الرئيسية الجزائیات العام عقود التورید و المناقصات (القسم الثانی)
عقود التورید و المناقصات (القسم الثانی) PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 03 أكتوبر 2010 22:54

نویسنده : الجواهری، حسن
ثانیـا ـ عقود المناقصات
وعقد المناقصة عقد جدید لم یرد له ذکر فی القرآن والسنّة والفقه ، بخلاف عقد المزایدة الوارد فی السنة والفقه .

تعریف المناقصة : هی « إرساء العقد علی أفضل العروض ـ عند وجود العروض المتعددة فی وقت واحد عرفا ـ » وهذا الإرساء قد یتضمن تملیکا إذا تعلقت المناقصة علی تورید سلعة من السلع ، وقد یتضمن تملیک منفعة إذا تعلقت المناقصة علی الانتفاع ، وقد یتضمن عقد إجارة إذا کانت المناقصة قد تعلقت علی الأعمال ( المقاولات ) . . وهکذا . فالمناقصة التی هی إرساء العقد علی أفضل العروض لیست بنفسها تملیکا أو إجارة ، وإنّما یکون التملیک أو الإجارة أو المضاربة أو المزارعة أو السلم أو الاستصناع متضمنا لعقد المناقصة ، کالصلح الذی هو عبارة عن التسالم والتصالح الذی یتضمن التملیک إذا تعلق بعین ، وقد یتعلق بالانتفاع فیفید فائدة العاریة ( التی هی مجرد التسلیط ) ، وقد یتعلق بالحقوق فیفید الإسقاط أو الانتقال ، وقد یتعلق بتقریر
(صفحه 10)

أمر بین المتصالحین فیفید مجرد التقریر .

والذی یدلنا علی ذلک : أنّ المناقصة لو کانت هی البیع والإجارة والسلم والاستصناع والاستثمار لزم کون المناقصة مشترکا لفظیا ، وهو واضح البطلان ، فلم یبقَ إلاّ أن یکون مفهوم المناقصة هو نفس إرساء العقد علی أفضل العروض الذی یتضمن فی کل مورد فائدة من الفوائد حسب ما یقتضیه متعلقه .

وعلی هذا ، فالمناقصة عقد یتضمن عقد بیع ( تورید أو سلم ) أو إجارة أو استصناع أو استثمار ، الموجب فیه هو البائع ؛ وهو المورِّد أو المسلِم أو المقاول أو المستثمر أو المستصنع ، والقابل هو المشتری للبضاعة أو المسلم إلیه أو المستأجر أو صاحب المال فی عملیة الاستثمار .
توضیح لعقود المناقصات :

إنّ ما یجری فی الخارج لعقود المناقصات یحتوی علی عملیات یکون لفهمها الأثر الخاص فی تشخیص الحکم الشرعی ، لذا من المستحسن أن نستعرض سیر عملیة المناقصة من الدعوة إلی المشارکة حتی نهایة العقد ، فنقول :

1 ـ یعلن فی الصحف الکثیرة الانتشار ( إذا کانت المناقصة عامة ) ( (1) ) عن الدعوة إلی المشارکة فی مناقصة لشراء سلعة أو إنشاء مشروع معین ، ویذکر آخر موعد لتسلم المضاریف التی فیها الاستعداد لتقبل الصفقة بسعر معیّن .

2 ـ یشترط فی الاشتراک فی عملیة المناقصة شراء المعلومات التی أعدّتها الجهة الداعیة إلی المناقصة حول المشروع .

3 ـ یبدأ عقد المناقصة من تسلّم المضاریف وفتحها ، ویکون تقبّل
(صفحه 11)

المشروع بسعر معین هو الإیجاب ، والداعی إلی المناقصة بما أنّه قد التزم باختیار أفضل من یتقدمون للتعاقد معه ، فحینئذٍ یکون بذل السلعة أو العمل بسعر أقل موجبا لسقوط الإیجاب الأوّل وبقاء الأقل .

4 ـ إذا رست المعاملة علی أحد المتناقصین باعتباره الأفضل للتعاقد ، فقد حصل القبول وتمّ العقد فی هذه اللحظة .
الإیجاب ملزِم فی عقد المناقصة :

ثمّ إنّ الإیجاب فی کل عقد یجوز أن یُرجع عنه قبل حصول القبول ، إلاّ فی عقد المناقصة ؛ فإنّ الإیجاب الذی یصدر من البائع أو المقاول لا یجوز الرجوع عنه قبل إتیان القبول ، ولهذا قد یتساءل عن سبب عدم الرجوع عن هذا الإیجاب قبل حصول القبول ؟

والجواب : هو وجود التزام بین الأطراف المتناقصة علی إرساء العقد علی أفضل العروض ، وهذا معناه عدم جواز رجوع صاحب العرض عن عرضه ( أی عدم جواز رجوع الموجب عن إیجابه ) ، وعدم جواز اختیار المشتری غیر العرض الأفضل بحجة من الحجج إلاّ أن یشترط جواز ذلک له صریحا . وهذا الالتزام المتبادل بین المتناقصین مستفاد من مفهوم المناقصة التی هی إرساء العقد علی أفضل العروض ، وقد قبل بها کل الأطراف وأقدموا علیها ورتبوا أثرا علی ذلک ؛ فإنّ هذه الالتزامات التی تکون متبادلة ویرتب علیها الأثر تکون ملزمة للطرفین حسب الأدلة الشرعیة فی وجوب الوفاء بالشروط والالتزامات ، ولا نؤمن بالإجماع الدال علی کون الشروط الملزمة هی التی تکون فی ضمن عقد ملزم ( (2) ) .

وإذا تم عقد المناقصة بإرساء العقد علی أفضل العروض لا نجد مشکلة فی عقود المقاولات ؛ حیث إنّ العمل یُقدّم شیئا فشیئا ، وثمن العمل یجوز دفعه
(صفحه 12)

معجلاً أو مؤجلاً ونجوما . وکذا لا مشکلة فی الاستثمار إذا کان مضاربة أو مزارعة أو مساقاة ؛ لأنّ طبیعة هذه العقود لا یشترط فیها تقدیم کل المال المموِّل للمشروع . کما لا مشکلة أیضا فی إیجار المنفعة عن طریق المناقصة ، وإنّما الإشکال یکون فی المناقصة إذا کانت عقد تورید أو سلم مع تأجیل الثمن والمثمن فی عقود التورید ، أو تأجیل ثمن السلم أیضا ودفعه نجوما فی عقد السلم . وهذه المشکلة تعرّضنا لحلّها فی عقود التورید فلتراجع هناک ، وخلصنا إلی أنّ عقد التورید أو حتی السلم إذا صدق علیه أنّه عقد عرفا مع تأجیل العوضین ودفعهما نجوما فتشمله عمومات الوفاء بالعقد ، ولا مانع یمنع من صحة العقد إلاّ ما ذکر من أنّه بیع دین بدین أو بیع کالی بکالی ، وقد أجبنا ( (3) ) عن هذین الحدیثین وعرفنا أنّهما لا یمنعان من صحة عقود التورید بل وحتی السلم إذا تأجل الثمن ودفع نجوما مع صدق العقدیة علیه ( (4) ) .
الفرق بین المناقصة والبیع العادی :

وبما تقدم اتضح الفرق بین عقد المناقصة والبیع العادی ؛ حیث إنّ عقد المناقصة هو : إرساء العقد علی أفضل العروض ، ویتضمن بیعا أو إجارة أو استثمارا باختلاف متعلق العقد ، بینما البیع العادی هو : إنشاء تملیک شیء بعوض مع القبول .

