الرئيسية الجزائیات العام الشهید الصدر و الدستور الاسلامی
الشهید الصدر و الدستور الاسلامی PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 03 أكتوبر 2010 23:02

الأنصاری، مصطفی
ملخص البحث
هذا البحث هو واحد من ثلاثة بحوث تشکل بمجموعها محاولة للتعرف علی معالم کتابات الشهید السید محمّد باقر الصدر حول القانون والدولة ، لم نوفق بعد لا نجازها جمیعا فهی إذن ما زالت قید الانجاز .

لقد راجعنا من اجل التعرف علی المعالم المذکورة کتابات السید الشهید فوجدنا مادة موزعة فی مواضع عدیدة ، ربما کان اوثقها صلة بموضوع الدستور ما جاء فی اللمحة الفقهیة التی کتبها السید الشهید عن دستور الجمهوریة الاسلامیة ، وفی الأسس الدستوریة التی حررها قبل اللمحة بعشرین عاما ونُشر قسم منها مؤخرا تحت عنوان « اصول الدستور الاسلامی » فی احد مصادر البحث .

غیر ان کتابات السید الشهید الاُخری لیست بعیدة عن موضوع البحث ، ذلک انه رکّز فی معظمها علی مسألة البحث عن حل للمعضلة الاجتماعیة
(صفحه 278)

والتی لخصها بالبحث عن النظام الأمثل الذی « یصلح للانسانیة وتسعد به فی حیاتها الاجتماعیة » ، ومسألة النظام کما هو معلوم هی محور الدستور والدراسات الدستوریة .

لقد تناولنا نظرات السید الشهید حول الدستور فی ثلاثة فروع :

الاول : یهتم بتعریف الدستور وعرض العناوین الرئیسة للموضوعات التی یشتمل علیها .

الثانی : ینصب علی دراسة طبیعة الدستور ومحاولة استکشاف الموقف من هذه الطبیعة فی خضم الاختلاف القائم بشأنها ، وکذلک التعرض للمواصفات الرئیسة للنصوص الدستوریة ومکانتها فی النظام القانونی للدولة .

الثالث : یتعرض بشکل مباشر لمضامین الدستور وبالنظر الی اننا تناولنا نظام الدولة فی مبحث آخر فقد اقتصرنا هنا علی ما یتعلق بالحقوق والحریات من جهة وبالمضمون الفکری والتربوی من جهة اخری .

تتلخص نتائج البحث التی انتهینا الیها بان الدولة الاسلامیة کما استکشفها السید الشهید دولة دستوریة قانونیة ، وان للدستور الاسلامی لدی السید الشهید معنیین احدهما واسع یشتمل علی کل احکام الشریعة الاسلامیة والثانی ضیق وهو الذی یقصد به الدستور الموضوع للدولة اعتمادا علی احکام الشریعة .

ومن نتائج البحث ان احکام الدستور الاسلامی الثابتة صراحة بأحد الادلة الاربعة هی احکام ثابتة جامدة ، بمعنی عدم امکان تغییرها او تعدیلها ، وان الاحکام المنقولة بشکل غیر مباشر من تلک الادلة الی الدستور بمعناه الضیق لها ثبات نسبی ، وان ما یمکن تغییره منها انما هو متعلق غالبا بمساحة الفراغ التشریعی الذی لم نجد فیه حکما قاطعا او توفرت لنا خیارات فی الحکم اشار
(صفحه 279)

البحث إلیها ، وفی کل الاحوال فان الدستور یمتلک مرجعیة ثابتة فی مواجهة قواعد ونصوص الضبط الاجتماعی الاُخری ، ویبقی الدستور بالمعنی الضیق نفسه خاضعاً لاحکام الشریعة الاسلامیة التی هی الدستور بالمعنی الواسع ذلک المعنی الذی تسمو به الاحکام المذکورة علی الراعی والرعیة وعلی کافة مؤسسات الدولة ومقرراتها . وما دام اللّه‏ سبحانه وتعالی ـ یقول السید الشهید ـ هو مصدر السلطات وکانت الشریعة هی التعبیر الموضوعی المحدد عن اللّه‏ تعالی فمن الطبیعی ان تحدد الطریقة التی تمارس بها هذه السلطات عن طریق الشریعة الاسلامیة .

هذا وقد حاولنا قدر الامکان مقارنة نظرات السید الشهید بما یتعرض له فقهاء القانون الدستوری المعاصرون لتکون الفائدة اشمل وأعم ، آملین آن ننجز البحثین الآخرین المکملین لهذا البحث وهما یتعلقان بفلسفة القانون وبناء الدولة لدی السید الشهید .

(صفحه 280)

تشکل دراسة « القانون الدستوری » مادة اساسیة فی الدراسات القانونیة ، وربما جاءت الاولی فی تسلسل الدراسات المذکورة من حیث الاهمیة بعد المدخل الفلسفی الی حقل القانون ، ذلک انها تنصب من جهة علی الدستور وهو القانون الاساسی فی الدولة ، ومن جهة اخری علی الدولة نفسها وهی الهیکل القائم علی اساس الدستور وبهدف اعمال الاحکام الواردة فیه .

ولدی استعراضنا لکتابات السید الشهید محمّد باقر الصدر نجد مادة غنیّة وعلی درجة من الاهمیة فی الموضوعات المذکورة ، وان کانت موزعة فی مواضع عدة من مؤلفاته رحمه اللّه ولعل من نافلة القول ان نذکر ان تعرض السید الشهید لهذه الموضوعات لم یکن فی اطار استکشاف ( النظریة ) بقدر ما کان فی اطار استکشاف ( المذهب ) ، ای استکشاف المواقف والحلول الاسلامیة المتعلقة بما تطرحه الکتابات العصریة من مشاکل فی اطار ما یسمی بالقانون الدستوری . والحق اننا لم نلمس فی منهجه هذا سعیا مخصصا لدحض النظریات القائمة کما فعل ذلک فی فلسفتنا واقتصادنا ، وإنّما کانت کتاباته فی هذا الصدد جهدا علی طریق حل مشکلات واقعیة قائمة او محتملة ، ولایعنی ذلک انه لم یطرح جوانب تتعلق بالنظریة ، بل علی العکس فانه فی الاثناء ( کان متصدیا لبیان الاسس والخلفیات الشرعیة لما یختاره من حلول دستوریة وکاشفا عن عیوب الخلفیات التی تقوم علیها الدول الرأسمالیة والاشتراکیة ) .

وعلی کل حال فاننا سنحاول فی هذا المدخل ان نتعرف علی ما استنبطه السید الشهید من الحلول الاسلامیة لطائفة مما یطرح من اسئلة فی اطار القانون الدستوری بشقیه : الدستور والدولة وبما یمکن ان یشتمل علیه ذلک من تصور للمشکلة الاجتماعیة التی اعتنی السید الشهید عنایة فائقة
(صفحه 281)

بتحلیلها وابرازها علی الصعد المختلفة : الفلسفیة والاقتصادیة والقانونیة والسیاسیة .

وبناء علی ان السید الشهید قد اشار الی اسبقیة وجود الدستور من الناحیة التاریخیة علی خلاف الکثیر من الکتابات الحدیثة فاننا سنتعرض الی مبحث الدستور قبل مبحث الدولة وان کنا نجد ، کما یجد القارئ الکریم تشابکا ظاهرا فی عدة موضوعات مما یقع فی اطار المبحثین المذکورین ( (1) ) .
أولاً :: التعریف بالدستور وموضوعاته
تعریف الدستور :

یعرف القانون الدستوری بأنه : « ذلک الفرع من فروع القانون العام الداخلی الذی یحدد نظام الحکم فی الدولة ویبین السلطات العامة فیها ، ویوزع الاختصاصات فیما بینها ، ویحدد علاقات التعاون او الرقابة بین بعضها البعض ، وینص علی ما للافراد من حقوق قبل الدولة و الواجبات الاساسیة التی تقع علیهم . . وهو اساس کل فروع القانون الداخلی » ( (2) ) ، وهو لهذا یسمی فی بعض البلدان بالقانون الأساسی .

وهذا التعریف مشابه لکثیر من التعریفات التی اعتمدت استعراض موضوعات المعرّف . ویلاحظ فی الوقت نفسه ان القلیل من الکتاب حرص علی التمییز بین « القانون الدستوری » وبین « الدستور » ، وفی الواقع ان اهمیة مثل هذا التمییز تتضاءل یوما بعد یوم علی اساس ان دراسات « القانون الدستوری » تنصب اساسا علی دراسة مضامین الدستور المعنی ، وبالتالی فان التمییز الاساس یترکز فی کون الدستور مجموعة من القواعد التی اعتبرت قانونا اساسیا للدولة بعناصرها المختلفة وکون « القانون الدستوری » عنوان الدراسات التی تبحث فی تلک القواعد تأصیلاً وتحلیلاً ونقدا ومقارنة .
(صفحه 282)

ومع هذا فقد یعنی احیانا بالقانون الدستوری الدستور نفسه تمییزا له عن فروع القانون الاُخری کقانون العقوبات او القانون المدنی . ففی تعریف آخر مشابه للتعریف المتقدم من حیث استعراض موضوعات ( المعرَّف ) یقول باحث آخر « یتکون القانون الدستوری من القواعد التی تحدد شکل الدولة ونظام الحکم فیها ، وتکوین السلطات العامة واختصاص کل سلطة وعلاقات السلطات بعضها ببعض ، کما یشمل القواعد التی تبین حریات الافراد العامة وحقوقهم وواجباتهم قبل الدولة ( (3) ) ، بل انه یقول فی بیان طبیعة قواعد ( القانون الدستوری ) انها « تعدّ قواعد قانونیة بالمعنی الصحیح من حیث العمومیة والتجرید والجزاء . . » ، ویقصد کما هو واضح قواعد الدستور او القواعد ذات الطبیعة الدستوریة وان کانت فی وثیقة اُخری غیر الدستور ( (4) ) .

علی ان باحثا آخر مع اعترافه بان « تسمیة القانون الدستوری droit constitution nel » تتأتی من کون قواعده الاساسیة تجد مکانها فی« الدستور la constitution » الا انه یسعی جاهدا الی التمییز فی معانی القانون الدستوری بین المعنی اللغوی والمعنی التاریخی والمعنی العلمی ـ علی حد التسمیات التی اختارها ـ ( (5) ) :

فکلمة الدستور من الناحیة اللغویة فارسیة معربة وأصل معناها « الدفتر الذی تجمع فیه قوانین الملک وضوابطه وان تعبیر القانون الدستوری یجد اصله فی اللغة الایطالیة » حیث درّست مادة بهذا الاسم لاول مرة فی عام 1797 فی احدی مدن ایطالیا الشمالیة . ولکنه فی العربیة قد استخدم کترجمة للمصطلح الفرنسی علی ما یذهب الیه الباحث نفسه . والدلالة الظاهرة مما تقدم ان القانون الدستوری لغویا « یشیر الی انه العلم الذی یهتم بدراسة القواعد التی تتعلق بتنظیم ممارسة السلطة » واما فی المعنی التاریخی فقد اضیف
(صفحه 283)

( فی فرنسا ) مبحث الحریات العامة الی مبحث السلطة غیر ان المفهوم العلمی کما یقول الدکتور الشاوی فی السیاق نفسه « لایتضمن فی الحقیقة دراسة الحریات العامة . » وان تعرّض لأوجه من تلک الحریات « و ذلک بقدر ما یسهم من یتمتع بها فی ممارسة السلطة » ( (6) ) .

عل اننا لا نری هنا کبیر فائدة فی الاطالة فی التمییز بین هذه المفاهیم ذلک ان النتیجة واحدة ، وقد المحنا الیها فیما تقدم ، ذلک ان الدساتیر المعاصرة تتضمن موضوعات متقاربة وان مادة القانون الدستوری انما تنصب علی تلک الموضوعات ، فاذا اردنا ان نعرف الدستور مع کثیر من فقهاء القانون الدستوری بانه قانون السلطة او قانون الدولة فلأنه یشتمل بصورة اساسیة علی بیان السلطات فی الدولة وکیفیة توزیعها وآلیات ممارستها واسلوب الاشراف علیها وضبطها الی آخر ما یمکن ان یکون هنالک من احکام تفصیلیة تتعلق بالهیئات والهیاکل التی یؤلفها العاملون فی حقل اداء وظائف الدولة ولیس من شک فی ان تلک السلطات انما تمارس وظائف الدولة الموزعة علیها تحقیقا لاهداف هی التعبیر الاکثر ایجازا للفکر الموجّه لنظام الدولة . وبکلمة اخری فان « فلسفة النظام » تجد افضل مناسبة للتعبیر عن نفسها فی الصیاغات الدستوریة التی تحدد المؤسسات الاساسیة فی الدولة التی تمارس السلطات المختلفة من خلالها . فالمؤسسات بهذا المعنی لیست اشکالاً وهیاکل مجردة فی بناء الدولة ونظامها ، انما هی ایضا ادوات لتحقیق افکار معینة وترجمتها علی صعید التطبیق العملی ، وبالتالی فالمؤسسات الدستوریة هی عبارة عن شکل ومضمون یحددهما الدستور . ان الدستور فی الحقیقة هو قانون القوانین ، حیث یوجد مخطط المؤسسات الدستوریة وبیان السلطات الثلاث کما یوجد بیان فلسفة الحکم واسسه العامة واهدافه الاستراتیجیة ، وهکذا فان الدستور منظورا الیه من جانب آخر یمکن ان یتعدی الطابع الوصفی والتسجیلی لما اسسه من هیاکل ووضعه من مبادئ وقواعد العمل الی مهمة
(صفحه 284)

تربویة توجیهیة ، مهمة فکریة عقائدیة یضمن لها التطبیق ویضمن بها المسیرة نحو الهدف .

هذه الوقفة القصیرة عند التعریف ذات فائدة کبیرة لبحثنا الذی نتلمس فیه مواضع معالجات السید الشهید الصدر لمجموعة اساسیة من مفردات القانون الدستوری : ما تعلق منها بالسلطة او الحریات العامة او المهمة التربویة والهدفیة .

