الرئيسية الجزائیات العام نظرات فی مسألة القیاس الفقهی (قراءة نقدیة لمقالة إعادة النظر فی القیاس الفقهی)
نظرات فی مسألة القیاس الفقهی (قراءة نقدیة لمقالة إعادة النظر فی القیاس الفقهی) PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 03 أكتوبر 2010 19:11

 الحسینی، السیدمحمد
نظرات فی lسألة القیاس الفقهی ( * )
( قراءة نقدیّة لمقالة إعادة النظر فی القیاس الفقهی )

اطلعت علی دراسة کتبها احد العلماء الباحثین تحت عنوان ( اعادة النظر فی القیاس الفقهی ) وهو عنوان یتراءی منه لأوّل وهلة انّه فی مقام الدعوة لتجدید النظر فی القیاس الفقهی ، إلاّ انّه سرعان ما یظهر للقارئ انّه بصدد النقض علی دعوة من هذا القبیل ، فقد جاء فی تصدیر الدراسة : « هناک بعض الدعوات لاعادة النظر فی القیاس بحجة انّ القیاس فی الأزمنة المتقدمة لم یکن محتاجا إلیه ، لوجود الأدلّة علی الأحکام الشرعیّة بصورة واضحة . امّا الیوم فقد یقال بضرورة اعادة النظر فی حجیته لاحتیاجاتنا إلیه فی حیاتنا العملیة » .

ولم تحدد الدراسة مصدر هذه الدعوات بشکل صریح ، مرجعة القارئ إلی ما هو منشور فی مجلة ( المنطلق ) اللبنانیة ، وبالتحدید فی عددها ( رقم 111 ) ، وقد اتخذ المقال طابعا علمیا إلی حدٍّ ما .
(صفحه 58)

غیر انّ اتصاف المقال بالطابع العلمی لا یعفی صاحبه من المسؤولیة العلمیة اتجاه عدد من الملاحظات التی ترد علی مقاله ، والتی نجملها فی ثلاث ملاحظات ، نلاحق بعضها بمجموعة اشکالیات تفصیلیة .
الملاحظة الاُولی :

یلاحظ علی المقال انّه عمد إلی التجزئة فی المناقشة وذلک من خلال الاقتصار علی مصدر واحد . فی وقت یفترض فیه أن یوسع الدائرة بحیث تشمل عددا من المصادر العلمیة للمعترض علیه ، خاصة فی موضوع من هذا القبیل ، وهو تطرق لنسبة مقولة خطیرة أو توحی بشیءٍ من ذلک . وإذا کان من حق المعترض الاقتصار علی مصدر واحد فإنّ علیه ـ اذعانا للمنطق العلمی علی الأقل ـ ان یشیر إلی ذلک ، وانّه یتعامل مع مصدر واحد ، لیعطی للقارئ والمتابع اشعارا بهذا المضمون وینبّهه إلی ضرورة توسعة دائرة متابعته لو کان بصدد حکم نهائی فی الموضوع .

هذا مضافا إلی أنّنا لم نفهم ما ختم به المعترض بحثه فی التفکیک بین ما أسماه الدعوة إلی اعادة النظر فی حجیة القیاس الظنی ، وبین العمل بالقیاس ، إذ نفی عن المعترض علیه اعتبار القیاس دلیلاً شرعیّا لعدم ثبوت حجیته فی علم الاُصول ، مما نقله عن ( کتاب النکاح ـ تقریرا لبحثه ) ، إذ کیف یکون المعترض علیه فی وارد اعادة النظر فی حجیة القیاس وهو لا یری حجیته فی علم الاُصول وانّه لا یثمر لاثبات الأحکام الشرعیّة ؟ ألا یدل هذا الذی یشیر إلیه المعترض علی ما بصدده المعترض علیه وهو تحدید ما هو من القیاس وما لیس منه ، مما سنشیر إلیه تفصیلاً ، وانّه فی مقام الحدیث عن الصغریات لا کبری القیاس . ثمّ لماذا نبذل جهدا فی کل هذه المناقشة ونحن نقرّ بأنّ الطرف الآخر لا یری حجیة القیاس . وکیف تصح نسبة الدعوة إلی القیاس إلیه ؟
(صفحه 59)

وإنّما نسوق هذه الملاحظة بعد افتراض صحة ما نسب للمعترض علیه من الدعوة إلی النظر فی حجیة القیاس ، لأنّنا سنبرهن علی عدم صحة هذه النسبة ، ولو علی مستوی المصدر الذی اعتمده المعترض فضلاً عن المصادر الاُخری .
الملاحظة الثانیة :

ویلاحظ ـ أیضا ـ علی المعترض الاجتزاء والتعامل مع بعض الأفکار الواردة فی المصدر علی نحو تجتزأ معه هذه الأفکار عن سیاقها کما سنشیر إلیه تفصیلاً ، فضلاً عن التفسیرات الکیفیة لبعض الفقرات ، والتی استوحی منها انّ المعترض علیه فی مقام الدعوة لاعادة النظر فی القیاس ، مع انّها لا صلة لها بموضوع القیاس ، لأنّ حدیث المعترض علیه فی المصدر المذکور کان فی اطار أوسع تناول فیه عدة قضایا تتصل بالمنهج الفقهی ولم یقتصر علی ما یتصل بالقیاس .
الملاحظة الثالثة :

ویلاحظ علی المعترض انّه یمارس نوعا من التبسیط فی بعض معالجاته کما یظهر فی حدیثه عن الصیغ التی تتخذها الروایات الواردة عن أهل البیت علیهم‏السلام من حیث الاجابة عن الموارد الخاصة أو من حیث الاجابة بلحنٍ أعم . وهو ما یظهر ـ أیضا ـ فی حدیثه عن اکتشاف الخصوصیات فی هذه الاجابات ومدی إمکانیة التعمیم مع عدمها . وسنشیر إلی ذلک تفصیلاً .

وفی الوقت الذی یمارس فیه ذلک یطیل فی ما لا یستحق الاطالة ، کما فی حدیثه عن حجیة القیاس وانّه مما ردع عنه الأئمة علیهم‏السلام فی وقت نقل فیه عن الوحید البهبهانی أنّ عدم جواز العمل بالظن بدیهی عند العوام فضلاً عن العلماء ، فلماذا هذه الاطالة ، لیتحدث عن أقسام القیاس فی الاصطلاح الفقهی ،
(صفحه 60)

وعن إمکانیة التعبد بالظن ؟ ! فهل تحدث المعترض علیه عن أصل الردع بالعمل بالقیاس ، أو ناقش فی جواز التعبد بالظن والاکتفاء به ؟ لیصار إلی بحث من هذا القبیل .

وإنّما ننفی المبرر لحدیث من هذا القبیل وبهذا الاسهاب سنبرهن أنّ المعترض علیه قد أکد فی ( المصدر ) الذی اعتمده صاحب المقال علی عدم جواز العمل بالظن إلاّ بدلیل خاص ، فضلاً عن المصادر الاُخری . وهو ما سنشیر إلیه لاحقا .

هذا مضافا إلی الإکثار فی عدد الدعاوی التی أتی علی ذکرها صاحب المقال والتی جعلها شاهدا علی ما أسماه بإعادة النظر فی القیاس الفقهی ، إذ سیتبین لنا أنّ عددا من هذه الدعاوی ـ کما أسماها ـ لا علاقة له بالقیاس أصلاً .

ومهما یکن من أمر ، فإنّ ما نحن بصدده من مناقشة المقال المذکور یمکن أن نصنفه إلی ثلاثة أبحاث :

الأوّل : فی الموقف من القیاس علی المستوی التاریخی . ونقتصر فیه علی ما علیه الرأی الامامی .

الثانی : فی بیان رأی المعترض علیه فی حجیة القیاس .

الثالث : فی التعلیق علی ما یستأهل التعلیق مما ورد فی المقال المذکور .
البحث الأوّل ـ فی القیاس تاریخیا :

وإن کان ثمّة اتفاق بل اجماع فی الطائفة الامامیة علی عدم حجیة القیاس ، إلاّ انّ هذا الاتفاق لم یمنع من الخلاف فی بعض التفاصیل ، بحیث یلاحظ الباحث التوسع فی عدم الحجیة تارة ، والتضییق ـ إن صح التعبیر ـ تارة اُخری کما سنشیر إلیه . وإن کان هذا التوسع أو التضییق ـ فی المحصلة ـ
(صفحه 61)

یرجع إلی عدم التحدید الدقیق لما هو من القیاس الجائز وما هو من القیاس الممنوع ، سواء کان ذلک علی مستوی الکبری ، أم علی مستوی الصغریات .

ولعل أوّل من نسب إلیه القول بالقیاس والعمل به هو ابن الجنید ( محمّد بن أحمد الاسکافی ) المتوفی عام 381 ه وهو أحد أشهر فقهاء الامامیة والذی قیل انّه أوّل من فتح باب الاجتهاد والتفریع والتظهیر ، وإن کان هناک من یأبی تصدیق هذه النسبة ، ویفسرها بنحو یجعل من القیاس المنسوب إلیه وإلی غیره من أصحاب الأئمة علیهم‏السلام ما یعرف بالقیاس المضمونی ، والذی یعنی الأخذ بالمجمع علیه من الاُصول والمصالح العامة مما علیه الکتاب والسنة کمعیار لاعتبار الأخبار ( (1) ) .

وإذا کان ما ینسب إلی ابن الجنید موضع شک ، فانّه لا شک فی نسبة رأی الشیخ أبو القاسم القمی المتوفی عام ( 1231 ه ) ، أحد أشهر علماء الاُصول والذی ذاع صیته مع کتابه ( القوانین المحکمة فی الاُصول ) حیث ضمّنه عددا من الآراء التی تخالف المشهور وما علیه عامة العلماء ، ومن ذلک القول بالعمل بمطلق الظن ومنه العمل بالقیاس .

ولا نعرف أحدا من علمائنا الأبرار من هو أکثر جرأة منه فی الخوض فی مسألة القیاس ، إذ اعتبر ما ورد من الأخبار ( المتواترة معنی ) فی الردع عن العمل بالقیاس مقصورا علی المعاصرین للأئمة علیهم‏السلام الذین تنکبوا وتنکروا لهم ورجعوا إلی اجتهاداتهم وآرائهم بمعزل عن الأئمة علیهم‏السلام ، فیکون القدر المتیقن من الأخبار صورة ما إذا أمکن الرجوع إلی الأئمة علیهم‏السلام ولا یشمل صورة عدم التمکن کما هو حال المتأخرین عن عصرهم علیهم‏السلام ، بل لا تشمل هذه الأخبار ـ من حیث الحرمة ـ القیاس الکاشف عن صدور الحکم عموما أو خصوصا عن النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم أو أحد الأئمة علیهم‏السلام ، فیکون القیاس فی حال عدم حضورهم من الرجوع الیهم ولا یکون مشمولاً بالردع مما هو علیه حال المعاندین والمتنکرین
(صفحه 62)

لهم فی حال حضورهم وحیاتهم علیهم‏السلام ، ولذلک ناقش القمی فی دعوی ضرورة الحرمة الشاملة لکل زمان ( (2) ) .

وثمّة تفاصیل اُخری ساقها القمی لجواز العمل بالقیاس شأنه شأن الظنون الاُخری ، مما دعا العلماء إلی التفتیش عن الحلول لما أثاره من اشکالات ، وخاصة تلک الاشکالات التی ساقها بخصوص الردع عن القیاس فی وقت یحکم فیه العقل بناء علی دلیل الانسداد بالعمل وفقا لکل ظن ، فانصرف العلماء إلی توجیه خروج القیاس ـ تخصصا ـ مما أسماه السیّد الخوئی من عویصات المسائل خاصة علی ما یعرف بمبنی الحکومة .

وقد مال السیّد محمّد المجاهد ( ت = 1244 ه ) أحد أشهر علماء الطائفة فی تلک الفترة إلی اعتبار القیاس مرجحا فی باب تعارض الأخبار ، فإذا کان القیاس لصالح أحد الخبرین المتعارضین فانّه یکون مرجحا له ( (3) ) ، وهو رأی له صدی أسبق تاریخیا فی علمائنا من تاریخ السیّد محمّد المجاهد . إذ نقل المحقق الحلی ( ت = 686 ه ) انّ ثمة من یرجح أحد الخبرین المتعارضین بالقیاس ، فما کان موافقا له تقدم علی الآخر ، ولا یکون مشمولاً بأدلّة عدم جواز العمل بالقیاس ، لأنّ الترجیح المذکور لیس من باب الدلیل علی الحکم بل من باب دفع الخبر المرجوح فیکون الخبر الراجح کالسلیم من المعارض . ثمّ ردّه الشیخ المحقق . وقد استظهر الشیخ الأنصاری انّ الرأی المذکور لبعض أصحابنا من علماء الطائفة ( (4) ) .

وعودا علی بدء ، نؤکد انّ التوسع فی نفی حجیة القیاس أو التضییق إن صحّ مثل هذا التعبیر یرجع فی المحصلة إلی عدم تحدید ما هو من القیاس الجائز وما هو من القیاس الممنوع .

ولذلک لم یکن القیاس المعروف بقیاس منصوص العلة حجة فی اُصول الامامیة قبل العلاّمة الحلی ( ت = 725 ه ) الذی قال فی البحث الرابع من
(صفحه 63)

کتابه ( مبادئ الوصول ) : « فی الحکم المنصوص علی علته : الأقرب عندی : انّ الحکم المنصوص علی علته متعد إلی کل ما علم ثبوت العلة فیه بالنص لا بالقیاس ، لأنّ قوله : حرمت الخمر لکونه مسکرا ینزل منزلة قوله : حرمت کل مسکر . . . والنص علی العلة قد یکون صریحا کقوله : لعلة کذا . . . کقوله لکذا ، أو بکذا ، أو یأتی بحرف ان کقوله « انّها من الطوافین علیکم » أو بالباء کقوله تعالی « فبظلم من الذین هادوا حرّمنا علیهم طیبات اُحلّت لهم » ( (5) ) » ( (6) ) .

وبالمقارنة مع ما کتبه الشیخ الطوسی ( ت = 460 ه ) یظهر الفرق ، إذ کتب فی عدة الاُصول : « وبیّنا انّ النص علی العلة الشرعیّة یجری مجری النص علی الحکم فی امتناع التخطی إلاّ بدلیل مستأنف » ( (7) ) .

بل یظهر علی ذلک بالمقارنة مع المحقق الحلی ( ت = 676 ه ) الأقرب إلی عصر العلاّمة الحلی ، إذ کتب فی ( معارج الاُصول ) : « النص علی علّة الحکم وتعلیقه علیها مطلقا یوجب ثبوت الحکم إن ثبتت العلة کقوله الزنا یوجب الحد ، والسرقة توجب القطع ، امّا إذا حکم فی شیء بحکم ثمّ نص علی علته فیه : فإن نص مع ذلک علی تعدیته وجب ، وإن لم ینص لم یجب تعدیة الحکم إلاّ مع القول بکون القیاس حجة ، مثاله : إذا قال الخمر حرام لأنّها مسکرة ، فانّه یحتمل أن یکون التحریم معللاً بالإسکار مطلقا ، ویحتمل أن یکون معللاً بإسکار الخمر ، ومع الاحتمال لا یوجب التعدیة » ( (8) ) .

وبالمقارنة یظهر انّ الخلاف لا یرجع إلی الکلام فی حجیة أصل القیاس کما عن المحقق القمی ، بل یرجع إلی تحدید القیاس ، وإنّ القیاس فی منصوص العلة مما هو مشمول بأدلّة الحرمة أو لا ؟ وهذا یظهر مدی التحسس الذی هو علیه الجو العلمی السائد فی المدرسة الاُصولیة ، وهو موقف لم ینته ، فثمة من ینفی مطلق العمل بالقیاس سواء ما کان منه قطعیا أم کان منه ظنیا .
(صفحه 64)

فقد کتب الشیخ محمّد حسین آل کاشف الغطاء فی ( تحریر المجلة ) : « القیاس بجمیع أنواعه لا عبرة به عندنا معاشر الامامیة أصلاً ، فلو ثبت عندنا بالدلیل حکم لموضوع موافقا للقیاس أم مخالفا ، فالحکم یقتصر به علی موضوعه ولا یتعدی إلی غیره سواء کانت ظنیة أو قطعیة . نعم لو کانت العلة منصوصة کما لو قال حرمت الخمر لإسکارها أمکن عند بعضهم تسریة الحرمة إلی غیر الخمرة من المسکرات وإن لم یسم خمرا . . » ( (9) ) .