کما أنّ عقد المناقصة یوجِد التزاما بین المتناقصین باختیار أفضل العروض ، وهذا یجعل الموجب المتقدم بعرضه غیر مختار فی سحب عرضه حتی قبل حصول القبول والإرساء ، کما أنّ القابل لا یجوز له أن یقبل غیر أفضل العروض إلاّ مع شرط صریح بذلک . کل ذلک لمفهوم عقد المناقصة الذی یتضمن هذا الإلزام ، بینما یحق للموجب فی البیوع العادیة أن یسحب إیجابه قبل أن یحصل القبول .
(صفحه 13)

ومن الفرق المتقدم یحصل فرق آخر هو : أنّ المناقصات تکون قد اشتُرط فیها شرط ضمنی بإسقاط خیار المجلس أو عدم إعماله ؛ حیث إنّ الالتزام بالتعاقد مع أفضل من یتقدم للتعاقد لیس معناه عرفا هو الالتزام بالتعاقد حتی یتم ثمّ یفسخ بعد ذلک بخیار المجلس . ونستطیع أن نشبّه ما نحن فیه ـ من عدم وجود خیار مجلس فی عقد المناقصات ـ بمن حلف أن یبیع داره إلی شخص معین ؛ فإنّه لا یحق له أن یبیعها منه ثمّ یفسخ بخیار المجلس . وهذا یفسّر لنا معنی ارتکازیة عدم الفسخ فی عقد المناقصات ، بینما فی البیوع العادیة یکون خیار المجلس بحاله .

ومما ینبهنا علی الاشتراط الضمنی لسقوط خیار المجلس أو عدم إعماله هو أخذ خطاب الضمان الابتدائی الذی یکون لصالح من یلتزم بالعقد ضدّ من لم یلتزم به بعد رسوّ المعاملة ، کما سیأتی .
هل المناقصة عقد ؟ وما أرکانـه ؟

قد اتضح مما تقدم أنّ المناقصة عقد جدید ( أی لم یکن له ذکر فی القرآن والسنّة والفقه ) یتضمن تملیک عین أو منفعة أو إجارة لعمل وأمثالها ؛ فالمناقصة عقد تتضمن عقدا آخر یختلف باختلاف الموضوع .
وأمّا أرکانه فهی :

1 ـ المناقِص : الموجب الذی یعرض سلعة موصوفة أو عملاً محددا بسعر محدد ؛ لأنّ الإیجاب هو تملیک السلعة أو المنفعة أو العمل کما فی المقاولات .

2 ـ المناقَص : القابل الذی یبرز قبوله لأفضل العروض ، وهو الذی یملّک الثمن ، إلاّ أنّ تملیکه للثمن تبعیّ لتملیک السلعة أو المنفعة أو العمل .

وتمامیة العقد هنا قد تکون بصورتین :
(صفحه 14)

الاُولی : أن یتقدم الإیجاب ؛ وهو عرض السلعة أو العمل الموصوفین بثمن معین ، ثمّ یأتی القبول من المشتری علی أفضل العروض .

الثانیة : قد یتقدم القبول بقول المشتری : « أنا أشتری سلعة أوصافها معلومة » ، أو « أستأجر عاملاً لعمل معین باختیار أفضل العروض » ، ثمّ تأتی العروض فیختار أفضلها .

وبما أنّه لا یشترط تقدیم الإیجاب علی القبول ویجوز أن یتقدم القبول ولکن بلفظ « اشتریت » أو « استأجرتُ » ، فیمکن أن یأتی الإیجاب بعد هذا القبول بلفظ « بعتُ » فیتم العقد .
لا غرریة فی هذه المعاملة :

وهذه المناقصة التی یتقدم فیها القبول لا غرر فیها ؛ لأنّنا نعلم بحصول العقد مع جهل صفته ، بینما الغرر الذی نهی عنه رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم هو ما لم یعلم بحصول الشیء المبیع .

وحتی لو قلنا : إنّ الغرر یشمل جهالة صفة المبیع ، فإنّ المبیع والمستأجَر هنا لیس فیهما جهالة عند تمامیة العقد أو الإجارة وإن کانت الجهالة موجودة عند إنشاء القبول ، فلا جهالة فی العقد عند إبرامه .
علاقة المناقصة بالمزایدة :

إنّ العلاقة بین المناقصة والمزایدة هی علاقة تضاد من الناحیة اللغویة والموضوعیة ؛ فالزیادة ضد النقص ، ولهذا وردت التفرقة بینهما فی العقود باختلاف موضوعهما .

فالمناقصة : تستهدف اختیار من یتقدم بأحسن عطاء ، ویکون ذلک عادةً فیما إذا أرادت الإدارة القیام بأعمال معینة کالأشغال العامة ، أو أرادت الإدارة شراء کمیة من السلع المعینة الموصوفة .
(صفحه 15)

أمّا المزایدة : فهی تستهدف أیضا اختیار من یتقدم بأحسن عطاء ولکن فیما إذا أرادت الإدارة أن تبیع مثلاً .

وعلی هذا اتضح أنّ العلاقة وإن کانت بین المناقصة والمزایدة هی علاقة تضاد إلاّ أنّ تعریفهما واحد ، وهو : « إرساء العقد علی أفضل عطاء عند وجود العروض المتعددة فی وقت واحد عرفا » . غایة الأمر المناقصة تکون للشراء والمقاولات ، والمزایدة تکون فی البیع لما عند الإدارة من سلع أو أدوات .

أمّا الانتفاع بالشیء ، فکما یمکن أن یکون فیه المناقصة فیما إذا کان المنتفع واحدا والعرض متعددا ، کذلک یمکن أن یکون فیه المزایدة فیما إذا کان العرض واحدا والمنتفع متعددا .