وقبل کل شی فان تعریف الدستور عند السید الشهید الصدر فی غایة الاختصار والوضوح ففی الدولة الاسلامیة لیس الدستور شیئا آخر سوی الشریعة الاسلامیة ، غیر ان هذا الاجمال یقودنا الی البحث عن ابعاد تعریف السید الشهید والاثار التی تترتب علیه ، وبالتالی الی مقارنته بما تقدم ذکره لنری ما اذا کان هذا الاجمال یغطی ما بحثه المعاصرون من اصحاب ( الصنعة ) الدستوریة .

و لنلاحظ اولاً ان السید الشهید یمیّز بین معنیین : واسع وضیق لمصطلح الدستور . فاذا استخدم بمعناه الواسع کان هو الشریعة ذاتها ، واذا استخدم بمعناه الضیق کان القانون الاعلی فی الدولة المستمد من الشریعة وهذا تمییز قریب مما فعله الاستاذ المرحوم ابو الاعلی المودودی إذ میّز بین دستورین : مدون وغیر مدون فقال : « المراد بالدستور المدون : صک document ینطوی علی القواعد الاساسیة التی یقوم علیها نظام دولة من الدول ، ولها فی هذه الدولة منزلة قانونیة مسلّم بها من جمیع الأهالی . . » واضاف قائلاً : « فکل دولة لایکون دستورها مدونا بصورة صک مثل هذا الصک لا یقال لمجموع قواعدها إلاّ دستورا غیر مدون حتی لو کانت هذه القواعد مکتوبة ومبعثرة فی مختلف مصادرها » ( (7) ) .

وحین ینظر الاستاذ المودودی فی الحالة الاسلامیة ومطالبات ابناء
(صفحه 285)

الباکستان بتطبیق ( الدستور الاسلامی ) فی باکستان ینبّه الی ان ( دستورا ) إسلامیا من هذه القبیل لم یدون بعد فهو شبیه بالدستور البریطانی غیر المدون والمبعثرة قواعده هنا وهناک ، ویری المودودی ان من الضروری السعی لتحریر دستور اسلامی لباکستان یکون مصدره الدستور غیر المدون للمسلمین ویعنی به الشریعة الاسلامیة المستقاة من مصادرها التی یعددها فیقول انها القرآن والسنّة واعمال الخلفاء الراشدین ومذاهب المجتهدین . یقول المودودی : « الذی نطالب به الیوم ونعمل علی تحقیقه هو ان یکون الدستور الاسلامی دستور هذه البلاد ،لکننا لانعنی بذلک ان الدستور الاسلامی دستور قد تم تدوینه وجئنا نطالب الیوم بتنفیذه ، بل الواقع اننا نرید ان نحول دستورا غیر مدون unwritten constitution الی دستور مدون written constituttionفان الدستور الاسلامی شیء لم یعمل علی تدوینه بعد ، ولهذا الدستور غیر المدون عدة مصادر علینا ان نستفید منها عندما نرتب لبلادنا ( دستورا مدونا ) وفقا لاحوالنا التی نحن فیها الیوم » ( (8) ) ، وهکذا یبدو لنا تعبیر الدستور بالمعنی الواسع لدی السید الشهید الصدر مرادفا الی حد بعید لتعبیر الدستور غیر المدون لدی الاُستاذ المودودی بینما یرادف تعبیر الدستور بالمعنی الضیق لدی الشهید تعبیر الدستور المدون لدی الاستاذ المودودی ، وبالتالی فان احکام الشریعة عند الاثنین تشکل الدستور بالتعبیر الاول ، فتکون مصدرا للدستور بالتعبیر الثانی .

ومن اجل ایضاح اکبر لمصطلح الدستور عند السید الشهید نورد بعض النصوص من « اللمحة الفقهیة » عن الدستور الاسلامی المنشورة ضمن کتاب « الاسلام یقود الحیاة » ( (9) ) وعن « اسس الدستور الاسلامی » التی وضعها السید الشهید واوردها البحاثة شبلی الملاط فی کتابه عن « تجدید الفقه الاسلامی » تحت عنوان : « اصول الدستور الاسلامی » ( (10) ) .
(صفحه 286)

والانطلاقة انما تکون مع مصطلح الاسلام . یقول السید الشهید عند تحدیده للاساس الاول من اسس الدستور الاسلامی : « اما المعنی الاصطلاحی للاسلام فهو العقیدة والشریعة اللتان جاء بهما من عنداللّه تعالی الرسول الاعظم محمّد بن عبداللّه ( ص ) » ( (11) ) .

ویستطرد السید الشهید فیعرف کلاً من الشریعة والعقیدة ، وهذا التعریف لکل من المصطلحین یعتبر ضروریا فی بحثنا هذا لانه یسهم کثیرا فی التعریف بالدستور من جوانبه المختلفة کما سنری .

یقول السید الشهید : « ونقصد بالعقیدة ( مجموعة المفاهیم ) التی جاء بها الرسول ( ص ) التی تعرّفنا بخالق العالم وخلقه ، وماضی الحیاة ومستقبلها ودور الانسان فیها ، ومسؤولیته امام اللّه . . . » ( (12) ) وبالتالی فان العقیدة هنا تخرج من اطار القانون بمعناه الغنیّ لتبقی اساسا له‏اطارا ، فهی مفاهیم ، وهی « معلومات جازمة یعقد علیها القلب » ، وهذه المفاهیم والمعلومات تصلح ان یستند الیها القانون باعتباره قواعد سلوکیة ولکنها لیست هی القانون بذاته .

ما یهمنا فی هذه المرحلة من البحث اذن ان نتلمس تعریف الشریعة نفسها وعلاقته بتعریف الدستور ، یقول السید الشهید : « و نقصد بالشریعة ( مجموعة القوانین والانظمة ) التی جاء بها الرسول ( ص ) التی تعالج الحیاة البشریة کافة ، الفکریة منها والروحیة والاجتماعیة ، بمختلف الوانها من اقتصادیة وسیاسیة وغیرها » ( (13) ) .

غیر اننا فی مواضع متعددة من اشارات السید الشهید فی المصدرین المذکورین ( اللمحة الفقهیة والاُسس ) نجده یستخدم تعبیر الدستور کمرادف للشریعة ، ویضعه بین قوسین امام کلمة الشریعة لتعریفها ، وهو یعلم ان کلمة الدستور التی یتداولها الناس الیوم أضیق من ذلک . ویبدو لنا أن السید
(صفحه 287)

الشهید یفعل ذلک لتأشیر درجة أهمیة الشریعة فی حیاة المجتمع الاسلامی وبالتالی درجة الزامها مما سنتعرض له لاحقا ان شاء اللّه ، والی جانب ذلک فان السید الشهید یلتفت الی المعنی المتداول فیقول : « ان اصطلاح الدستور الاسلامی حینما یطلق علی الشریعة المقدسة هو اوسع من المصطلح المتعارف للدستور لأنه یشمل کافة احکام الشریعة الخالدة حیث تعتبر بمجموعها احکاما دستوریة . . . » ( (14) ) .

ولکن السید الشهید کما قدمنا قد عرف الشریعة بانها ( مجموعة القوانین والانظمة ) ، کما انه یذکر فی موضع آخر ( الاساس الثامن ) ان هناک ( تعلیمات ) بالاضافة للقوانین والانظمة ، فما هی حدود هذه المصطلحات الاربعة ( الدستور ، القانون ، النظام ، التعلیمات ) وما نسبتها من الشریعة ؟

ینبغی هنا ان نتابع ایضاحات السید الشهید نفسه من اجل فهم المعانی التی رمی الیها من المصطلحات التی یستخدمها ، ذلک انه یعلم ان هذه المصطلحات المتداولة یجب ان تجد موقعها الدقیق اذا ما کان الحدیث فی الاطار ( الاسلامی ) ، ای فی اطار احکام الشریعة الاسلامیة ، ویهتم الاساس الثامن من اسس الدستور الاسلامی التی وضعها السید الشهید بشکل خاص بهذه المسألة ( (15) ) .

فاحکام الشریعة الاسلامیة المقدسة عند الشهید الصدر هی « الاحکام الثابتة التی بینت فی الشریعة بدلیل من الادلة الاربعة : الکتاب والسنة والاجماع والعقل » ، وهکذا فهی دستور الامة « ولا یجوز فی هذه الاحکام ای تبدیل او تغییر لانها ذات صیغة محددة‏شاملة لجمیع الظروف والاحوال فلابد من تطبیقها دون تصرف . . . امّاالتعالیم او القوانین فهی انظمة الدولة التفصیلیة والتی تقتضیها طبیعة الاحکام الشرعیة الدستوریة لظرف من الظروف . . . » ( (16) ) .
(صفحه 288)

وواضح ان السید الشهید لم یرد بهذا ان یعرفنا بمعنی ( القانون ) و( النظام ) و( التعلیمات ) بالمعنی المتداول عند اهل القانون والادارة فی عصرنا الحاضر ، وانما اراد ان ینبه الی ان هناک قواعد ثابتة تسمو علی ما سواها لان ما سواها یستمد منها ویستند الیها ویجد مبرره الشرعی فیها فالقواعد السامیة اما ان تطلق علی قواعد الدستور بالمعنی الواسع فهی الشریعة نفسها ، واما ان تطلق علی الدستور بالمعنی الضیق فتکون مستمدة من الشریعة‏تکون سامیة ایضا ولکن بقدر کونها من قواعد الشریعة الثابتة ، او سامیة وثابتة ( بالوضع ) ای بوضعها ضمن قواعد ( الدستور ) من قبل المکلفین باستنباط الاحکام ، وذانک سمو وثبات نسبیان کما سنری لاحقا .

ولکن الی جانب القواعد السامیة الثابتة بالمعنی المتقدم هناک قواعد متغیرة ( توضع ) تحت عناوین متنوعة کالقوانین والانظمة والتعلیمات . وما دامت غیر مستقرة عادة لارتباطها بظروف الدولة ولکونها غیر واردة فی الشریعة « مباشرة وبنصوص محددة » فان باستطاعتنا ان نحدد لها ادوارها ومعانیها فنتسالم علی معانیها المتداولة او نعطیها ما نجده اکثر فائدة او مناسبة من المعانی والاستخدامات .

وبالتالی فلا نجد ما یمنع من اقرار المعانی القائمة لمصطلحات « قانون ، نظام ، تعلیمات ، قرارات » لدی الوضعیین فی نسبتها الی بعضها من جهة ، والی الدستور من جهة اخری . وهکذا نجد ان السید الشهید قد حدد معنی الدستور بکونه قواعد الشریعة التی لا تتغیر ومعنی القواعد الضبطیة الاخری ( قوانین وانظمة وتعلیمات وقرارات ) بکونها قواعد ظرفیة متطورة و هی تتنوع من حیث العنوان اما بدلالة الموضوع الذی تعالجه او بدلالة موقعها فی سلّم الزام القواعد الضبطیة .

ومع هذا فقد استخدم السید الشهید کلمة ( القانون ) بمعنی الدستور ایضا ،
(صفحه 289)

فقال فی الاساس السادس من اُصول الدستور الاسلامی ان من مهام الدولة الاسلامیة « بیان الاحکام وهی القوانین التی جاءت بها الشریعة الاسلامیة المقدسة بصیغها المحددة الثابتة » . فالقوانین عندما تبین احکام الشریعة المقدسة بصیغها المحددة الثابتة انما هی مجموعة من الاحکام الدستوریة أی انها جزء من الدستور وقولنا هنا ان القانون هو الدستور لا غبار علیه باعتبار الدستور نفسه قانونا من القوانین وان اختلفت قواعدها من حیث السمو الثبات .

امّا تعبیر السید الشهید فی موضع آخر عن التعلیمات بتعبیر ( القانون ) وذلک فی الاساس السادس نفسه حیث یقول ان من مهام الدولة الاسلامیة « تطبیق احکام الشریعة ـ الدستور ـ والتعالیم المستنبطة منها ـ القوانین ـ علی الامة » فذلک ما یعنی ان السید الشهید انما یتحدث هنا عن کون القانون الموضوع کالتعلیمات الموضوعة من حیث کونهما مستمدین من الدستور کقواعد ضبطیة متطورة .

وخلاصة الامر فی شأن تعریف الدستور لدی السید الشهید کما نلمحه فی کتاباته المشار الیها اعلاه هی :

1 ـ ان القواعد العلیا التی ینصاع لها المجتمع الاسلامی ویسلم هی احکام الشریعة الثابتة وهی دستور الامة بمعناه الواسع .

2 ـ ان احکام الشریعة الثابتة لا تکفی لوحدها کقواعد ضبطیة وانما تحتاج قواعد تفصیلیة متطورة مستمدة من تلک الاحکام وتظهر علی شکل قوانین وانظمه وتعلیمات قرارات .

3 ـ ان القانون الاسلامی متدرج القواعد من حیث الالزام حیث یأتی الدستور فی القمة و هو القانون الاساس وتتلوه القوانین الفرعیة والانظمة
(صفحه 290)

والتعلیمات والقرارات .

4 ـ تبقی ملاحظة مهمة تضاف کنقطة رابعة الی هذه الخلاصة هی ان الظاهر من کتابات السید الشهید انه وان استعمل مصطلح الدستور کمرادف للشریعة ذات الاحکام الثابتة ، فانه لا یجد تعارضا فی ذلک مع اقامة دستور ( بالمعنی الضیق ) تکون قواعده علی نوعین : الاول قواعد ثابتة لورودها نصا ومباشرة فی مصادر الشریعة ، والثانی قواعد متغیرة ولکنها ذات ثبات نسبی بالمقارنة مع بقیة القواعد المتطورة التی توضع تحت ای عنوان آخر ، ومن هنا وجدنا ان مشروع الدستور الواردة احکامه فی اللمحة الفقهیة للسید الشهید یتضمن النوعین من القواعد المذکورة کما سیمر بنا لاحقا .