ونشیر هنا إلی انّ ما یذکره الشیخ کاشف الغطاء لا یتفق مع ما ذکره المعترض فی مقاله من انّه یکفی معرفة العلة للحکم من أی طریق کان ، وعندئذ یدور الحکم مدار علته سعة وضیقا . وما یذکره الشیخ کاشف الغطاء ـ فیما نقلناه عنه ـ یتناقض مع ما یذکره السیّد محمّد تقی الحکیم الذی ذکر فی کتابه ( الاُصول العامة للفقه المقارن ) : « وتمام رأینا فی القیاس : انّ القیاس یختلف باختلاف مسالکه وطرقه ، فما کان مسلکه قطعیا اُخذ به ، وما کان غیر قطعی لا دلیل علی حجیته » ( (10) ) .

وما ذکرناه من عدم تحدید القیاس هو الذی أثار الخلاف حول ما إذا کان الأولویة والاستقراء من القیاس الممنوع أو لا ؟ وقد نفی الشیخ الأنصاری أن یکون من القیاس ، بدعوی عمل غیر واحد من الأصحاب بهما ( (11) ) .

وفی الوقت الذی ینفی فیه عدد من علمائنا حجیة القیاس مطلقا ، فإنّ ثمّة من یعتبره صالحا للاحتجاج إذا کان مقطوع العلة ، مما یندرج تحت ما أسماه بالقیاسات الجلیة کقیاس الأولویة ، وما یقطع به لمناسبة الحکم والموضوع وما شابه ذلک من الأقیسة ومنه تنقیح المناط ( (12) ) .

علی انّ هناک من هاجم هذه الدعوات بشراسة کما یتضح فی ما کتبه المیرزا أبو الحسن الشعرانی فی تعلیقاته علی شرح الکافی للمازندرانی :
(صفحه 65)

« وهنا شبهة قویة لأنّا لم نر أحدا من فقهائنا إلاّ وقد ألحق غیر المنصوص به فی الجملة ، بل قلما یتفق مسألة لا یحتاج فیه إلی التجاوز عن مورد النص ، یعلم ذلک المتتبع للفقه . والتخلص منها بوجهین : الأوّل : أن یکون بالاجماع المرکب أو عدم القول بالفصل ، والثانی : أن یجعل بعض الملحقات من المدالیل اللفظیة عرفا مثل : « یغسل الثوب من بول ما لا یؤکل لحمه » یجعل تعبیرا عن النجاسة ، وإن کان یحتمل الغسل غیر النجاسة . وأیضا ورد النص فی الثوب لا فی البدن والأوانی وغیرها فیلحق غیر الثوب للاجماع . ولو لم یکن ذلک أوجب الالتزام بأنهم کانوا یقیسون وهو باطل ، وإنّما یشکل ذلک علی الموهنین لأمر الاجماع کالسبزواری رحمه‏الله ، وامّا المعتنون بالاجماع المعتقدون لحصلوه وتحصیله فی أکثر المسائل کالشیخ الطوسی والسیّد المرتضی وابن ادریس أو فی کثیر منها کالعلامة والشهید والمحقق فلا یعضل علیهم الشبهة . وقد یطلق فی عصرنا علی مثل ذلک تنقیح المناط ویزعمون انّه غیر القیاس ـ مع انّه من أردء أنواعه ، الذی لم یقل به بعض القائلین بالقیاس کما مرّ ، ولم یحققوا مرادهم ، وبالجملة إذا لم یکن التصریح بالعلة حجة فی باب القیاس کما قلنا ـ کیف یکون استنباط العلة بالقرائن والتخمینات حجة ، ولیس تنقیح المناط إلاّ ذلک ، فالصواب فی موارد التجاوز عن النص التمسّک بالاجماع المرکب وما ذکرنا منه » ( (13) ) .

ومن النص الذی نقلناه عن الشعرانی یظهر الخلاف واسعا ، ویتأکد ما أکدنا علیه من ضرورة تحدید القیاس ، وما هو الجائز منه وما هو الممنوع ، وهو ما کان المعترض علیه بصدده ، لا بصدد المناقشة فی أصل حجیة القیاس ، کما ادّعاه صاحب المقالة فی ما نسبه إلیه من اعادة النظر فی القیاس بحجة الاحتیاج إلیه ، إذ تبین انّ ما یعتبر قیاسا کما هو قیاس الأولویة والاستقراء مثلاً لا یعتبره آخرون من القیاس ، وإن کان کذلک فهو من القیاس الجائز ، وکذلک الحال فی مناسبات الحکم والموضوع وغیره .
(صفحه 66)

هذا کله علی مستوی البحث فی کبری القیاس ، وثمة بحث آخر فی الصغریات ، یجد فیه الباحث اختلافا شدیدا بین الفقهاء فی تعمیم الحکم الشرعی أو الاقتصار علی مورده ، یعکس الحاجة إلی تحدید القیاس مما دعا إلیه المعترض علیه . وهنا ـ فی الصغریات ـ یقع الخلاف أکثر مما هو واقع فی الکبریات ، بحیث یقع الاشتباه بین القیاس الجائز والممتنع علی حد تعبیر صاحب الجواهر ( (14) ) ، ولذلک استغرب صاحب الجواهر من القیاس الذی لجأ إلیه المحقق الثانی الشیخ الکرکی مع نهایة محافظته عن الوقوع فی القیاس علی حد تعبیر صاحب الجواهر ( (15) ) ، خاصة وقد ینشأ الخلاف فی تحدید ما هو علّة أو حکمة أو ما یقضی بالتعمیم أو یوجب القصر علی المورد . ویمکن أن نمثّل له بالموقف من وجوب صلاة الآیات عند وقوع الزلزلة بمقتضی ما دلّ علیه خبر الفضل بن شاذان عن الرضا علیه‏السلام انّه قال : « إنّما جعلت للکسوف صلاة لأنّه من آیات اللّه‏ . . . » ( (16) ) فقد استظهر بعض الفقهاء ـ ومنهم صاحب الجواهر ـ التعلیل فی النص المذکور المقتضی لوجوب الصلاة عند وقوع مطلق الآیة ، ومن ذلک الزلزلة ( (17) ) . ولکن مع استظهار التعلیل عند بعض فإنّ ثمة من یمنع من ذلک ، ویعتبر ما ورد فی الخبر المذکور لا یتعدی کونه حکمة للتشریع الذی لا یقتضی الاطراد ( (18) ) .

وهذا الاختلاف بین استظهار التعلیل أو کون المورد من بیان الحکمة یکشف عن مدی الحاجة إلی التوفر علی ضابط دقیق للتمییز بین الأمرین المذکورین . وسیأتی الحدیث عمّا یسمی مناسبات الحکم والموضوع لإلغاء احتمال الخصوصیة فی جواب الامام علیه‏السلام والتعمیم معه ، إذ سیتبین انّ ثمة اختلافا واسعا وعظیما فی مدی ادراک کون ذلک من الخصوصیات أو کونه مجرد مثال أخذ الروایة . ویمکن أن نشیر إلی مورد واحد هنا . علی أن نأتی علی عدد آخر من الموارد فی ما سیأتی . فقد اختلف الأصحاب فی مسألة عدّ
(صفحه 67)

الإعراض موجبا لزوال الملک أو لا ؟ ومما استدل به علی عدّه من موجبات الزوال بعض الروایات ، ومنها :

ما رواه الشعیری قال : « سئل أبو عبد اللّه‏ علیه‏السلام عن سفینة انکسرت فی البحر فأخرج بعضه بالغوص ، وأخرج البحر بعض ما غرق فیها ، فقال علیه‏السلام : امّا ما أخرجه البحر فهو لأهله اللّه‏ أخرجه لهم ، وامّا ما خرج بالغوص فهو لهم وهم أحق به » فعلّق علی الروایة الشیخ ابن ادریس ( محمّد أحمد الحلی ت 598 ه ) لبیان الفرق بین الحالتین قال : « وجه الفرق فی هذا الحدیث ان ما أخرجه البحر فهو لأصحابه ، وما ترکه أصحابه آیسین منه فهو لمن وجده أو غاص علیه ، لأنّه صار بمنزلة المباح ، ومثله من ترک بعیره من جهد فی غیر کلاء ولا ماء فهو لمن أخذه ، لأنّه خلاّه آیسا منه ، ورفع یده عنه ، فصار مباحا . ولیس هذا قیاسا لأنّ مذهبنا ترک القیاس ، وإنّما هذا علی جهة المثال . . . » ( (19) ) .

إلاّ انّ ما یراه الشیخ ابن ادریس واردا علی سبیل المثال فیصار إلی تعمیمه ، یراه السیّد الخوئی والسیّد الحکیم من قبیل الحکم التعبدی الذی یقتصر فیه علی مورده ( (20) ) ، ألا یستحق هذا الاختلاف فی الرؤی والاستظهار بعض التفکیر وإعادة النظر ؟ ! !
البحث الثانی ـ رأی المعترَض علیه فی القیاس :

ویمکن أن نُصنّف البحث المذکور فی شقین :

الأوّل منه : فی بیان رأیه من خلال المقال المنشور فی مجلة ( المنطلق ) والذی اعتمده المستشکل فی أصل دعواه ونسبة اعادة النظر فی حجیة القیاس إلیه .

والثانی : فی بیان رأیه من خلال المصادر الاُخری المتنوعة ، سواء ما کان
(صفحه 68)

منه فی تقریرات أبحاثه الفقهیة أو فی أجوبته علی المسائل التی ترد علیه من السائلین ، وغیر ذلک .
الأوّل :

وإذا کان قد أخذ المستشکل ما یتراءی منه فی کلمات المعترض علیه الدعوة لاعادة النظر فی حجیة القیاس ، فإنّ ثمّة ما یمکن أن یکون شاهدا علی العکس تماما ، إذ أشار المعترَض علیه فی عدة موارد علی عدم حجیة القیاس وان العمل به غیر جائز ، بل لا حاجة لمثله فی استنباط الأحکام الشرعیّة فی ظل وجود الروایات التی تفی بالمطلوب .
ومن تلک الموارد :

فی جواب له یقول : « هنا ، قد تستوقفنی بعض الموضوعات الاُصولیة المختلف حولها کالقیاس والاستحسان والعقل . والخلاف فیها یتفرع إلی شقین :

الأوّل : وهو حجیة هذه العناوین ، لأنّ أی عنوان من العناوین التی تأخذ موقع البرهان والحجة لابدّ من أن یقوم الدلیل القاطع علی حجیتها امّا من خلال العقل وامّا من خلال الشرع حتی یمکن للحکم الشرعی المستنبط منها أن یکون معذّرا أمام اللّه‏ سبحانه وتعالی ، وبالتالی لیصح أن ننسب الحکم الشرعی إلی مصدره ، فإذا لم یکن معتبرا فکیف یمکن لنا أن نحقق هذه النسبة ؟ عند ذلک تکون المسألة داخلة فیما یصطلح علیه بالتشریع الذی هو إدخال ما لیس فی الدین فیه أو إدخال ما لم یعلم انّه من الدین فی الدین ، وهذا ما تعبّر عنه الآیة الکریمة « أاللّه‏ُ أذِنَ لَکُمْ أمْ علی اللّه‏ِ تَفْتَرونَ » ( (21) ) فلابدّ أن یأذن اللّه‏ لنا فی نسبة أی حکم إلیه وإلی رسوله من خلال الوسائل الدلیلیة التی تؤکد کون هذا الحکم حکما شرعیّا . ولهذا کان الجدل ، وهو لم یکن فی القیاس بشکل مطلق أو فی الاستحسان کذلک وفی العقل أیضا . کان الجدل
(صفحه 69)

ینطلق من القیاس الظنی والاستحسانات الظنیة والعقل الظنی ، لأنّ الأصل فی الظن بحسب حکم العقل وبحسب أدلّة النصوص القرآنیة عدم الحجیة ، لأنّ الظن یلتقی مع احتمال الخلاف ، فلابدّ لنا من أساسٍ یلغی احتمال الخلاف حتی تکون المسألة واضحة بشکل حاسم ، لأنّه عندما تحتمل وجود الخطأ أو الکذب ، أو أی احتمال یبتعد بالمسألة عن دائرة الحقیقة فکیف یمکن لک أن تسقط هذا الاحتمال ؟ إنّ الطریقة الاُصولیة تقول لابدّ من اسقاط هذا الاحتمال إمّا بحجة عقلائیة مألوفة من الشارع ، أو غیر مردوعة من الشارع ، وإمّا بجعل شرعی یجعل هذا الدلیل حجة فتکون نتیجة إلغاء احتمال الخلاف شرعا هنا أو إلغاء احتمال الخلاف عقلائیا هناک . ولذلک بدأ الحدیث فی حجیة القیاس الظنی علی أساس أن نقل حکم من موضوع إلی موضوع آخر لمجرد المشاکلة والمشابهة بینهما فی بعض الخصوصیات لیس حجة ولا یرتکز علی حجة ، وذلک من جهة أنّنا لا نستطیع أن نعتبر انّ الأساس فی هذا الحکم الذی ثبت لهذا الموضوع هو هذه الخصوصیة الموجودة فیه لننقل الحکم بلحاظ الخصوصیة الموجودة فیه ، وربما کانت هناک خصوصیات اُخری لم نطلع علیها مثلاً ، وربما لم تکن هذه هی الخصوصیة ، وربما کانت هذه الخصوصیة منضمة إلی خصوصیة اُخری ، ولیست بمفردها ، وهذه الخصوصیات لیست موجودة فی الموضوع الآخر . وهکذا المسألة فی الاستحسان ، فإنّ الاستحسانات الظنیة تندرج تحت عنوان الظن الذی لا یغنی من الحق شیئا . وهکذا بالنسبة إلی حکم الظن العقلی » ( (22) ) .

فهل یدل النص الذی نقلناه عن المصدر الذی اعتمده صاحب المقال هنا علی حجیة القیاس ؟ ! أو یدل علی عدم حجیته ؟ ! وهل فیه ما یوحی بإعادة النظر فی حجیة القیاس ؟ ! لماذا أغفل ولم یجد فیه ـ علی أقل تقدیر ـ ما یشکل قرینة علی عدم إرادة ما نُسب إلی المعترض علیه ، لو کان التفسیر الذی قدّم صحیحا .
(صفحه 70)

وقال أیضا : « وفی هذا الإطار لابدّ من الإلفات إلی أحد محفزات العمل بالقیاس عند بعض المذاهب ، وهو انطلاقه من ضرورة معرفة الأحکام مع قلة الاحادیث الصحیحة ، فلجأ هذا البعض إلی القیاس لمل‏ء الفراغ کما حصل مع الامام أبی حنیفة الذی کان أوّل من نظّر للقیاس وعمل به ، إذ لم یصح عنده من احادیث النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم إلاّ ثمانیة عشر حدیثا حسب ما أذکر ، بمعنی انّه لا یملک أی مصدر لاستنباط الحکم الشرعی ، وهذا ما نعبّر عنه بدلیل انسداد باب العلم والعلمی ، ومن الطبیعی انّه إذا انسد باب العلم بالأحکام أو باب الحجج الخاصة ، أی ما یعبّر عنه بالعلمی ، فإنّنا لابدّ أن نرجع إلی حجیة الظن علی بعض المبانی ، کمبنی الکاشفیة . . ومن خلال هذا نفهم أنّ مسألة رفض القیاس لدی أئمة أهل البیت علیهم‏السلام قد یکون منطلقا من أنّ هناک أحادیث فی السنة الشریفة واردة بشکل واسع جدا لا یحتاج فیه إلی القیاس ، لأنّ باب العلم مفتوح من جمیع الجهات مثلاً ، سواء أکان من خلال القواعد العامة أم من خلال النصوص الخاصة .

بتصوری انّ المشکلة تکمن فی فهم النصوص ومواردها ، وفی أغلب الأحیان تکون الموارد مجرد نماذج للفکرة وهذا ما لم ینتبه إلیه الفقهاء ، لأنّنا إذا انتزعنا العنوان العام من الموارد الخاصة ، فإنّنا قد نحصل علی عناوین کلیة ، وبالتالی قد لا نحتاج إلی القیاس ولا إلی غیره ، باعتبار أنّنا نحصل من خلال ذلک علی قواعد عامة فی أغلب الموارد الخاصة . . . » ( (23) ) .

هل هذا النص الذی ننقله عن المصدر المعتمد نفسه یدل علی إعادة النظر فی القیاس أو فی حجیة القیاس بعبارة أدق ؟ ! ألا یدل هذا علی أنّنا لسنا بحاجة لا إلی القیاس ولا إلی غیره من الطرق الظنیة ، مع توفر الأدلّة سواء بصیغها العامة أو الخاصة مع إلغاء الخصوصیة ، وهو ما یعرف بمناسبات الحکم والموضوع .
(صفحه 71)

وقال أیضا : « ومن جهة اُخری فإنّ علینا أن نؤصِّل أو نحدد ـ فی تعبیر أصح ـ مسألة القیاس ، التی تنطلق من الحالات التی لا یکون فیها المعنی الذی یجمع بین الموردین اللذین ورد النص فی أحدهما ولم یرد فی الآخر واضحا ومشترکا ، وبالتالی هل انّ المضمون الوارد فی أحدهما هو مضمون خصوصیة أم مضمون شامل ؟

وهکذا نلاحظ فی أکثر من مورد من موارد الفقه بحیث انّ علینا أن نحاول استیحاء المسألة مما قد یسمی فی بعض التعابیر الفقهیة مناسبة الحکم للموضوع التی هی حالة ظهوریة من مصادیق الظهور . . بالطبع ثمة اُمور لا یملک الإنسان مثلاً أن یعرفها ، کما فی قضیة وجوب قضاء الصوم فی العادة الشهریة للمرأة وعدم قضاء الصلاة مثلاً . . . » ( (24) ) .

