الرئيسية الجزائیات حقوق المدنی حقوق الزوجة الجنسیة
حقوق الزوجة الجنسیة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الجمعة, 20 ديسمبر 2013 00:00
حب الله، حیدر
شهد القرن الحالی حرکةً نشطةً وواسعةً استهدفت إعادة النظر فی مختلف قضایا المرأة ، وقد ألقی هذا الأمر بظلاله علی الساحة الفکریة الإسلامیة مولّدا حرکةً فکریة اسلامیة أخذت علی عاتقها إعادة برمجة الرؤیة التی نحملها کمسلمین حول المرأة .

علی خط آخر أخذ موضوع الجنس حیزا کبیرا من جهود واهتمامات علماء القرن المیلادی العشرین سواء منهم علماء النفس أو الإجتماع أو الأخلاق أو الدّین أو . . .

وکنتیجةٍ طبیعیةٍ ومنطقیةٍ کان ملتقی هذین المحورین ـ أی المرأة والجنس ـ هو الآخر علی درجةٍ عالیةٍ من السخونة تبعا للحساسیّة التی یلعبها موضوعا المرأة والجنس بصورةٍ منفردة .

ومن هنا تبرز الحاجة لتحدید الموقف بدقّة إزاء مسألة العلاقة بین المرأة والجنس ، وتتکشّف علی هذا الأساس واحدة من المسائل الهامّة فی تحدید مفردة من مفردات هذه العلاقة وجانب من جوانبها ألا وهی مسألة الحق الجنسی للزوجة .
(صفحه 92)

وحیث إنّ علم الفقه ـ إسلامیا ـ هو العلم المعنیّ بتحدید موضوع الحقوق والواجبات ومفرداتهما کان موضوع الحق الجنسی للزوجة موضوعا فقهیا قانونیا بالدرجة الاُولی ، وإن کان ینبنی ویرتکز علی خلفیة فکریة ورؤیة فلسفیة للإنسان ، ومن هنا تبرز الحاجة إلی محاولة تأصیل موقف قانونی إسلامی من هذا الموضوع ، وهو ما سوف تحاول هذه الصفحات فعله .
التاریخ الفقهی للمسألة :

وقد أثارت هذه المسألة فی مسارها التاریخی مواقف علی المستوی الإسلامی إتسمت بشیء من التباین :

1 ـ أمّا علی مستوی فقه السنّة فقد ذُکرت عدة آراء فقهیة لعل أبرزها :

أ ـ وجهة نظر تری انّ حق المرأة یتمثّل فی مقاربة واحدة فقط طوال فترة الزوجیة وإن کان الأفضل للرجل أن یعفّها ، وقد نقل هذا الرأی عن أبی حنیفة النّعمان .

ب ـ إنّه لا حق لها أساسا وبصورة مطلقة ، وهو الموقف الذی تبنته مدرسة الإمام الشّافعی .

ج ـ إنّ حقّها یتمثل فی مقاربة واحدة کل أربع لیال ، وهو رأی مستظهرٌ من کلمات الغزالی ، وقد ذهبت إلیه المالکیة .

د ـ إنّ لها الحق مرّةً واحدةً فی کل طهرٍ ، کما هو رأی ابن حزم الظّاهری .

ه ـ إنّ لها الحق مرة واحدة کل أربعة أشهر ، کما هو رأی الحنابلة .

و ـ انّه لا تقدیر زمنی لهذا الحق ، وإنّما مناط المسألة هو تحقّق التحصین لها واکتفائها ، وهو رأی ابن تیمیة وله مؤیّدون فی وسط الباحثین المعاصرین فی الفقه السنّی أمثال الدکتور عبد الکریم زیدان ( (1) ) .
(صفحه 93)

2 ـ وأمّا الفقه الشیعی فوفق ما هو مطروح قد اتخذ ـ وبصورة عامّة ـ موقفا شبه موحّد ـ تاریخیا ـ إزاء مسألة الحق الجنسی للزوجة حیث ذهب إلی انّ لها حق الإتصال الجنسی علی زوجها مرة واحدة کل أربعة أشهر هجریة قمریة ، ولیس لها حق فی المقاربة زائدا علی ذلک .