وبهذا فان السید الشهید لا یبدو لنا مقتنعا بامکانیة الاکتفاء بالقول ، من الناحیة القانونیة ، ان الشریعة الاسلامیة هی دستور الدولة الاسلامیة من دون اقامة هذا الدستور فعلاً ای وضع دستور محدد المعالم والمواد ، مؤسس بصورة مباشرة وبصورة غیر مباشرة علی احکام الشریعة ، ومعلوم ان بعض الدول الاسلامیة قد اخذت بالطریقة المجملة وذلک باصدار قرار خاص یعتبر الشریعة الاسلامیة دستورا للدولة ، وبالتالی فان ما یشرع من قواعد ضبط اخری تأخذ عناوینها المتنوعة حسب المقام ( قانون ، نظام ، مرسوم ، قرار ، تعلیمات . . .الخ ) ، وهی کلها تخضع لاحکام الشریعة الاسلامیة باعتبارها الدستور الاعلی وفقا للقرار المتقدم .

وهکذا فان انصار هذه الطریقة لایرون طائلاً وراء وضع دستور خاص علی اختلاف فی الرأی فیما بینهم . وربما کان من المفید ان نشیر الی نموذجین لهذه الطریقة وهما النموذج اللیبی والنموذج السعودی .

ففی لیبیا یصرح « الکتاب الاخضر » بان « الشریعة الطبیعیة لای مجتمع هی العرف او الدین ، أیّ محاولة اخری لایجاد شریعة لای مجتمع خارجة عن
(صفحه 291)

هذین المصدرین هی محاولة باطلة وغیر منطقیة ، الدساتیر لیست هی شریعة المجتمع ، الدستور عبارة عن قانون وضعی اساس . . ان شریعة المجتمع تراث انسانی خالد لیس ملکا للأحیاء فقط . ومن هذه الحقیقة تصبح کتابة دستور واستفتاء الحاضرین علیه لونا من الهزل » ( (17) ) ویخلص الکتاب الاخضر الی ان الدین هو شریعة المجتمع الطبیعیة التی لا تحتاج الی وضع دستور فیقول : « الدین احتواء للعرف ، والعرف تعبیر عن الحیاة الطبیعیة للشعوب . . اذن الدین المحتوی للعرف تأکید للقانون الطبیعی وان الشرائع اللادینیة اللاعرفیة هی ابتداع انسان ضد انسان آخر ، وهی بالتالی باطلة لانها فاقدة للمصدر الطبیعی الذی هو الدین والعرف » ( (18) ) .

ویشرح المحامی عبد الفتاح شحاذة فکرة انتفاء الحاجة الی الدستور بالتخوف من استغلال الحکام لادارة الدستور من اجل تکریس مصالحهم علی حساب المحکومین فی المجتمع الذی یمیز بین الطرفین ، اما فی المجتمع الذی یتساوی فیه الجمیع فلیس من حاجة الی شیء اسمه دستور . یقول المحامی شحاذة : « مادام الحاکم هو الذی یضع الدستور وهو الذی یستطیع تعدیله کبقیة القوانین ، مهما قیل ان هناک اسبابا مشددة للتعدیل ومهما وصف بانه دستور جامد ، وما دامت الغایة من الدستور کما قلنا هی وضع القیود علی تصرفات السلطة فمعنی ذلک ان السلطة الحاکمة وهی القیمة علی انشاء الدساتیر وتعدیلها لن تضع قیودا فعلیة علی نفسها انما القیود المحکی عنها تبقی قیودا نظریة لا اکثر ولا اقل . » ثم یتساءل : « ما هی حاجة المجتمع لدستور اذا کان الشعب هو صاحب السلطة ویمارسها بشکل مباشر ، ألا تنتفی الحاجة للدستور بمجرد اندماج الحاکم بالمحکوم ؟ » ثم یتساءل من جدید ویجیب قائلاً : « ما هی شریعة المجتمع ولا دستور له ؟ النظریة العالمیة الثالثة عرضت لما قدمنا وردّت علی هذا التساؤل بأنه فی ظل سلطة الشعب سیکون
(صفحه 292)

العرف والدین هو الدستور لانه لا مجال لتحدیدٍ فی ظل سلطة الجماهیر علی حرکة الجماهیر نفسها » ( (19) ) .

واما فی خصوص التجربة السعودیة فمعلوم أن المملکة العربیة السعودیة تتخذ القرآن الکریم دستورا وتعتبر الشریعة الاسلامیة مرجعا فی تحدید الاحکام القانونیة وفقا للتفسیر المعتمد لدی علماء المذهب الوهابی الحنبلی ، وتصدر القوانین والقرارات الادنی مرتبة بمراسیم ملکیة او اوامر وزاریة ، ویفترض فی القضاء بدوره الالتزام باحکام الشریعة الاسلامیة ، وتمارس إدارة الدراسات والبحوث التی تضم کبار علماء المذهب فی المملکة دورا ذا شأن فی صدد بیان الاحکام الشرعیة واصدار الفتاوی فی الشؤون المختلفة .

من ناحیة اخری فانّه لابدّ للباحث ان یسترجع التاریخ الغنی للحرکة الدستوریة فی المنطقة فی العقود الاخیرة من القرن التاسع عشر ومرورا بشکل خاص بطابع الحرکة وعناصرها الاساسیة فی ایران وترکیا والعراق وبشکل اخص بما سمّی بثورة الدستور فی ایران ( المشروطة 1905 ) ، ذلک ان علماء الشیعة فی ایران والعراق قد عاشوها بعمق وترکوا تراثا غنیا فی هذا المجال للمتصدین بعدهم لانشطة الحوزات العلمیة وللمسألة الدستوریة فی البلدین ، ولکن هذا البحث یضیق عن مثل هذه المتابعة التاریخیة ویهمنا منها ان نشیر الی وجود جذور للمطالبة بالدستور ضاربة فی التاریخ ، جدیرة بالدراسة والتحقیق ویمکن فی هذا الصدد ، بالاضافة الی کتاب الباحث شبلی الملاط ، مراجعة کتاب « الدستور والبرلمان فی الفکر السیاسی الشیعی 1905 ـ 1920 » للباحث جعفر عبد الرزاق وهو الکتاب الثانی والعشرون من سلسلة : قضایا اسلامیة معاصرة ، وکذلک المصادر المشار الیها فی هذین الکتابین .
(صفحه 293)
تحدید موضوعات الدستور :

المحنا سابقا الی الخلاف الذی یتوزع فقهاء القانون الدستوری فیما یتعلق بتحدید الموضوعات التی یشتمل علیها الدستور ، وبالتالی ما تتناوله دراسات القانون الدستوری کعلم من العلوم القانونیة .

ولعل ما تقدم بیانه ینبئ بنفسه بان السید الشهید لم یتناول مثل هذا الخلاف بالبحث ، لانه لم یجد من مهمته الولوج فیه ، فهو لیس مشکلة عملیة مما یبتلی بها الناس فی حیاتهم العامة وفی بحثهم ( للمشکلة الاجتماعیة ) التی تمحورت دراسات السید الشهید حولها فی الغالب .

غیر ان السید الشهید تطرق الی تحدید موضوعات الدستور فی مناسبتین رئیسیتین ، فضلاً عن اشارات متناثرة لا تبتعد کثیرا عن تشخیصاته فی تینک المناسبتین ونعنی بهما : مناسبة تحریر عدد من الاسس الدستوریة التی یعتقد ان تاریخها یعود الی اوائل الستینات وفقا لما نقله البحاثة شبلی الملاط عن المرحوم السید مهدی الحکیم وقد نشر الملاط منها تسعة اسس من مجموع 33 اساسا سماها اصول الدستور الاسلامی ( (20) ) ، والمناسبة الثانیة حین عرض لمحته الفقهیة عن دستور الجمهوریة الاسلامیة بعد حوالی عشرین عاما بعد تحریر الاسس المذکورة وقد نشرت اللمحة هذه فی بدایة کتاب « الاسلام یقود الحیاة » للسید الشهید .

اما فی الاسس الدستوریة فقد عرف السید الشهید بالاسلام تعریفا موجزا واشار فی تعریفه الی مصطلحات العقیدة والشریعة والقانون والنظام . وفی الاساسین الثانی والثالث تحدث عن المسلم والوطن الاسلامی والمرکز القانونی العام للمسلم « الحقوق والواجبات » ، و فی الاساس الرابع تحدث السید الشهید عن ( الدولة الاسلامیة ) ومیز بین انواع ثلاثة للدولة من حیث انظمتها السیاسیة والاجتماعیة کما فصل قلیلاً فی اشکال النظم فی الدول ( الاسلامیة ) القائمة
(صفحه 294)

وهی النوع الثالث من الانواع المتقدمة کما بین الموقف من هذه الاشکال و فی الاساس الخامس بین السید الشهید ان « الدولة الاسلامیة دولة فکریة ، واوضح اختلاف مثل هذه الدولة فی رسالتها عما اسماه بالدولة ( الاقلیمیة ) والدولة ( القومیة ) ، وفی الاساس السادس توغل السید الشهید فی بیان شکل الحکم فی الاسلام فعرفه ، وعدد المهام التی تتولاها الدولة الاسلامیة وعن شکل الحکم فی عصر الولاة المعصومین وفی عصر الولاة غیر المعصومین واثر ذلک فی تطبیق مبدأ الشوری فی ظروف الامة الحاضرة ویعود السید الشهید فی الاساس الثامن لیوضح الفرق بین احکام الشریعة الاسلامیة الثابتة بدلالة احد الادلة الاربعة وبین التعالیم وکما المحنا سابقا فالسید الشهید لم یهتم کثیرا بعد ذلک بالتمییز بین مصطلحات التعالیم ( التعلیمات ) والقوانین والانظمة وما الی ذلک من قواعد الضبط التی تقررها السلطات المختصة فی الدولة . واخیرا فان السید الشهید یتطرق فی الاساس التاسع الی موضوع فی غایة الاهمیة وهو بیان الجهة المختصة ببیان احکام الشریعة الاسلامیة .

وکیفیة تولی منصب القضاء فی الدولة الاسلامیة .

وأما الاسس الأربعة المنشورة فی « ثقافة الدعوة الاسلامیة » ( 4 : 10 ـ 13 ) فقد تطرقت فی العاشر الی تثبیت المقیاس الذی ینبغی ان تقاس به سیاسة الدولة ولخصه السید الشهید بالدستور والمصلحة وفی الحادی عشر تطرق الی موقف الدعوة والدولة من ( النفوذ الکافر ) ، وفی الثانی عشر تطرق الی وصف الدعوة الاسلامیة من حیث کونها اصلاحیة ام ثوریة وفی الثالث عشر والاخیر تحدث عن بعض آلیات الثوریة الاسلامیة .

هذا ، ولا ریب فی ان الکشف عما ورد فی بقیة الاسس الثلاثة والثلاثین یمکن ان یغنی البحث فی ( الافکار الدستوریة ) للسید الشهید الی حد بعید وهو ما نأمل ان نتوصل الیه یوما ما بجهود المتابعین لجمع ثروة السید الشهید الفکریة .
(صفحه 295)

و بعد عقدین من کتابة هذه الاسس التی ارید بها علی الاغلب ان تکون دلیل عمل للحرکة السیاسیة الاسلامیة الناهضة جاءت « اللمحة الفقهیة عن مشروع دستور الجمهوریة الاسلامیة » لتکون موقفا اکثر ( تخصصا ) وترکیزا لمفردات الدستور الاسلامی الذی کان موضوع حاجة ملحة وبالتالی فان تلک المفردات تصلح ان تکون نموذجا للموضوعات التی تشکل هیکل الدستور الاسلامی ، وقد سمی السید الشهید ما اشتملت علیه اللمحة الفقهیة بانه استعراض ل « عدد من الافکار الاساسیة فی مجال التمهید لمشروع الدستور . . » ونحن نجد فی هذه العبارة ، فضلاً عن مسحة التواضع ، ما یفید ان الافکار الاساسیة لا تمنع اضافة افکار اخری قریبة منها او مفصلة لها ، وسیدخل تعبیر ( الدستور ) بصفته ( القانون الاساس ) لیقید الافکار القریبة والتفصیلیة ویمنعها من الاسترسال الی ما هو غیر اساس او غیر دستوری ، فالدستور کما المحنا الی معناه فی الاصل لا یسمح بکثیر من التفصیلات بل لا یشتمل علی شیء منها الا بقرینة الضرورة والعلاقة المتینة بالاُسس التی تشکل هیکله .

فی ضوء ذلک ، وباستعراض ما اشتملت علیه اللمحة الفقهیة ، نجد ان السید الشهید قد تطرق الی موضوع السلطات ومصدرها والسیادة ومآلها والشریعة ومنبعها وعلاقتها بالدستور وعملیة التشریع ودور الامة فی السلطات الثلاث والمجالس المنتخبة والمرجعیة ووظائفها والقضاء والحقوق والواجبات ورسالة الدولة واهدافها . وبعد ان استعرض السید الشهید کل هذا انتقل الی بیان المبادئ التشریعیة التی یستند الیها فی تقریر تلک الموضوعات فهی تدخل فی الاساس النظری للدستور .

