدیدة فی ذلک فیظهر منه حینئذ الإمضاء لطریقتهم .

وذکر السیّد البجنوردی ـ فی حجیة الاستصحاب ـ : انّ مما لا شک فیه أنّ سیرة العقلاء وبناءهم ـ سواء کانوا متدینین أم لا ـ علی العمل بالحالة السابقة ، وعدم الاعتناء بالشک فیها ، وهذا أمر مشهور وملحوظ فی کافة أعمالهم ومعاملاتهم ، وحیث انّ الشارع لم یردع عن هذه السیرة فانّه قد أجازها وأمضاها .

وقال المحقق الخراسانی فی قاعدة تقدم الأمارات علی الاُصول : أنّ تقدّمها مما یؤیده العرف .
ج ـ حدود دائرة العرف :

بناءً علی ما تقدم من حجیة العرف بالشروط السابقة فانّه یطرح ههنا سؤالان :

الأوّل : انّه هل یمکن للفقیه الاستناد إلی العرف فی استنباط الحرمة أو الوجوب ؟

الثانی : انّه هل یمکن التعدّی من بناء العقلاء فی زمن المعصوم علیه‏السلام إلی بناء العقلاء فی زماننا لاستنباط الحکم فی المسائل المستحدثة ؟

وعلیه فالبحث یقع فی أمرین :

أوّلاً ـ استنباط العرف للحکم الشرعی : والمقصود بالعرف هنا عبارة عن :
(صفحه 168)

سیرة العقلاء ، وسیرة المتشرعة ، والعرف اللفظی . فلابدّ من ملاحظة الضابط فی دلالة کل واحد منها ، فنقول :

إنّ سیرة العقلاء مجملة لا بیان فیها علی الوجوب ولا علی الاستحباب ، ولا الحرمة ولا الکراهة ، إلاّ إذا اقترنت بقرائن حالیة أو مقالیة ، فالسیرة إذا تحققت فی مورد فهی لا تثبت أکثر من المشروعیة وعدم ثبوت الحرمة فی تلک الموارد ، کما أنّها لا تثبت أکثر من عدم الوجوب ومشروعیة الترک فی المورد الذی تنعقد فیه علی الترک .

وأمّا سیرة المتشرعة فهی قد تدل علی عدم لزوم الإتیان بفعل ، کمسح القدم فی الوضوء ببعض الکف ، حیث تدل علی عدم وجوب المسح بتمامها ، وقد تدل وتقوم علی الفعل أو الترک ، فتدل حینئذ علی جوازهما . نعم لو اُحرز الوجه فی عمل المتشرعة وانّه علی الاستحباب مثلاً ، ثبت بذلک الاستحباب حینئذ .

وأمّا العرف اللفظی فإنّه عین البیان ، وهو تابع لدلیله وخطابه .

ثانیـا ـ استنباط العرف لحکم المسائل المستحدثة : قد تقدم أنّ من شروط حجیة العرف کون السیرة العقلائیة بمرأی ومنظر من الشارع . وعلیه فإنّ تقریره منحصر بخصوص السیرة القائمة فی عصره ـ دون المتأخر عنه ـ علی نحو القضیّة الخارجیّة ، فلا إطلاق فیه لجمیع السیر المتأخرة ، بحیث یکون علی نهج القضیّة الحقیقیّة ؛ وذلک لأنّ التقریر والإمضاء السکوتی لیسا من قبیل الألفاظ لیقال انّهما ظاهران فی القضیّة الحقیقیّة . بل قد یقال باختصاص السیرة المعاصرة للشارع فی الإمضاء اللفظی أیضا ، فلا یعمّ غیرها . فلو أمضی الشارع العقود المعاصرة لزمانه بـ « أوفوا بالعقود » اقتصر فی دلالتها علیها حسب ، دون العقود المتأخرة من زمانه کما علیه
(صفحه 169)

جماعة من الفقهاء . وعلیه فلابدّ من درج العقود المستحدثة تحت واحد من العقود الممضاة لتتم مشروعیتها .

نعم ، ذهب جماعة إلی شمول عموم « أوفوا بالعقود » للعقود المستحدثة ( کعقد التأمین مثلاً ) حیث إنّ الشارع قد أمضی جمیع أصناف السیر العقلائیة بنظیر العمومات المذکورة ، فلا وجه حینئذٍ للانصراف .