وقد ذهب بعض الفقهاء ( رض ) إلی الزام الرجل بمقاربة زوجته أزید من هذا المقدار حسبما تقتضیه الظروف فیما لو کان اقتصاره علی مجامعتها مرة واحدة فی هذه المدة موجبا لوقوعها فی الحرام کالزنا ( (2) ) حیث یکون مطالبا بتجنیبها من الوقوع فی المعصیة ، استنادا إلی کونه مأمورا بأن یقی أهله من النار کما دلّت علیه الآیة الکریمة ( (3) ) « یا أیّها الذین آمنوا قوا أنفسکم وأهلیکم نارا وقودها الناس والحجارة » ( (4) ) .

غیر انّه قد ظهرت فی الفترة الأخیرة وجهة نظرٍ رافضةٍ لهذه الرؤیة فقهیا ، وقد حاولت وجهة النظر هذه أن توسّع من هذا الحق الجنسی للزوجة إلی الدرجة التی تماثل فیها حق الرجل ـ کزوج ـ جنسیا ، وذلک من دون إعطاء أی اعتبارٍ لفکرة وضع تحدید زمنی ما للمقاربة الجنسیة ( (5) ) .

والذی لابدّ من الترکیز علیه هنا کانطلاق للبحث هو أنّ الذی یبدو من الدراسات الفقهیّة أنّ المبدأ الأوّلی فی موضوع الحق الجنسی للمرأة هو عدم ثبوت حق لها فی ذلک ما لم تصل إلی درجة أن یصدق علیها انّها معلّقة ، وانّ فکرة الأشهر الأربعة جاءت فی مقام الإلزام لتضع حدا لتلک الرخصة العامّة الثابتة للرجل فیما یتعلق بحق زوجته الجنسی علیه ، لا لتجمّد من إطلاق أو عموم دلیلٍ ملزمٍ ثبت فی المرحلة السابقة ، والذی یشهد علی هذا الأمر هو انّ الفقهاء ( رض ) لم یتعرّضوا فی سیاق بحثهم إلی دلیلٍ إلزامیٍّ فوقانی حتی یقوموا بعرض أدلّة التحدید الزمانی علیه ویقایسوا نسبتها إلیه ، کما أنّهم ( رض ) قد قاموا بعدة مناقشات لأدلة التّحدید الزمانی بأربعة أشهر تؤکّد هذه
(صفحه 94)

المقولة ؛ فقد ناقشوا شمولها للزوجة غیر الشّابة أو اختصاصها بالشّابة أو شمولها للزوجة المنقطعة أو لمن سافر عنها زوجها أو . . . وهناک فی مقام استعراضهم هذا الموضوع اقتصروا علی دراسة المقدار الذی یثبته الدّلیل المحدّد للأربعة أشهر من دون أن یحاولوا إدخال أی دلیل إلزامی عام أو غیر عام مما یعزّز انهم لو کانوا یعتقدون بأصالة الإلزام هنا لرجعوا الیها ولم یترکوا الأمر للاُصول العملیة المؤمّنة .

وعلی أی حال فلابدّ من استعراض النظریّة المعروفة ـ أی نظریة التّحدید الزمانی ـ وما یمکن أن یثبتها من الأدلة ثمّ نطلّ علی النظریة الاُخری لمحاکمتها أیضا إن شاء اللّه‏ تعالی .
نظریّة التحدید الزمانی

وهی التی تحرّم علی الرجل ترک الإتصال الجنسی بزوجته ـ بالمعنی الکامل للکلمة ـ أکثر من أربعة أشهر هجریّة قمریّة ( (6) ) ، وقد ذهب إلیها جمعٌ من الفقهاء کالشیخ الطّوسی ( (7) ) والقاضی ابن البرّاج ( (8) ) وابن إدریس ( (9) ) والمحقق الحلّی ( (10) ) والعلاّمة الحلّی ( (11) ) وقطب الدّین البیهقی الکیدری ( (12) ) والشهیدین الأوّل ( (13) ) والثانی ( (14) ) والسیّد العاملی صاحب المدارک ( (15) ) والفیض الکاشانی ( (16) ) والمحقق النّراقی ( (17) ) والحرّ العاملی ( (18) ) والسید الیزدی ( (19) ) والمحقّق العراقی ( (20) ) والسید الحکیم ( (21) ) والسید الخوئی ( (22) ) والإمام الخمینی ( (23) ) قدس‏سرهم .

وقد وصف هذا القول فی کلمات الفقهاء بأنّه المشهور ( (24) ) والمعروف من مذهب الأصحاب ( (25) ) ، وانّه موضع وفاق ( (26) ) ، وأنّ علیه الإجماع ( (27) ) .