هکذا ، وعلی قدر ما یظهر لنا من هذین المصدرین والتقارب بین موضوعاتهما فاننا نجزم بان السید الشهید کان یری ان موضوع الدولة
(صفحه 296)

وسلطات وتنظیم هیکلها العام ، وموضوع الحقوق والحریات والواجبات ، وموضوع اهداف الدولة الاسلامیة هی من صمیم ما علی الدستور ان یشتمل علیه من موضوعات . ولیس فی سیاق ما کتبه السید الشهید فی مجالات القانون الدستوری الاسلامی ما یشیر الی حدود معینة لمشتملات الدستور ، غیر ان ذلک لا یعنی انعدام مثل تلک الحدود لدیه . فمن ناحیة کان ( مشروع الدستور ) فی اللمحة الفقهیة ذا موضوعات محددة واساسیة ومن ناحیة اخری کانت الاسس الدستوریة لدیه من قبل تحدد هی الاخری موضوعات بذاتها متخذة تعبیر ( الاسس ) ولم تفترق اللمحة والاسس کثیرا فی تحدید موضوعات الدستور ، وسنری عند تحلیلنا لموضوعات اللمحة والاسس لاحقا مزیدا من القرائن علی تشخیص السید الشهید لموضوعات الدستور وان من نافلة القول ان الموضوعات التی عددناها هی ما درج علیه الوضعیون ایضا فی الدراسات الدستوریة وفی مشاریع الدساتیر التی یضعونها ، غیر ان الطابع الاسلامی هو الذی یمیز موضوعات الدستور الاسلامی کتناول دور المرجعیة الدینیة وبعض الوظائف والمهمات علی سبیل المثال .

من ناحیة اخری یجدر ان نذکر ان محاولة السید الشهید فی صدد وضع نموذج دستور اسلامی قد أشبهت فی معالمها الرئیسة محاولات اسلامیة جادة اخری نذکر منها :

1 ـ محاولة الاستاذ المودودی فی باکستان وتعود الی عام 1952 وقد سبقت الاشارة الیها عند التعریف بالدستور . امّافی موضوعات الدستور فقد تحدث المودودی تحت عنوان « مسائل الدستور الاساسیة » فعرض تسع مسائل بشکل مقارن مختصر هی : أـ مناط الحکم . ب ـ مدی ولایة الدولة . ج ـ توزیع السلطات الثلاث . دـ هدف الدولة . هـ ـ مواصفات الحاکمین . وـ اُسس المدنیة والمواطنة . زـ حقوق المواطنین . ح ـ حقوق الدول قبل المواطنین ( (21) ) .
(صفحه 297)

2 ـ محاولة المستشار علی جریشة فی مصر ، حیث اصدر کتابا بعنوان ( اعلان دستوری اسلامی ) ( (22) ) ، وتعود الی عام 1980 والطریف فی هذا الکتاب انه ضم ثلاث محاولات مهمة اضافة الی محاولة المستشار جریشة ، فالمشروع الاول وضعته لجنة مشکلة من الامام الاکبر الدکتور عبد الحلیم محمود شیخ الجامع الازهر رحمه اللّه‏ ، والثانی عبارة عن تنقیح للاول قام به الدکتور مصطفی کمال وصفی والثالث وضعته مجموعة من المتخصصین وقدمته الی المجلس الاسلامی العالمی ( 1984 ) وقد اشار الاستاذ جریشة الی وجه آخر لاهمیة مشروعه اذ قال : « لقد أشاد به وراجعه من لم یعرف قدره إلاّ القلیل من اخوانه وتلامیذه ومحبیه ذاک هو کبیر دعاة عصره الاستاذ عمر التلمسانی رحمه اللّه‏ » ( (23) ) .

وعلی کل حال فانه یهمنا ونحن فی صدد بحث تحدید موضوعات الدستور ان نری ما فی هذه المشاریع من تحدیدات . ففی ( اعلان ) الاستاذ جریشة نری انه تطرق الی مقومات الدولة الاساسیة وجوانب وظائفها علی الاصعدة السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة . وفی نموذج مجمع البحوث الاسلامیة فی الازهر تعرض مشروع الدستور لوصف الامة الاسلامیة واسس المجتمع الاسلامی ثم تناول الاقتصاد والحقوق والحریات ومرکز الامام ثم القضاء والبرلمان والحکومة . امّا فی نموذج الدکتور مصطفی کمال وصفی فجری الاهتمام بالعالم الاسلامی ثم تحدث الدستور عن اسس المجتمع الاسلامی ، ثم الواجبات العامة والحقوق والحریات ثم الاقتصاد الاسلامی ، والامة والامام والقضاء والشوری والتشریع والرقابة ، ثم الحکومة . واخیرا فقد تطرق مشروع المجلس الاسلامی العالمی الی اسس الحکم ومقومات المجتمع والحقوق والواجبات العامة ثم مجلس الشوری والامام والقضاء والحسبة والنظام الاقتصادی وولایة الجهاد والمجلس الدستوری الاعلی ووسائل النشر والاعلام ( (24) ) .
(صفحه 298)
ثانیا : طبیعة الدستور
ضرورته واسبقیته :

ترتبط دراسة ( الدستور ) بدراسة ( الدولة ) من حیث الوجود والوظیفة والاسبقیة فی الظهور ، وقد رأینا ان موضوعاته متصلة اتصالاً مباشرا بظاهرة الدولة ، ایا کان الرای حول تشخیص الموضوعات المذکورة .

ومن المعلوم ان النظریات الاجتماعیة والسیاسیة قد اختلفت فی تاریخ ظهور الدولة ، بل وفی ضرورة وجودها اصلاً غیر ان الذین ذهبوا الی التشکیک فی ضرورة الدولة ، وبالتالی الی امکانیة محو هذه الظاهرة والعودة الی نوع من المشاعیة قریب مما کان سائدا ـ فیما یقال ـ اول ظهور المجتمع الانسانی لا یمثلون فیما یبدو الا نفرا قلیلاً من الباحثین وهم فی طریق الاضمحلال .

واذا تجاوزنا الاشکال البدائیة للدولة فان کثیرا من السیاسیین والمؤرخین ، بل‏القانونیین یتوقفون عند اواسط القرن السابع عشر لیجدوا فی نتائج تطورات الاوضاع السیاسیة فی اوربا فی ذلک التاریخ معالم ظاهرة الدولة الحدیثة .

وتذهب جمهرة الفقهاء القانونیین الی ان الدولة هی التی تضع القانون لیحکم الروابط المختلفة فی المجتمع الانسانی المعین ، وبذلک فان ظهور الدولة اسبق من ظهور القانون الذی یضعه حکامها ، والقانون فی تدرجه انما یرتفع الی مرتبة الدستور وهو اعلی القوانین ، فالدستور بدوره تال فی ظهوره لظهور الدولة ، وهکذا فان ظاهرتی ( السلطة ) و( القانون ) ظاهرتان اجتماعیتان تبلورت الاُولی بالدولة والثانیة بالقواعد التی تضعها الدولة لحفظ مسیرتها ومسیرة المجتمع الذی تمثله ، وان القانون ضروری لوجود الدولة لانه من انجح وسائلها فی ضبط سلوک الافراد داخل المجتمع ( (25) ) .
(صفحه 299)

امّا لدی السید الشهید فان کتاباته تتظافر سواء فی ( فلسفتنا ) او ( اقتصادنا ) او فی ( اللمحة الفقهیة ) او ( الاسس الدستوریة ) او فی ( المدرسة الاسلامیة ) او ( الاسلام یقود الحیاة ) علی القول بضرورة الشریعة التی هی الدستور بمعناه الواسع ، بل وبضرورة وجود الاحکام الادنی مرتبة من ذلک ابتداء بالدستور فی معناه الضیق وانتهاء بأدنی مرتبة من القرارات التی تشکل مع ما علاها قواعد الضبط فی المجتمع والتی لا تستقیم المسیرة من دونها . والحقیقة ان الکتابات المذکورة قد وضعت فی مقدمة مهمتها الکشف عن مشکلة الانسانیة فی کل مکان الا وهی المشکلة الاجتماعیة التی یقدمها السید الشهید بقوله : « ان مشکلة العالم التی تملأ فکر الانسانیة الیوم وتمس واقعها الصمیم هی مشکلة النظام الاجتماعی التی تتلخص فی اعطاء اصدق اجابة عن السؤال التالی : « ما هو النظام الذی یصلح للانسانیة وتسعد به فی حیاتها الاجتماعیة » ( (26) ) .

ان ضرورة الدولة والنظام اذن لا تبدو عسیرة علی الاثبات عند السید الشهید فابتداء من بداهة ضرورة الدین لدیه والاعتقاد بالنظرة الکونیة التوحیدیة تبدأ رحلة السید الشهید لاستکشاف معالم الدولة والنظام انطلاقا من تعریف الاسلام ، وهو خاتم الادیان ، بأنه عقیدة وشریعة کما المحنا سابقا ، یقول السید الشهید فی الاساس الاول من اسسه الدستوریة : « فالاسلام اذن مبدأ کامل ، لانه یتکون من عقیدة کاملة فی الکون ، ینبثق عنها نظام شامل لأوجه الحیاة ویفی بأمس واهم حاجتین للبشریة وهما القاعدة الفکریة والنظام الاجتماعی » ( (27) ) .

علی ان هذا لا یعنی انه لم یدر بین الاسلامیین جدل حول ضرورة الحکومة الاسلامیة ، اذ لم یعدموا من یقول بعدم وجوب السعی الی اقامة الحکومة ، وربما حرّم نفر منهم مثل ذلک السعی ، الا ان جمهرة علماء
(صفحه 300)

المسلمین لم یختلفوا فی اصل ضرورة الحکومة الاسلامیة وانما اختلفوا فی شروطها وکیفیة تولیها السلطة وسعة او ضیق ولایتها الی ما هنالک مما یلی موضوع الضرورة .

ولا یختلف الذاهبون الی ضرورة قیام الدولة الاسلامیة ، ومنهم السید الشهید کما سنری ان شاءاللّه‏ فی ضرورة وجود ضوابط تلتزم بها الدولة حکاما ومحکومین ، رعاةً ورعیة و لقد بین السید الشهید فی اُسسه الدستوریة انواع السلطة وانواع الدول ، ومیّز الحکومة الاسلامیة بما تختص به من مواصفات واهداف واشار الی ضرورة وجود قواعد الضبط المذکورة وهی القوانین والقرارات بدرجاتها ، بل ذهب الی بیان واجبات الامة فی کل حالة من حالات السلطة وانواع الدول التی ذکرها ، کما حدد فی لمحته الفقهیة نموذج الدستور الذی یراه واساسه الفقهی ، مما یعنی اجمالاً ان السید الشهید قد ذهب لا الی ضرورة الدولة والدستور وحسب بل سعی الی ایجادهما فیما سعی الیه وکتب فیه .

وتذکرنا هذه المساعی والکتابات بما جری ایام ثورة الدستور فی ایران ( 1905 ) وایام اشتداد المطالبة بوضع « دستور اسلامی » للجمهوریة الباکستانیة الناشئة ، ویشخص المرحوم الاستاذ ابو الاعلی المودودی کعلم من اعلام تلک المطالبة ولا سیما فی محاضرته المشار الیها سابقا التی القاها فی 24/12/1952 فی جمعیة المحامین فی مراکش ونشرت عدة مرات قبل ظهور ترجمتها العربیة فی القاهرة سنة 1953 والثانیة فی دمشق فی عام 1980 ( (28) ) .

ولعل من المفید أن نذکر أنّ الاُستاذ المودودی قد عرّف کما اسلفنا نوعین من الدستور وهما الدستور غیر المدون والدستور المدون وهو یذهب فی تلک المحاضرة الی ان الحاجة قد مسّت لایجاد الدستور المدون واستخلاصه من مصادره . کونها ضرورة حضاریة بشکل اجمالی قائلاً : « لانها المنهج الوحید
(صفحه 301)

الذی یمکنه تفجیر طاقات الانسان فی العالم الاسلامی والارتفاع به الی مرکزه الطبیعی علی صعید الحضارة الانسانیة وانقاذه مما یعانیه من الوان التشتت والتبعیة والضیاع » ( (29) ) .

ویزدونا بحث السید الشهید حول « خلافة الانسان وشهادة الانبیاء » بشکل خاص کما سنری ایضا بمفاتیح دراسة قرآنیة نفیسة فی هذا المجال ، یهمنا منها ناحیتان :

الاولی : ان الدولة هی احد انجازات الانبیاء علیهم‏السلام .

الثانیة : ان الانبیاء ( ع ) الذین تصدوا لهذه المهمة کانوا یحملون معهم رسالة السماء علی شکل عقائد وشرائع والناحیة الاخیرة هی التی تتعلق بهذه المرحلة من البحث ، لانها تشیر الی ان الشریعة ، ای الدستور ، بمعناه الواسع ، کانت من ضمن ما تزود به الانبیاء علیهم‏السلام فی مهمتهم وقبل ان یستطیع الانبیاء علیهم‏السلام بناء الدولة المکلفین ببنائها کان فی ایدیهم دستور واضح یتم البناء ویدام ویحافظ علیه بموجبه وفی ضوء احکامه الربانیة ( (30) ) . ومعنی ذلک ان الدستور بالمعنی الواسع قائم قبل ان تقوم دولة الانبیاء علیهم‏السلام ، فالدستور اسبق فی الوجود من الدولة وهذه الاسبقیة لها آثار مهمة فی تحدید معالم الدولة ومؤسساتها وحقوق وواجبات الراعی والرعیة ، کما تفسّر لنا بعض ما یتساءل عنه فقهاء القانون عادة فی هذا الصدد .
بعض مواصفاته :

یتوقف فقهاء القانون الدستوری کثیرا عند المواصفات الاساسیة الممیزة للدستور المبینة لطبیعة قواعده ( (31) ) .

ولعلنا نستطیع ان نرکز تلک المواصفات حول محوری القانونیة والسمو .
(صفحه 302)
1 ـ قانونیة الدستور :

لقد دار نقاش فقهی طویل حول مدی قانونیة الدستور ، ای مدی اتصاف قواعده بمواصفات القاعدة القانونیة والتی تتلخص بالاطراد والعموم والتجرید والالزام وبوجود جزاء یضمن لها النفاذ والاحترام . ویمیل غالبیة الفقه الی ان القواعد الدستوریة هی قواعد قانونیة وان اختصت بعض الاحیان بطابع یختلف شیئا ما عنها وهکذا دافعوا عن اتصافها بالمواصفات الثابتة للقاعدة القانونیة فقالوا علی سبیل المثال عن الزامیة الدستور وتوفر الجزاء الذی یضمن نفاذه قالوا ان الالزام متوفر فی القاعدة الدستوریة وهی واجبة الاحترام من قبل الحکام والمحکومین وهذا الوجوب مسلم به لدی الجمیع واما الجزاء الذی یترتب علی مخالفة القاعدة المذکورة فانه جزاء من نوع خاص بل انه اقوی من الجزاء المترتب علی مخالفة القواعد القانونیة الاخری ، ان من المعلوم ان مخالفة قاعدة من قواعد القانون العادی لا تثیر من الاعتراضات ولا من رد الفعل الاجتماعی ما تثیره مخالفة قاعدة دستوریة امّا بقیة المواصفات القانونیة فهی اکثر ظهورا ولا یسعنا التوقف عندها .