ومما تقدم یتضح أنّ التعریف الوارد فی قرار المجمع بشأن المزایدة لا یخلو عن إشکال ؛ فقد ورد فی قرار رقم 73 ( 4 / 8 ) بشأن عقد المزایدة تعریف عقد المزایدة بأنّها : « عقد معاوضة یعتمد دعوة الراغبین نداءً أو کتابة للمشارکة فی المزاد ، ویتم عند رضا البائع . والإشکال علی هذا التعریف یکمن فی أنّ « دعوة الراغبین نداءً أو کتابة للمشارکة فی المزاد » التی اُخذت فی التعریف لا تمتّ إلی العقد بصلة ، بل هی مقدمة للعقد ، فلا یحسن إدراجها فی تعریف عقد المزایدة ، وعقد المزایدة أو المناقصة هو : « إرساء العقد علی أفضل العروض حینما تکون العروض متعددة فی وقت واحد » ، ولا یخفی أنّ إرساء العقد معناه أن یختار أحد المتعاملین أفضل العروضات المتعددة فی وقت واحد ؛ ففی المزایدة ، یختار البائع أفضل العروضات المتعددة من المشترکین فی المزایدة ، وهذه العروضات وإن کانت من القابل إلاّ أنّها لابدّ أن تکون بعنوان التملّک بثمن معیّن ، فیأتی الإیجاب باختیار أحدها ( وهو الأفضل ) بعنوان التملیک ، فیحصل القبول المتقدم والإیجاب المتأخر . ولا خیار فی هذا
(صفحه 16)

العقد ؛ لعدم اشتراط تقدیم الإیجاب علی القبول إذا کان القبول بعنوان التملّک بثمن معیّن .

وفی المناقصة : تتقدم الإیجابات من المشترکین ، ویأتی القبول من المشتری علی اختیار أفضلها ، فیتم العقد .
التکییف الشرعی لعقد المناقصات :

بما أنّ المناقصات هی من العقود الجدیدة التی لا أثر لها فی نصوص الشرع ، فلا یمکن أن یستدل علیها بنصوص خاصة فیها .

ولکن بما أنّها عقد عرفی بین طرفین یتضمن بیعا أو إجارة أو مقاولة أو استثمارا ، فیشملها عموم قوله تعالی : « أوفوا بالعقود » و « تجارة عن تراضٍ »و « أحلّ اللّه‏ البیع » إذا کانت المناقصة تتضمن بیعا عرفیا بین الطرفین ؛ لما ثبت فی عقود التورید من أنّ العقود المعاملیة التی أشار إلیها القرآن الکریم بقوله : « أوفوا بالعقود » لا تختص بالعقود التی کانت موجودة فی زمن صدور النص ، بل النصوص الواردة فی الشریعة المقدسة وردت علی نحو القضیة الحقیقیة ؛ بمعنی أنّ الشارع المقدس أوجد حکمه علی موضوع معین ، ومتی وجد هذا الموضوع وجد الحکم ولو لم یکن الموضوع موجودا حین صدور النص ، ولکن بشرط اشتمال الموضوع ـ وهو العقد هنا ـ علی الشروط التی اشترطها الشارع المقدس فی صحة العقد ، وعدم اشتماله علی الموانع التی بیّنها الشارع لبطلان العقد ( (5) ) . وسوف نتعرض لما یقترن أو یسبق عقد المناقصات أو یلحقه من عقود أو إجراءات ، لنراها هل تکون مانعة من صحة عقد المناقصة أم لا ؟
علاقة المناقصة ببیع ما لیس عند البائـع :

ذکرنا فی عقد التورید أنّ الروایات الحاکیة لنهی النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم عن بیع ما
(صفحه 17)

لیس عند البائع ( (6) ) وروایات عدم مواجبة البیع للمشتری إلاّ بعد أن یشتری البائع السلعة ( (7) ) ( أی عدم شراء المشتری للسلعة إلاّ بعد أن یشتریها البائع ) لابدّ من تخصیصها بالعین الخارجیة ( الشخصیة ) ؛ وذلک لورود الروایات الصحیحة التی عمل بها کل المسلمین فی جواز بیع الکلّی الموصوف فی الذمة سَلَما ، وبما أنّ المناقصات إذا کانت علی سلع موصوفة تسلّم فی وقت معیّن ، فهی من السلَم الجائز قطعا ، ولا ربط لها ببیع ما لیس عند البائع .

أمّا إذا کانت المناقصة لیست متضمنة للبیع بل متضمنة للإجارة ( المقاولات ) أو الانتفاع بعین وأمثالهما ، فلا إشکال فی صحتها ، ولا ربط لها ببیع ما لیس عند البائع أصلاً الذی هو مختص بالعین الشخصیة الخارجیة التی لا یتصور فیها المناقصة ، بل المتصور فیه المساومة والمراوضة للوصول إلی الاتفاق ، وهو غیر المناقصة .
أنـواع المناقصات :

یذکر للمناقصات أنواع وتقسیمات لا تؤثر فی تغییر الحکم الشرعی لها :

منها : المناقصات العامة والمناقصات الخاصة ( المحدودة ) : وهذا التقسیم واضح ؛ إذ المراد من المناقصات العامة : هی التی تفسح مجالاً لعدد غیر محدود من المناقصین ، وما یتبع ذلک من إجراءات .

والمراد من المناقصات الخاصة : هی التی توجّه فیها خطابات لمن تتوفر فیهم أهلیّة الاشتراک فی المناقصة ؛ فهی تقتصر علی عدد محدود من المناقصین ، ولها إجراءاتها الخاصة أیضا ومبرراتها .

ومنها : المناقصات الداخلیة والمناقصات الخارجیة : باعتبار أنّ المناقصین قد یکونون من داخل البلد أو خارجه ، ولهما إجراءاتهما .

ومنها : المناقصات العلنیة والمناقصات السریة : باعتبار حضور المناقصین
(صفحه 18)

فی المناقصة وتقدیم عروضهم بصورة علنیة ، وعدم حضورهم وتقدیم عروضهم بصورة مضاریف مختومة ، ویکون لکل منهما إجراءاته الخاصة .

ولکن قلنا : إنّ کل هذه الأقسام لا تؤثر فی تغییر الحکم الشرعی ، فلا حاجة إلی الإطالة فیها .

نعم : إنّ المناقصات قد تتنوع بتنوع موضوعها ـ کما تقدم ذلک فی تعریف المناقصة ـ فتکون المناقصة متضمنة لبیعٍ ( تورید سلعة ) أو للانتفاع أو المقاولة علی الأعمال أو الاستصناع ، أو سلَمٍ ، أو استثمار . وقد ذکرنا ذلک فی التعریف فلا نعید .