وقد ذهب إلی هذا الرأی المحقق القمی فی جامع الشتات ، وصاحب العروة ، حیث یرون صحة کل معاملة تقع مشمولة للعمومات ، إلاّ إذا ثبت فسادها بدلیل خاص ، وذکر الامام الخمینی فی خصوص عقد التأمین أنّه عقد عقلائی وأنّ التعهد والالتزام الحاصلین فیه محترمان عند العقلاء .

وثمّة بحث جانبی آخر فی تحلیل الإمضاء الصادر من الشارع للتملک الحاصل بالحیازة . هل أنّه إمضاء لذات العمل الصادر عن العقلاء ـ الناشئ من الارتکازات والحیثیات العقلائیة ـ أو أنّه إمضاء لأصل الارتکاز العقلائی وبنائهم ؟ فیشمل حینئذٍ التملک بالحیازة بواسطة الآلیات الثقیلة الحدیثة .

والذی یبدو هو أنّ المنشأ من قبل الشارع هو العموم ؛ لتوفر ملاک الإمضاء فیه مع صدق تنبیه الغافل علیه ( (93) ) .

یقول السیّد محمّد باقر الصدر قدس‏سره : « إنّ سکوت الشارع وامضاءه لا یشمل العمل الخارجی الناشئ من الارتکازات العقلائیة فحسب ، بل یشمل أصل الإرتکاز والبناء العقلائی وإن لم یترتّب علیه أثر فی الخارج » .

انّ مما لا شک فیه هو کون الحکم تابعا للموضوع ، وانّ بین الاثنین علاقة السببیّة والمسببیّة ، بنحو انّ کل تغیّر فی الموضوع یستدعی تغیّرا فی الحکم أیضا ، وتغیّر الموضوع ناشئ من تبدّل العرف وتغیّره . . فإذا لا إشکال فی تغیّر الحکم بسبب تبدل الموضوع عرفا ، فإنّ مثل هذه التغییرات ـ سواء کانت
(صفحه 170)

عامّة أو خاصّة ، مخالفة للفتوی أم لا ـ مما تؤخذ بنظر الاعتبار ویترتّب علیها الأثر ؛ کما فی موارد تغیّر النقد الرائج ، وتجدد المالیة لما لیس له مالیة بسبب الانتفاع به فی بعض الحالات ، وإکراه غیر السلطان ، وتبدل المکیل إلی الموزون وبالعکس .

وإلیک مثالین تطبیقیین علی ما ذکرناه من تأثیر تبدل الموضوع علی الحکم :

1 ـ قد ورد النهی عن المعاملات الخالیة من الأغراض العقلائیة ، کما یستفاد ذلک من النهی عن أکل المال بالباطل ( (94) ) . ولذا أفتوا بحرمة بیع الدم والبول مثلاً ؛ لانعدام المنفعة العقلائیة فیهما . . . والمقصود بالمنفعة العقلائیة ، المنفعة الغالبة عند العقلاء لا النادرة ، وإلاّ لجاز بیع کل شیء ؛ إذ ما من شیء إلاّ ویتصور له منفعة ما ، فتلغو حینئذٍ شرطیة المنفعة الغالبة ( (95) ) . فالمدار إذا فی التحریم والجواز هو اعتبار المنفعة العقلائیة وعدمها . وهذا مما تؤثر فیه شرائط المکان والزمان ، فقد یجوز بیع شیء بعد تحریمه لتحقق المنفعة العقلائیة فیه ، بعد ان لم تکن ، کما فی بیع الدم فی عصرنا ( (96) ) .

وللمحقق الخوانساری بحث مفصل فی ذلک محصّله : أنّ الملاک فی جواز المعاملة علی شیء وجود الغرض العقلائی ، وعدم ورود النهی عنه ، کما فی بیع الدم فی عصرنا وتزریقه فی بدن المریض المشرف علی الموت فإنّه یشتمل علی فائدة عظیمة لا تخفی ( (97) ) .

2 ـ لقد نهی الاسلام عن الربا کما هو صریح القرآن الکریم ( (98) ) ، وموضوع الحرمة فیه هو کل مکیل وموزون کما ورد تحدید ذلک فی قول الامام الصادق علیه‏السلام : « لا یکون الربا إلاّ فیما یکال أو یوزن » ( (99) ) .