ولو عدنا الی الدستور بمعنییه الواسع والضیق لدی الشهید الصدر فاننا نجد الصفات القانونیة متوفرة فیها مع بعض التحفظ الذی تقتضیه الطبیعة الخاصة للدستور الاسلامی .

ان احکام الشریعة الاسلامیة وهی المقصودة بالدستور الاسلامی بالمعنی الواسع لا شک فی کونها الزامیة مع مراعاة الثابت والمتغیر منها واللذین یمثلان احد الجوانب المهمة من الطبیعة الخاصة التی اشرنا الیها . وهذه حقیقة اسلامیة ولیست وجهة نظر خاصة لاحد المسلمین . وبکلمة اخری فان ما یثبت بشکل قطعی من احکام الشریعة الواردة فی الکتاب او السنة او الاجماع او العقل یمثل دستورا ثابتا للمسلمین ینهلون منه فی احوالهم المختلفة لیدبروا
(صفحه 303)

امورهم ویحلوا مشاکلهم ویضعوا الاجابات الشافیة لما یعترضهم من تساؤلات ،بالتالی فان کافة احکام الشریعة الخالدة کما یعبر الشهید الصدر فی الاساس الثامن من اصوله الدستوریة تعتبر بمجموعها احکاما دستوریة وفی الاساس السادس یقول الشهید ان من مهام الدولة الاسلامیة « تطبیق احکام الشریعة ( الدستور ) والتعالیم المستنبطة منها ( القوانین ) علی الامة ، وفی الاساس الرابع یوجب السید الشهید اطاعة الدولة الاسلامیة عندما تکون علی النحوین الاولین اللذین وضحهما ، وجماع هذه الاشارات الثلاث ان من واجب الدولة الاسلامیة بیان احکام الشریعة وتطبیقها وان من واجب الناس حینذاک طاعتها ، وغنی عن القول ان الزام احکام الشریعة شامل للدولة حکاما ومحکومین بناء علی قاعدة السمو کما سنری أو کما یقول السید الشهید عن الدولة الاسلامیة حیث یصفها بانها « قانونیة ای تتقید بالقانون علی اروع وجه لان الشریعة تسیطر علی الحاکم والمحکومین علی السواء » ( (32) ) .

واذا انتقلنا من مستوی الدستور بمعناه الواسع هذا الی الدستور بمعناه الضیق ، وهو مجموع الاحکام الموضوعة من قبل الدولة الاسلامیة ، والتی تنظم شؤون الامة فی الموضوعات التی ورد ذکرها فیما تقدم من البحث فاننا سنجد فی الاساس طائفة من تلک الأحکام الثابتة فی الشریعة واخری من تلک الاحکام التی « تستنبط من احکام الشریعة علی ضوء الظروف والاحوال التی هی عرضة للتغیر والتبدل » وهذه الطائفة الثانیة ، وبالنظر الی اهمیتها القصوی سواء من ناحیة ارتباطها الوثیق بالاحکام الثابتة او من ناحیة الموضوع الذی تعالجه فانها تنضم الی الطائفة الاولی فی اطار الدستور « الموضوع » وتتمتع جمیعا بالاهمیة التی یعترف بها للدستور باعتباره القانون الاساس فی الدولة والذی تتفرع عنه وتبنی علیه بقیة القوانین والتعلیمات والقرارات وکل من طائفتی الاحکام المتضمنه فی الدستور « الموضوع » تشتمل علی احکام ملزمه ،
(صفحه 304)

واذا کانت احکام الطائفة الاولی ثابتة بشکل مطلق فان الثانیة ثابتة هی الاخری ولکن بشکل ظرفی نسبة الی قواعد القوانین والتعلیمات التی تشتق من احکام الدستور وتعتمد علیها ویعنی نوعا الثبات المذکور ضمنا الزامیة القواعد المذکورة أی قواعد الدستور بمعناه الضیق وعلی کل حال فان نسبیة الثبات لا علاقة لها بالالزامیة ذلک ان عنصر الالزام متوفر فی القوانین الادنی وهی متغیرة بحسب الفرض فکیف بالدستور الذی هو القانون الاساس .

ان وضع دستور بالمعنی الضیق فی نظر السید الشهید هو إذن استخراج قواعد اساسیة تنظم وتحکم حرکة الدولة الاسلامیة بعناصرها المختلفة سواء کانت تلک القواعد مستقاة مباشرة من الادلة الاربعة للاحکام الشرعیة ام کانت مستنبطة منها بشکل غیر مباشر . وقد وضع السید الشهید بنفسه فی لمحته الفقهیة التمهیدیة عن الدستور الاسلامی ورقة عمل لمشروع دستور« ولیس صیاغة نهائیة للدستور » ضّمّنها مخططا اولیا للمبادئ الدستوریة الاسلامیة .

والحقیقة انه لیس من شک لدی احد من المسلمین فی الزامیة قواعد الشریعة ، فاذا تحول ما یتعلق من قواعد الشریعة والاحکام المستنبطة منها بحرکة الدولة وممارسة سلطاتها و حقوق الراعی والرعیة الی قواعد دستوریة فان القول بالزامیة تلک القواعد یکتسب سببا آخر للقوة ذلک ان وضع أحکام شرعیة فی اطار دستور الدولة یعنی ایجاد ضمان ( رسمی ) لتنفیذها وترجمتها فی واقع الامة باعتبارها قواعد ملزمة .

وهنا نود ان نلفت النظر الی ان احکام طائفتی القواعد الدستوریة التی ذکرناها ( الثابتة مطلقا والثابتة نسبیا ) لا تنقل فی الدولة الاسلامیة الی الدستور نصا کما هی واردة فی مصادرها لا سیما اذا تذکرنا ان عملیة استخلاص الحکم من مصادره ، نقلاً واستنباطا انما هی عملیة استنباط فنیة تشتمل نتیجتها علی اعطاء حکم ذی شکل ومضمون ، واذا کان المضمون
(صفحه 305)

معبرا عن الحکم الشرعی السلیم سواء کان واقعیا ام ظنیا فان الشکل ، بمعنی النص المعبر عن الحکم ، لن یکون الا فیما ندر متطابقا مع الحکم الشرعی المباشر والمستنبط ، و بعبارة اخری فان هناک عملیتین تجریان بالضرورة لنقل الحکم الشرعی من ادلته الشرعیة او بالاعتماد علیها من النص الفقهی الی النص القانونی سواء کان النص القانونی دستورا او قانونا فی مرتبة ادنی من الدستور . فاما العملیة الاولی فهی نقل المضمون المطلوب من الدلیل الشرعی أو بالاعتماد علیه إلی الساحة القانونیة ، ویمکن ان نمثّل لهذه العملیة بما فعله السید الشهید الصدر فی لمحته الفقهیة عن الدستور الاسلامی ، وان جاءت اللمحة مشتملة علی بعض المناقشات والتأصیلات الفقهیة التی لا تظهر فی الصیاغة القانونیة ، والتی سوف تختفی لهذا السبب تماما ، الا فی حالات استثنائیة فی مرحلة العملیة التالیة وهی التی تتضمن صیاغة النص القانونی ( الدستور او غیره ) علی شکل قاعدة تتضمن ما یسمی عند اهل الصنعة فرضا وحکما وهما تعبیران عن طرفی القاعدة ، حیث یعنی الفرض حدوث امر فی الواقع ویعنی الحکم ما یترتب علی ذلک الحدوث ( (33) ) کترتب حکم الاعدام فی قانون العقوبات علی حدوث واقعة القتل العمد ، او کترتب ضمان المستأجر للعین المؤجرة علی عقد الایجار فی القانون المدنی .

فصیاغة القاعدة ذات الفرض والحکم ( فی العملیة الثانیة ) ، حتی اذا لم یظهر هذان العنصران فی النص بشکل واضح تعتبر عملیة فنیة یمارسها ذوو اختصاص محدد ربما لا یتطابق مع اختصاص اولئک الذین قاموا بالعملیة الاولی ، ومن الناحیة العملیة فان الفقهاء القادرین علی استخلاص الاحکام الشرعیة من ادلتها هم الذین یقومون بالعملیة الاولی ، اما العملیة الثانیة فتعنی أن امام الممارس نصا استخلصه الفقیه المعنی من الادلة الشرعیة لیکون المیزان الشرعی فی النظر الی مسألة من المسائل ، ولکن هذا النص عبارة عن
(صفحه 306)

( مادة اولیة ) لم تتخذ شکل الصیاغة القانونیة ، ای انها بحاجة الی أن تجری علیها العملیة الفنیة الثانیة وهی عملیة الصیاغة القانونیة .

ان عملیة تدوین الدستور التی تکلم عنها الاستاذ المودودی فی محاضرته التی سبق أن ذکرناها او التی تکلم عنها السید الشهید الصدر فی لمحته الفقهیة وفی الاسس الدستوریة هی العملیة الاولی لنقل الاحکام الشرعیة الی الساحة القانونیة للدولة الاسلامیة من مظانها التی تدعی بالتعبیر العصری مصادر القانون . فاذا صیغت الاحکام الواردة فی محاولتی الاستاذ المودودی والسید الشهید علی شکل مواد قانونیة فانها تصبح دستورا مدونا کما یسمیه الاستاذ المودودی ، او دستورا بالمعنی الضیق کما یسمیه السید الشهید او دستورا اسلامیا وضعیا کما یمکن تسمیته بتعبیر آخر ، ذلک ان الدستور المصاغ بهذه الطریقة انما هو نصوص وضعها البشر واما استخلاصها من الادلة الشرعیة الاسلامیة فقد منحها اسم : الاسلامیة فصارت دستورا اسلامیا وضعیا تمییزا لها عن النصوص غیر الاسلامیة التی یضعها البشر ویقال لها وضعیة ، وهکذا یمکن ان نری فی التطبیق دساتیر وضعیة اسلامیة ، ودساتیر وضعیة غیر اسلامیة نظرا لاختلاف مصادر النوعین ، ومن امثلة الدساتیر الاسلامیة الوضعیة بالمعنی المتقدم دستور الجمهوریة الاسلامیة فی ایران ونماذج الدساتیر الواردة فی مؤلف المستشار علی جریشة الذی سبق ان اشرنا الیه .
2 ـ سمو الدستور :

یعتبر الدستور القانون الاعلی او القانون الاساس فی الدولة فقواعده اسمی من قواعد غیره من القوانین لان هذه تستقی منه وتعتمد علیه وکل مخالفة منها لنصوصه تجعل منها قوانین ( غیر دستوریة ) فتفقد اعتبارها والزامیتها ، وقد اکد کثیر من الباحثین فی مجال القانون الدستوری علی هذه الحقیقة
(صفحه 307)

وبینوا وجهات نظرهم فی مصدر سمو الدستور ( (34) ) .

وإنّما ثار الجدل بشکل خاص حول مدی صحة هذا الرأی فی حالة الدساتیر غیر المدونة کالدستور البریطانی ، ذلک ان الدستور العرفی ـ کما یذهب بعض الباحثین ـ یعتبر دستورا مرنا بطبیعته ، ولذلک فانه یفقد سموه وعلویته علی القواعد القانونیة الاخری ، وکأن هؤلاء الباحثین یربطون بین مسألة تدوین الدستور وجموده وبالتالی سموه وعلویته ، کما یربطون بین عدم تدوین الدستور ومرونته .

وعلی هذا یلاحظ اولئک الباحثون ان « الدستور العرفی هو دستور مرن بطبیعته ، لان نشوء عرف جدید لابد ان یعدل العرف القدیم وینسخه ، اما مرونة الدستور المکتوب فتتوقف علی الاجراءات التی یتضمنها عادة الدستور المکتوب والمتعلقة بتعدیل احکامه » ( (35) ) .

لقد علّقنا فی دراسة سابقة علی مثل هذا الرأی وذهبنا الی « ان الجمود لیس فی حقیقته الا نتیجة من نتائج العلویة ، . . . . ولیس مصدرا لها ، فنحن نستطیع بالتالی اعتبار الجمود دلیلاً علی العلویة ولیس سببا او مصدرا لها » ( (36) ) .

علی ان نسبة المرونة وسهولة التعدیل الی الدساتیر غیر المدونة قد یثیر اشکالاً مهما لدی البعض بالنسبة الی الدستور الاسلامی ( غیر المدون ) وهو احکام الشریعة نفسها ووجه الاشکال هو الذی تثیره تسمیة الاستاذ المودودی للدستور الاسلامی المتمثل باحکام الشریعة بانه دستور غیر مدون ، فاذا کان غیر مدون فهو مرن ، واذا کان مرنا فقد علویته وسمّوه وحاکمیته علی ما سواه من قواعد الضبط من قوانین واعراف وغیرها .

والحقیقة ان الاستاذ المودودی انما شبّه تشبیها احکام الشریعة الاسلامیة
(صفحه 308)

( کدستور ) باحکام الدستور البریطانی غیر المدونة ( العرفیة ) ووجه التشبیه مقصور فی الواقع علی التدوین وعدم التدوین ومأخوذ بمعنی ان تلک الاحکام ( احکام الشریعة الاسلامیة ) مثبتة فی الکتاب والسنة ولیست مستخرجة جمیعا ، وان استخراجها یحتاج الی جهد واجتهاد ومن ثم الی تدوین نتائج ذلک الاجتهاد وصیاغتها بشکل خاص .