وهل فی هذا النص ما یشیر إلی اعادة النظر فی حجیة القیاس ؟ ! لماذا تتم الغفلة عن هذه النصوص التی اشتمل علیها المقال ، الذی اعتمده وهو لا یتجاوز العشرین صفحة کثیرا ؟ !
الثانی :

وذلک لمعرفة رأی المعترض علیه فی القیاس من حیث الحجیة خارج اطار المصدر الذی اعتمده المستشکل وإنّما أفرد فقرة خاصة له لدفع الصورة المثارة وإلاّ فلیس ثمة أدنی شک فی عدم حجیة القیاس عند المعترض علیه مثله مثل فقهائنا الامامیة . واشیر إلی عدد من النصوص التی تکشف عن ذلک فی مواضع متفرقة من أبحاثه وإجاباته :

فی کتاب ( رسالة فی الرضاع ) ورد ما یلی : « . . . ونحن نؤکد انّ السنة إذا قیست محق الدین ، ولکنا بعیدون عن جو القیاس ، فانّه إسراء حکمٍ من موضوع إلی آخر من دون دلیل سوی الظن ، ولکن عندما نحاول دراسة بعض
(صفحه 72)

الموضوعات من خلال ما توحیه الروایات الصادرة عن أهل البیت علیهم‏السلام لتحدید طبیعتها . من اجل تسریة الحکم المعلوم قطعا فإنّ هذا بعید عن أجواء القیاس ، إنک تشخّص الموضوع لا أکثر . . . » ( (25) ) .

فی کتاب ( الجهاد ) لاحظ علی استاذه السیّد الخوئی قدس‏سره انّه تعدّی من مورد خاص إلی آخر بلا دلیل . وبالتحدید فی مسألة قتل اساری المسلمین من قبل المسلمین لو توقف النصر علی ذلک ، فانّه جری البحث فی وجوب دفع الدیة أو سقوطها ؟ فاستدل السیّد الخوئی بالسقوط بروایة السکونی « من اقتص منه فهو قتیل القرآن » بدعوی عدم الفرق عرفا بین المقتص منه واسری المسلمین المقتولین ، ولکن لاحظ علیه انّ ثمة فرقا بین المقامین لأنّ المقتص منه لا حرمة له بالعدوان ، ولم تسقط حرمة الأسری المسلمین فیحتاج سقوط دیتهم إلی دلیل . . . ( (26) ) .

فی کتاب ( النکاح ) لاحظ علی استاذه الخوئی انّه تعدی من مورد إلی آخر بلا دلیل مع احتمال الخصوصیة ، وذلک فی مسألة نظر الرجل إلی محارمه فانّه لا یجوز عند السیّد الخوئی النظر له منهن ما بین السرّة والرکبة ، واستدل علیه بخبر الحسین بن علوان فی الأمة ( (27) ) .

فی کتاب النکاح أیضا ورد التالی : « وامّا القیاس فلیس من مذهبنا ولا نعتبره دلیلاً شرعیّا ، لأنّه ثبت فی علم الاُصول عدم حجیته فی إثبات الأحکام الشرعیّة الفرعیة » ( (28) ) .

فی کتاب ( فقه الشرکة ) ، وتحدیدا فی بحث الدلیل علی شرعیة الشخصیّة المعنویة ورد التالی : « . . ومن المعلوم انّ التعدی المذکور ـ یعنی من مصادیق خاصة من قبیل الاعتراف بالوقف وبیت المال ـ أمر یسیر عند أهل السنة ، بناءً علی جواز القیاس وحجیته ، کما الاستحسان والمصالح المرسلة . امّا عندنا فالأمر مختلف ، إذ لیس ثمّة ما یُجیز اللجوء إلی هذه
(صفحه 73)

المصادر لأنّها لیست بحجة . . . » ( (29) ) .

وثمة نصوص وموارد اُخری لا نجهد أنفسنا فی تتبعها ، لأنّنا فی غنی عن هذا الجدل .

امّا لماذا لا یعتبر القیاس حجة عند المعترض علیه فهو لأنّه کغیره من فقهاء مدرسة أهل البیت علیهم‏السلام ویرجعه إلی عدة اُمور :

أوّلاً ـ لأنّ القیاس من الظنون ، والأصل فی الظن عدم الحجیة ، ما لم یدل الدلیل علی اعتباره .

یقول : « . . . فلقد قلنا مرارا بأن القیاس لیس حجة حتی لو لم یرد هناک دلیل خاص علی عدم حجیته ، وذلک باعتبار انّه یرتکز علی الظن « إنّ الظنّ لا یُغنی مِنْ الحقّ شیئا » ( (30) ) ، فیکون القیاس مشمولاً بالأدلّة العامة الناهیة عن العمل بالظن ، فنحن نعمل بالظن إذا جاء دلیل من الکتاب والسنة علی حجیته ، وأمّا إذا لم یدل دلیل علی حجیته فلا یکون العمل به مشروعا ، ولما کان القیاس معتمدا علی الظن ـ بالملاک الذی یوحد بین الموضوعین ـ والظن لا حجیة له فلا حجیة للقیاس . . . » ( (31) ) .

ویقول فی مورد آخر : « . . . فعالم التشریع لیس عالما عقلیا لتقول انّ هذا الحکم مثل هذا الحکم ، فرفض القیاس ، عندنا لجهة انّ العلة التی یکشفها القیاس بین الموضوعین قد لا تکون ثابتة عن طریق الحجة العقلیّة ، وإلاّ فحتی الشیعة یقولون انّ العلة إذا کانت قطعیة فیمکن تسریة الحکم من موضوع إلی موضوع آخر » ( (32) ) .

ویقول فی مورد ثالث : « . . وهذا هو الذی أراد أهل البیت أن یؤکدوه ، وهو انّ دین اللّه‏ لا یصاب بالعقول ، لأنّ العقول قد تدرک بعض الاُمور ولکنها قد تغفل عن إدراک البعض الآخر مما یوحی بأن الحکم الشرعی لم یستکمل ملاکه
(صفحه 74)

بشکل دقیق ، وهذا ما نلاحظه فی اختلاف الحکم فی بعض الموارد المتشابهة فی أکثر من وجه کما فی الصلاة والصوم اللذین تجمعها الناحیة العبادیة ، ولکن حکمهما فی القضاء مختلف ، وهکذا أمر اللّه‏ فی کتابه بالطلاق وأکدّ فیه شاهدین ولم یرض بهما إلاّ عدلین ، وأمر فی کتابه بالتزویج وأهمله بلا شهود . . » ( (33) ) .

ثانیـا ـ لعدم الحاجة إلی القیاس ، وذلک لوفاء الکتاب والسنة بجمیع الأحکام ، ویمکن أن یستفاد ذلک من بعض الأحادیث ، فعن الامام الکاظم علیه‏السلام عن سماعة عن العبد الصالح ، سألته فقلت : إنّ اُناسا من أصحابنا قد لقوا أباک وجدک وسمعوا منهما الحدیث فربما کان شیء یبتلی به بعض أصحابنا ولیس فی ذلک عندهم شیء یفتیه ، وعندهم ما یشبهه ، یسعهم أن یأخذوا بالقیاس ؟ فقال : لا ، إنّما هلک من کان قبلکم بالقیاس ، فقلت له : لم لا یقبل ذلک ؟ فقال : لأنّه لیس من شیءٍ إلاّ جاء فی الکتاب والسنة .

وقد علّق علیه : « . . إنّ هذا الحدیث یوحی بأن رفض القیاس کان بسبب عدم الحاجة إلیه ، لشمولیة الکتاب والسنة لکل ما یحتاجه الناس من الأحکام الشرعیّة . . . فیکون الرجوع إلی القیاس رجوعا إلی ما لا ضرورة له . . وفی ضوء هذا الحدیث لابدّ للمجتهد من التتبع فی کل موارد الکتاب والسنة للتدقیق فیهما لاستخراج الأحکام الشرعیّة من خلال القواعد العامة التی تشیر إلی الحکم الشرعی سلبا أو إیجابا ، بحیث یکون الکتاب والسنة هما المصدران للتشریع دون غیرهما . . وربما نستفید من الحدیث . . . الذی یؤکد عدم الحاجة إلی القیاس لوفاء الکتاب والسنة بجمیع الأحکام ، انّ الأمر لو لم یکن کذلک بحیث کانت هناک حاجة ملحة إلی معرفة الحکم الشرعی لبعض الاُمور ولم یکن لدینا طریق إلی معرفته من الکتاب أو السنة ، فإنّ من الممکن أن نلجأ إلی القیاس أو نحوه من الطرق الظنیة فی حال الانسداد انطلاقا من انّ الاعتماد
(صفحه 75)

علی الطرق الظنیة العقلائیة أو الشرعیّة کان مرتکزا علی الحاجة الیها لإدارة شؤون الحیاة العامة للناس بحیث لولاها لاختل نظام حیاتهم لأنّ العلم ـ وحده ـ لا یکفی فی ذلک ، ولکننا قد لا نحتاج إلی ذلک ، لأنّ فی القواعد العامة کفایة ، ولأنّ فی توسعة الاستظهار بإلغاء الخصوصیة التی تجمد الحکم فی مورد خاص من جهة الفهم العرفی الذی لا یجد للخصوصیة أساسا فی الحکم ونحو ذلک . . » ( (34) ) .

وهل فی هذا النص ما یدل علی العمل بالقیاس ؟ ! أم انّه یدل علی عدم الحاجة إلیه ؟ ! مع کفایة الکتاب والسنة بکل ما یحتاجه الناس من متطلبات التشریع .

البحث الثالث ـ وهو الذی نخص به التعلیق علی ما ورد من أفکار تحتاج التعلیق فی مقال المعترض :

وقد فضلنا التعلیق علی بعض موارده إن دعت الحاجة إلی ذلک للتوضیح تارة أو النقض تارة اُخری .
قال المعترض :

هناک بعض الدعوات لإعادة النظر فی القیاس بحجة انّ القیاس فی الأزمنة المتقدمة لم یکن محتاجا إلیه ، لوجود الأدلّة علی الأحکام الشرعیّة بصورة واضحة ، امّا الیوم فقد یقال بضرورة إعادة النظر فی حجیته لاحتیاجاتنا إلیه فی حیاتنا العملیة .
التعلیـق :

سبق أن تحدثنا عن عدم وجود دعوة لإعادة النظر فی حجیة القیاس فی مدرسة أهل البیت علیهم‏السلام سوی ما أثاره المحقق القمی ، وامّا ما ینسبه هنا للطرف الآخر فانّه لا صحة له ، وفی ما عرضنا کفایة وغنی للرد علی ذلک .
(صفحه 76)

وسیأتی انّ ما بصدده الآخر هو تحدید ما هو من القیاس الجائز والممتنع علی حد تعبیر صاحب الجواهر .
قال المعترض :

ومما لا یخفی علی أحد انّ جمهور العلماء من أهل السنة قالوا بجریان القیاس فی الأحکام الشرعیّة کالحدود والکفارات ، فیجوز التمسّک به فی کل حکم من الحدود والکفارات والرخص والتقدیرات إذا وجدت شرائط القیاس فیها .

ودلیلهم هو انّ الأدلّة الدالة علی حجیة القیاس تتناول بعمومها جمیع الأحکام الشرعیّة ، فقصرها علی بعض الأحکام تخصیص بلا مخصص .

أقول : انّ الوصول إلی معرفة علّة الحکم الشرعی قد تکون یقینیة قطعیة وقد تکون ظنیة ، ویختلف الحکم باختلاف هذه المعرفة ، فإنّ عرفنا علّة الحکم الشرعی من طریق قطعی من قبیل :

أوّلاً ـ ما إذا نصّ الشارع علی علّة الحکم بدلالة المطابقیة أو الالتزامیة کمفهوم الموافقة ( قیاس الأولویة ) أو مفهوم المخالفة ( کمفهوم الشرط أو الحصر ) .

ثانیا ـ أو عرفنا العلة من طریق آخر قطعی ، کأن یکون صدق کلام الشارع متوقفا عقلاً أو شرعا أو لغةً علی کون هذا الأمر علّة للحکم .

ثالثا ـ أو قطعنا بمقصود المتکلم حیث یستبعد أو یقطع بعدم إرادة کون الشیء الفلانی علّة .

فإن عرفنا العلة من أی طریق کان ، فالحکم یکون دائرا مدار علته سعةً وضیقا . وهذا أمر واضح ، لاستحالة تخلف المعلول عن علته إن کانت فی الفرع .
(صفحه 77)
التعلیـق :

سبق أن نقلنا الخلاف فی ما یذکره هنا خاصة فی ما نقلناه عن الشیخ محمّد حسین آل کاشف الغطاء قدس‏سره فراجع .
قال المعترِض :

بعد أن تبین انّ القیاس بمصطلحیه ـ القدیم والجدید ـ لیس بحجة ولم یتعبدنا الشارع به بل هو محق للدین ، وانّ مقدمات دلیل الانسداد لم تتم لتتم حجیة مطلق الظن بالحکم الشرعی لیشمل الظن القیاسی ، وحتی مع تمامیة مقدمات الانسداد فإنّ القیاس خارج تخصصا ، بعد أن تبین هذا کله ، لا بأس بإدراج الدعوات التی تنادی بإعادة البحث فی القیاس وحجیته ، لعلنا نری فیها شیئا جدیدا یستحق البحث ، وإثبات الحجیة ولو بنحو الموجبة الجزئیة للقیاس الظنی .

وهذه الدعوات تستند إلی جملة من الدعاوی ، هی :
الدعوی الاُولی :

« هل یمکننا استکشاف ملاکات الأحکام دائما بشکل قطعی أو بشکل ظنی ـ فی غیر العبادات طبعا ـ ؟ قد یناقش بعض الناس ـ بل قد یتطرف الکثیرون من الفقهاء ـ وهو تطرف شرعی قائم علی الاحتراز ـ بأنّه لا سبیل إلی معرفة ملاکات الأحکام ، باعتبار أنّ خصوصیة ـ ولو طائرة فی الهواء ـ قد تشکّل عقدة تقف بالانسان دون الاطمئنان إلی هذا الملاک أو ذاک الملاک .

ومستند هؤلاء فی ذلک علی ما ورد فی بعض الأحادیث عن أئمة أهل البیت علیهم‏السلام « إنّ دین اللّه‏ لا یصاب بالعقول » وهم یحملونه علی انّه لا مجال لأن یکتشف الأساس فی الدین ، ولکن المسألة ـ فیما یظهر ـ کانت متجهة إلی
(صفحه 78)

العقول الظنیة ، ولم تکن متجهة إلی العقول القطعیة والتی یصل من خلالها الإنسان إلی درجة الاطمئنان ، فضلاً عن درجة القطع .

انّ هذه المسألة شکّلت مشکلة کبری أمام الفقهاء ( فقهاء الشیعة بشکل عام ، وربما بعض فقهاء السنة ) علی أساس انهم لا یستطیعون أن یأخذوا من الحکم الوارد فی قضیة جزئیّة أساسا للحکم الکلی ، لأنّ احتمال الخصوصیة یبقی واردا حتی فی الغیب ، حتی فیما إذا کان الاحتمال فی عالم الغیب لا احتمالاً جزئیا وجدانیا یمکن للإنسان أن یشیر إلیه بشکل بارز أو بشکل واضح » .
التعلیـق :

قبل التعلیق علی ما سیأتی من أفکار سجلها هنا فانّه یحسن توضیح ما أشار إلیه المعترض علیه من التعرف علی ملاکات الأحکام فی غیر العبادات ، کما هو الحال فی المعاملات والتی تقوم فی معظم الحالات علی ما هو متعارف عند الناس مما لا یمکن خفاؤه دائما . وفی هذا الصدد اذکر بما نقلته عن ابن إدریس فی تعلیقه علی حدیث سبق أن نقلناه واستدل به الأصحاب علی عدّ الإعراض من أسباب زوال الملک ، إذ نبّه علی انّ ما ورد بخصوص الضائع من السفینة بسبب انکسارها هو عبارة عن المثال فیعمم إلی غیـره .

ولعل أوّل من دعا إلی فهم النص فی غیر العبادات علی أساس الارتکازات الاجتماعیة هو الشیخ جواد مغنیة ، والذی أشاد بدعوته الشهید السعید السیّد محمّد باقر الصدر ( (35) ) .