والمرجع فی تشخیص المکیل والموزون هو العرف ، وهو مختلف بحسب
(صفحه 171)

الأزمنة والأمکنة ، فقد یکون شیء فی زمان أو مکان معینین لیس من المکیل والموزون ، کالمعدودات ، فیجوز فیها التفاضل ، کبیع شاة بشاتین ، وبیضة باثنتین ، حیث سئل الامام الصادق علیه‏السلام عن ذلک فأجازه وقال : « لا بأس ما لم یکن کیلاً أو وزنا » ( (100) ) وأمّا إذا کانا یباعان بالوزن فلا یجوز التفاضل حینئذ ویدخلان فی موضوع حرمة الربا ، والعکس صحیح کما لو کانا سابقا من الموزونات ثمّ صارا من المعدودات ، جاز فیهما التفاضل وکانا موضوعان للحلیة والجواز .
نتائج البحث :

1 ـ تنشأ أهمیة البحث عن ( العرف والفقه ) من الاُمور التالیة :

طرح بعض الشبهات والتصورات المتطرفة والشاذة فی وسائل الاعلام کالصحف .

کثرة الأسئلة حول الموضوع والتطلّع إلی البحث فیه من قبل طلاّب العلم .

عدم وفاء البحوث الموجودة .

افتقار البحث إلی المنهجیة والاستیعاب .

2 ـ أنّ العرف هو عبارة عن رواج فعل أو قول أو ترکهما فی جمیع الأزمنة والأمکنة أو بعضها .

3 ـ أرکان العرف هی : القول أو الفعل الخاصّین أو ترکهما ، استمرارهما وشیوعهما ، نشوؤهما من العوامل غیر الطبیعیة .

4 ـ ینقسم العرف باعتبارات مختلفة إلی : العرف العام والخاص ، العرف العملی والقولی ، العرف المطرد والغالب والمشترک ، العرف المقارن والمتأخر ،
(صفحه 172)

العرف الدقیق والمسامحی ، العرف الصحیح والفاسد .

5 ـ تتفاوت شرائط حجیة العرف واعتباره بحسب اختلاف الأعراف ومجالاتها ، وهذه الشروط بشکل عام هی : الغلبة والشمول ، الدقّة ، عدم المخالفة لأحکام العقل العملی ، المقارنة والمعاصرة لعصر الشارع ، إحراز عدم الردع ، عدم التصریح بالخلاف .

6 ـ عدم اعتبار السیرة العقلائیة دلیلاً مستقلاً فی قبال الکتاب والسنّة ، بل حجیتها منوطة بکاشفیتها عن تقریر الشارع ، وعلیه فإنّ مرجعها إلی السنّة ، کما هو الحال فی الإجماع والسیرة المتشرعیة .

7 ـ یعتبر العرف الشرعی هو المعیار من بین سائر أنحاء العرف ، کالعرف العام ـ فضلاً عن الخاص ـ فی فهم معانی الألفاظ وتحدید مدالیل الخطابات ، فاذا لم یوجد عرف شرعی فإنّ المرجع هو العرف العام ، وأمّا فی مثل موارد الوصایا ، والوقوف ، فالمرجع فی تحدید مفاداتها هو عرف بلد المتکلم فإن لم یکن رُجع إلی العرف العام .

8 ـ یوظف العرف فی خمسة موارد فی عملیة الاستنباط الشرعی وهی :

أ ـ الکشف عن الحکم الشرعی .

ب ـ تحدید معانی الألفاظ .

ج ـ تشخیص حدود الموضوعات .

د ـ الکشف عن مراد المتکلم ومعرفته .

ه ـ معرفة أدلّة الأحکام ، کالأخذ بخبر الثقة مثلاً .

9 ـ إنّ المرجع فی حالات التعارض بین العرف والعقل لتشخیص موضوعات الاحکام وتحدیدها أو بقائها وارتفاعها ، هو العرف لا العقل ؛ لابتناء
(صفحه 173)

خطابات الشارع علی الفهم العرفی .

10 ـ یعتبر العرف العلمی دلیلاً لبیّا عار عن البیان ، فلا یدل علی حکم خاص بعینه ، إلاّ إذا اقترن بقرائن حالیّة أو مقالیّة تدل علی المقصود ، وهذا بخلاف العرف اللفظی فإن بیانه معه ، وهو تابع لدلیله اللفظی .