ولا بأس بالإشارة إلی أنّ جمیع المناقصات تلتزم بمبدأ تکافؤ الفرص ؛ وهو مبدأ المساواة بین المتناقصین ، ولا یخالف هذا المبدأ إلاّ بنص صریح . کما أنّها تلتزم بمبدأ المنافسة بین المتناقصین ؛ بمعنی عدم کونهم متواطئین علی حدٍّ معین من السعر ، بل یجب أن یکون کل واحد منهم مستقلاً عن الآخر فی تقدیم عرضه .
حـکم دفتر الشـروط :

إنّ دفتر الشروط ـ الذی یحمل قائمة احتیاجات المناقصة وما یتبعها من شروط ومواصفات اشترکت خبرات واستشارات فی إعدادها وبذل المعِدّ لهذا الدفتر فی مقابله مالاً ـ یعتبر ذا نفع للمشارک فی المناقصة وإن کان النفع اطّلاعه علی شروط ومواصفات المناقصة . وعلی هذا یحق للمعدِّ لهذا الدفتر بیعه علی المشترک فی المناقصة ، سواء کان بیعه علی جمیع المتناقصین بسعر التکلفة أو أکثر ؛ إذ یشمل هذه المعاملة العمومات ، مثل : « أوفوا بالعقود » و « أحلّ اللّه‏ البیع » .

نعم ، من رست علیه المعاملة یستفید من هذا الدفتر أکثر من غیره ،
(صفحه 19)

ویمکن أن یباع هذا الدفتر بسعر تکلفته علی کل واحد من المتناقصین ، ویکون خیار الفسخ لمن لم ترسُ المعاملة علیه . وحینئذٍ إذا رست المعاملة علی أحدهم أخذه وشرَع فی العمل علی طبقه . وأمّا الباقون فیرجع إلیهم الثمن إذا فَسخ کل واحد منهم عقده .

وفرق المعاملة الاُولی عن الثانیة هو : أنّ المعاملة الاُولی إذا کان دفتر الشروط قد صُرف علیه أربعون دینارا ، یحق لمن أعدّه أن یبیعه علی المشترکین فی المناقصة ـ ولنفرضهم خمسین مشارکا ـ کل دفتر بدینار أو کل دفتر بـ ( 800 ) فلس ، فیحصل علی ما خسره علی دفتر الشروط مع الزیادة أو بلا زیادة .

أمّا المعاملة الثانیة : فإنّ الدفتر یباع علی کل واحد من الخمسین بأربعین دینارا ـ وهو سعر الکلفة ـ مع خیار فسخ لمن لم ترسُ المعاملة علیه ، فإن رست علی أحدهم أخذه بالأربعین واُرجع الثمن إلی الباقین إذا فسخت معاملاتهم .
حکم تقدیم نسبة من الثمن ضمانا من المتقدم إلی المناقصة :

وهذا ما یسمی بالضمان النقدی الذی یقدمه من یتنافس علی العملیة إلی المستفید الذی یدعو إلی المناقصة ، ویستحقه المستفید عند عدم قیام الطالب باتخاذ ما یلزم من رسوّ العملیة علیه ( (8) ) . ویسمی هذا الضمان الابتدائی ؛ تمییزا له عن الضمان النهائی الذی سیأتی .

وهذا الضمان یکشف عن جدّیة عرض الخدمات من قبل کل المشترکین وجدّیة إرادة المتعاقد . وتکییف هذا الضمان النقدی یکون بأحد وجوه ثلاثة :

أوّلاً ـ یمکن أن یکون فی مقابل رضا ( المشتری أو المقاول ) لفسخ المعاملة ، حیث إننا علمنا أنّ هذه المعاملة لازمة ؛ ومعنی ذلک عدم جواز
(صفحه 20)

الفسخ من قبل أحد الطرفین کالمشتری إذا لم یرضَ البائع ، وحینئذٍ یکون دفع هذا الضمان النقدی إلی المستفید فی مقابل رضاه بفسخ المعاملة أو المقاولة . وهذا التوجیه یکون صحیحا إذا کانت المعاملة قد تمت وصارت ملزمة حین قبول الداعی إلی المناقصة ، ویکون کتابة العقد للتوثیق فقط .

ثانیا ـ یمکن أن یشترط الداعی إلی المناقصة عند بیع دفتر الشروط أن یتملک کمیة من المال ـ وهی الضمان النقدی ـ عند عدم الالتزام بإبرام العقد من قبل مَن رست علیه العملیة ، وهذا الشرط فی ضمن عقد فیکون ملزما ، سواء قلنا إنّ العقد قد تمّ عند قبول الداعی إلی المناقصة ـ کما هو الصحیح ـ أو قلنا إنّ العقد یتم عند کتابة العقد مع رضا الطرفین لا قبل ذلک .

ثالثا ـ علی أنّه یمکن القول : بأنّ المقاول أو البائع إذا کان قد تعهد أو التزم بأن یکون المال ـ الذی دفعه إلی الداعی إلی المناقصة ـ ملکا للداعی إلی المناقصة عند عدم القیام بالإجراءات اللازمة علیه عند رسوّ العملیة علیه ، وقد رتب الطرف الآخر علیه الأثر فعمل کل ما یلزم لعقد المناقصة حتی رست علی البائع أو المقاول ، فحینئذٍ یشمل هذا التعهدَ والالتزام من الطرفین « أوفوا بالعقود »الذی معناه أوفوا بالعهود ، کما یشمله قوله علیه‏السلام : « المسلمون عند شروطهم » .
حکم الدخول إلی المناقصة علی المرخّص لهم :

قد یلجأ الداعی إلی المناقصة إلی محدودیة المناقصة بألاّ یسمح للدخول فی المناقصة إلاّ لمن رخّصت لهم الحکومة القیام بالتورید أو الخدمات ( المقاولات ) ، وکذا قد تعمد الدولة أیضا إلی هذه الطریقة . وهذه الطریقة یُلجأ إلیها لما فیها من التأکد من جدّیة الداخلین فی المناقصة ومن قدراتهم الفنیة الکافیة لإغناء المشروع ، وقد تکون أقل کلفة من المناقصة العامة وتکون
(صفحه 21)

أسعارهم أرخص ؛ لأنّ المرخّص لهم حکومیا فی الدخول فی المناقصة یکونون من المنتجین والمقاولین الحقیقیین لا من الوسطاء .

وحکم هذه العملیة جائز بلا إشکال ؛ لاختیار الجهة الداعیة إلی المناقصة فی تعاملها مع عدد محدود من المناقصین ، وهم الذین تتوفر فیهم شروط معینة قد یکون منها الترخیص الحکومی للمقاولات والبیع بأقسامه ، أو غیر ذلک من الشروط التی لا تخالف کتابا ولا سنّة .