وقد سجّل الشیخ محمّد مهدی شمس الدین تحفظا جریئا علی المنهج الاُصولی إذ یقول : « امّا إدخال ما یسمی فی علم الاُصول بالتعبد الشرعی
(صفحه 79)

واعتباره معیارا عاما فی جمیع الحقول ، فنقول انّه فی المنهج السائد المتداول یعتمد الفقهاء غالبا علی ما یسمی التعبد الشرعی ، یعتبرون انّ النصوص الواردة هی غیر قابلة للفحص والمقارنة والتظهیر لأنّها تعبدیة ، یقولون انّه دین والدین یقتضی الطاعة ، نتعبد بما وصلنا من الشارع المقدس ، التعبد فی العبادات المحضة أمر لا ریب فیه ومسلم به ، وامّا فی مجالات المجتمع ، فیما نسمیه الفقه العام وبعض الفقه الخاص فی باب الاُسرة أو المکاسب الفردیة مثلاً ، نحن لا نعتقد فی کثیر من التفاصیل انّ للتعبد معنی علی الإطلاق ، ولابدّ أن تنزل الاُمور وفقا للأدلة العلیا فی الشریعة وللقواعد العامة فی الشریعة التی هی الضوابط الأساسیة ، لابدّ أن تنزل علی مقاصد الشریعة وحکمة التشریع المتصیدة من استنطاق النصوص ، وعلی ما نفهمه من المناطات المستفادة من النص أو المستکشفة من مقارنة حسب ظروفها وملابساتها ، یعنی بعبارة اُخری ـ لا أقول المصالح والمفاسد الواقعیة فقد نناقش بأنّنا لا نعرفها ـ ولکن ما یبدو لنا من حکمة التشریع ، لابدّ أن تنزل علی هذا . . » ( (36) ) .

ومع کل ما علیه من المنهج السائد الذی أشار إلیه الشیخ شمس الدین فقد لاحظ السیّد الخوئی علی السیّد کاظم الیزدی انّه تعدی من مورد خاص إلی مورد خاص آخر بغیر دلیل وهو من العبادات ، وذلک فی مسألة من أدرک رکعة واحدة من صلاة الآیات فیکون قد أدرک الوقت وصلاته أداء ، مع انّ الدلیل کما عن السیّد الخوئی یختص بالصلاة الیومیة ( (37) ) .

بل لاحظ ـ السیّد الخوئی ـ علی صاحب الجواهر انّه یعمل بالظن وذلک فی مسألة دعواه بأن کل ذی عمل فهو مؤتمن علیه وانّ قوله فیه حجة وذلک عن طریق الاستقراء وتتبع الأخبار ، فی وقت یعتبر فیه الاستقراء ناقصا ، فکیف تثبت به هذه الکلیة المدعاة ( (38) ) .
(صفحه 80)

ولکن ننبه فی هذا المجال انّ ثمة من اعتبر الاستقراء طریقا صالحا للاستدلال ، کما نقلناه عن الشیخ الأنصاری فراجع .
قال المعترض :

إنّ هذا الکلام ینحلّ إلی نکتتین :

الاُولی ـ إنّنا لو فرضنا أنّ أی احتمال للخصوصیة ـ ولو طائرة فی الهواء ـ یقف أمام التعمیم للحکم ، لانتهینا إلی فقه جافٍّ لا یمتّ إلی الفقه المنفتح المفروض حلّه لمشاکل الحیاة جمیعا ـ بصلة .
التعلیـق :

کأنه هنا ینفی أن یکون المنهج الفقهی مشتملاً فی کثیر من الأحیان علی الاعتناء بمثل هذه الاحتمالات التی وصفها المعترض بالطائرة فی الهواء . وکمثال علی ذلک نذکّر بموقف بعض الفقهاء من تفسیر ما ورد ( لیس بین رجل وولده ربا ) فإنّ الظاهر من الولد شموله للذکر والاُنثی ، ومع ذلک فقد استحسن البعض الاحتیاط وعدم شموله الاُنثی ( (39) ) ما تفسیر هذا الاحتمال ؟

وللاستزادة اُذکّر بمسألة دفع الخراج إلی الفقیه ، فقد ذکر صاحب الجواهر انّه یدفع إلیه ، ولکنه استغرب من بعض مشایخه المعاصرین إذ ادعی اختصاص جواز الدفع إلی الحاکم الجائر وانّه لا دلیل علی التعدی منه إلی الفقیه وانّه خلاف الأصل . فکیف یقصر هذا الفقیه المشار إلیه الحکم علی الحاکم الجائر ویری صاحب الجواهر انّ جواز الدفع إلی الفقیه مما یقطع به الفقیه بأدنی نظر وتأمل ( (40) ) .

وللاستزادة أیضا اُذکّر بمسألة فی العفو عن النجاسات فیما ورد عن الصادق علیه‏السلام انّه ( سئل عن امرأة لیس لها إلاّ قمیص واحد ولها مولود فیبول
(صفحه 81)

علیها کیف تصنع ؟ قال : تغسل القمیص فی الیوم مرّة ) فبالرغم من التعبیر فی الروایة بالمولود فقد قصره ـ أی الحکم ـ بعض الفقهاء علی الصبی الذکر کما عن جامع المقاصد والأکثر من الفقهاء ، فی وقت یقطع فیه السیّد محمّد صاحب المدارک بشموله الذکر والاُنثی أو یستظهره صاحب الجواهر ، فکیف قصر الحکم علی الصبی بتعلیلات بعضها لجهة تبادر الصبی أو لجهة شدة نجاسة بول الاُنثی ، ما هو معنی هذا الاحتمال ( (41) ) ؟

وللإیضاح أیضا نذکر انّ حواشی الفقهاء علی العروة للسید الیزدی جاءت مختلفة ، فقد خصّ الیزدی ـ الماتن ـ الحکم بالصبی واعتبر الشیخ محمّد رضا آل یاسین الاقتصار علی الذکر هو الأحوط ، وکذلک الشیخ آغا ضیاء العراقی الذی اعتبر النص مختصا بالصبی ( مع انّه عبّر بالروایة بالمولود ) وذکر انّه لا وجه للتعدی مع احتمال أکثریة بول الصبیة غالبا لرطوبة مزاجهنّ ! ! فی حین اعتبر الشیخ محمّد حسین آل کاشف الغطاء الحکم شاملاً للاُنثی بل والخنثی أیضا ، لأنّ المولود شامل للجمیع ( (42) ) .
قال المعترض :

الثانیة ـ انّ احتمال الخصوصیة تارة ینتج من حساب معقول له نکتته المعقولة والمفهومة ، فمن الطبیعی أن یقف هذا الاحتمال أمام تعمیم الحکم تعمیما اطمئنانیا أو قطعیا ، امّا لو کان احتمال الخصوصیة لا ینتج من مجرد عالم الغیب ولم یکن احتمالاً وجدانیا یمکن للإنسان أن یشیر إلیه بشکلٍ بارز وواضح ، فهذا الاحتمال لا یمنع حصول الاطمئنان أو القطع بالتعمیم .
التعلیـق :

هذا الکلام نظری لا یساعد علیه حال الفقهاء وما علیه المنهج الفقهی ، وإلاّ
(صفحه 82)

فلماذا یختلف الفقهاء فی تحدید ما هو من الخصوصیة أو لیس منها ، لیصار إلی التعمیم أو الاقتصار علی المورد الجزئی . وعودا علی ثوب المربیة ، فإنّ ما هو فی الروایة السؤال عن المرأة التی لها مولود ، فکیف تعدی بعض الفقهاء إلی مطلق المربیة الاُم والمتبرعة والمستأجرة ، بل قطع به صاحب الجواهر وإن اعترف بأن ظاهر النص خلافه ؟ فلماذا یقطع صاحب الجواهر بإمکان التعدی ویتوقف غیره ؟ بل کیف یتوقف صاحب الجواهر وغیره فی قصر النص علی المربیة ، ویقطع آخرون کالعلامة الحلی والشهید الأوّل والثانی بعدم الفرق بین المربیة والمربی لاشتراکهما فی العلة ؟ ! واُشیر إلی مورد آخر ، فقد ذکر السیّد الیزدی فی مسائل العروة الوثقی انّه لا یجوز النظر إلی قُبُل الخنثی وإن کان یمکن أن یقال بتجویزه ، وذلک للشک فی کونه عورة ، لکنه احتاط بالترک ، بل قوّی وجوب الترک لأنّه عورة .

وهنا یمکن أن نشیر إلی ما علّق به السیّد محسن الحکیم إذ ذکر أنّ إقامة الدلیل علی وجوب ترک النظر مشکلة لعدم الدلیل علی انّ القضیب عورة حتی لو خُلق للمرأة وکذا الحال فی البُضع لو خلق لرجل . بمعنی آخر انّ السیّد الحکیم یستشکل فی شمول أدلّة حرمة النظر لتکون شاملة للمورد ( (43) ) ، بل أکثر من ذلک فإنّ السیّد الحکیم قد استشکل فی شمول هذه الأدلّة للنظر إلی العورة عبر المرآة أو الماء الصافی ! وإن کان اعتبر أنّ المفهوم منها عرفا الشمول ( (44) ) .

وثمة عشرات الأمثلة ربما فی ما ذکرناه غنی وکفایة للتدلیل علی طبیعة تعاطی المعترض مع الموضوع ، وإلاّ فکیف نعرف احتمال الخصوصیة الذی ینتج من حساب معقول له نکتته المعقولة أو المفهومة ؟ وأنت تری ـ أیّها القارئ ـ هذا الاختلاف الشدید فی احتمال الخصوصیة أو عدمها ، وبالتالی التعمیم أو الاقتصار علی المورد .
(صفحه 83)
قال المعترض :

ویری هذا الباحث أنّ علاج کلتا هاتین النکتتین عبارة عن الالتفات إلی أنّ قوله علیه‏السلام : « إنّ دین اللّه‏ لا یصاب بالعقول » منصرف إلی العقول الظنیة دون الاطمئنانیة ، فضلاً عن القطعیة . وعلیه فهذه الروایات لا تمنع من العمل بالقیاس الذی یورث الاطمئنان أو القطع .

والجواب : أنّ قوله علیه‏السلام : « إنّ دین اللّه‏ لا یصاب بالعقول » لا یعنی نفی الحجیة عن الحکم العقلی ، کی یدّعی انصرافه إلی الحکم العقلی الظنی دون الاطمئنانی أو القطعی ، بل معناه الإخبار عن عجز العقل عن إصابة دین اللّه‏ ، وأنّ أحکام الدین وملاکاتها لیست فی متناول العقل ، وهذا الإخبار بنفسه یسبب لنا عدم تحقق العلم أو الاطمئنان بسبب القیاس ، لعلمنا بأنّه لو أمکن للعقل الوصول الیها وکشفها إذا لکان دین اللّه‏ تعالی یصاب بالعقول .
التعلیـق :

بالرغم من کون ما ذکره من تفسیر الروایة المشار إلیها محتملاً إلاّ أنّه لیس الاحتمال الوحید ، إذ یمکن أن یکون المراد منه النهی عن العقول الظنیة خاصة ، وقد ورد فی الخبر وصفها بالعقول الناقصة ( (45) ) ، ولذلک لا یشمل ما یقطع به العقل ، وهذا ما احتمله الشیخ الأنصاری ( (46) ) ، وقریب من ذلک ما ذکره السیّد محمّد تقی الحکیم فی اُصول الفقه المقارن ( (47) ) .

وهنا یحسن أن اُشیر إلی ما ذکره المعترِض من دعوی انصراف الروایة إلی العقول الناقصة ، وبالتالی فهی لا تمنع من القیاس الذی یورث الاطمئنان أو القطع ، أقول إنّ ما ذکره هذا لم یرد فی نص المعترض علیه وفضلاً عن ذلک ، فانّه یمکن أن نشیر إلی أنّ القیاس القطعی لا بأس به کما ذکرنا سابقا .
(صفحه 84)
قال المعترض :

وأمّا کون هذا سببا لجمود الفقه وعدم إمکان مواکبته للحیاة ، فجوابه : انّ اکتشاف العقل للملاکات وإن کان منفیا ، ولکن مناسبات الحکم والموضوع والارتکازات العرفیة والعقلائیة الموجبة لإلغاء خصوصیة المورد لدی العرف تخلق فی کثیر من الموارد ظهورا لفظیا للنص فی الإطلاق ، فتنتهی إلی النتیجة المطلوبة من تعمیم الحکم فی کثیر من الموارد بالظهور اللفظی الحجة ، لا بالعقل والقیاس .
التعلیـق :

ما یذکره واضح ، وقد أشار إلیه المعترض علیه ( (48) ) ، فضلاً عن انّ هذا بحد ذاته لا یفید بعد أن ذکرنا أنّ الإشکال فی الصغریات ، بحیث یختلف الفقهاء فیری بعضهم أنّ مناسبات الحکم والموضوع تقتضی التعدی ویری بعضهم عدم التعدی .

وقد تعدی بعض الفقهاء فی حکم قتل الساب للنبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم إلی الأئمة بدعوی عدم الفصل ، بل وتعدی بعضهم إلی السیّدة الزهراء علیهاالسلام مع عدم وجود دلیل لفظی یدل علی ذلک ، ولذلک اختلف الفقهاء ( (49) ) ، وفیما أفتی السیّد الخوئی بإلحاق السیدة الزهراء لم یقطع السیّد الخمینی بذلک ، کما فی تحریر الوسیلة فیما استشکل السیّد محمّد الصدر فی الإلحاق بالنسبة للأئمة وللسیدة الزهراء علیهاالسلام ( (50) ) .

بل قد یقتضی الدلیل اللفظیالتعمیم ولا یصار إلیه کما فی الروایة بجواز النظر إلی النساء اللاتی لا ینتهین إذا نهین ، فإنّ التعلیل شامل لکل ما یکشفنه کما اعترف به البعض ( (51) ) ومع ذلک لم یتعد بما اقتضاه الإطلاق أو العموم اللفظی فلماذا هذه الطریقة فی معالجة الاُمور ؟ !
(صفحه 85)
قال المعترض :

الدعوی الثانیة ـ قال المعترض علیه :

« . . إنّ أغلب الأحادیث الواردة عندنا فی الأحکام الشرعیّة انطلقت من أسئلة السائلین التی کانت تتحرک فی شؤونهم الخاصة وفی أوضاعهم الخاصة التی یسألون عنها کواقع حیّ من دون أن یلتفت إلی السؤال عن القاعدة الکلیة ، فإذا جاء الفقهاء إلی مثل هذه الموارد فإنّهم یقتصرون فی الحکم علی مورده ، لا سیما إذا کان هذا الحکم مخالفا للقاعدة العامة ، فإنّهم یقولون : إنّ هذا الحکم وارد علی خلاف الأصل ، فنأخذ بالأصل فی القضایا الاُخری ونقتصر فیه علی مورده ، من دون أن یجعلوا المورد نموذجا لعنوان عام . وهذا هو الذی جعل الإنسان یواجه فی الفقه أشیاء متناثرة متفرقة لا یجمع بینها جامع ، وقد یری حکمین مختلفین متباینین فی موردین لا تشعر بأن أحدهما یختلف عن الآخر بحسب وجدانک العملی أو الواقعی فی أی شأن من الشؤون ، إنّنا نتصور انّه لابدّ لنا من أن ندرس هذه الاُمور دراسة أکثر دقة وأکثر حرکیة ، باعتبار أنّنا نستطیع فی حال استنطاق الحکم الشرعی الوارد فی هذا المورد نستطیع أن نصل إلی اطمئنان فی کثیر من الحالات من خلال دراستنا لعمق الموضوع الذی نحیط به من جمیع جهاته مقارنا بموضوع آخر مشابه له فی جمیع الحالات ، مما یجعل احتمال اختلافها فی الحکم احتمالاً ضعیفا بحیث لا تکون المسألة ظنیة بالمعنی المصطلح علیه الظن ، بل قد تکون المسألة تقترب من الاطمئنان ، إن لم تکن اطمئنانا » .

أقـول : قد اتضح جواب هذه الدعوی مما تقدم ، فإنّ انطلاق الأحادیث من أسئلة السائلین فی شؤونهم الخاصة لا یمنع من انعقاد الظهور العرفی للکلام فی حمل الشأن الخاص ـ بمناسبة الحکم والموضوع وبالارتکازات العقلائیة ـ علی مجرد خصوصیة موردیة تُلغی عرفا ، فیصبح للکلام ظهور فی الإطلاق ،
(صفحه 86)

فیؤخذ به بلا حاجة إلی خرم قاعدة « إنّ دین اللّه‏ لا یصاب بالعقول » وأنّ القیاس لا ینتج شیئا . علی أن لا دلیل علی حجیة ما یقرب من الاطمئنان ما لم یکن اطمئنانا .
التعلیـق :

قوله بأنّه أجاب علی هذه الدعوی بما تقدم لا یفید شیئا ، لأنّه کما ذکرت انّ الإشکال فی الصغریات ، ولیس فی أصل ما یعرف بمناسبات الحکم والموضوع .