أدلة التحدید الزمانی :

وعلی أیّة حال فأبرز ما تعرضوا له أو ما یمکن ذکره من أدلّةٍ لتدعیم هذا
(صفحه 95)

القول وجوه هی :

الوجه الأوّل : التمسّک بالإجماع ، وعدم الخلاف ، ونحو ذلک من التعابیر التی تقدّم ذکرها ؛ فانّه کاشف عن الحکم الشرعی ( (28) ) .

وقد یناقش أوّلاً ـ بأنّ هذا الإجماع غیر واضح ، ولا یوجد وفق ما بأیدینا ما یؤکده ؛ وذلک انّ المهمّ فی تکوین کاشفیّة الإجماع هو الطبقة المتقدمة من الفقهاء ، وهؤلاء لا یظهر منهم ـ حسب تتبعی ـ أیّ موقف أو تعرّضٍ لفکرة من هذا القبیل ، فالشیخ المفید والسید المرتضی وابن حمزة وأبو الصّلاح الحلبی والشیخ الصدوق فی کتبه الفقهیّة ( (29) ) وإبن زهرة الحلبی وسلاّر الدیلمی وابن الجنید الاسکافی والحسن ابن أبی عقیل العمانی والجعفی ، وأیضا من المتأخرین المحقّق الأردبیلی والشیخ الهمدانی والسید العاملی ـ صاحب مفتاح الکرامة ـ وربما غیرهم ، لم أعثر لهم علی کلام فی أصل المسألة ، ومعه کیف نطمئن أو نجزم بانعقاد الإجماع علی هذا القول ؟

والذی یظهر أنّ أوّل من طرح هذه الفتوی فی کتبه الفقهیّة هو الشیخ أبو جعفر الطّوسی ( 385 ـ 460 ه . ق ) ( (30) ) ، ولا یظهر أیّ أثر لها قبله سوی الرّوایة التی رواها الشیخ الصدوق فی کتابه الحدیثی « من لا یحضره الفقیه » ( (31) ) ، ولو سلّمنا أنّ ما یذکره الشیخ الصدوق فی هذا الکتاب یمثّل موقفه الفقهی وفق ما توحی به مقدمة الکتاب فإنّ هذا لا یؤکد لنا انّه اختار هذا القول هنا ؛ لأنّ الروایة التی نقلها قابلة وبصورةٍ ملفتةٍ لتفسیرٍ آخر کما سیأتی ، ومعه کیف نتأکّد انّه قد فهم من هذا النص تلک الرؤیة المعروفة ؟

وبناءً علی ذلک لا یوجد ما یؤکد وجود مقولة بهذا المعنی بین متقدمی الفقهاء ما قبل الشیخ الطوسی فکیف نتأکد من اتفاقهم علیها ؟ کما انّ الذین
(صفحه 96)

ادّعوا الإجماع من الفقهاء لم یکن أقدم واحد فیهم سوی صاحب المسالک ( 911 ـ 965 ه . ق ) والذی تفصله مسافة کبیرة عن الشیخ الطوسی ( 385 ـ 460 ه . ق ) ولیس شخصا قریبا جدا من العصر الفقهی الأوّل حتی یکون کلامه بحکم المؤشّر القوی علی وجود هذه النظریة فی تلک الحقبة ، إذ قد یکون افتراضه الإجماع ناشئا من عدم احتماله مخالفة الطبقات اللاّحقة من الفقهاء لحکمٍ کان موجودا لدی الطبقة الاُولی ، سیما وأنّهم لم یشیروا إلی رؤیة اُخری هنا ، مما یعزز من احتمال أن یکون الموقف الفقهی القدیم متلائما مع ما ذهب إلیه الفقهاء اللاّحقون ، وافتراض أنّ الشهید الثانی قد اعتمد علی معطیات لا تتسم کلها بالحسیة لیس بالإفتراض البعید لمن خبر نمط تعامل الفقهاء ـ سیما المتأخرین ـ مع التحقیق التاریخی للفتاوی والأفکار الفقهیّة ( (32) ) . وهذا التحلیل الحدسی ـ لو تم ـ فهو قد یوحی بوجود هذه الفکرة ما قبل الشیخ الطوسی لکن مسألة الاجماع أو الشهرة تبقی غیر مؤکّدة .