نعم ، قد تکون هذه المعاملة مخلّة بالعدالة والمساواة بین الراغبین فی التعامل ، إلاّ أنّ هذا الإخلال لا یصل إلی حدّ البطلان أو الحرمة ما دام لا یحتوی علی ظلم الآخرین وإضرارهم ، وربما کان فیه نفع للداعی إلی المناقصة .
حکم التأمینات المقدمة فی المناقصة :

قد یطلب الداعی إلی المناقصة تأمینات تعادل نسبة من قیمة المعاملة ( نقدیة أو غیر نقدیة کضمان من البنک لدفع مبلغ معین من النقود ) یستحقها المستفید ( الداعی إلی المناقصة ) إذا تخلّف العمیل عن الوفاء بالتزاماته المنصوص علیها فی العقد بین المقاول والمستفید ( (9) ) ، عدا شرط التسلیم فی الموعد المقرر ، فإنّ هذا سنتکلم فیه فی الشرط الجزائی .

أقول : إنّ هذا الطلب هو شرط فی ضمن عقد الإیجار أو البیع ، وحینئذٍ یصح لمن اشترط هذا الشرط أن یمتلک هذه التأمینات النقدیة فی حالة التخلف ؛ استنادا إلی قوله تعالی : « أوفوا بالعقود » ، وإلی قوله علیه‏السلام : « المسلمون عند شروطهم » ، فتحصّل أنّ العقد والشرط الذی ضمنه یجب الوفاء بهما إذا لم یکن الشرط مخالفا للقرآن والسنّة ( وهو المفروض ) .

أمّا التأمینات ( إذا کانت غیر نقدیة ) فکضمان البنک لنسبة من قیمة العملیة
(صفحه 22)

عند تخلّف المقاول أو البائع عن الالتزام بالشروط المشترطة علیه ، وتخلَّف عن دفع النسبة من قیمة العملیة . وهذا الضمان عرفی یکون البنک ملزما بدفع تلک النسبة عند تخلّف المشروط علیه عن العمل بتلک الشروط وتخلّفه عن دفع تلک النسبة من قیمة العملیة .
حکم التأمینات إذا تأخر المقاول أو البائع عن تسلیم ما یجب علیه عن الموعد المقرر :

قد یطلب الداعی إلی المناقصة غرامة فی صورة التأخر عن تسلیم ما یجب علی المقاول من أعمال ناجزة فی موعدها المقرر ، أو فی صورة تأخر البائع عن تسلیم البضاعة فی موعدها المقرر ، فهل تکون هذه الغرامة صحیحة ویستحقها الداعی إلی المناقصة ؟

والجواب : أنّ هذا ما یعبّر عنه فی الفقه بالشرط الجزائی ، ونتکلم فی صحته تارة فی عقد الإجارة وتارة فی البیع :

أمّا فی الإجارة : فقد ذکر علماء الإمامیة صحة هذا الشرط بشرط ألاّ یحیط بجمیع الکراء ؛ استنادا إلی قوله علیه‏السلام : « المسلمون عند شروطهم » ، وقوله علیه‏السلام فی صحیح الحلبی ـ عند اشتراط المستأجر علی الأجیر أن یوصله إلی السوق فی یوم کذا ، وعند عدم إیصاله یحطّ من الکراء عن کل یوم کذا وکذا ـ قال : « شرطه هذا جائز ما لم یُحِط بجمیع کراه » ( (10) ) .

وأمّا فی البیوع : فإنّ الشرط الجزائی الذی دلیله « المسلمون عند شروطهم » لا یفرّق فی صحته بین الإجارة والبیع ، فیکون صحیحا إذا اشتری إنسان دارا من غیره علی أن یسلّمها له فی مدة معینة ، واشترط المشتری علی البائع غرامة معینة فی کل یوم یتأخر عن التسلیم ، فلو تأخر البائع عن التسلیم أیّاما معینة فیستحق علیه المشتری الغرامة . وهذا کله صحیح فی البیع الشخصی الخارجی .
(صفحه 23)

أمّا إذا کان المبیع کلیا موصوفا فی الذمة ( أی فی ذمة المبیع ) کبیع السلم أو التورید ـ إذا قلنا بصحته ـ فهنا یکون الشرط الجزائی ( الغرامة ) فی مقابل تأخیره ربا جاهلیا ، وهو محرّم ، فیکون الشرط الجزائی فی هذه الصورة مخالفا للسنّة ، فلا یجوز .
اشتراط التعویض :

ونفس الکلام المتقدم فی الغرامة نقوله بالنسبة إلی اشتراط المستأجر أو المشتری التعویض عن الضرر الحاصل من تأخر تسلیم العمل أو السلعة ، إلاّ أنّ الفرق بین الغرامة والتعویض هو : أنّ الغرامة یکون الضرر فیها مفترضا ولا یلزم إثباته علی الداعی إلی المناقصة ، ولا یستطیع المتعاقد الاحتجاج بعدم وقوعه . وهذا بخلاف التعویض الذی یجب فیه إثبات الضرر ومقداره ، ویستطیع المتعاقد إثبات عدم وقوعه .
هل یلزم إخبار المشتری بأنّ البضاعة تملّکها البائع بالأجل ؟

أقول : إنّ کلامنا فی مناقصات البیع والتورید والمقاولات تکون علی سلعة کلیة موصوفة فی الذمة ، فقد یشتری المشتری کلیا فی ذمة البائع یقدمه له بعد مدة معینة ، وهذا ما یسمی بالسلم ، فإن کان الثمن أیضا مؤجلاً ویسلّم بعض المثمن فی وقت لاحق بنسبة من الثمن ، فهو عقد التورید الشائع فی هذه الأیّام بین الدول .

أمّا إخبار المشتری بأنّ البضاعة قد تملّکها البائع بالأجل فهو بیع المرابحة الذی نسب فیه الربح إلی الثمن ( لا إلی السلعة ) ، وهذا أحد أقسام البیع ؛ لأنّ « البائع إمّا أن یخبر برأس ماله أو لا ، والثانی المساومة ، والأوّل المرابحة إن باع بربح ، والمواضعة إن باع بنقص ، والتولیة إن انتفیا معا » ( (11) ) . وعلی هذا تکون المرابحة هی البیع مع الإخبار برأس المال مع الزیادة علیه .
(صفحه 24)

وهذا البیع مرابحةً مختص بالسلعة الشخصیة التی اشتراها المشتری الأوّل وأراد بیعها للمشتری الثانی بربح ینسب إلی رأس المال ، فیذکر رأس ماله ویذکر زیادة علیه واحدا فی المئة أو عشرة فی المئة .