وامّا قوله بأن انطلاق الأحادیث من أسئلة السائلین فی شؤونهم الخاصة لا یمنع من انعقاد الظهور العرفی للکلام فی حمل الشأن الخاص علی مجرد الخصوصیة الموردیة عرفا ، فانّه فضلاً عن الاختلاف فی تحدید هذا الانعقاد فإنّ المعترض علیه لا ینفیه .

وقد ذکره فی النص الذی اعتمده صاحب المقالة هنا . ولا أدری لماذا یُغفل عنه ولا یؤخذ بالاعتبار وکأنّه ینقض بشیءٍ جدید .

فقد قال المعترض علیه : « ولا أنکر أنّ هناک فی ألسنة بعض التجارب المماثلة للطریقة القرآنیة فی الحدیث عن الخطوط العامة للإنسان ، ولکنها لیست بالمستوی الذی نجده فی القرآن . . » ( (52) ) .

ثمّ إنّه ذکر نفسه أنّ مجرد کونها أجوبة علی أسئلة خاصة لا یمنع من تعمیمها ، وإنّما أشار إلی أنّ هناک مشاکل کبیرة فی هذا التعمیم ، فهل ینفی المستشکل هنا ذلک ، وربما یکفی ما ذکرته من أمثلة کما فی ( ثوب المربیة ) و ( الربا بین الولد ووالده ) . .

قال المعترض علیه : « أمّا السنّة فقد وردت فی غالبیتها لتحاکی تطبیقات لتجیب عن أسئلة ، الأمر الذی یجعل الحدیث خاضعا فی دائرته الخاصة لآفاق
(صفحه 87)

السؤال وقرائنه وإیحاءاته التی تستلزم التحلیل الدقیق لکل ما یحیط بظرفه ، وهو ما قد یوقع الإنسان فی متاهات کثیرة من الاحتمالات التی تحول دون الوصول إلی قناعات یقینیة فی معظم الموضوعات . . » ( (53) ) .

ألیس هذا هو عمل الفقیه وما ینصرف إلیه فی فحص الأدلّة وفهمها ؟ ! وألیس هناک من عقبات ، ولماذا یختلف الفقهاء فی التعمیمات أو عدمها ؟ ! لو لم تکن هناک مشاکل ، کما أشار من اعترض علیه صاحب المقالة .

وأمّا تعلیق المعترض علی ما أسماه المعترض علیه بالاقتراب من الاطمئنان وهو لیس حجة ، فهو غیر وارد لأنّ المعترض علیه ترقّی وأضرب منه إلی الاطمئنان . علاوة علی أنّ هذا التعبیر نظیر قول بعض الفقهاء : له وجه ، أو لا یبعد وغیر ذلک ، وهی من الاُمور التی یعتبرونها من الفتوی والرأی .
قال المعترض :

ثمّ هناک بعض الإیماءات فی هذه الدعوی یمکن الإجابة علیها أیضا ، فنقول :

أوّلاً ـ إنّنا إذا سلّمنا أنّ ( أغلب الأحادیث الواردة عندنا فی الأحکام الشرعیّة انطلقت من أسئلة السائلین التی تتحرک فی شؤونهم الخاصة وفی أوضاعهم الخاصة التی یسألون عنها کواقع حیّ من دون أن یلتفت إلی السؤال عن القاعدة الکلیة » . فلا نسلّم أنّ الجواب یکون عن هذه الحالة الخاصة ، بل إنّ المعصوم علیه‏السلام قد یجیب بقاعدة کلیة عامة ، کما ورد فی جواب السائل فی صحیحة زرارة عن إیجاب الخفقة والخفقتین الوضوء ، فقال علیه‏السلام : « ولا تنقض الیقین أبدا بالشک ، ولکن تنقضه بیقین آخر » .

وکذلک صحیحة زرارة الثانیة التی یسأل فیها الامام علیه‏السلام عما إذا ظن انّ الدم قد أصاب ثوبه ولم یتیقن ذلک ، ونظر فلم یر شیئا ، ثمّ صلّی فیه فرأی فیه
(صفحه 88)

الدم ، حیث أجاب الإمام علیه‏السلام فقال : « تغسله ولا تعید الصلاة » ، وعلل ذلک ، فقال : « لأنّک کنت علی یقین من طهارتک ثمّ شککت ، فلیس ینبغی لک أن تنقض الیقین بالشک أبدا » .

وکذا فی روایة أبی بصیر حینما سأل الإمام الصادق علیه‏السلام عن الشاة تذبح فلا تتحرک ویهراق منها دم کثیر عبیط ، فقال علیه‏السلام : « لا تأکلن ، إنّ علیّا علیه‏السلام کان یقول : إذا رکضت الرجل أو طرفت العین فکل » وهذا فی الفقه کثیر جدا .
التعلیـق :

قوله : « إذا سلّمنا إنّ أغلب الأحادیث . . » یوحی بأنّه ینکر ذلک ، مع أنّ ذلک مما لا یخفی ولکی لا نختلف فی ذلک أنقل ما کتبه الشهید السعید السیّد محمّد باقر الصدر إذ یقول : « . . . إنّ القاعدة الفقهیة التی وضعها شیخنا الحجة المحقق مغنیة لهذا الفهم الاجتماعی تحل مشکلة کبیرة فی الفقه ، وهذه المشکلة هی : أنّ کثیرا من الأحکام بُیّنت عن طریق الجواب علی أسئلة الرواة ولم تبیّن بصورة ابتدائیة وبلغة تقنینیة ، والرواة إنّما یسألون فی الغالب عن الحالات الخاصة التی یحتاجون إلی معرفة حکمها فیجیء الجواب وفقا لحدود السؤال مبیّنا للحکم فی الحالة المسؤول عنها . . . » ( (54) ) .

وبذلک یتضح قوله إنّ الامام لابدّ أن یجیب بقاعدة کلیة ، لأنّه لو کان الأمر کذلک فلماذا یختلف الفقهاء ؟ ! ولماذا کل هذا العناء والجهد الذی یبذله الفقهاء لحل التعارض ، وبعضه یرجع إلی ما ذکره المعترض علیه والشهید الصدر ( (55) ) .
قال المعترِض :

ثانیـا ـ وعلی ما تقدم ، فإذا لم یجب الإمام علیه‏السلام علی سؤال السائل بقاعدة کلیة ، فلا محالة یکون الحکم مقتصرا علی الحالة الجزئیة التی ورد السؤال
(صفحه 89)

فیها ، إلاّ أن نقطع بعدم خصوصیة للمورد فنتعدی إلی حالات جزئیّة اُخری ، وإلاّ فلماذا لم یجب الإمام علیه‏السلام بصورة عامة علی السؤال عن الحالة الجزئیة إذا کان الحکم عاما ؟ ! فهل نتمکن أن نقول بأن الإمام علیه‏السلام أیضا لم یلتفت کما کان السائل غیر ملتفت ؟ !
التعلیـق :

ربما یکفی ما ذکرناه من أمثلة للتعمیم أو عدمه للرد علیه ، وإلاّ فإنّ الکلام فی الضابط الذی یجعل الفقیه یقطع بالخصوصیة أو عدمها ، فمثلاً ( کما فی مثال ثوب المربیة ) فقد قطع الشیخ صاحب الجواهر بعدم الفرق بین المربیة سواء کانت اُما أو مستأجرة أم متبرعة ، واقتصر آخرون علی الاُم ، فلماذا ؟ وقطع بعض بالتعمیم للذکر والاُنثی واقتصر آخرون علی الذکر لماذا ؟ !

ومثال آخر کی لا نعید کما فی الاحتکار فانّه قد فهم بعض الفقهاء قید الشراء فی الاحتکار ، فلا یشمل المزارع وغیره ممن ینتج ولا یشتری ، فی حین عمّم آخرون إلی المزارع وغیره ، لماذا ؟ ! فلماذا اعتبر الشراء قیدا عند بعضهم ، واعتبر آخرون الشراء موردا .

ولماذا یتحفّظ بعض الفقهاء فی جواز إقامة صلاة الجمعة للفقیه بدعوی عدم الإذن وعدم جواز القیاس علی الفتوی والقضاء ، ویقطع آخرون ومنهم صاحب الجواهر بجواز ذلک بدعوی أنّ منصب الفتیا والقضاء أعظم ، فیکون الإذن من باب أولی فی صلاة الجمعة ( (56) ) ؟ !

إنّ المشکلة فی حصول هذا القطع ، وانّ المشکلة فی إلغاء الخصوصیة أو عدمها علی مستوی التطبیق ، ولا یکفی ما ذکره صاحب المقالة من عمومیات .
(صفحه 90)
قال المعترض :

ثالثـا ـ وامّا قوله : « فإذا جاء الفقهاء إلی مثل هذه الموارد فانهم یقتصرون فی الحکم علی مورده ، لا سیما إذا کان هذا الحکم مخالفا للقاعدة العامة ، فإنّهم یقولون : إنّ هذا الحکم وارد علی خلاف الأصل ، فنأخذ بالأصل فی القضایا الاُخری ونقتصر فیه علی مورده من دون أن یجعلوا نموذجا لعنوان عام » .

فتوضیحه : انّه إذا کانت القاعدة العامة تقول بالحلیة والطهارة وجاء حدیث یقول بنجاسة أو حرمة العصیر العنبی إذا غلی ، فحینئذ یقال : إنّ حکم النجاسة أو الحرمة ورد علی خلاف الأصل ، فیقتصر فیه علی مورده ، امّا بقیة الأشیاء فهی علی القاعدة العامة التی تقول بالطهارة من دون أن نجعل عصیر العنب نموذجا لعصیر الفاکهة .
التعلیـق :

اُذکّر أنّ صاحب المقالة نفسه أضاف فی ( الإحالات ) وبالتحدید فی الهامش رقم 32 ما نصه : « أقول هذا الکلام والکلام المذکور فی الفقرة التالیة کلاهما صحیح ، فلماذا جُعلا فی سیاق الانتقاد علی العلماء » ؟ !

ویبدو لی انّه لم یکتف بهذه الملاحظة بل ختمها بوضع علامة التعجب فی إشارة منه إلی شدة تعجبه . إلاّ انّ ملاحظته غریبة وذلک لأنّ ما بصدده المعترض علیه هو انتقاد العلماء ـ إن صح ذلک ـ لأنّه فی مقام الملاحظة ، وهی أنهم ـ أی العلماء ـ لا یلتفتون فی أحیان کثیرة إلی النموذج أو ( المثال ) فی الروایة ویکتفون بالنظر إلی ما تقتضیه القواعد لیکون ما ورد فی الروایة خروجا علیها فیقتصر علی ذلک ولا یعمّم إلی غیره ، لکونه مما یخالف القاعدة فیقتصر علی مورده . ولم ینظر ما یلاحظه صاحب المقالة لیقال انّه کلام
(صفحه 91)

صحیح فلماذا یعترض به علی الفقهاء ، لأنّ ما بصدده المعترض علیه بعبارة اُخری هو التطبیقات ، وقد مرّت الأمثلة علی ذلک . . ومنها ( ثوب المربیة ) فإنّ العفو الذی ورد فی الروایة خلاف القاعدة ، ولذلک وقع الخلاف بین الفقهاء بین من یقتصر علی مورد الروایة بشکل حرفی بل أکثر من ذلک فلا یتعدی من الاُم إلی غیرها ، فی حین یقطع آخرون بالتعدی إلی غیرها من المتبرعة والمستأجرة ، بل یقطع آخرون بالتعدی من مورد الروایة ( المرأة لها مولود ) إلی المربی الرجل . . ولا إشکال إن سرّ الاختلاف یرجع إلی ما أشار إلیه المعترض علیه وهو ملاحظة ما ورد فی الروایة کونه نموذجا أو لیس کذلک .

ویمکن أن نُنظّر بمورد آخر ، فقد بحث فی مسألة جواز إجارة العین المستأجرة من قبل المستأجر مع عدم اشتراط المؤجر علیه الانتفاع الشخصی بها ( اشتراط المباشرة ) بالمساوی من الاُجرة أو أکثر مع إحداث حدث أوّلاً ، عدا البیت والدار والدکان والأجیر وربما ألحق بذلک الرحی والسفینة والأرض فانّه لا یجوز إجارتها بالأکثر إلاّ بإحداث حدث فیها .

وقد اقتصر الفقهاء علی المذکورات وذلک لجهة الروایات التی وردت مورد السؤال فاعتبر ذلک من قبیل مخالفة القاعدة . ولکن مع ذلک فإنّ ثمّة فقهاء اعتبروا ذلک من قبیل المثال وأنّه عندئذ لا یجوز الإجارة بالأکثر إلاّ مع إحداث إضافة فی جمیع الأعیان ، ولذلک جاءت فتوی السیّد السیستانی بالاحتیاط الوجوبی ( (57) ) ، وکذلک السیّد الشهید الصدر فی منهاج الصالحین ( (58) ) .

وقد کتب الشهید الصدر : « . . لم تعالج النصوص ـ یعنی عند الفقهاء ـ بروح التطبیق علی الواقع واتخاذ قاعدة ، ولهذا سوّغ الکثیر لأنفسهم أن یجزّئوا الموضوع الواحد ویلتزموا بأحکام مختلفة له . وأستعین علی توضیح الفکرة بمثال من کتب الإجارة ، فهناک مسألة هی أنّ المستأجر هل یجوز له بدوره أن یؤجر العین باُجرة أکبر من الاُجرة التی دفعها هو حین الإیجار .
(صفحه 92)

وقد جاءت فی هذه المسألة نصوص تنهی عن ذلک ، والنصوص کعادتها فی أغلب الأحیان جاءت لتعالج مواضیع خاصة فبعضها نهی عن ذلک فی الدار المستأجرة وبعضها نهی عن ذلک فی الرحی والسفینة المستأجرة وبعضها نهی عن ذلک فی العمل المأجور ، ونحن حین ننظر إلی هذه النصوص بروح التطبیق علی الواقع وتنظیم علاقة اجتماعیة عامة علی أساسها سوف نتوقف کثیرا قبل أن نلتزم بالتجزئة ، وبأن النهی مختص بتلک الموارد التی صرحت بها النصوص دون غیرها . وامّا حین ننظر إلی النصوص علی مستوی النظرة الفردیة لا علی مستوی التقنین الاجتماعی فإنّنا نستسیغ هذه التجزئة بسهولة ( (59) ) .
قال المعترض :

رابعـا ـ وامّا قوله : « قد یری حکمین مختلفین متباینین فی موردین لا تشعر بأن أحدهما یختلف عن الآخر بحسب وجدانک العملی أو الواقعی فی أی شأن من الشؤون » .

فتوضیحه : أنّ شأن الدین یکون باتباع القرآن والسنّة ، فإذا کانت السنّة تفرِّق بین شیئین بأن أحدهما یختلف عن الآخر فلیس لنا إلاّ اتباع السنّة ، فقد ورد مثلاً المخالفة بین المتماثلات ، کتفضیل لیلة القدر والأشهر الحرم والجمعة علی غیرها من الأزمنة ، وتفضیل مکة والمدینة وکربلاء علی غیرها من الأمکنة ، کما ورد من الشارع الجمع بین المتخالفات ، حیث جعل التراب فی التیمم طهورا کالماء عند عدم الماء أو عند المرض ، مع أنّ الماء ینظف الأعضاء بخلاف التراب .

کما أوجد الشارع أحکاما لا مجال للعقل فیها من قبیل أنّه أوجب فی صحة الطلاق حضور شاهدین یسمعان صیغة الطلاق ، دون الزواج ، وأوجب قطع الید
(صفحه 93)

فی سرقة النصاب ، ولم یوجبه فی غصب المال الکثیر ، وأوجب الجلد علی من قذف غیره بالزنا ولم یوجبه علی من قذف غیره بالکفر مع انّ الکفر أشد وأعظم ، وشرط فی الشهادة علی الزنا أربعة شهود عدول واکتفی فی الشهادة علی القتل باثنین مع کون القتل أغلظ من الزنا ، وأوجب قضاء الصوم علی الحائض دون الصلاة ، مع أنّ کلاًّ منهما عبادة ، وأوجب القصر فی الصلاة الرباعیة دون غیرها مع أنّ الصلوات عبادة ، وکذا اختلاف أحکام الشک فی اعداد الصلاة الرباعیة دون غیرها ، وأوجب الغسل من نجاسة البول بالماء القلیل مرتین دون الدم ، وأوجب لتطهیر بعض النجاسات کیفیة مختلفة عن غیرها کما فی ولوغ الکلب أو تطهیر آنیة الخمر ، وغیر هذه الموارد مما یجده المتتبع کثیرا فی طیّات کتب الفقه .
التعلیـق :

یتبین من التعلیق السابق أنّ ما بصدده المعترض علیه لیس هو انتقاد الفقهاء علی الوقوف عند المورد الذی یشکل استثناءً لقاعدةٍ ما ، بل ما بصدده هو انتقاد الفقهاء فی النظرة التجزیئیة التی أشار الیها السیّد الشهید ، وذلک لمجرد الاحتمال ولو الضعیف الذی وصفه هنا بالاحتمال الطائر فی الهواء . وقد ذکرنا عدة أمثلة علی ذلک ، کما فی مثال ثوب المربیة وحکم الربا بین الولد ووالده . . فما هو بصدده هو هذا الاهتمام البالغ باحتمال الخصوصیة لمجرد خطوره فی البال مع أنّ مثل هذه الاحتمالات تبقی واردة دائما .