والامر بالتأکید یختلف عن حال الدستور البریطانی العرفی ، لان نصوص الکتاب والسنة مدونة ولیست احکاما عرفیة .

و اما عند الشهید الصدر فقد عرضنا سابقا تمییزه بین تعابیر ( الشریعة الاسلامیة ) التی سماها دستورا بالمعنی الواسع ولم یقل عنها انها ( دستور غیر مدون ) وبین الدستور بالمعنی الضیق تمییزا لهما عن القوانین والتعلیمات التی تستقی من الدستور وتستمد صلاحیتها منه .

ان جمود احکام الدستور الاسلامی بمعناه الواسع ( ای احکام الشریعة الاسلامیة ) ورد ذکره فی عدة مواضع من کتابات السید الشهید ومنها الفقرة الاولی من الاساس الثامن من اصوله الدستوریة حیث قال : « احکام الشریعة الاسلامیة المقدسة هی الاحکام الثابتة التی بینت فی الشریعة بدلیل من الادلة الاربعة . . فلا یجوز فی هذه الاحکام ای تبدیل او تغییر . .» وینتقل هذا الجمود بشکل کبیر الی ( الدستور ) بمعناه الضیق ، ذلک انه یحتوی فی الجزء الاکبر منه احکاما شرعیة ثابتة لا تقبل التبدیل او التغییر ، واما الجزء الاخر من احکام الدستور بمعناه الضیق فلها ثبات نسبی بالمعنی الذی ذکرناه سابقا لکونها جزءا من وثیقة الدستور الثابتة فی معظمها ، ویمکن ان یظهر فی احکام الدستور ( المدون ) ما یضفی علی هذه القواعد صفة الثبات النسبی او المرونة بحسب الاحوال .

یقول السید الشهید فی لمحته الفقهیة التمهیدیة : « ان الشریعة الاسلامیة
(صفحه 309)

هی مصدر التشریع الذی یستمد منه الدستور ( بالمعنی الضیق ) وتشرع علی ضوئه القوانین فی الجمهوریة الاسلامیة وذلک علی النحو التالی : اولاً : ان احکام الشریعة الثابتة بوضوح فقهی مطلق تعتبر بقدر صلتها بالحیاة الاجتماعیة جزءا ثابتا فی الدستور سواء نص علیه صریحا فی وثیقة الدستور ام لا . ثانیا : ان ای موقف للشریعة یحتوی علی اکثر من اجتهاد یعتبر نطاق البدائل المتعددة من الاجتهاد المشروع دستوریا ویظل اختیار البدیل المعین من هذه البدائل موکولاً الی السلطة التشریعیة التی تمارسها الامة علی ضوء المصلحة العامة ، ثالثا . . . » ( (37) ) .

وواضح من تعبیرات السید الشهید توکیده علی تبعیة القوانین الادنی للدستور وسموه علیها ، کما هو واضح ایضا ثبات احکام الشریعة او جمودها بالتعبیر العصری ( (38) ) .

وقد قدّم السید الشهید للعبارات المذکورة المبرر الذی جعل من احکام الشریعة احکاما ثابتة فهی « الشریعة النازلة بالوحی من السماء » وانه « مادام اللّه تعالی هو مصدر السلطات وکانت الشریعة هی التعبیر الموضوعی المحدد عن اللّه تعالی فمن الطبیعی ان تحدد الطریقة التی تمارس بها هذه السلطات عن طریق الشریعة الاسلامیة » ( (39) ) ، فمصدر العلویة اذن ارادة اللّه سبحانه وتعالی ، وهذه العلویة هی سبب الجمود بالمعنی المتقدم ، وقد اوکل السید الشهید فی لمحته الفقهیة إلی « المرجعیة الرشیدة » تعیین الموقف الدستوری للشریعة الاسلامیة والبت فی دستوریة القوانین ( (40) ) .

ولابد ان نشیر هنا من جدید الی ان السید الشهید انما یثبت حقائق من حقائق الشریعة الاسلامیة الغراء التی جاءت لکل زمان ومکان وخاطبت الناس کافة ، وبذلک ، فان احکامها التشریعیة الثابتة ( دستور ) ثابت لا یمکن تغییره سواء وردت تلک الاحکام فی الدستور المکتوب أم لم ترد وعلی هذا سارت
(صفحه 310)

احکام دستور الجمهوریة الاسلامیة فی ایران الذی مهد له السید الشهید بلمحته الفقهیة فقد اوجب فی المادة الرابعة منه « ان تکون الموازین الاسلامیة اساس جمیع القوانین والقرارت . . » مشیرا الی ان هذا الحکم نافذ « علی جمیع مواد الدستور والقوانین والقرارات الاخری اطلاقا وعموما . . » کما نص فی آخر مواده علی ان « مضامین المواد المتعلقة بکون النظام اسلامیا وقیام کل القوانین والمقررات علی اساس الموازین الاسلامیة والاسس الایمانیة ، واهداف جمهوریة ایران الاسلامیة ، وکون الحکم جمهوریا وولایة الامر وامامة الامة ، وکذلک ادارة امور البلاد بالاعتماد علی الآراء العامة ، والدین والمذهب الرسمی لایران هی من الامور التی لا تقبل التغییر » .

وفی محاولة المستشار جریشة الدستوریة التی اشرنا الیها سابقا ، نقرأ فی المادة الاولی ان مشروعیة الاسلام هی العلیا فوق کل النصوص ، ونقرأ فی المادة 22 وجوب تشکیل محکمة دستوریة علیا من مهمتها ابطال کل ما یخالف الاعلان الدستوری اوای نص قطعی من الکتاب او السنة ، ونقرأ فی مذکرته الایضاحیة ان الوحی ـ قرآنا وسنة ـ هو فوق الدستور والاعلان الدستوری .

وعلی کل حال فانه ینبغی ان نتذکر ان اهم نتائج علویة وسمو الدستور ( (41) ) تتمثل فی :

1 ـ استقرار احکامه وثباتها مطلقا او نسبیا .

2 ـ مرجعیته بالنسبة لسلطات الدولة وما یصدر عنها من قواعد ضبط ، وبالنسبة للمؤسسات والافراد علی مختلف المستویات وفی مختلف الحقول .

3 ـ اقرار مبدأ الرقابة لتحقیق قانونیة الدولة من جهة ولتحقیق انسجام قواعد الضبط عمودیا وافقیا فی نظام حرکة متکاملة .
(صفحه 311)

وقد رأینا فی تأکیدات السید الشهید ما یحسم موضوع مرجعیة الدستور الاسلامی واستقرار وثبات احکامه ، کما قرأنا له تعیین الجهة التی تراقب دستوریة القوانین ، ولم یبق الا ان نلقی نظرة علی ما یشتمل علیه الدستور الاسلامی فی نظر السید الشهید من موضوعات سبق ان اقتصرنا علی ذکر عناوینها فیما سبق .
ثالثا : مضمون الدستور

سبق ان شخّصنا ثلاثة موضوعات یشتمل علیها دستور الدولة الاسلامیة فی نظر السید الشهید ، ولاحظنا ان ذلک لا یمنع من افتراض امکانیة شموله علی موضوعات اخری اساسیة تتصل بها اتصالاً وثیقا او تتفرع عنها ولکن مع التمتع بأهمیة متمیزة ، ذلک ان السید الشهید لم یضع حدودا لما یمکن ان یشتمل علیه الدستور ، کما لم یقل انه یشتمل علی کل شیء وانما استفدنا تلک الموضوعات مما کتبه السید الشهید عن الدستور ، وقد خلصنا فی حینها الی ان تلک الموضوعات هی ما درج علیه الوضعیون ایضا فی الدراسات الدستوریة وفی مشاریع الدساتیر التی یضعونها ، وها نحن نستعرض موقف السید الشهید من محتویات الدستور من خلال کتاباته المختلفة ولعل من المفید ان نذکّر بان السید الشهید لم یدرس موضوع القانون الدستوری کما یصنع المتخصصون وانما عرض التصور الاسلامی لأهم مشتملات الدستور والخلفیة الفقهیة لذلک من خلال الاحساس بالحاجة الاجتماعیة لمثل هذه البیانات ، وبالتالی فان ما کتبه لیس بحثا متخصصا فی القانون الدستوری وانما هو افکار اساسیة واوراق عمل اسلامیة موزعة فی کتبه رحمه‏الله .

اماالموضوعات الاساسیة الثلاثة التی سبقت الاشارة الیها فهی :

* ممارسة السلطة فی الدولة .

* الحقوق والحریات .
(صفحه 312)

* المضمون الفکری والتربوی .

و لما کنا افردنا مبحثا خاصا لدراسة الدولة وسلطاتها فاننا سنقصر الحدیث هنا علی الموضوعین الاخیرین :
الحقوق والحریات :

لیست الحقوق والحریات التی تحرص الدساتیر علی النص علیها مقصورة علی الجانب السیاسی ، وانما تتعدی ذلک الی الجانب الاجتماعی والاقتصادی ایضا . ولکل نظام من الانظمة التی تتبناها الدساتیر نظرته الی تلک الحقوق والحریات من حیث الاساس الفکری و السعة والضیق وما الی ذلک . وقد عنی السید الشهید عنایة خاصة بمقارنة ما علیه النظام الاسلامی بالحقوق والحریات فی النظامین الرأسمالی والاشتراکی باعتبارهما مدرستین منفصلتین تتوزعان انظمة دول العالم الی جانب النظام الاسلامی الذی کان قبل قیام الجمهوریة الاسلامیة فی ایران من ذخائر التاریخ تطبیقیا ( (42) ) .

و إذا کانت الاسس الفکریة لاسیما المقارنة هی فی الأصل أقرب الی مهمة الجزء الخاص بالدولة من هذا البحث فاننا نکتفی هنا ببعض اللمحات التی وردت فی کتابات السید الشهید عن موضوع الحقوق والحریات ، ولنذکر اولاً ان السید الشهید لم یهتم بوضع هیکل للحقوق و الحریات فی الدولة الاسلامیة ، مکتفیا فیما یبدو بما کان مورد الحاجة وقت کتابته من ناحیة ، وبأن دراسة الحقوق والحریات فی الاسلام لا تشکل عقبة کبیرة بعد بیان نقطتین رئیسیتین هما :

ـ ان المعین الدستوری للدولة هو الشریعة الاسلامیة وبالتالی فان احکام الحقوق والحریات کغیرها من الاحکام تستخلص بالطریقة التی سبقت الاشارة الیها فی اطار الثابت والمتغیر من الاحکام الاسلامیة .

ـ الکلیات والمبادئ المتعلقة بالموضوع .
(صفحه 313)

لقد عرض السید الشهید موقف کل من الرأسمالیة والاشتراکیة من موضوع الحقوق والحریات وبیّن مجموعة من المآخذ علی ذلک الموقف القائم علی « التفسیر المادی المحدود للحیاة » والذی ینبغی تطویره فی نظر الاسلام کحل وحید للمشکلة الاجتماعیة ، وقد عبّر السید الشهید عن دور الدین فی هذا المجال بانه « یوحّد بین المقیاس الفطری للعمل والحیاة وهو حب الذات ، والمقیاس الذی ینبغی ان یقام للعمل والحیاة لیضمن السعادة و الرفاه والعدالة » ( (43) ) ، وینتهی فی ذلک الی القول بان « الفهم المعنوی للحیاة والتربیة الخلقیة للنفس فی رسالة الاسلام هما السببان المجتمعان علی معالجة السبب الأعمق لمأساة الانسانیة » ( (44) ) .

و السید الشهید فی تأشیره للقواعد الفکریة وللمبادئ والکلیات فی الدولة الاسلامیة فی هذا المجال یثبّت :

ـ ان المقیاس الخلقی الجدید الذی یضعه الاسلام للانسانیة هو رضا اللّه‏ تعالی .

ـ الخط العریض فی النظام الاسلامی هو اعتبار الفرد والمجتمع معا وتأمین الحیاة الفردیة والاجتماعیة بشکل متوازن ( (45) ) .

ـ ان الدولة الاسلامیة دولة قانونیة تتقید بالدستور بمعنییه الواسع والضیق ( (46) ) .

بعد هذا یتوقف السید الشهید عند مفهوم الحریة ( (47) ) فی الاسلام مؤکدا علی ان قاعدة الحریة الاساسیة فی الاسلام هی :

« التوحید والایمان بالعبودیة المخلصة للّه، الذی تتحطم بین یدیه کل القوی الوثنیة التی هدرت کرامة الانسان علی مرّ التاریخ » ( (48) ) .

ومن هنا کان اختلاف الاسلام عن الحضارة الغربیة فی هذا الصدد ، وهو
(صفحه 314)

اختلاف علی صعید المقدمات کما هو علی صعید النتائج . یقول السید الشهید : « فالاسلام والحضارة الغربیة ، وإن مارسا معاً عملیة تحریر الانسان ، ولکنهما یختلفان فی القاعدة الفکریة التی یقوم علیها هذا التحریر ، فالاسلام یقیمها علی اساس العبودیة للّه‏ والایمان به ، والحضارة الغربیة تقیمها علی اساس الایمان بالانسان وحده وسیطرته علی نفسه ، بعد ان شکّت فی کل القیم والحقائق وراء الابعاد المادیة لوجود الانسان » ( (49) ) .

ولا یحصر السید الشهید مناقشته فی هذا الاطار بل انه یتعداه الی مفهوم الضمان ایضا ، ذلک ان الحریة والضمان بالشکل الذی عرضته الحضارة الغربیة المادیة : الرأسمالیة فالاشتراکیة یمثلان المقترحین الاساسیین للحضارة المذکورة لحل المشکلة الانسانیة واللذین تمحورت حولهما التشریعات المتعلقة بالحقوق والحریات فی الشرق والغرب .