وفی هذا البیع ذکر الفقهاء أنّه : « یجب علی البائع الصدق فی الثمن ، والمؤن ، وما طرأ من موجب النقص ، والأجل ، وغیره » ( (12) ) .

وله الحق فی ذکر الثمن ، کأن یقول : « اشتریته بکذا واُرید ربح کذا » ، أو یقول : « تقوّم علیَّ بکذا » ، فیزید فی ثمن شرائه لو صدق علیه ما یوجب نقله وحفظه وأمثال ذلک .

أمّا فی المبیع الکلی الذی نحن بصدده فلا یوجد ثمن قد اشتُریت به السلعة أوّلاً حتی یخبر به وبأجله لو کان له أجل ، فلا موجب لهذا العنوان فی بیع المناقصات والمقاولات .

نعم ، لو أمکن أن یکون عقد التورید منصبّا علی سلعة شخصیة خارجیة قد رئیت من قبل المشتری واشترط توریدها إلی بلده فی أوقات معینة یُسلّم فیها نسبة من الثمن إلی البائع ، یمکن هنا أن یکون البیع مرابحة ، وحینئذٍ یجب علی البائع الإخبار بالأجل لو کان البائع قد اشتری سلعته بثمن مؤجل ؛ لأنّ المفروض أنّ البائع یبیع بنفس الثمن مع زیادة معینة ، فلو کان قد اشتراه مؤجلاً وباعه بنفس الثمن حالاًّ مع زیادة لم یکن بیع مرابحة ، وکان خیانة وکذبا .
مماطلة المشتری فی تسدید ثمن البضاعة :

قد یتسلّم المشتری البضاعة من البائع ویماطل فی تسدید الثمن ، فهل هناک حالة یضمن فیها البائع عدم مماطلة المشتری فی تسدید الثمن ؟

الجواب : هناک عدة أجوبة لضمان عدم مماطلة المشتری :
(صفحه 25)

الأوّل : إنّ البائع یحق له ( فی عقد السلم إذا تأجل الثمن تبعا لتأجل المبیع ، أو فی عقد التورید الذی یکون فیه البدلان مؤجلین ) ألاّ یُسلّم المبیع حتی یقبض الثمن ، وفی هذه الحالة تنتفی مماطلة المشتری موضوعا .

ولکن هذه الحالة غیر متیسرة فی هذه العقود ؛ لأنّ البائع فی دولة والمشتری فی دولة اُخری ، وتسلیم الثمن مباشرة إلی البائع غیر متیسِّر ، بالإضافة إلی أنّ المشتری قد یتصور مماطلة البائع فی تسلیم المثمن بعد قبضه للثمن فیتوقف عن تسلیم ثمنه أوّلاً ، وله الحق فی ذلک أیضا ، ولهذا وجد الجواب التالی لضمان عدم مماطلة المشتری وهو :

الثانی : أن یدفع المشتری الثمن إلی البنک ، ویأمره بتسلیمه إلی البائع عند تصدیر البضاعة إلی المشتری حسب الوثائق التی یبرزها بنک البائع بتصدیر البضاعة إلی المشتری . وهذه الحالة یضمن فیها البائع ثمنه والمشتری مثمنه بواسطة بنک البائع وبنک المشتری بعد وصول مدارک إرسال البضاعة ووصولها .

وهذه الصورة الثانیة هی ما یصطلح علیه بـ « الاعتمادات المستندیة » المنتشرة فی عملیات التجارة الخارجیة ، فیفتح المشتری فی البنک « اعتمادا » خلاصته : تعهد بنک المشتری للبائع ـ بناءً علی طلب المشتری ـ أن یدفع له مبلغا من المال ( الثمن ) فی مقابل المستندات التی تبیّن أنّ البضاعة التی اشتراها المشتری قد شحنت بقصد وصولها إلی المشتری خلال مدة معینة ، وهذا ما یسمی باعتماد الاستیراد ( (13) ) .

ویظهر من هذه الصورة الثانیة : أنّ دور البنک هو دور المتعهد بوفاء دین المشتری للبضاعة الخارجیة فیما إذا اطلع علی شحن السلعة بواسطة الوثائق الرسمیة .
(صفحه 26)

وهناک صورة اُخری یکون البنک مسؤولاً عن دفع ثمن البضاعة فی صورة ما إذا استلم مستندات التصدیر من البائع وسلّمها إلی المشتری وقبلها . ولکن هذه الصورة قد تلکّئ عملیة ضمان ثمن البضاعة للبائع ؛ إذ قد تصدّر السلعة ولم یقبل المشتری المستندات ، فتحصل المماطلة .

ویستحق البنک علی عمله هذا اُجرة ؛ لأنّه عمل جائز وخدمة یقدمها البنک للمشتری ؛ لأنّ تسلّم المستندات التی تدل علی شحن البضاعة ، وفحصها للتأکد من عدم تزویرها ، وتسدید الثمن للمصدِّر أو بنکه ، هی أعمال یقوم بها البنک لصالح المشتری ، فیستحق اُجرة علیها .

الثالث : قد یقال : إنّ البائع لأجل أن یضمن عدم مماطلة المشتری فی تسدید ثمن البضاعة قد یلجأ إلی الشرط الجزائی فی صورة تأخر المشتری فی التسدید ، فیحصّل عن کل یوم یتأخر فیه المشتری فی التسدید للثمن غرامة معینة أو تعویضا معینا ، وهذا الشرط ( الغرامة ) أو التعویض تمنع المشتری من التأخیر ؛ لأنّ البائع یتمکن أن یقاضیه إلی القضاء الحکومی عند تأخره ، فیستحق علیه الثمن والغرامات أو التعویضات التی حصلت من التأخیر لتسدید الثمن .

أقول : إنّ الثمن ما دام دینا فی ذمة المشتری یجب دفعه فی مدة محددة ، فتأخیره فی مقابل الغرامات أو التعویضات یکون ربا جاهلیا محرّما ؛ لأنّ الربا الجاهلی ما عُبّر عنه فی الروایات : « أتقضی أم تربی ؟ ! » ، وهذا بنفسه موجود فی الشرط الجزائی عند تأخر الثمن الذی هو دین علی ذمة المشتری ، فیکون محرّما .

(صفحه 27)
خـلاصـة البحـث

والذی ننتهی إلیه من هذا البحث لعقود التورید والمناقصات هو ما یلی :
أوّلاً ـ عقود التورید :

1 ـ إنّ کل عقد عرفی ولو کان جدیدا یجب الوفاء به إذا کان مشتملاً علی الشروط التی اشترطها الشارع ولم یکن هناک ما یمنع منه شرعا ؛ استنادا إلی قوله تعالی : « أوفوا بالعقود » .