ومما سبق تبین مراده من الفقرة التی نحن بصددها ، إذ أنّ الوجدان العملی والواقعی بل الدلیل بنفسه أیضا یشهد علی عدم الخصوصیة للولد الذکر فی حکم ثوب المربیة بحیث یقتصر علیه کما هو الموقف عند بعض الفقهاء ، مع أنّ الدلیل جاء بصیغة مولود وهو شامل للاُنثی . فلماذا توقف بعض الفقهاء فی ذلک کما نقلنا عنهم . ألیس هذا للجهة التی ذکرها المعترض علیه ؟ !
(صفحه 94)

ولذلک لا یرد علیه کل ما ذکره المستشکل من عدم جواز العمل بالظن فانّه لا إشکال فی ذلک ، وقد أکده نفسه .

أمّا ما ذکره من الأمثلة کما فی الطلاق والزواج بالنسبة للشهود وغیر ذلک فإنّ بعضه مما أشار إلیه المعترض علیه فی المقال الذی اعتمده المستشکل ، کما فی قضاء الصوم للحائض وعدم قضاء الصلاة ، وقد ذکر أنّ مثل هذه الأحکام لا یمکن معرفة سرها .

وکذلک أشار إلی البعض الآخر فی غیر المصدر المذکور کما فی ( تأملات فی آفاق الإمام موسی الکاظم علیه‏السلام ) فقد ذکر أنّ اختلاف حکم الطلاق والزواج من حیث الشهود حکم تعبدی وقد نقلناه سابقا فراجع .

نعم ، ثمة مناقشة فی بعض الأمثلة ، کما فی اشتراط تعدد الغسل فی البول وعدم تعدده فی الدم ، فإنّ ثمة مجالاً للبحث ، ولذلک فقد مال بعضهم إلی عدم اشتراط التعدد ولو فی البول . بل قال بعضهم بالتعدد فی غیر البول لکونه أشد ( (60) ) . واختار بعضهم التعدد من باب الاحتیاط .
قال المعترِض :

وأمّا بالنسبة إلی الدعوة إلی دراسة ما تقدم من اُمور دراسة أکثر دقة وأکثر حرکیة ؛ لأنّنا نستطیع استنطاق الحکم الشرعی الوارد . . . بحیث یتمکن من جعل الاختلاف فی الحکم فی الموردین ضعیفا . . . بل قد تکون المسألة تقترب من الاطمئنان إن لم تکن اطمئنانا .

فأقول : بالنسبة إلی هذه الدعوی المتقدمة کان الأفضل أن تقدم هذه الدراسة والحرکیة ، وتقدم نظریة استنطاق الحکم ، ثمّ ما معنی اقتراب المسألة من الاطمئنان ؟ ! فهل الاقتراب من الاطمئنان حجة مع أنّه لا اطمئنان ؟ !
(صفحه 95)
التعلیـق :

معظم ما ذکره المعترَض علیه من إشارات منهجیة فی هذا المقال له تطبیقات فی کتبه الاستدلالیة ، لکن یبدو انّه لم یلحظها المعترِض هنا .
قال المعترِض :

الدعوی الثالثة ـ قال المُعترَض علیه :

« إنّ المشکلة هی أنّ الدراسة الاُصولیة والفقهیة تؤطّر ذهنیة الإنسان فی هذه الدائرة الضیقة ، ومن هنا ینشأ الإنسان وفی قلبه وحشة من أن یمدّ الحکم الثابت لموضع إلی أمثاله ؛ لأنّ ما اُسمّیه لغة القیاس التی تأنفها الذهنیة الشیعیة تجعل کل شیء قیاسا عندهم حتی ولو کان الاحتمال بعیدا جدّا ؛ لأنّهم إذا لم یستطیعوا أن یشیروا إلی خصوصیة الاحتمال فی مضمونه فإنّهم یطلقون الاحتمال فی المطلق ویقولون : إنّ اللّه‏ أعلم بالخصوصیات ونحن لا طریق لنا إلی معرفتها ، بحیث یغلقون الباب علی أی استیحاء واستلهام للملاک الشرعی » .

أقـول : إنّ ما تقدّم من الباحث لم یکن سوی دعوة للبحث من جدید ولابدیة التعمّق والدقة والحرکیة واستنطاق الحکم الشرعی وأمثال هذه الاُمور . وهذا الکلام یوحی بعدم وجود الدقة والتعمّق فی أبحاث العلماء ـ رضوان اللّه‏ علیهم ـ وهذا أمر غیر صحیح .

بالاضافة إلی أنّ هذه الدعوی لم تطرح شیئا جدیدا لیری ما هی المشکلة عند الباحث حتی تحلّ حسب الموازین العلمیة الصحیحة ، ومن المحتمل ـ وإن کان بعیدا ـ أن تکون المشکلة ناشئة عنده من عدم العمل بالقیاس الظنّی الذی لم یدلّ علیه دلیل ، وهو ما یسمّیه باستیحاء واستلهام الملاک الشرعی ؛ وإلاّ فقد تقدّم أنّ قیاس منصوص العلّة وقیاس الأولویّة ومستنبط العلّة علی وجه
(صفحه 96)

القطع والیقین یجب العمل به ، وهو حجّة عند الجمیع .

وقد بحثت هذه الأبحاث فی کتب الاُصول بصورة دقیقة ومفصّلة ، فلا جدید فی البین سوی ما یوهم من ضیق الدراسة الاُصولیة والفقهیة ، وهو أمر یکون الصحیح خلافه .
التعلیـق :

ما یذکره هنا من أنّه من المحتمل ، وإن کان بعیدا علی حدّ تعبیره ، أن تکون المشکلة عند المعترَض علیه ناشئة عنده من عدم العمل بالقیاس الظنّی . . لیس فی محلّه ، بعد أن ذکر المعترض علیه نفسه ، وکما هو فی المصدر الذی اعتُمد هنا أنّ القیاس لا یفید إلاّ الظنّ ، سوی منصوص العلّة ، وان لا حاجة للعمل بالقیاس بعد توفّر النصوص الشرعیّة والتی تفی بالمطلوب ، ولذلک فما ذکره مفارقة .

وامّا ما ذکره من أنّ المعترض علیه یسمی الاستیحاء واستلهام الحکم الشرعی وهو العمل بالقیاس ، فانّه غیر صحیح ، لأنّ ما ذکره المعترض علیه مما ورد بخصوص الاستیحاء فانّه ورد مرادفا لما یُعرف بمناسبات الحکم والموضوع کما هو تعبیر المعترض علیه ، وفی المصدر الذی اعتمده إذ قال :

بحیث انّ علینا أن نحاول استیحاء المسألة مما قد یسمی فی بعض التعابیر الفقهیة مناسبة الحکم للموضوع التی هی حالة ظهوریة من مصادیق الظهور ، ولذلک لا یعمل السیّد الاُستاذ بما أسماه بالاستیحاء المجرد الذی لا یرقی إلی عالم الظهورات ( (61) ) .

امّا قول المناقش انّه لا یعرف ما هی المشکلة عند المعترض علیه لتحلّ له حسب الموازین العلمیة ، فانّه مناقش جدا ، لأنّ المشکلة لیست فی الکبریات ،
(صفحه 97)

بل هی فی التطبیقات ، وقد ذکرنا عدّة أمثلة لیس لها ضابط واضح ، ولذلک ألمح المعترض علیه إلی هذه المشکلة ، وما یقال عن حلّها وفق الموازین العلمیة فانّه مقال یتغاضی عمّا هو واقع .
قال المعترِض :

الدعوی الرابعة ـ قال المعترَض علیه :

« حتی أنّنا نجد بعض الاُصولیین عندما یتحدّثون عن مورد من الموارد التی کانت متعلّقة بالأمر الذی یکشف عن وجود ملاک ملزم فی الموضوع ، فإنّنا نراهم أنّهم إذا حدث هناک أی عنوان یسقط الأمر إمّا من جهة عدم القدرة أو أی جانب من الجوانب ، أو من جهة التزاحم بأمر آخر أهمّ مثلاً بحیث یصبح الموضوع من دون أمر ؛ فانّهم یقولون : انّه لا یمکننا أن نتقرّب ـ إذا کان المورد مما یتقرّب به إلی اللّه‏ ـ بالملاک عینه ؛ لأنّنا لا نحرز وجود الملاک إلاّ من خلال الأمر ، فاذ اُسقط الأمر ـ ولو من خلال أشیاء طارئة خارجیّة عن ذات الموضوع ـ فإنّنا لا نحرز الملاک ، ولذلک فنحن لا نستطیع أن نعتبر هذا الموضوع واجدا للملاک الشرعی بحیث نرتّب علیه آثار أی موضوع وارد من ملاکه فیما هی من آثار الملاک » .

أقـول : إنّ الظاهر من هذه الدعوی الاعتراض علی ما هو متعارف لدی المحقّقین المتأخّرین من حصر طریق اکتشاف الملاک بالأمر سواء کان عرضیّا أو بالترتب أو غیر ذلک ؛ فلو انتفی الأمر بعجز أو بفرض عدم الایمان بالترتب أو بعدم اجتماع شرائط صحة الترتب أو غیر ذلک ، لم یکن للفقهاء طریق إلی کشف الملاک . وهذا یکون ـ بزعم الباحث ـ جمودا آخر لدی الفقهاء یؤدی إلی جمود الفقه ، وهو یؤدی إلی العجز عن حلّ مشکلات الحیاة المتطوّرة .
(صفحه 98)
التعلیـق :

لیس فی کلام المعترَض علیه ما یوحی بالاعتراض ، بل هو فی مقام تقریر ما هو واقع من الخلاف بین الاُصولیین ، ولذلک انصرف الاُصولیون إلی البحث عن حلّ مثل هذا الإشکال ، ومال بعضهم إلی صحة الإتیان بالعبادی ما دام مضافا إلی اللّه‏ تعالی ولو لم یقصد الأمر .
قال المعترض :
والجـواب :

أوّلاً : أنّ الکاتب غفل عن سعة دائرة النصوص الواصلة الینا ثمّ دائرة الاُصول العملیة ، والتی لا تُبقی مجالاً لعجز الفقه عن الجواب علی مشاکل الحیاة لمجرّد عدم إمکان کشف الملاک بغیر الأمر .
التعلیـق :

ما نسبه من الغفلة إلی المعترَض علیه للنصوص الکثیرة الواصلة أمر ملفت ، إذ کیف یغفل وقد ذکر فی المقال الذی اعتُمد أنّ النصوص الشریفة واردة بشکل واسع لا یحتاج معها إلی القیاس ( (62) ) .
قال المعترِض :

الدعوی الخامسة ـ قال المعترَض علیه :

« ما نتصوره أنّ علینا أن نعید دراسة الأحادیث التی وردت فی رفض القیاس عن أئمة أهل البیت علیهم‏السلام ؛ لأنّ الواضح أنّ بعض القضایا التی رفض فیه نقل الحکم من موضوع إلی موضوع آخر کانت منطلقة من أنّ السائل اعتقد الملاک فی جانب مقاس ، بینما کان الملاک شیئا آخر لا یسمح بهذا القیاس ؛ لأنّه لا یحقّق عناصر القیاس ، کما نلاحظ فی روایة أبان بن تغلب عن أبی
(صفحه 99)

عبد اللّه‏ الصادق علیه‏السلام ، قال : قلت له : ما تقول فی رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة کم فیها ؟ قال : عشرة من الابل . . . » .

أقـول : إنّ هناک خلطا فی روایات النهی عن القیاس ، فبعضها ـ کروایة أبان ـ تنهی عن القیاس بالمعنی الأوّل المتقدّم الذی هو عبارة عن إخضاع الأحکام الشرعیّة لعقل الإنسان ؛ فما قبله العقل اُخذ به ، وما رفضه العقل رُفض .
التعلیـق :

إنّ المعترَض علیه لیس بوارد تحدید ما هو من القیاس بالمصطلح الأوّل أو الثانی . هذا فضلاً عن انّه یمکن استظهار کون أبان فی وارد القیاس بالمعنی الثانی ، وهو ما یظهر من بعض الفقهاء کما عن الشیخ الأنصاری ( (63) ) .
قال المعترِض :

وهذا القیاس هو القیاس الذی قلنا انّه خطر علی الشریعة بحیث یؤدی إلی محقها ، کما قالت به روایة أبان : « إنّ السنّة إذا قیست مُحق الدین » ، وکذا الأمر فی روایة ابن جمیع المتقدّمة .

ونتیجة لهذه المعرکة الفکریة بین الإمام الصادق علیه‏السلام وأبی حنیفة تضاءل استعمال هذا المصطلح علی ألسنة المتأخرین ، وقالوا بقیاس من نوع آخر ؛ وهو الاستواء بین الفرع والأصل فی العلّة المستنبطة من حکم الأصل .

وقد قلنا سابقا : إنّ القیاس إنّما رُفض من قبل مدرسة أهل البیت علیهم‏السلام لإنکار قدرة العقل علی إصابة الدین بالقیاس الذی یراه الکاتب مفیدا للعلم أو الاطمئنان ؛ فیکون مفاد الروایات الواردة من الأئمة علیهم‏السلام الإخبار عن عدم قدرة العقل علی إصابة دین اللّه‏ تعالی بالقیاس ، وهذا الإخبار یجعلنا مبتعدین عن أصل حصول العلم أو الاطمئنان بذلک .
(صفحه 100)
التعلیـق :

لم یدلّنا المعترض هنا علی ما نسبه إلی المعترَض علیه من إفادة القیاس العلم أو الاطمئنان ، کیف وقد نقلنا عنه ـ أی المعترض علیه ـ وتحدیدا عن المصدر الذی اعتمده المستشکل هنا ، ما یدلّ علی نفی الحجیة عن القیاس ، وقد اعترف بذلک الشیخ الجواهری . فلماذا هذه النسبة ؟ !
قال المعترِض :

الدعوی السادسة ـ قال المعترَض علیه :

« إنّنی أتصوّر أنّ ثمة مسلّمات درج علیها الاُصولیون والفقهاء فی الحکم الشامل بالنسبة إلی القیاس ، ویمکننا أن نعید النظر فیها ، فلعلّنا نکتشف شیئا جدیدا ، وفی هذا الاطار لابدّ من الإلفات إلی أحد محفّزات العمل بالقیاس عند بعض المذاهب ، وهو انطلاقه من ضرورة معرفة الأحکام مع قلّة الأحادیث الصحیحة ، فلجأ هذا البعض إلی القیاس لمل‏ء الفراغ ، کما حصل مع الإمام أبی حنیفة الذی کان أوّل من نظّر إلی القیاس وعمل به ؛ إذ لم یصح عنده من أحادیث النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم إلاّ ثمانیة عشر حدیثا ـ حسب ما أذکر ـ بمعنی انّه لا یملک أی مصدر لاستنباط الحکم الشرعی ، وهذا ما نعبّر عنه بدلیل انسداد باب العلم والعلمی ـ ومن الطبیعی انّه إذا انسدّ باب العلم بالأحکام أو باب الحجج الخاصة ـ أی ما یعبّر عنه بالعلمی ـ فإنّنا لابدّ أن نرجع إلی حجیة الظن علی بعض المبانی کحجیة الکاشفیة ؛ بمعنی أنّ العقل یحکم بذلک عند فقدان کل الوسائل لمعرفة الحکم الشرعی مع وجود علم إجمالی بوجود حکم شرعی لم یسقط .

وإذا کان الأمر کذلک فلابدّ أن یجعل اللّه‏ حجّة ویکون الظنّ حجّة ، وعند ذلک یکون القیاس أقرب الحجج من هذا الموضوع .
(صفحه 101)

ومن خلال هذا نفهم أنّ مسألة رفض القیاس لدی أئمة أهل البیت قد یکون منطلقا من أنّ هناک أحادیث فی السنّة الشریفة واردة بشکل واسع جدا لا یحتاج فیه إلی القیاس ؛ لأنّ باب العلم مفتوح من جمیع الجهات مثلاً ، سواء أکان من خلال القواعد العامة أم من خلال النصوص الخاصة »

أقول : أوّلاً ـ إنّ المسلّمات التی درج علیها الفقهاء والاُصولیون هی مسلّمات قرآنیة وروائیة تتلخّص فی نکتتین :

الاُولی : عدم إخضاع الأحکام الشرعیّة للعقل البشری لأخذ ما قبِله وترک ما لم یقبله ؛ لأنّ دین اللّه‏ لا یُصاب بالعقول کما ورد فی الحدیث الشریف .