11 ـ انّه لا یمکن اعتماد العرف دلیلاً للاستنباط فی المسائل المستحدثة ، إذا کان إمضاؤه ثابتا عن طریق عدم الردع عنه ، ومثل هذا الإمضاء إذا ثبت فانّه یثبت بنحو القضیة الخارجیة الناظرة لخصوص العرف القائم زمن الإمضاء وهذا بخلاف ما لو کان الإمضاء ثابتا ببیان لفظی فانّه یکون حینئذ بنحو القضیة الحقیقیة ، فیشمل کافّة العقود والمعاملات حتی الجدید منها .

12 ـ إنّ لتغیّر الأعراف وتبدّلها أثرا مهمّا فی تغیّر موضوعات الأحکام الشرعیة وتبدّلها فی موارد وجود العلّة المنصوصة أو تنقیح المناط ـ الثابتان بملاحظة مناسبات الحکم والموضوع ـ وهذا هو السرّ فی دیمومة الإسلام وخلوده .

(صفحه 174)
الهوامش

______________________________

( 1 )المقالة منشورة فی مجلّة القبسات العدد 15 ـ 16 : 42 . قام بترجمتها إلی العربیة الشیخ صفاء الدین الخزرجی .

( 2 )انظر : نظریة العرف ، خلیل رضا منصوری : 89 .

( 3 )رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق ، علی محمّد محمودی ( بالفارسیة ) : 1 ـ 2 .

( 4 )انظر : نظریة العرف ، خلیل رضا منصوری : 8 ـ 11 و 48 .

( 5 )ابراهیم : 4 .

( 6 )مقالة کاربرد عرف در استنباط ، حسین رجبی ( بالفارسیة ) ، مجلة کیهان اندیشه ، العدد 48 .

( 7 )نظریة العرف ، خلیل رضا منصوری : 46 ـ 47 .

( 8 )مجلة کیهان اندیشه ، العدد 48 .

( 9 )قوانین الاُصول : 14 .

( 10 )الرسائل للامام الخمینی قدس‏سره : 96 .

( 11 )مباحث الاُصول ، تقریر أبحاث الشهید محمّد باقر الصدر ، سیّد کاظم الحسینی الحائری 2 : 93 .

( 12 )انظر : کیهان اندیشه العدد 31 ، أثر المعرفة البشریة فی المعرفة الدینیة .

( 13 )مجموعة رسائل ابن عابدین : 112 .

( 14 )الاُصول العامة للفقه المقارن ، العلاّمة محمّد تقی الحکیم : 419 .

( 15 )سلّم الوصول : 317 .

( 16 )مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 1 ـ 2 .

( 17 )تاریخ الفقه الاسلامی : 213 .
(صفحه 175)

( 18 )مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 2 .

( 19 )کتاب الفقه السیاسی ، عباس علی عمید زنجانی 2 : 217 .

( 20 )المصدر السابق : 218 .

( 21 )علم اُصول الفقه ، عبد الوهاب خلاّف : 99 .

( 22 )الاُصول العامة للفقه المقارن : 419 .

( 23 )مجلة المشکاة : العدد 21 ، بحث حول العرف : 2 .

( 24 )المدخل الفقهی العام 2 : 841 .

( 25 )أثر العرف فی الحقوق المدنیة لایران : 33 ـ 34 .

( 26 )الاُصول العامة للفقه المقارن : 420 .

( 27 )نظریة العرف : 174 .

( 28 )انظر : مقدمة علم الحقوق ، الدکتور قدرت اللّه‏ واحدی : 707 .

( 29 )المصدر السابق .

( 30 )انظر : مجالات الحقوق التطبیقیة ، حسین نجومیان : 316 ـ 317 .

( 31 )المصدر السابق .

( 32 )فوائد الاُصول 3 : 192 ـ 193 .

( 33 )مجلة کیهان اندیشه ، العدد 48 : 6 .

( 34 )کتاب العرف والعادة ، أحمد أبو سنة : 70 .

( 35 )فوائد الاُصول 3 : 192 ـ 193 .

( 36 )المصدر السابق .

( 37 )رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 35 .

( 38 )کیهان اندیشه ، العدد 48 : 6 .

( 39 )رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 35 .

( 40 )مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 5 .

( 41 )المصدر السابق : 3 .