فاما الحریة فقد أشار السید الشهید الی قاعدتها فی الاسلام کما قدمنا والی کرامة المواطن وحقه فی الحریة والمساواة والمساهمة فی بناء المجتمع ( (50) ) . واستطرد السید الشهید بعد اشارته الی حقیقة کون اللّه‏ سبحانه وتعالی مصدر السلطات جمیعا ، حیث تعنی لدیه « ان الانسان حر ولا سیادة لانسان آخر او لطبقة او لأی مجموعة بشریة علیه . . وبهذا یوضع حدّ نهائی لکل الوان التحکم واشکال الاستغلال وسیطرة الانسان علی الانسان . . » ( (51) ) .

وقد أشار السید الشهید الی الآلیات العملیة التی تجسّد دور الامة فی ادارة الدولة وتعیین من یتولی سلطاتها ( (52) ) کما سنری عند الحدیث عن الدولة ، کما ثبّت فی اللمحة الفقهیة الدستوریة کذلک مساواة افراد الامة امام القانون وحقهم المتساوی فی صدد ادارة شؤون الدولة واستثمار طاقاتها وثمار انشطتها کما نصّ علی حق المواطنین فی التعبیر عن الآراءالافکار وممارسة العمل السیاسی والشعائر الدینیة والمذهبیة ( (53) ) .
(صفحه 315)

ولم ینس السید الشهید فی هذا الصدد التأکید علی حق غیر المسلمین من المواطنین فی التمتع بما تقدم وسنری فی الحدیث عن الدولة تفاعل وتکامل اجزاء وجوانب الحیاة الاجتماعیة فی الدولة الاسلامیة .

وامّا فیما یتعلق بالضمان الاجتماعی فقد نصّ السید الشهید علی تکامله مع مبدأ التوازن الاجتماعی ( (54) ) ، وقد بحث الامر بشکل خاص فی کتاباته الاقتصادیة وقد ارجع هذین المبدأین الی احد الارکان الاساسیة للاقتصاد الاسلامی وهو مبدأ العدالة الاجتماعیة فقال : « الصورة الاسلامیة للعدالة الاجتماعیة تحتوی علی مبدأین عامین لکل منهما خطوطه وتفصیلاته أحدهما مبدأ التکافل العام والآخر مبدأ التوازن الاجتماعی » ( (55) ) ولا ینفصل الحدیث فی هذا عن الرکنین الآخرین للاقتصاد الاسلامی کما وضحهما السید الشهید ، فالرکن الاول یتعلق بحق التملک وقد تطرق فیه الی قاعدة ازدواجیة الملکیة فی الاسلام ( (56) ) ، والرکن الثانی هو مبدأ الحریة الاقتصادیة کما یراها الاسلام الذی یقیدها بعدد من القیم المعنویة والاخلاقیة ( (57) ) ویمزجا بمبدأ الضمان ( (58) ) وعلی کل حال فقد لخص السید الشهید الحق فی التنمیة والرفاه والتقدم بنقاط محددة منها : الضمان الاجتماعی الذی یکفل الحد الادنی من الرفاه لجمیع افراد المجتمع ، ومنها : التوازن الاجتماعی فی المعیشة بالتقریب بین مستویاتها ، وبین الدخول وذلک بالمنع من الاحتکار وترکز الاموال » ( (59) ) .

امّا دستوریة هذه النقاط فنستنتجها من اشارات السید الشهید فی اللمحة الفقهیة والاصول الدستوریة التی وضعها ومن تشدیده علی ان تحقیق تلک النقاط هو من الواجبات الاساسیة للدولة من خلال ادائها لواجبها فی تحدید وتطبیق العناصر الثابتة والمتحرکة فی الاقتصاد الاسلامی .

هذا وتکرّس تعبیرات السید الشهید الحق فی الضمان والمساواة فیه ، فهو یقول ان « الضمان الاجتماعی فی الاسلام حق من حقوق الانسان التی
(صفحه 316)

فرضها اللّه تعالی ، وهو بوصفه حقا انسانیا لا یتفاوت باختلاف الظروف والمستویات المدنیة ولا یختص بفئة دون فئة » ( (60) ) . وفی هذه المناسبة فقد اوضح السید الشهید ان الضمان فی الاسلام واجب علی الافراد تارة ضمن مبدأ التکافل العام لان کل مسلم مسؤول عن ضمان معیشة الآخرین ، وواجب علی الدولة تارة اخری ضمن مبدأ الضمان الاجتماعی نفسه وهو مبدأ « یقرر مسؤولیة الدولة فی هذا المجال ویحتم علیها ضمان مستوی من العیش المرفّه الکریم للجمیع من موارد ملکیة الدولة والملکیة العامة وموارد المیزانیة » ( (61) ) .

وفی هذا السیاق عدد السید الشهید امثلة من التزامات الدولة ( التی تمثل حقوقا للمواطنین ) فقال : ( تلتزم الدولة بتوفیر العمل فی القطاع العام لکل مواطن وباعالة کل فرد غیر قادر علی العمل او لم تتوفر له فرصة العمل وتقوم بجبایة الزکاة لتوفیر صندوق للضمان الاجتماعی کما انها تخصص خمس عائدات النفط وغیره من الثروات المعدنیة للضمان الاجتماعی وبناء دور سکن للمواطنین وفق تنظیم تضعه الدولة . وتلتزم الدولة بالانفاق وبکل أشکاله علی نحو یوفر لکل مواطن القدرة علی الاستفادة من المجال التعلیمی والصحی بدون مقابل وفقا لنظام تقرره الدولة ) ( (62) ) .
المضمون الفکری التربوی :

فی الفقرة الاخیرة من الاساس الاول من اصول الدستور الاسلامی « یلفت الشهید الصدر الانتباه الی ان الإسلام مبدأ کامل لانه یتکون من عقیدة کاملة فی الکون ینبثق عنها نظام اجتماعیشامل لأوجه الحیاة ویفی بأمسّ وأهم حاجتین للبشریة وهما : القاعدة الفکریة والنظام الاجتماعی » واذا کان هذا هو شأن الدستور بمعناه الواسع فان الدستور بمعناه الضیق لابد ان یتعدی مجرد وضع ـ نظام ـ لدولة المجتمع الاسلامی الی تکریس القاعدة الفکریة التی التی
(صفحه 317)

یقوم علیها ذلک النظام ، والحقیقة اننا سواء کنا فی حضرة دستور رأسمالی او اشتراکی او اسلامی او تلفیقی فان الاحکام الدستوریة لابد ان تکشف عن مضمون فکری ، لا من خلال الاحکام الخاصة بالحقوق والواجبات ومصدرها وحسب ، بل من خلال الاحکام الاخری الخاصة بشکل دقیق بکیفیة ممارسة السلطة ایضا وحتی تلک الأقل أهمیة من ذلک .

یقول العلامة الفرنسی موریس دیفرجیه : ان کل نظام سیاسی هو عبارة عن مجموعة من الاجابات موضوعة لکل واحد من الاسئلة التی یطرحها وجود وتنظیم الحکّام فی وسط هیئة اجتماعیة ما ( (63) ) .

وفی الحقیقة فاننا ، سواء کنا من القائلین بالطبیعة السیاسیة او الطبیعة القانونیة للقواعد الدستوریة مضطرون للقول بان تلک القواعد تکشف بنصها الحرفی او بمضامینها عن موقف فکری للحکم . . فواضعو الدستور یعبرون عن توجهات معینة للدولة التی یضعون دستورها . ولا یقدح فی ذلک انهم یطابقون فیما یذهبون الیه فی الاحکام الدستوریة التی یضعونها ما یذهب الیه ابناء الشعب او یخالفونهم . بل لیس من اثر لمطابقة ذلک لما یعتقدونه هم او مخالفته له ، انهم یعبّرون عن توجهات مرکز او مراکز القوة الماثلة فی الدولة التی یضعون دستورها .

فاذا سلمنا بوجود قاعدة فکریة للدستور هی عبارة عن فلسفة الحکم التی تؤمن بها القوة الکامنة ( او توازن القوی الکامن ) خلف احکام الدستور فان هذه الاحکام ستکون معبرة عن تلک الفلسفة حریصة علی تطبیقها وسیادتها فی الواقع العملی للمجتمع اذا لم تکن مطبقة فعلاً ، واذا کانت مطبقة فعلاً فستکون مهمة الاحکام المذکورة الحفاظ علیها وتکریسها و توسیع قاعدتها الاجتماعیة بل وحمایتها من کل خطر . وفی الحالین یبدو واضحا ان قواعد الدستور والقواعد القانونیة القائمة علیه لا تلعب دور المعبّر عن فکر معین
(صفحه 318)

وحسب بل تمارس دور توجیه المجتمع وتربیته بل وضبط مسیرته بالاتجاه الذی یفرضه ذلک الفکر ایضا .

من هنا فان التمییز الذی لجأ الیه العلامة دیفرجیه بین ما سمّاه « الدستور القانون » « la constitution-loi » وما سماه « الدستور البرنامج » « la constiution-proqramme » غیر مقنع فیما یتعلق بالنتیجة التی یؤدی الیها من نفی صفة التوجیه « أو المضمون التربوی کما عبرنا عنه » عن النوع الأوّل من الدساتیر « الدستور ـ قانون » والذی نجد نماذجه فی الدیمقراطیات الغربیة ، بینما یکون النوع الثانی « الدستور البرنامج » هو الشائع فی الدول ( المتخلفة ) وعموم الانظمة المرکزیة ، حیث یکون الدستور عبارة عن برنامج عمل لنظام الدولة ویستهدف الوصول فی النهایة الی اهداف محددة . کما ان هذا لا یبدو مناسبا للمقدمة التی ذکرها دیفرجیه واشرنا الیها قبل قلیل حول تعریفه للنظام السیاسی .

ولو رجعنا الی کتابات السید الشهید التی اشار فیها الی المضمون الفکری والتربوی لنظام الحکم الاسلامی لوجدناها عدیدة واضحة صریحة ، وهو حین عمد الی اسلوب المقارنة بین النظام الاسلامی وبقیة نماذج الانظمة التی عرفتها المجتمعات البشریة قد اوضح فی الوقت نفسه حقیقة کون الانظمة المذکورة ذات محتوی فکری واهداف تتجه الیها وتدفع المجتمع الیها بما تعتمده من وسائل وامکانیات تتفق مع فکرها المشار الیه .

امّا کتابات السید الشهید التی یمکن الرجوع الیها فی هذا الشأن فقد لا تخلو واحدة من کتاباته من شیء یتعلق بذلک ، غیر اننا نجد اشارات مباشرة وواضحة تحت العناوین الستة التی وردت فی کتاب « الاسلام یقود الحیاة » وکذلک فی الاصول الدستوریة المشار الیها سابقا ، وفی « المدرسة الاسلامیة » لا سیما تحت عنوان : الاسلام والمشکلة الاجتماعیة وتحت عنوان : موقف
(صفحه 319)

الاسلام من الحریة والضمان ، فضلاً عما ورد فی اقتصادنا وفلسفتنا ورسالتنا .

وها نحن نقتبس بعض تلک الاشارات لنتعرف علی کیفیة تناول السید الشهید للموضوع وحقیقة ما ینطوی علیه النظام الاسلامی من مضمون فکری وتربوی فی الاسس المعنونة « اصول الدستور الاسلامی » حیث یرکز السید الشهید علی اعطاء تعریف اولی للاسلام کمصطلح فیقول عنه انه « العقیدة والشریعة اللتان جاء بهما من عنداللّه‏ تعالی الرسول الاعظم( ص ) ونقصد بالشریعة مجموعة القوانین والانظمة . . التی تعالج الحیاة البشریة کافة : الفکریة منها والروحیة والاجتماعیة بمختلف الوانها من اقتصادیة وسیاسیة وغیرها » ( الاساس الاول ) .

ها هنا موجز للفکرة التی نبحثها تحت عنوان المضمون الفکری والتربوی للدستور . فقد سبق ان اشرنا الی المعنی الواسع للدستور عند السید الشهید وهو الشریعة ، وهذا الدستور قائم بدوره علی العقیدة أو هما رکنان متکاملان للاسلام لا یصلح أحدهما بدون الآخر .

وحین یقدم السید الشهید ایضاحاته عن انواع الدول ( فی الاساس الرابع ) ویعرف الدولة الاسلامیة بأنها : « هی الدولة التی تقوم علی اساس الاسلام وتستمد منه تشریعاتها بمعنی انها تعتمد الاسلام مصدرها التشریعی وتعتمد المفاهیم الاسلامیة منظارها الذی تنظر به الی الکون والحیاة والمجتمع » وهذا تعبیر آخر عن تلازم رکنی العقیدة والشریعة ووصف لهما حینما ینتقلان الی مجال التطبیق العملی ، فالنظام الاسلامی یحکمه ویضبط حرکته وعلاقاته الدستور ( الشریعة ) الذی یقوم علی قاعدة فکریة محددة هی العقیدة الاسلامیة التی تتلخص بالنظرة الکونیة التوحیدیة .

ویجمع السید الشهید بین عنصری الفکر والنظام حین یحرّر ( الاساس
(صفحه 320)

الخامس ) تحت عنوان : « الدولة الاسلامیة دولة فکریة » ویقول فی مزید من الایضاح ان : « من طبیعة الدولة الفکریة انها تحمل رسالة فکریة وکذلک الدولة الاسلامیة فانها دولة ذات رسالة فکریة هی الإسلام » .

ومن الطبیعی ان تکون من هموم الدولة الاساسیة التی تضمنها دستورها رعایة العقیدة والشریعة معا للتلازم القائم بینهما فی تعبیرهما عن الاسلام . فروح الدستور الاسلامی نظرته الکونیة التوحیدیة ، ومفرداته مطبوعة فی تنظیمها للدولة والمجتمع بتلک الروح بشکل لازم . ومن هنا کان اول الامور التی یثبتها السید الشهید فی لمحته الفقهیة الدستوریة القاعدة الاساسیة التی تقول : « ان اللّه‏ سبحانه وتعالی هو مصدر السلطات جمیعا ، . . . وان السیادة للّه‏ وحده وما دام اللّه‏ تعالی هو مصدر السلطات وکانت الشریعة هی التعبیر الموضوعی المحدد عن اللّه‏ تعالی فمن الطبیعی ان تحدد الطریقة التی تمارس بها هذه السلطات عن طریق الشریعة الاسلامیة ( و بالتالی ) فان الشریعة الاسلامیة هی مصدر التشریع بمعنی انها هی المصدر الذی یستمد منه الدستور وتشرع علی ضوئه القوانین فی الجمهوریة الاسلامیة . . . » .