الثانیة : عدم حجیة الظنّ إلاّ أن یدلّ علیه دلیل خاص ؛ کما فی قوله تعالی : « إنّ الظنّ لا یُغنی من الحقِّ شیئا » ( (64) ) .

وهذه المسلّمات لا یمکن ردّها إلاّ بمناقشة القرآن والسنّة بحیث نفترض أنّ النبیّ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم والأئمة علیهم‏السلام مجتهدون ، ولا أحسب أنّ هذا الأمر مقبول عند أحد .
التعلیـق :

إنّ المعترَض علیه لم یکن بصدد المناقشة فی المسلّمات الفقهیة والاُصولیة التی تستند إلی القرآن الکریم والسنة الشریفة بما لا لبس فیه . بل هو فی وارد ما درج علیه البعض من الفقهاء فی الحکم الشامل بالنسبة للقیاس علی حدّ تعبیره ، وهذا صحیح ، لأنّ هناک وحشة من القیاس وله ما یبرره ، ولذلک لم یکن الموقف من القیاس واحدا من علمائنا ، فقد ذکرت فیما سبق أنّ هناک من کان یناقش فی حجیة قیاس منصوص العلّة ، وقیاس الأولویة . . بل الکلام أیضا فی التطبیقات لا یزال کما هو إذ لم یحدّد بضابط صارم ، ومن أراد التفصیل فلیراجع ما تقدم من الأمثلة التی ذکرتها .
(صفحه 102)
قال المعترِض :

ثانیـا ـ إنّ قیاس أبی حنیفة ومحاججات الامام الصادق علیه‏السلام له تشیر إلی أنّ قیاسه یختلف عن القیاس بالمعنی الثانی ، وقد أشرنا إلی هذا مرارا فلا نعید .

ثالثـا ـ إنّ المحفّز الذی ذکر للعمل بالقیاس ـ علی فرض صحّته ـ قد نشأ من اُمور ، نشیر إلی بعضها ( سیأتی الحدیث عنها بعد تعلیقنا ) .
التعلیـق :

إنّ ما بصدده ـ المعترَض علیه ـ تارة هو التماس بعض الأسباب للمنع الصادر من أئمة أهل البیت علیهم‏السلام أصحابهم من العمل بالقیاس ، واُخری للأسباب التی دعت اتباع غیر مدرسة أهل البیت علیهم‏السلام إلی القیاس ، وهو لیس بصدد بحثها جملة وتفصیلاً .

امّا کون النهی الصادر عن أهل البیت علیهم‏السلام یرجع إلی الأحادیث فی السنة الشریفة التی تفی بالمطلوب وعندئذ لا یحتاج إلی القیاس فهو أمر دلّ علیه بعض الأحادیث ، وقد تقدمت الاشارة إلی ذلک ، وقد استظهره بعض المحققین والعلماء ، ومنهم المحقق القمی ( (65) ) ، ونقله الشیخ الأنصاری عن المحدّث الاسترابادی ، إذ أفاد أنّ الاهتمام بالاُصول الأربعمائة وکتابة الحدیث کان لئلا یحتاج الشیعة إلی سلوک طریق العامة ( (66) ) .

وامّا کون المحفّز عند العامة إلی القیاس وکون ذلک اعوازهم للنصوص فانّه صحیح ، وذلک ما أشار إلیه المعترض نفسه من المنع عن کتابة الحدیث مثلاً وعدم سؤال الأئمة ، وهذا لا یبتعد عمّا ذکره المعترض علیه ، علی انّه کان ذکره فی کتابه ( تأملات فی آفاق الإمام موسی الکاظم ) إذ یقول : « فنحن نلاحظ أنّ المسألة هی عدم وجود فراغ فی الشریعة یدعو إلی اللجوء للقیاس . .
(صفحه 103)

وإذا کان الناس لا یجدون لدیهم مصدر ذلک فإنّ الأساس فی هذا الشعور بالفراغ هو ابتعادهم عن سؤال أئمة أهل البیت الذین یملکون علم ذلک کلّه . . . » ( (67) ) .
قال المعترض :

الأوّل : انّه نشأ من مخالفة الرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم حینما أمر الاُمّة أن تقتدی بالإمام أمیر المؤمنین والأئمة الأحد عشر علیهم‏السلام من بعده ، حیث أراد اللّه‏ للاُمّة أن تتمّ المسیرة الهادیة علی أیدی هؤلاء الأئمة الاثنی عشر ، وقد مهّد النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم لذلک ؛ حیث أودع علیّا علیه‏السلام علمه وجمیع الأحکام الشرعیّة التی کان یملیها علیه وعلی علیه‏السلام یکتب ؛ ویسمّی هذا الکتاب فی الروایات : « الجامعة » .

الثانی : انّه نشأ من الخطأ الکامن فی المنع من کتابة أحادیث الرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم بعد وفاته ؛ بحجّة أن یختلط الحدیث بالقرآن . وکان الخط الحاکم یعاقب علی کتابة الحدیث الذی هو عِدل القرآن . وبعد قرن من الزمن حینما سُمح بکتابة الحدیث دسّ أتباع الخط الحاکم فی الأحادیث الموجودة ما شاء لتثبیت الحکم ؛ لذا لم یصحّ عند من قبل هذا الخط إلاّ أحادیث قلیلة ، کما ذکر الکاتب فی أحد محفّزات القیاس .

هذا ولکن کاتب المقال هو ممّن اتّبع الرسول صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم فی وصیّته باتباع الأئمة الاثنی عشر علیهم‏السلام ، وهذا الخط هو الذی احتفظ بأحادیث رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم بعد موته ، ووصل إلی رواة الحدیث عن طریق الأئمة علیهم‏السلام ، ووصل الینا عن طرق رواة الأحادیث . إذا فلا یکون الطریق مسدودا للوصول إلی حکم اللّه‏ تعالی من طریق العلم أو العلمی ، ولا تکون حجیة مطلق الظنّ مورد قبول هذا المسلک ، کما هو علیه علماؤنا أجمع .

وعلی ما تقدّم فأیّ حاجة إلی إعادة النظر فی حجیة مطلق الظنّ بناءً علی الانسداد ؟ !
(صفحه 104)
التعلیـق :

ما یذکره بخصوص استغرابه إعادة النظر فی حجیة مطلق الظن بناءً علی الانسداد مناقش فیه ، إذ لم یدع المعترَض علیه إلی ذلک ، بل انّه أکد علی انّه لو انسدّ باب العلم بالأحکام أو العلمی لکان من الطبیعی اللجوء إلی الظن ، إلاّ انّه صرّح بأنّه لا حاجة للقیاس لأنّ باب العلم مفتوح من جمیع الجهات سواء أکان من خلال القواعد العامة أم من خلال النصوص الخاصة ( (68) ) .
قال المعترِض :

الدعوی السابعة ـ قال المعترض علیه :

« إنّنا فی ملاحظتنا المتنوّعة فی هذه النقطة نحاول توجیه التجربة الاجتهادیة فی البحث اللغوی إلی أنّ عنصر الثبات فی قواعد فهم اللغة لا یخدم قضیة الاجتهاد المستندة إلی وعی النص ، بل قد یجحدها ویعطّلها ؛ لأنّها سوف تقف عند فهم القدماء الذین قد یمنحهم القدم قداسة خاصة یرتجف المحدثون أمامها فلا یملکون الجرأة علی مخالفتهم فیما یرتؤونه ، أو یجدون حرجا فی الإعلان عن ذلک الخلاف بطریقة فتوی أو بحث أو نحو ذلک . وربما یرجع إلی هذه الذهنیة التقلیدیة فی تقدیس القدیم أو المشهور من الفقهاء والاُصولیین التی قد تکون متطورة فی الشکل ولکنها متجمدة فی المنهج والمضمون ، وقد تکون متحرکة فی المفردات ولکنها تبقی فی اُفق التجرید العقلی الذی یقع تحت تأثیرات الفرضیات الخیالیة أو التکلفات العقلیّة التی لا تتمخض عن ثمرات عملیة علی مستوی الواقع العام للإنسان ، فقد تجد هناک أبحاثا تحمل الکثیر من الدقة لذلک کلّه لتستدلّ بالبرهان علی ما یستقلّ به الوجدان » .

أقـول : إنّ مقصود الکاتب توسّع دائرة الاشکال علی فقهاء الإمامیة ، وبیان
(صفحه 105)

عدم انحصار الإشکال بإنکار القیاس ، فتوهّم الباحث أیضا بأن الأخذ بعنصر الثبات فی اللغة یکون أساسا آخر لجمود الفقه .

وتنحلّ هذه الدعوی إلی نکتتین :

الاُولی : أنّ عنصر الثبات فی قواعد فهم اللغة ـ کما درج علیه الاُصولیین وأهل اللغة ـ لا یخدم قضیة الاجتهاد المستندة إلی وعی النص وحرکیة الفقه .

فکأنّ الذی یخدم وعی النص هو عدم الالتزام بالثبات فی قواعد فهم اللغة ؛ بمعنی أنّ الانفلات من قواعد فهم اللغة هو الذی یخدم الاجتهاد .

وهذا أمر عجیب أدع التعلیق علیه لغیری .
التعلیـق :

إنّ المعترَض علیه أعلن بشکل واضح أنّ ما بصدده هو قواعد فهم اللغة لا فهم اللغة ، وثمة فرق کبیر بین الأمرین ، لأنّ التقعید یرجع إلی تکییفات یسهم فیها هذا أو ذاک من المختصین فی اللغة العربیة ، علی عکس فهم اللغة الذی لا یحتاج إلی کل هذا التکلف ، ولذلک نجد الناس العادیین یفهمون المراد من أیّة جملة وفقا لظاهر الکلمات دونما التفات منهم إلی کثیر من التکییفات التی یطرحها علماء اللغة أو علماء الاُصول وخاصة المتأخرین منهم الذین أسهموا فی ما یتصل بمباحث اللغة بمناسبة بحثهم لها فی المباحث الاُصولیة .

وکمثال علی اختلاف الرؤی فی فهم اللغة وما یتصل بها ، اختلاف الاُصولیین فی الدلالة فی المنطوق والدلالة فی المفهوم من حیث القوة ، فقد کان یری القدماء قوة دلالة المنطوق وضعف المفهوم فی مقابله ، فی حین انّ المتأخرین لا یرون ذلک ویرونهما فی رتبة واحدة فی القوة .

ویحسن أن أشیر إلی مسألة جواز استعمال اللفظ فی عدة معان ، أو لا ؟ !
(صفحه 106)

إذ ذهب الأکثر ـ بل هو المعروف ـ إلی عدم الإمکان ، فی وقت اقترح السیّد السیستانی مؤخرا أن یکون البحث فی وقوعه أو عدم وقوعه فی اللغة ، والوقوع ـ کما یری ـ أقوی دلیل علی الإمکان ( (69) ) .

ومضافا إلی ما تقدّم فإنّ المعترض هنا لم یلتفت إلی ما یقوله الطرف الآخر صراحة وبکل وضوح إذ یقول ما نصّه : « فمن الممکن حینئذ الاستفادة من المستجد من علوم اللغة کالألسنیة إذا ما تبین عدم تعارض المستجد مع الخط العام للغة . . » ( (70) ) .

ولذلک لا حاجة لکل هذا التساؤل المثار هنا لأنّ الآخرین لا ینکرون هذا الثبات بل یؤکدون علیه .
قال المعترِض :

ولکن أقول : إنّ عدم الالتزام بالثبات فی قواعد فهم اللغة والتجهُّم لعلم الاُصول والدلالة والدعوة إلی فهم جدید للنصوص ، سوف تؤدی إلی إلغاء حاکمیة الدین وتجاهل ثوابته ومناراته التی تعصم العقل من الاضطراب . وهذا هو عبارة عن اطراح کل ما اشتمل علیه تراث الاُمّة الاسلامیة فی مجال التشریع والفکر .

الثانیة : یدعی الکاتب أنّ المحدثین من الفقهاء لا یملکون الجرأة علی مخالفة القدماء فیما یرتؤونه ، أو یجدون حرجا فی الإعلان عنه بطریقة فتوی أو بحث .

وهذه الدعوی لم نجد لها فی الواقع شیئا تستند إلیه ؛ فإنّ الفقهاء المحدثین قد یخالفون القدماء فیما إذا ملکوا الدلیل المعتبر من القرآن والسنة والعقل طبقا لقواعد فهم اللغة التی یُسند الیها الاجتهاد ، وأمثلته کثیرة لا مجال لذکرها هنا .
(صفحه 107)
التعلیـق :

نفیه لما یذکره المعترَض علیه من عدم جرأة بعض الفقهاء المحدثین فی مخالفة الأقدمین مناقش فیه لکن الملفت دعواه انّه لم یجد لها فی الواقع شیئا لأنّهم ـ حسب رأیه ـ إذا ملکوا الدلیل المعتبر من القرآن والسنة أفتوا بالرأی وإن کان مخالفا للأقدمین .

وما یذکره صحیح ، ولکن ما یذکره المعترَض علیه صحیح أیضا بل أکثر صحة ، فکثیرا ما یری الفقیه رأیا علمیا وانّه مقتضی القواعد العلمیة ثمّ یفتی علی خلافه ـ ولو من باب الاحتیاط ـ خشیة مخالفة المشهور ، ویمکن أن أشیر إلی عدة مفردات فقط :

1 ـ فی مسألة وجوب قراءة سورة کاملة فی الفریضة مضافا إلی سورة الفاتحة یری المشهور ذلک ، فی مقابل رأی عدد غیر قلیل من الأقدمین والمتأخرین إلی عدم الوجوب . وفی مقام البحث العلمی رأی السیّد الخوئی أنّ المتبع فی المسألة هو الدلیل ، ثمّ انّه استعرض أدلّة الطرفین ورأی أنّ مقتضی الصناعة هو حمل الروایات الدالّة علی الإتیان بسورة کاملة علی الاستحباب ، وعندئذ فإنّ الترجیح ـ عنده ـ علمیا لما هو علیه الرأی المقابل للمشهور ، ولکنه رغم ذلک لم یفت به مخالفا المشهور ( (71) ) .

2 ـ فی مسألة انّ الزنا بذات الزوج یوجب الحرمة مؤبدا بین الزانی والمرأة بحیث لو طلقها زوجها الأوّل أو مات فانّه لا یحق للزانی الزواج منها ، وهذا هو رأی المشهور ، وقد ناقش السیّد الخوئی الرأی المذکور ولم یجد علیه دلیلاً صالحا ، ورغم ذلک لم یشأ مخالفة المشهور ، واختار الاحتیاط . لماذا ( (72) ) ؟ !

3 ـ فی مسألة عدم جواز التظلیل للرجال فی حالة الإحرام أثناء المسیر ،
(صفحه 108)

ناقش السیّد محمّد الروحانی الأدلّة ورأی عدم صلاحیة ما استدل به من روایات علی ذلک ، وانّه لا یظهر منها سوی الکراهة ، ورغم ذلک فانّه لم یشأ المخالفة فی الفتوی ( (73) ) .

4 ـ فی مسألة تحدید الغروب وانّه یتحقق بسقوط القرص وغیبوبته عن النظر فقط أم لابدّ مع ذلک من ذهاب الحمرة المشرقیة ؟ یقول السیّد الخوئی : « وقد استبان لک من جمیع ما قدمناه لحد الآن أن القول المنسوب إلی الأشهر أو الأکثر لا یسعنا الالتزام به ، إذ لا سبیل إلی إتمامه بدلیل ترکن إلیه النفس ، بل الدلیل قائم علی خلافه ، ومقتضی الصناعة هو المصیر إلی القول المشهور من دخول الوقت بسقوط القرص واستتار الشمس تحت الاُفق الذی اختاره جماعة من المحققین » ( (74) ) ومع هذا فانّه لم یفت بذلک بل احتاط احتیاطا وجوبیا ( (75) ) .