2 ـ إنّ عقد التورید : هو عبارة عن تورید سلعة أو مواد محددة الأوصاف فی تواریخ معینة لقاء ثمن معین یدفع علی أقساط .

3 ـ إنّ عقد التورید لا یشمله حدیث نهی النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم عن بیع الدین بالدین ، ولا حدیث النهی عن بیع الکالی بالکالی . ولیس عقد التورید عقدا ربویا ، ولا إجماع علی بطلانه ؛ لأنّ النهی عن بیع الدین بالدین ـ بالإضافة إلی ضعف سنده ـ قد فُسّر بما إذا کان هناک دینان قبل العقد ویباع أحدهما بالآخر .

کما أنّ حدیث نهی النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم عن بیع الکالی بالکالی ضعیف السند أیضا ، وقد فُسّر إمّا بمعنی بیع الدین بالدین ، أو بمعنی أن یکون هناک دین فی سلم فیباع فی أجل ، ولم یکن عقد التورید کذلک .

کما أنّ من الواضح أنّ بیع التورید لیس بربا ؛ لأ نّه بیع سلعة بثمن . وهو عقد جدید لا إجماع علی بطلانه ، کما هو واضح .

4 ـ لا علاقة لعقد التورید بالنهی عن بیع ما لیس عندک ؛ لأنّ التورید غالبا ما یکون علی سلعة موصوفة کلیة ، بینما النهی عن بیع ما لیس عندک یختص بالسلعة الشخصیة الخارجیة فیما إذا باعها غیر مالکها لنفسه ، بینما عقد
(صفحه 28)

التورید وإن کان علی سلعة شخصیة معینة ؛ فإنّ المفروض بیعها من قبل صاحبها إلی المشتری ، فلا محذور فیه .

5 ـ أرکان عقد التورید هی : البائع ( المورِّد ) الذی یکون موجبا ، والمشتری الذی یقبل البیع .

6 ـ شروط عقد التورید هی الشروط العامة للمتعاقدین ( بلوغ ، عقل ، اختیار ) . وشروط العوضین هی نفس شروط السلَم ، لکنها تکون للثمن وللمثمن معا .

7 ـ انّ عقد التورید عقد لازم ؛ للأدلة القرآنیة والروائیة الدالة علی اللزوم فی العقود ، بالإضافة إلی الأصل العملی والعقلائی .

8 ـ یثبت خیار المجلس فی عقد التورید إذا کان فیه مکان للعقد ، وینقضی بالتفرق ؛ للحدیث المشهور : « البیّعان بالخیار ما لم یفترقا » .

9 ـ یثبت خیار الشرط فی عقد التورید ؛ للأدلة العامة علی صحة الشرط : « المسلمون عند شروطهم » .

10 ـ یثبت خیار الغبن فی عقد التورید إذا تصورنا الغبن فیه مع جهل المغبون .

11 ـ لا یثبت خیار الرؤیة ( وهو المسبب عن رؤیة المبیع علی خلاف ما اشترطه فیه المتبایعان ) إذا کان التورید علی سلعة کلیة موصوفة ؛ لأنّ خیار الرؤیة فی العین الشخصیة . أمّا إذا کان التورید علی سلعة شخصیة معینة مرئیة ثمّ اتضح أنّها علی خلاف الرؤیة والوصف ، ثبت خیار الرؤیة فی عقد التورید .

12 ـ لا یأتی خیار العیب فی عقد التورید إذا وقع علی کلّی موصوف فی الذمة . أمّا إذا وقع عقد التورید علی عین معینة شخصیة فیثبت خیار العیب :
(صفحه 29)

إذا وجدت معیبة ، وکان العیب قبل القبض ، ولم یعلم به المشتری .

13 ـ الشرط الجزائی ( غرامة أو تعویضا ) صحیح فی بیع التورید عند عدم تسلیم البضاعة نهائیا من قبل البائع ، وهو یؤول إلی أنّ حق الفسخ إنّما یثبت للبائع عند دفع الغرامة أو التعویض .

14 ـ الشرط الجزائی ( غرامة أو تعویضا ) صحیح عند مخالفة البائع الشروط المشترطة فی العقد ، وهو یؤول إلی إسقاط حق المشتری فی الفسخ أو عدم إعماله لخیاره فی مقابل الغرامة أو التعویض .

15 ـ الشرط الجزائی ( غرامة أو تعویضا ) لا یصح عند عدم تسلیم البضاعة فی تاریخها المعین وسلّمت بعد ذلک ؛ لأ نّه یؤول إلی الربا الجاهلی التی منعت منه الشریعة .
ثانیـا ـ عقود المناقصات :

1 ـ عقد المناقصة : هو إرساء العقد علی أفضل العروض عند وجود العروض المتعددة فی وقت واحد عرفا .

2 ـ عقد المناقصة قد یتضمن تملیکا لعین أو لمنفعة ، وقد یتضمن عقد إجارة ، وقد یتضمن استثمارا ( کعقد مضاربة أو مزارعة أو مساقاة ) ، حسب متعلق عقد المناقصة .

3 ـ الإیجاب المتقدم به البائع أو المقاول ملزِم فی عقد المناقصة علی خلاف بقیة العقود ، کما أنّ الداعی إلی المناقصة ملزَم باختیار أفضل العروض ؛ کل ذلک للتعهد الموجود بین الأطراف علی ذلک المعلوم من مفهوم المناقصة التی أقدموا علیها ورتبوا علیها الأثر ، فهذه الالتزامات إمّا تعهدات من الأطراف أو شروط مشترطة فی المناقصة ، ویجب العمل علی وفقها حسب الأدلة الشرعیة ؛ لوجوب الوفاء بالعهد أو الشرط .
(صفحه 30)

4 ـ إنّ ارتکازیة عدم الفسخ فی عقود المناقصات ترجع إلی الشرط الضمنی بإسقاط خیار المجلس أو عدم إعماله ، فهو عقد یشبه بیع الدار المحلوف علی بیعها لشخص آخر .

5 ـ المناقصة : عقد جدید لم یذکر فی الکتاب والسنّة والفقه ، أرکانه : المناقِص والمناقَص ، یتم بتقدیم الإیجاب المتمثل بعرض السلعة أو العمل الموصوفین بثمن معین ، ویأتی القبول من الداعی إلی المناقصة علی أفضل العروض . وقد یتم العقد بتقدیم القبول بلفظ « اشتریتُ » أو « استأجرتُ » ، ثمّ یأتی الإیجاب بلفظ « بعتُ » و « أجرتُ » .

6 ـ لا غرر فی عقود المناقصات ؛ لأنّنا نعلم بحصول العقد وصفة المبیع والثمن ، أو صفة العمل والاُجرة عند حصول العقد وتمامه .