( 42 )مصادر الاجتهاد ، آیة اللّه‏ جناتی : 395 .
(صفحه 176)

( 43 )مجلة المشکاة ، العدد 21 بحث حول العرف : 5 .

( 44 )انظر : منابع الاجتهاد : 395 .

( 45 )مجلة کیهان اندیشه ، العدد 48 : 5 .

( 46 )المصدر السابق : 8 و 9 .

( 47 )نظریة العرف : 54 .

( 48 )مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 7 .

( 49 )نظریة العرف : 56 .

( 50 )مجلة المشکاة ، بحثو حول العرف ، آیة اللّه‏ السیّد محسن الخرازی : 5 .

( 51 )المصدر السابق .

( 52 )انظر : اصول الفقه ، للمظفر : 31 ـ 32 . ط ـ الفیروز آبادی .

( 53 )انظر : مصادر الاجتهاد لدی المذاهب الاسلامیة : 395 .

( 54 )انظر : اُصول الفقه للمظفر : 405 .

( 55 )مجلة المشکاة ، العدد 21 . بحث حول العرف : 5 .

( 56 )دور العرف فی الحقوق المدنیة لایران : 35 ـ 36 .

( 57 )المصدر السابق .

( 58 )کتاب العرف ، عادل بن عبد القادر 1 : 233 .

( 59 )نظریة العرف : 56 .

( 60 )نظریة العرف : 55 .

( 61 )تذکرة الأحکام ، العلاّمة الحلّی 2 : 659 .

( 62 )مجلة المشکاة ، العدد 21 . بحث حول العرف : 3 ـ 4 .

( 63 )مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 6 .

( 64 )آل عمران : 19 .

( 65 )اُسس الاستنباط فی الحقوق الاسلامیة : 204 .

( 66 )البقرة : 275 .

( 67 )انظر : رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 36 .
(صفحه 177)

( 68 )تحف العقول : 25 .

( 69 )انظر : رسالة أثر العرف فی الحقوق المدنیة لایران : 35 .

( 70 )انظر : رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 103 .

( 71 )مصادر الاجتهاد لدی المذاهب الاسلامیة : 406 .

( 72 )انظر : اُصول الفقه للمظفر : 406 ـ 407 . ط ـ الفیروز آبادی .

( 73 )انظر : رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 61 .

( 74 )انظر : دروس خارج الاُصول لآیة اللّه‏ وحید الخراسانی مدّ ظله .

( 75 )انظر : مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 6 ـ 12 .

( 76 )انظر : مصادر الاجتهاد لدی المذاهب الاسلامیة : 406 .

( 77 )انظر : رسالة دور العرف فی الحقوق المدنیة لایران : 35 .

( 78 )انظر : رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 59 ـ 60 .

( 79 )مجلة التوحید ، العدد 58 ، مقالة العرف ودوره فی عملیة الاستنباط ، الشیخ محمّد علی التسخیری : 4 .

( 80 )انظر : مجلة المشکاة ، العدد 21 بحث حول العرف : 12 . ورسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 70 ـ 71 .

( 81 )انظر : مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 19 ـ 20 .

( 82 )مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 14 .

( 83 )المصدر السابق : 13 .

( 84 )کتاب البیع للإمام الخمینی 1 : 54 .

( 85 )التنقیح 4 : 385 .

( 86 )انظر : مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 13 .

( 87 )کفایة الأحکام ، السبزواری : 241 .

( 88 )جواهر الکلام 16 : 59 .

( 89 )المصدر السابق 23 : 43 .

( 90 )کفایة الاُصول : 386 . ط ـ آل البیت .
(صفحه 178)

( 91 )الاُصول العامة للفقه المقارن : 423 .

( 92 )مجلة المشکاة ، العدد 21 ، بحث حول العرف : 14 .

( 93 )رسالة دور العرف فی الفقه والحقوق : 107 .

( 94 )البقرة : 188 .

( 95 )جواهر الکلام 22 : 21 .

( 96 )دور العرف فی الفقه والحقوق : 108 .

( 97 )انظر : جامع المدارک 3 : 3 .

( 98 )البقرة : 275 .

( 99 )وسائل الشیعة 18 : 123 ، ب 6 من أبواب الربا ، ح 1 ، ط ـ آل البیت علیهم‏السلام .
( 100 ) المصدر السابق 5 : 134 .
منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » تابستان 1381 - شماره 26 (از صفحه 143 تا 178)

 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010