هکذا تم الربط بین القاعدة العقائدیة الفکریة التی تشکل فلسفة فی النظام الاسلامیبین الدستور الذی یصوغ هیکل وحرکة الدولة الاسلامیة .

وتعود اهمیة هذا الربط لتظهر لا فی وضع القواعد الخاصة ( بالضبط الاجتماعی ) علی مستوی الراعی والرعیة فحسب بل فی ( التوجیه الاجتماعی ) ایضا بمعنی تجسید الاهداف الربانیة فی اقامة النظام والدفع باتجاهها ، ای تحقیق الرسالة الاسلامیة فی تنقیة المجتمع البشری والسمو به الی مدارج الکمال .

وعلیه فان المضمون التوجیهی والتربوی للدستور لابد أن یظهر بشکل جلی مجسدا اهداف الدولة الاسلامیة ، تلک الاهداف التی لخصها السید الشهید
(صفحه 321)

فی لمحته الفقیه أیضا وجاء فی جانب منها انها تتمثل فی :

ـ تطبیق الاسلام فی مختلف مجالات الحیاة .

ـ تثقیف المواطنین علی الاسلام تثقیفا واعیا وبناء الشخصیة الاسلامیة العقائدیة فی کل مواطن لتتکون القاعدة الفکریة الراسخة التی تمکن الامة من مواصلة حمایتها للثورة .

ان الدستور الاسلامی فی منظور السید الشهید لابد ان یتمیز عن کل الدساتیر الاخری بأنّه دستور لدولة القرآن و « ان دولة القرآن العظیمة ـ یقول السید الشهید فی لمحته الفقهیة الدستوریة ـ لا تستنفد اهدافها لان کلمات اللّه‏ تعالی لا تنفد والسیر نحوه لا ینقطع والتحرک فی اتجاه المطلق لا یتوقف » و فی هذه التعبیرات ما فیها من دلالات علی المضمون الفکری والتربوی فی الدستور الاسلامی الذی ینبغی له وفقا لتأکیدات السید الشهید ان یجسد مضمون خلافة الانسان علی الارض والخلافة کما یراها السید الشهید « حرکة دائبة نحو قیم الخیر والعدل والقوة ، وهی حرکة لا توقف فیها لانها متجهة نحو المطلق و ای هدف آخر للحرکة سوی المطلق ـ سوی اللّه‏ سبحانه وتعالی ـ سوف یکون هدفا محدودا و بالتالی سوف یجمد الحرکة ویوقف عملیة النمو فی خلافة الانسان » ( (64) ) .

واذا کانت کتابات السید الشهید تطفح فی تعبیراتها ومدالیلها بالمعانی المتقدمة فاننا قد وجدنا فی احد نصوصه اسطرا قلیلة تختصر العلاقة بین القاعدة الفکریة والعقائدیة وبین دستور الدولة الاسلامیة الذی یسطر اهدافها وفلسفة الحکم فیها ، ذلک ما قاله السید الشهید فی نهایة کلامة عن « الاسلام والمشکلة الاجتماعیة » اذ قال وهو یشرح رسالة الدین : « فالدولة الاسلامیة لها وظیفتان : احداهما تربیة الانسان علی القاعدة الفکریة ، وطبعه فی اتجاهه واحاسیسه بطابعها . والاخری مراقبته من خارج وارجاعه الی القاعدة الفکریة ،
(صفحه 322)

اذا انحرف عنها عملیا » . ویستطرد السید الشهید قائلاً : « ولذلک فلیس الوعی السیاسی للاسلام للناحیة الشکلیة من الحیاة الاجتماعیة فحسب ، بل هو وعی سیاسی عمیق مرده الی نظرة کلیة کاملة نحو : الحیاة والکون والاجتماع والسیاسة والاقتصاد والاخلاق ، فهذه النظرة الشاملة هی الوعی الاسلامی الکامل » ( (65) ) .

(صفحه 323)
مصادر البحث

1 ـ ابو السعود ، الدکتور رمضان : « الوسیط فی شرح مقدمة القانون المدنی » ج 1 الدار الجامعیة بیروت 1983 .

2 ـ الانصاری ، الدکتور مصطفی : « الرقابة علی دستوریة القوانین » بحث فی مجلة « العراق ، اوراق قانونیة » ع 1 ص 5 ـ 81 ، 1999 .

3 ـ بدیر ، الدکتور محمّدعلی : « المدخل لدراسة القانون » بغداد 1982 .

4 ـ جریشة ، المستشار علی : « اعلان دستوری اسلامی » ط 2 دار الوفاء ( المنصورة ـ مصر ) 1988 .

5 ـ الشاوی ، الدکتور منذر : « المدخل لدراسة القانون الوضعی » وزارة الثقافة والاعلام ، بغداد 1996 .

6 ـ شحاذة ، المحامی عبد الفتاح : « الدیمقراطیة بین النظریة العالمیة الثالثة والمفاهیم المعاصرة » ط 1 ، المرکز العالمی لدراسات وابحاث الکتاب الاخضر ، طرابلس 1986 .

7 ـ الصدر ، السید محمّدباقر : « اقتصادنا » ج 2 ط 2 المجمع العلمی للشهید الصدر 1408 ه .

8 ـ الصدر ، السید محمّدباقر : « الاسلام یقود الحیاة » وزارة الارشاد الاسلامی ، طهران ، ط 3/1403 ه .

9 ـ الصدر ، السید محمّدباقر : « المدرسة الاسلامیة » طبعة بیروت 1973 .
(صفحه 324)

10 ـ العانی ، الدکتور علی غالب ، ولطیف ، الدکتور نوری ، « القانون الدستوری » مقرر دراسی ج بغداد 1986 ـ 1987 .

11 ـ عبد الرزاق ، جعفر : « الدستور والبرلمان فی الفکر السیاسیالشیعی 1905 ـ 1920 » سلسلة قضایا اسلامیة معاصرة ـ 22 ، قم 1999 .

12 ـ القذافی ،العقید معمر : « الکتاب الاخضر » ، ط 11 ، طرابلس 1986 .

13 ـ المرکز الاسلامی للدراسات الاسلامیة ، « ثقافة الدعوة الاسلامیة » ج 4/1989 .

14 ـ الملاط ، شبلی : « تجدید الفقه الاسلامی ، محمّد باقر الصدر بین النجف وشیعة العالم » دار النهار للنشر ، ط1 بیروت / شباط 1998 .

15 ـ المودودی ، ابوالاعلی : « تدوین الدستور الاسلامی » . ط 8 مؤسسة الرسالة ، دمشق / 1980 .

16-DUverger Maurice :"les Regimes politiques " P.U.F-Que sais-je?

5e. ed. paris 1960.

(صفحه 325)
الهوامش

______________________________

( 1 )الوارد هنا هو مبحث الدستور أما مبحث الدولة فهو قید الانجاز .

( 2 )بدیر ، الدکتور محمّد علی « المدخل لدراسة القانون » : 222 ، الباب الثالث ، ط ـ بغداد ، 1982 م .

( 3 )أبو السعود ، الدکتور رمضان « الوسیط فی شرح مقدمة القانون المدنی » 1 : 141 ـ 142 ، ط ـ الجامعة البیروتیة 1983 م .

( 4 )المصدر السابق : 143 .

( 5 )الشاوی ، الدکتور منذر « المدخل لدراسة القانون الوضعی » : 35 ـ 40 ، ط ـ بغداد 1996 م .

( 6 )المصدر السابق .

( 7 )انظر محاضرته حول « تدوین الدستور الاسلامی » : 5 ، الطبعة الثامنة مؤسسة الرسالة ـ دمشق 1980 م . ( الطبعة الاُولی کانت فی عام 1953 فی القاهرة ) .

( 8 )المصدر السابق .

( 9 )الصدر ، السید محمّد باقر « الاسلام یقود الحیاة » : 1 ـ 91 ، إصدار وزارة الارشاد الاسلامی ، ط 2 طهران 1403 ه .

( 10 )الملاط ، شبلی « تجدید الفقه الاسلامی : محمّد باقر الصدر بین النجف وشیعة العالم » : 43 ـ 48 ، دار النهار للنشر ، بیروت ط 1 شباط 1998 .

( 11 )الاسلام یقود الحیاة : 33 .

( 12 )تجدید الفقه الاسلامی : 33 .

( 13 )المصدر السابق : 33 .
(صفحه 326)

( 14 )المصدر السابق : 45 .

( 15 )المصدر السابق : 44 ـ 45 .

( 16 )المصدر السابق : 44 .

( 17 )القذافی ، العقید معمر « الکتاب الاخضر » : 55 ـ 60 طرابلس ط ـ 11 ، 1986 م .

( 18 )المصدر السابق .

( 19 )شحاذة ، المحامی عبد الفتاح : « الدیمقراطیة بین النظریة العالمیة الثالثة والمفاهیم المعاصرة » : 137 ـ 139 المرکز العالمی لدراسات وابحاث الکتاب الاخضر ، ط ـ طرابلس 1986 م .

( 20 )راجع کتاب الملاط ، مصدر سابق : 15 وما بعدها و 272 والاسس التسعة : 31 ـ 48 ، وأما فی کتاب « ثقافة الدعوة الاسلامیة » الذی نشره المرکز الاسلامی للدراسات الاسلامیة 1989 ، الجزء الرابع فقد وجدنا أربعة اُسس اُخری ( من 10 الی 13 ) مؤرخة فی عام 1958 ، ولیس فی اوائل الستینات کما ذکر الملاط .

( 21 )تدوین الدستور الاسلامی ، مصدر سابق : 16 ـ 64 .

( 22 )صدر عن دار الوفاء للطباعة والنشر فی المنصورة عام 1980 ، واعید طبعه فی عام 1988 م .

( 23 )المصدر السابق : 5 .

( 24 )المصدر السابق .

( 25 )الانصاری ، الدکتور مصطفی : « فلسفة القانون عند الشهید الصدر » بحث معد للنشر .

( 26 )المدرسة الاسلامیة : 11 ، ط ـ بیروت 1973 م .

( 27 )تجدید الفقه الاسلامی : 34 .

( 28 )تحت عنوان تدوین الدستور الاسلامی والتی أشرنا الیها سابقا .

( 29 )المصدر السابق .

( 30 )راجع الآیة : 213 من البقرة .

( 31 )انظر بحثنا الموسوم « الرقابة علی القوانین الدستوریة » المنشور فی مجلة : « العراق اوراق قانونیة » العدد الاول : 5 ـ 81 ، لا سیما الفصل الأوّل منه .
(صفحه 327)

( 32 )انظر اللمحة الفقهیة الدستوریة للسید الشهید .

( 33 )راجع فی تحلیل القاعدة القانونیة : الدکتور رمضان أبو السعود ، مصدر سابق : 45 وما بعدها .

( 34 )راجع وجهة نظرنا فی مصدر علویة الدستور ونتائجها فی (الرقابة علی دستوریة القوانین) مصدر سابق .

( 35 )د . علی غالب العانی ، ود . نوری لطیف ، « القانون الدستوری » المقرر الدراسی لکلیة القانون والسیاسة ( جامعة بغداد ) قسم القانون الصف الاول 1986 ـ 1987 : 240 .

( 36 )الرقابة علی دستوریة القوانین ، مصدر سابق : 26 .

( 37 )الاسلام یقود الحیاة : 10 .

( 38 )یبین السید الشهید بعد هذا وجه المرونة فی ممارسة التشریع فی منطقة الفراغ .

( 39 )المصدر السابق .

( 40 )المصدر السابق : 12 .

( 41 )للتوسع راجع بحثنا المشار الیه سابقا « الرقابة علی دستوریة القوانین » .

( 42 )انظر کتابه « المدرسة الاسلامیة » : 11 ـ 149 .

( 43 )المصدر السابق : 90 .

( 44 )المصدر السابق : 94 .

( 45 )المصدر السابق : 93 ـ 98 .

( 46 )الاسلام یقود الحیاة : 17 .

( 47 )المدرسة الاسلامیة : 101 وما بعدها .

( 48 )المصدر السابق : 109 .

( 49 )المصدر السابق : 110 .

( 50 )الاسلام یقود الحیاة : 9 .

( 51 )المصدر السابق .

( 52 )راجع اللمحة الفقهیة فی المصدر السابق : 9 وما بعدها .

( 53 )المصدر السابق : 14 .
(صفحه 328)

( 54 )المصدر السابق : 14 ـ 15 .

( 55 )اقتصادنا 2 : 303 ـ 307 ، ط ـ 2 ـ 1408 .

( 56 )المصدر السابق : 295 ـ 298 .

( 57 )المصدر السابق : 298 ـ 303 .

( 58 )المدرسة الاسلامیة : 125 .

( 59 )الاسلام یقود الحیاة : 125 .

( 60 )المدرسة الاسلامیة : 128 ـ 129 .

( 61 )المصدر السابق : 128 ـ 131 .

( 62 )الاسلام یقود الحیاة ، صورة عن اقتصاد المجتمع الاسلامی : 53 .

( 63 )Duverger, Maurice...Les regimes poitiques .p.u.f.quc sais-je?paris. 1960 5eed.p9

( 64 )الاسلام یقود الحیاة ، خلافة الانسان وشهادة الانبیاء : 142 .

( 65 )المدرسة الاسلامیة : 97 ـ 98 .

منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » زمستان 1379 - شماره 20 (از صفحه 277 تا 328)
URL
 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010