ولولا خشیة الإطالة وإتعاب القارئ لذکرت الکثیر من هذه المفردات .
قال المعترِض :

إنّ فهم المشهور والقدماء للنص وإن لم یکن مقدسا بما هو فهم للمشهور ، إلاّ انّه قد یکشف فی کثیر من الأحیان عن ظهور للنص إذا عرفنا أنّهم ملتفتون إلی نواحی الکلام وقواعد فهم اللغة ، وحینئذ یکون هذا الظهور للنص هو المقدّس الذی تکون مخالفته حرجة .
التعلیـق :

الاعتراض الذی ذکره المعترَض علیه علی الفقهاء هو الوحشة من مخالفة المشهور مع وضوح الدلیل علی خلافه ، کما فی الأمثلة التی ذکرناها ، ولیس مراده مخالفة المشهور کما فی ما یذکره صاحب المقالة هنا لأنّه لو حصل الظهور الذی یذکره فانّه لا إشکال فی اعتباره حجة ، هذا لو حصل للفقیه مثل
(صفحه 109)

هذا الظهور ، ولذلک خالف المعترض نفسه المشهور فی مسألة جواز التذکیة بغیر الحدید ، بحیث لم یجد بأسا فی مخالفة المشهور بعد مساعدة الدلیل علی مثل هذه المخالفة ، ولم یحتمل أن یکون ثمة قرینة التفت الیها الفقهاء بحیث جعلت من الحدیدة هی الفلز الخاص لا الأعم منه أی کل ما کان قاطعا وإن لم یکن منه ( (76) ) .

ثمّ انّ لنا تعلیقا بخصوص فهم المشهور فإنّ فتواهم ـ مثلاً ـ بانفعال البئر بالنجاسة أیضا یکشف ـ بما هم متقدمون ـ عن وجود قرائن حالیة أو لفظیة فی الروایات جعلتهم یفتون بذلک ولکنها ضاعت علینا نحن المتأخرین . بل انّ الفتوی المعروفة بنجاسة الکتابی ـ تکشف هی الاُخری عن وجود مثل هذه القرائن جعلتهم یفتون بالنجاسة ولکنها ضاعت وخفیت علی المتأخرین . . وإذا قلنا بذلک فلا یبقی حق للمتأخرین فی إعادة قراءة النصوص أو مخالفة المشهور فی آیة مسألة لاحتمال انّ فتوی المشهور کانت مستندة إلی قرائن فی النصوص وصلتهم وضاعت علی المتأخرین .
قال المعترِض :

الدعوی الثامنة ـ قال المعترَض علیه :

« ولعل هذه الحیویة التی نرید تحریکها فی البحث الاُصولی هی التی قد تبعدنا عن الوقوف جامدین أمام العناوین الاُصولیة التی استهلکناها فی مذهبیاتنا الفقهیة والاُصولیة ، فلم نتقدّم خطوة واحدة نحو الآخر . . . إذ لا یزال القیاس والمصالح المرسلة والاستحسان وغیرها مقبولة بالمطلق من مذهب معیّن ومرفوضة بالمطلق من مذهب آخر ؛ لأنّ القضیّة هنا وهناک فی الایجاب والسلب قد وصلت فی الوعی الاُصولی إلی مستوی الحقیقة الحاسمة التی لا تملک فی الواقع یقینا حاسما یلغی إمکانات الحوار ، ویطوّر مسألة السلب
(صفحه 110)

الکلی إلی الایجاب الجزئی ، والإیجاب الکلی إلی السلب الجزئی ؛ لأنّ الأدلّة التی یقیمها هؤلاء علی القبول أو یقیمها اُولئک علی الرفض لیست أدلّة یقینیة بالمعنی الوجدانی البدیهی ، بل هی أدلّة فکریة بالمعنی النظری البرهانی التحلیلی . فإذا کانت الاُسس التی قد یعتمدها أهل السنة فی حجیة القیاس والاستحسان والمصالح المرسلة هی اعتبار الظن بالعلة المشترکة بین الموضوعات ، أو بالمصالح الکامنة فی داخل هذه الواقعة المنفتحة علی الخط العام للمقاصد الشرعیّة التی تخضع لها المصالح والمفاسد التی هی ملاکات الأحکام ، أو بالأساس الذی یقوم به حکم علی آخر ، فقد یفرض علینا البحث العلمی الدخول فی حوار حول مدی حجیة الظن فی الخط العام أو فی الخطوط التفصیلیة ، وفی طبیعة الأدلّة العقلیّة المنفتحة علی العمق الشرعی فی إدراکات العقل ، أو الأدلّة الشرعیّة المباشرة ؛ لنکتشف أساس الحجیة فی هذا أو ذاک من خلال وجدان عقلی وشرعی .

وربما نجد فی هذه التجربة بعض ما نکتشف فیه أنّنا قد نلتقی بالقیاس فی العلة المنصوصة أو المستنبطة بطریقة یقینیة ، کما قد نکتشف الوسائل الیقینیة أو الشرعیّة المعتبرة لاکتشاف مقاصد الشرع القطعیة فی هذا الموضوع أو ذاک لمعرفة ملاکات الأحکام التی یمکن من خلالها وعی الأهمیة فی ملاک هذا الحکم فی هذا الموضع بالدرجة التی یقدّم بها الحکم الآخر فی موضوع آخر بحیث یتجمّد أحدهما فی دائرة الأهم والمهم .

وفی ضوء ذلک ، قد نجد أکثر من مجال للالتقاء فی بعض هذه العناوین ما قد یخفّف عنّا الکثیر من العقد الشعوریة التی تتحول إلی عقدة مذهبیة فی الانفصال الفکری والفقهی والاُصولی بالمستوی الذی لا مجال فیه للقاء » .

أقـول : إنّ الکاتب یبرز مشکلة اُخری بسبب إنکار الشیعة للقیاس إنکارا مطلقا ، وهی : عدم إمکانیة التقریب بین الشیعة والسنة ؛ لأنّ أحدهما ینکر
(صفحه 111)

القیاس مطلقا والآخر یثبته مطلقا ، فی حین انّ الباحث یتخیل انّ الأفضل تنازل کل من الطرفین عن إطلاق کلامه کی یلتقیا فی الطریق .
التعلیـق :

ما یذکره المعترض هنا فی هذه الفقرة یصدر عن رؤیة معینة ، لأنّ ما بصدده المعترض علیه هو الدعوة للحوار وأنّ هناک قواسم مشترکة حتی فی الموارد التی هی موارد النزاع والخصومة ومن ذلک القیاس ، حیث أشار إلی العمل بالقیاس المنصوص العلة مثلاً ، فی إشارة إلی أنّ رفض القیاس لم یأت من عقدة بل یأتی من کونه لیس حجة ، لکونه یفید الظن فتأمل کلامه جیدا .
ثمّ قال المعترِض :

والجواب : أنّ الباحث قد غفل عن أنّ ما یدعو إلیه المخلصون من الاقتراب والتکاتف بین الشیعة والسنة أمام الکفر العالمی إنّما هو عبارة عن تکاتفهم ضد العدو المشترک فی الأهداف المشترکة ، ولیس عبارة عن تنازل أحدهما عن بعض أفکاره فی مقابل الآخر ، فلا الشیعی مطالب بتنازله عن حجیة القیاس بالمعنی المألوف ، ولا توجد أی مصلحة فی الاقتراب بینهما بهذا المعنی الذی یطرحه الکاتب .
التعلیـق :

لم یغفل المعترَض علیه عمّا یذکره المستشکل هنا ، وما یشیر إلیه من أنّ الاقتراب بین الشیعة والسنة لا یتأتی بالتنازل من طرف لآخر فهو مما ینادی به المعترض علیه أیضا ، فلا صحة لما نسبه من الغفلة ویکفی أن أنقل عن المعترض علیه ما یردده کثیرا إذ یقول : « لیست الوحدة أن یقدم هذا الفریق الإسلامی تنازلاً عن عقیدته للفریق الثانی أو بالعکس ، بل أن یلتقی المسلمون
(صفحه 112)

علی ما اتفقوا علیه وأن یرجعوا إلی اللّه‏ وإلی الرسول فیما تنازعوا فیه . . ولکن الوحدة هی أن نتعاون علی ما اتفقنا وأن یحاور بعضنا البعض الآخر بالطرق الاسلامیة فیما اختلفنا فیه . . » ( (77) ) .
قال المعترِض :

وأخیرا : فإنّنا فی هذه المقالة ناقشنا الدعوة إلی إعادة النظر فی حجیة القیاس الظنی ، وهو بحث اُصولی .

امّا العمل بالقیاس فلا یصح نسبته إلی من یدعو إلی إعادة النظر فی القیاس من ناحیة البحث الاُصولی ، خصوصا وقد صرّح فی کتابه ( النکاح ) بقوله : « . . . وامّا القیاس فلیس من مذهبنا ولا نعتبره دلیلاً شرعیّا ؛ لأنّه قد ثبت فی علم الاُصول عدم حجیته فی إثبات الأحکام الشرعیّة الفرعیة » .
التعلیـق :

إذا کان المعترَض علیه باعتراف المعترِض لا یعمل بالقیاس ، فلماذا کل هذا البحث ، وبالتالی الإیحاء بأنّ هناک من یدعو للعمل بالقیاس الذی یوجب تشویش القراء ویوحی لهم بأنّ هناک من یدعو إلی العمل بالقیاس ؟ !

(صفحه 113)
الهوامش

( * ) نشرت مجلة فقه أهل البیت علیهم‏السلام فی العدد 23 دراسة تحت عنوان إعادة النظر فی القیاس الفقهی لفضیلة الاُستاذ الشیخ حسن الجواهری ، وقد وردتنا هذه المقالة کقراءة نقدیة لتلک الدراسة ننشرها علی صفحات المجلة إیمانا بحریة النقد والمناقشة .( التحـریر )

______________________________

( 1 )راجع : اختلاف الحدیث ، تقریرا لأبحاث السیّد علی السیستانی ، بقلم السیّد هاشم الهاشمی : 21 ، مخطوط .

( 2 )راجع : فرائد الاُصول للشیخ مرتضی الأنصاری 1 : 517 وما بعدها ، ط . الاُولی 1419 ه ، نشر مجمع الفکر الاسلامی ـ قم .

( 3 )راجع : المصدر السابق : 598 .

( 4 )راجع : المصدر السابق : 597 .

( 5 )النساء : 160 .

( 6 )راجع : مبادئ الوصول إلی علم الاُصول : 218 ـ 219 ، ط ـ مکتب الاعلام الاسلامی ، تحقیق محمّد علی البقال .

( 7 )راجع : عدة الاُصول 2 : 672 ـ 673 ، تحقیق محمّد رضا الأنصاری ، الطبعة الاُولی 1417 ه .

( 8 )راجع : معارج الاُصول : 182 ، ط ـ اُولی 1403 ، ط ـ مؤسسة آل البیت ـ قم .

( 9 )راجع : تحریر المجلة : 21 ، ط ـ النجف 1359 ه .

( 10 )راجع : الاُصول العامة للفقه المقارن : 343 ، ط ـ المجمع العلمی لأهل البیت ، 1997 م .

( 11 )فرائد الاُصول 1 : 487 .

( 12 )الاُصول العامة للفقه المقارن : 313 ، 301 .

( 13 )راجع : التعلیقات علی شرح الکافی 2 : 329 ـ 230 ، ط ـ المکتبة الاسلامیة طهران ـ 1382 ه .

( 14 )جواهر الکلام 29 : 324 .
(صفحه 114)

( 15 )المصدر السابق : 320 .

( 16 )وسائل الشیعة 5 : 142 ، ب 1 من أبواب صلاة الکسوف والآیات ، ح 3 .

( 17 )راجع : جواهر الکلام 11 : 406 ـ 409 .

( 18 )راجع : المستند فی شرح العروة الوثقی للسید الخوئی 16 : 8 ـ 10 ، نشر مؤسسة احیاء تراث الخوئی . وراجع : جامع المدارک للسید أحمد الخوانساری 1 : 551 ، نشر مکتبة الصدوق ، طهران 1355 ه . ش .

( 19 )راجع : المستمسک للسید الحکیم 12 : 198 .

( 20 )راجع : المصدر السابق . مستند العروة ، کتاب الاجارة : 458 .

( 21 )یونس : 59 .

( 22 )مجلة المنطلق ، العدد 111 : 74 ـ 75 .

( 23 )المصدر السابق : 78 ـ 79 .

( 24 )المصدر السابق : 68 ـ 69 .

( 25 )راجع : رسالة فی الرضاع ، تقریرا لأبحاث السیّد الاُستاذ بقلم محمّد أدیب قبیسی : 108 ، ط ـ دار الملاک 1416 ه .

( 26 )راجع : الجهاد : 275 وما بعدها ، تقریرا لأبحاث الاُستاذ بقلم السیّد علی فضل اللّه‏ ، ط ـ 1 دار الملاک 1416 ه .

( 27 )راجع : النکاح : 1 : 94 ، تقریر الشیخ جعفر الشاخوری ، ط ـ 1 دار الملاک 1417 ه .

( 28 )وهذا ما نقله المعترض فی مقاله .

( 29 )تقریرا لأبحاث السیّد الاُستاذ بقلم کاتب السطور : 105 من المخطوط .

( 30 )یونس : 26 .

( 31 )راجع : الندوة 5 : 618 ، ط ـ الاُولی بیروت ، دار الملاک 1999 .

( 32 )راجع : الندورة 8 : 615 ، ط ـ الاُولی ، دار الملاک 2001 م . وراجع : الندوة 4 : 547 ، ط ـ الاُولی 1998 ، دار الملاک .

( 33 )راجع : تأملات فی آفاق الإمام موسی الکاظم : 43 ، 40 . ط ـ دار التعارف ، بیروت .

( 34 )المصدر السابق : 40 وما بعدها .
(صفحه 115)

( 35 )راجع : الاجتهاد والحیاة لکاتب السطور : 160 ، الطبعة الاُولی 1996 ، نشر مرکز الغدیر ، بیروت .

( 36 )راجع : الاجتهاد والتجدید : 90 ، ط ـ المؤسسة الدولیة ، الطبعة الاُولی 1999 م ، بیروت .

( 37 )راجع : المستند 16 : 40 .

( 38 )راجع : مستند العروة 16 : 236 .

( 39 )راجع : جامع المدارک للخوانساری 3 : 258 .

( 40 )راجع : جواهر الکلام 22 : 195 .

( 41 )راجع : المصدر السابق 6 : 234 .

( 42 )راجع : العروة مع حواشی العلماء المشار إلیهم 1 : 213 ، نشر جماعة المدرسین بقم 1421 ه .

( 43 )راجع : مستمسک العروة 2 : 193 .

( 44 )المستمسک 2 : 191 .

( 45 )بحار الأنوار 2 : 303 .

( 46 )فرائد الاُصول 1 : 60 .

( 47 )اُصول الفقه المقارن : 278 .

( 48 )راجع : الصفحة 69 من المقال الذی اعتمده المعترض فی مجلة المنطلق .

( 49 )راجع : جواهر الکلام 21 : 344 و 41 : 437 .

( 50 )کما فی کتابه منهج الصالحین 5 : 135 .

( 51 )مصباح المنهاج للسید سعید الحکیم 2 : 26 .

( 52 )مجلة المنطلق ، العدد 111 : 67 .

( 53 )المصدر السابق : 66 .

( 54 )راجع : الاجتهاد والحیاة : 166 .

( 55 )راجع : بحوث فی علم الاُصول تقریرا لأبحاث الشهید الصدر بقلم السیّد محمود الهاشمی 7 : 36 ـ 37 .
(صفحه 116)

( 56 )جواهر الکلام 11 : 180 وما بعدها .

( 57 )منهاج الصالحین 2 : 125 .

( 58 )منهاج الصالحین 2 : 126 .

( 59 )الاجتهاد والحیاة : 158 .

( 60 )راجع : الذکری للشهید الأوّل 1 : 124 ، ط ـ مؤسسة آل البیت علیهم‏السلام .

( 61 )راجع : کتاب النکاح 1 : 201 .

( 62 )راجع : مجلة المنطلق ، العدد 111 : 79 .

( 63 )راجع : فرائد الاُصول 1 : 62 .

( 64 )یونس : 36 .

( 65 )راجع : فرائد الاُصول 1 : 518 .

( 66 )فرائد الاُصول ـ شرح اعتمادی 3 : 85 .

( 67 )تأملات فی آفاق الامام موسی الکاظم : 41 .

( 68 )المنطلق ، العدد 111 : 79 .

( 69 )راجع : الرافد فی علم الاُصول 1 : 185 وما بعدها ، ط ـ قم 1414 ه .

( 70 )المنطلق : 65 .

( 71 )راجع : مستند العروة 3 : 286 وما بعدها ، تقریر البروجردی .

( 72 )مبانی العروة الوثقی 1 : 279 وما بعدها .

( 73 )راجع : المرتقی إلی الفقه الأرقی 2 : 213 وما بعدها ، تقریر السیّد عبد الصاحب الحکیم ، ط ـ قم 1419 ه .

( 74 )راجع : المستند 11 : 180 .

( 75 )راجع : منهاج الصالحین 1 : المسألة 502 .
( 76 )راجع للمعترِض : بحوث فی الفقه المعاصر 2 : 241 ، ط ـ اُولی 1419 ، قم .
( 77 )راجع : الندوة 2 : 480 ، ط ـ الاُولی بیروت 1997 م .
منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » تابستان 1381 - شماره 26 (از صفحه 57 تا 116)

 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010