وثانیــا ـ إنّ الإجماع هنا علی تقدیر واقعیته محتمل المدرکیة ، سیما وأنّ الروایة العمدة التی استند الیها الفقهاء فی إثبات الحکم فیما بعد کانت مرویّة فی کتب الحدیث المتقدمة ککتب الصدوق والطوسی ، مما یعنی کونها متداولة فی الوسط الفقهی تبعا لتداول التراث الحدیثی ککل فی هذا الوسط الأمر الذی یقوّی من احتمال اعتماد الفقهاء علیها فضلاً عن تصریح بعضهم بذلک مما یعنی مدرکیّة ( أو لا أقل الإحتمال ) هذا الإجماع وبالتالی سقوطه عن الحجّیة .

الوجـه الثانی : إعتماد أدلّة نفی العسر والحرج من جهة أو نفی الضرر من جهة اُخری ؛ وذلک انّ عدم مقاربة الرجل زوجته مطلقا موجب لوقوعها فی الضرّر ( (33) ) ، ولا أقل من الحرج الشدید ، وتبعا لذلک یتحتّم علی الرجل مقاربة
(صفحه 97)

زوجته مرة کلّ أربعة أشهر رفعا لهذین العنوانین .

وهذا الوجه ربما یناقش :

أوّلاً ـ بما أفاده السید الخوئی قدس‏سره من انّ قاعدة الحرج أو الضرّر إنّما تدور مدار الحرج أو الضرّر الشخصی لا النوعی ، ومعه لا یکون هناک معنی لإبراز تحدید نوعی بالأربعة أشهر ، إذ قد تقع امرأة فی الحرج أو الضرّر من تأخیر المقاربة شهرا واحدا وقد لا تقع اُخری فیهما ولو بستة أشهر ، ولازم ذلک إثبات الحکم بطریقة یدور معها مدار صدق هذین العنوانین فی الخارج علی الشخص نفسه کما هو المعهود والمتداول فی التعامل مع هذا النوع من الأدلّة ( (34) ) .

والذی یُحتمل هنا أن صاحب هذا الوجه المستدل به هنا ـ وهو الشیخ النجفی صاحب الجواهر ـ ربما اعتمد أو استأنس بما هو مدوّن فی مصادر أهل السنّة الحدیثیّة من تحدید عمر بن الخطاب المدة بأربعة أشهر بعد سؤاله النساء عن أکثر ما تصبر المرأة ( (35) ) ، کما لعلّه اعتمد علی استقراءٍ ما أجراه فی عصره ولو بطریقة عفویّة أو لاحظه فی مدوّنات عصره أو عصور سابقة أعطاه تصورا نوعیا غالبیا یسمح بوضع ضابطة عامّة یرجع إلیها .

ومن هنا یمکن أن یعزّز کلام السید الخوئی بإعادة صیاغته علی مستوی الصغری فیه وذلک انّ وضع ضابطةٍ عامّةٍ فی هذا المورد یعد أمرا صعبا حتی لو قبلنا من ناحیة کبرویّة بمبنی دوران عناوین الحرج والضرّر فی أدلّتهما علیهما کوجود نوعی فضلاً عن الشّخصی ، ذلک انّ افتراض ضابطة نوعیّة غالبة یتطلّب تجاهل العوامل والمؤثّرات الخارجیّة التی تلعب دورا بارزا فی رفع التوتّر الجنسی فی المجتمع فضلاً عن آحاد الأفراد ، فربّ مجتمع فی عصر واحد ونتیجة وجود وتوفّر مختلف وسائل الإثارة فی الصّحف أو غیرها من وسائل الإتصال کالتلفزیون والکمبیوتر والإنترنت و . . . فضلاً عن السّفور
(صفحه 98)

الفاحش والتدنّی الأخلاقی و . . . یکون التوتّر الجنسی فیه عالیا ، فقد یبلغ أطفاله الحلم باکرا نسبیا ، وتلعب المؤثّرات الخارجیّة فی إثارة حالة تهییج وتحریک غرائزیّ عامّ فی وسطه . . هذا المجتمع لا یمکن مقایسة الحالة النفسیّة والغریزیة فیه للمرأة بمجتمع محافظ قد انعدمت فیه ـ أو تضاءلت ـ فعّالیة الکثیر من هذه المؤثرات ، ( ومن الضروری هنا الإشارة إلی أنّ هذا المثال الذی ذکرناه لیس مطّردا ؛ لأنّ هناک فی وسط بعض الباحثین النفسیّین والإجتماعیین من یملک رؤیةً قد تکون عکسیّة ) هذا فضلاً عن انّ الإختلاف الزمنی له دور أیضا فی هذا الأمر فما یحدّد الیوم قد لا تتحمله ظروف وأوضاع الغد أو الأمس . . ومن هنا یصعب وضع ضابطة عامّة فی کثیر من الأحیان ، وهذا ما تؤکّده الدراسات النفسیّة والاجتماعیّة . . .