7 ـ المناقصة والمزایدة یتفقان فی التعریف ویختلفان فی الهدف والغایة .

8 ـ المناقصة عقد جدید یدلّ علی صحتها العمومات القرآنیة ؛ کقوله تعالی : « أوفوا بالعقود » أو « تجارة عن تراضٍ » ، و « أحلّ اللّه‏ البیع » إذا کانت المناقصة تتضمن بیعا .

9 ـ لا علاقة للمناقصة ببیع ما لیس عندک ؛ لأنّ المناقصة تکون علی أمر کلّی ، بینما النهی عن بیع ما لیس عندک مختص بالعین الشخصیة .

10 ـ یجوز بیع دفتر الشروط الذی بذل الداعی إلی المناقصة فی إعداده مالاً ، فیصح بیعه علی جمیع المناقصین بسعر التکلفة مقسمة علی عدد الدفاتر ، أو أکثر من التکلفة . کما یصح بیع کل دفتر بسعر التکلفة ، ویجعل خیار الفسخ لمن لم ترسُ علیه المعاملة ، فإن رست المعاملة علی أحدهم فهو المستفید من دفتر الشروط حیث یعتمد علیه فی عمله ، أمّا بقیة المناقصین فیستعاد الثمن لهم إذا فسخوا المعاملة .
(صفحه 31)

11 ـ یجوز أخذ نسبة من الثمن لصالح المشتری أو المستأجر إذا امتنع البائع أو المستأجر من القیام بما یجب علیه بعد رسوّ المعاملة علیه ، ومعنی ذلک أنّ البائع یحق له الفسخ عند دفع نسبة من الثمن إلی المشتری مثلاً . کما یمکن أن یکون استحقاق المشتری أو المستأجر لهذه النسبة بواسطة الشرط الذی اشترط فی ضمن عقد البیع أو الإجارة ( المقاولة ) ، کما یمکن أن یکون عقدا برأسه .

12 ـ یجوز قصر المناقصة علی المرخّص لهم حکومیا بالدخول فی مناقصات التورید والأعمال ؛ لأنّ الجهة الداعیة إلی المناقصة مختارة فی التعامل مع من ترید .

13 ـ یجوز للداعی إلی المناقصة أن یأخذ تأمینات نقدیة أو غیر نقدیة کغرامة یستحقها إذا لم یقم العمیل بالوفاء بالتزاماته المنصوص علیها فی العقد ، عدا شرط التسلیم فی الموعد المقرر ؛ لأ نّه یؤول إلی الربا الجاهلی الممنوع منه شرعا إذا کان فی عقد بیع کلی ، أمّا إذا کان فی عقد إجارة أو فی بیع عین شخصیة فهو جائز ؛ استنادا إلی عموم « المسلمون عند شروطهم » ، ولا مانع یمنع من ذلک ؛ لعدم وجود الربا الجاهلی هنا . وجواز أخذ التأمینات النقدیة فی صورة عدم القیام بالشروط ـ إلاّ شرط تأخر التسلیم ـ استنادا إلی کونه شرطا فی ضمن عقد لازم .

14 ـ یجب إخبار البائع المشتری بالأجل الذی اشتری فیه البضاعة إذا کان البیع لبضاعة شخصیة قد اشتراها بأجل وکان البیع مرابحة ، ولا یجب إذا کان البیع مساومة .

وینتفی موضوع هذا الحکم إذا کان المبیع کلیا فی الذمة ، کما هو الغالب فی عقود التورید .

15 ـ یمکن سدّ الباب أمام مماطلة المشتری فی تسدید ثمن البضاعة بطلب
(صفحه 32)

البائع فتحَ الاعتماد المستندی من قبل المشتری لدی البنک ، ولکن لا یجوز جعل الشرط الجزائی علی المشتری فی صورة تأخیره فی دفع الثمن لردعه عن المماطلة ، سواء کان الشرط الجزائی غرامة أو تعویضا ، وذلک فی صورة کون الثمن دینا فی ذمة المشتری ، کما هو الغالب ، لأنّ هذا یؤول إلی الربا الجاهلی الممنوع منه شرعا .

(صفحه 33)
الهوامش

( 1 )أو ترسل کتب إلی جهات معینة تدعوهم إلی المشارکة ، فیما إذا کانت المناقصة محدودة .

( 2 )هذا الرأی مخالف لمشهور علماء الإمامیة الذین یقولون بأنّ الشرط والالتزام الابتدائی لا یجب الوفاء به ، والذی یجب الوفاء به هو ما کان فی عقد لازم .

( 3 )راجع بحث عقود التورید من هذا البحث .

( 4 )الرأی عند علماء الامامیة عدم صحة البیع إذا کان الثمنان مؤجلین ، إمّا علی نحو الفتوی أو علی نحو الاحتیاط الوجوبی ، وحینئذٍ تکون عقود التورید عندهم عبارة عن تفاهم علی البیع فعند تسلیم کل وجبة یحصل البیع بالنسبة لها فقط ولا إلزام علی الطرفین قبلها .

( 5 )راجع عقود التورید من هذا البحث ، تمهید .

( 6 )وسائل الشیعة 12 : 374 ، ب 7 من أحکام العقود ، ح 2 و 5 .

( 7 )المصدر السابق : 376 ـ 378 ، ب 8 من أحکام العقود ، ح 13 و 4 و 6 .

( 8 )أقول : إنّ صورة خطاب الضمان النقدی یؤدی إلی تجمید المال لمدة من الزمن ، وقد استبدل بخطاب ضمان بحوالة أو شیک مصرفی أو ضمان بتعهد من شرکة تأمین یجب علیها الدفع عند أوّل طلب من الجهة الداعیة إلی المناقصة دون أی معارضة تصدر من صاحب العرض .

( 9 )وقد یطلب العمیل تأمینات ( نقدیة أو غیر نقدیة ) إذا شعر بأنّ الجهة المقابلة قد لا تلتزم بالعقد أو قد لا تؤدی ما علیها من مال فی الوقت المحدد .

( 10 )تقدمت الروایة فی بحث عقود التورید من هذا البحث .
(صفحه 34)

( 11 )جواهر الکلام 23 : 303 .

( 12 )الروضة البهیة فی شرح اللمعة الدمشقیة 3 : 428 .

( 13 )أمّا اعتماد التصدیر : فهو الذی یفتحه المشتری الأجنبی فی الخارج لصالح المصدِّر ( البائع ) لشراء ما یبیعه هذا البائع الذی فی داخل البلد .
منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » تابستان 1380 - شماره 22 (از صفحه 9 تا 34)

 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010