وعلیه فجعل المدار علی عنوان الحرج أو الضرر فحسب لا یثبت هذه الرؤیة الفقهیة بشکلها المتداول ، بید انّه ینفع فی رفع الید علی نحو المبدأ أو القضیّة المهملة ـ علی الأقل ـ عن أصالة البراءة والرّخصة .

ثانیــا ـ ما ذکره السید الخوئی أیضا من انّ قاعدتی نفی الحرج والضرر ترفعان الحکم الثابت ولا تثبتان حکما علی ما هو المقرّر فیهما ، وفی مورد بحثنا فقد تمّت الإستفادة من القاعدتین لإثبات حقٍ للزوجة والزامٍ علی الزوج وهو ما لا تشمله القاعدتان ( (36) ) .

وهذا الجواب مبنی علی اختصاص قاعدة لا ضرر برفع الحکم لا اثباته ، امّا من یری شمولها للموردین معا فلا تجری بحقه هذه المناقشة ، وعلی أیّة حال فالمسألة مبنائیة تقرأ فی علم الاُصول .

ثالثــا ـ إنّ القاعدتین إذا أثبتتا حکما فإنّما تثبتانه فی مورد الشخص الذی کان معرضا للحرج والضرر ، وإلاّ فلا یعقل أن یکون وقوع زید فی الحرج بسبب أمر ما موجبا لثبوت حکم إلزامی علی عمرو بدلیل نفی الحرج .
(صفحه 99)

وقد استخدم السید الخوئی رحمه‏الله هذه الصیغة فی إطار معیّن حین اعتبر انّ لازم تطبیق القاعدتین هو وجوب تزویج اللاّتی یقعن فی الحرج أو الضرر وهذا مما لا قائل به ( (37) ) .

ویناقش بأنّ الحصیلة المراد استفادتها من القاعدتین هی إثبات الحق للزوجة لأنّ الذی یقع فی طرف المواجهة هو حرمانها من هذا الحق ، فالذی تستلزمه القاعدتان هو اعطاؤها هذا الحق ، واعطاؤها الحق بمقتضی القاعدتین هو إثبات لحکم فی نفس المورد الذی عرض علیه الحرج ، وهذا لا یمنع من کون ثبوت هذا الحق قد استدعی أحکاما إلزامیة علی الطّرف الآخر ما دام لا یمکن للشّریعة أن ترفع الحرج الذی وقعت فیه المرأة إلاّ بذلک .

والذی یدفعنا إلی اعتبار المسألة مرتبطةً أولیا بموضوع الحق هو انّ مقاربة الزوجة لیس حکما تکلیفیا بحتا بحیث لو تخلّف عنه الرجل یؤثم حتی لو رضیت الزوجة وإنّما یأتی هذا الإلزام للرجل بتبع الحق الثابت للمرأة فعلینا أوّلاً أن نجری القاعدة علی هذا الحق وفق القواعد .

وقد یقال : انّ المسألة لیست محصورة بذلک بل یمکن جعل الطلاق هنا ولو برفع أمرها إلی الحاکم الشرعی .

والجواب : انّه لا موجب لرفع أمرها إلی الحاکم ما دام لا حقّ لها حسب الفرض حتی لو وقعت فی الضرر والحرج والاستعانة بالطلاق یحتاج إلی دلیل یشرعه فلا تُحل المشکلة به .

وبعبارةٍ اُخری إنّ التأمّل فی الشریعة وأحکامها المرتبطة بالزوجیّة فیما یخصّ المرأة یوجب أن ننظر إلی القاعدتین فی مورد الزوجیة بطریقة مغایرة لنظرتنا إلیهما فی الموارد الاُخری ، وللتوضیح نأخذ المثال التالی : لو وقع فلان من الناس فی حرج شدید بسبب فقره المادی فلا یتصور مثلاً لزوم مساعدته
(صفحه 100)

علی شخص آخر عملاً بقاعدة نفی الحرج ، وذلک لأن الشریعة قد فتحت المجال لرفع حرج الأوّل منهما بغیر الثانی فترجع مبرّرات الحرج إلی أسباب واقعیة لا شرعیة ، وبالتالی لا تشملها قاعدة نفی الحرج لأنّها تنفی الحکم الحرجی ـ بمعنی إضافة الشیء إلی معلوله ـ لا مطلق الحرج حتی الذی لا مسؤولیة للشّارع بما هو شارع عنه ، امّا فی موردنا فإن رفع الحرج لدی المرأة لا یکون وفق المقرّرات الشرعیة إلاّ بزوجها ، لأن المرأة قادرة علی رفع حرجها خارجا بغیر زوجها لولا المنع الشرعی الذی یلزمها هی من جهة ویکون مسؤولاً عن إلزام المجتمع لها من جهةٍ اُخری ، وبهذا صحّ أن یقال إنّ الشریعة التی حرمت المرأة من رفع حرجها بغیر زوجها ینحصر طریق رفعها للحرج بإلزام الزوج بکفایتها ونحوه مع استبعاد أن ترفعه بطریق الرّخصة بالزّنا ونحوه حسبما یعرف من مذاق الشارع ودرجة تشدّده فی ذلک ، ولا إشکال فی ذلک من ناحیة القاعدتین ، والشّاهد علی ذلک انّه لو ألقیت إلی العرف أحکام الزواج المتعلّقة بالمرأة وأطلعته علی حالة الحرج التی وقعت فیها ثمّ قلت له : إنّ هذا الدین لا حکم حرجی فیه ، لقال لک إنّ هذا تناقض واضح ، إذ کیف لا یوجد حکم حرجی علی المرأة هنا والحال أنّنا لم نثبت لها حقا جنسیا یذکر داخل العلقة الزوجیة کما حرمناها تشریعا من أی حق لإشباع رغبتها الجنسیة خارج إطار مؤسّسة الزواج ؟

ووفق ما تقدم ظهر أنّ هناک مقدارا تثبته أدلّة الحرج وهو الحکم بثبوت حق لها فی مورد الحرج الشدید ، وبالتالی یلزم الرّجل بالإستجابة لها حیثما تدّعیه ویحتمل فی حقها ونحو هذه الموارد .

الوجه الثالث : التمسک بأدلة الإیلاء ؛ وذلک بتقریب أنّ منح الحریّة للرجل المولی إلی أربعة أشهر شاهد علی انّه لیس للمرأة الحق فی المواقعة قبل ذلک ، وإلاّ لزم بطلان یمینه لکونه علی أمر محرم أو علی الأقل غیر راجح أو ما
(صفحه 101)

شابه . ویعزّز ذلک بصحیحة عمرو بن اُذینة عن بکیر بن أعین وبرید بن معاویة عن أبی جعفر وأبی عبد اللّه‏ علیهماالسلام أنّهما قالا : « إذا آلی الرجل أن لا یقرب امرأته فلیس لها قول ولا حق فی الأربعة أشهر ، ولا إثم علیه من کفه عنها فی الأربعة أشهر . . . » ( (38) ) .

ویناقش أوّلاً ـ إنّ الإیلاء وحق الزوجة الجنسی فکرتان متغایرتان ؛ لأنّ الأوّل حکم تعبّدی ثبت فی محلّه الخاص فلا یمکن التعدّی عنه إلی غیره ، ویعزّزه أن الأربعة أشهر فی الإیلاء إنّما تکون من حین المرافعة لا وقت الحلف ، وهذا ما ذکره السیّد الخوئی ( (39) ) .

ووفق صیغة اُخری ذکرها بعض المعاصرین أنّ مسألة الإیلاء ترجع إلی انّه کان یمثل فی العرف الجاهلی شکلاً من أشکال الطلاق ، فالشریعة أنظرت المولی إلی أربعة أشهر ورتّبت علیه أحکاما ، وأین هذا مما نحن فیه مما لا علاقة له بذلک الموضوع الخاص فی مورده ( (40) ) ؟

ثانیــا ـ إنّ مقتضی أدلّة الإیلاء علی أقصی تقدیر هو جریان أحکامه بعد الحلف علی أقرب تقدیر ، وهو زمان قد یکون مفصولاً عن آخر وقاع شهرا أو أکثر بقلیل أو کثیر أو أقل کذلک ، ومعه فتکون مدّة المجامعة المرخّص بها أزید من خمسة أشهر ، وهو مقطوع البطلان عندهم ، فهذا الدلیل لا یفید فی إثبات النظریة المعروفة ( (41) ) .

غیر انّه بعیدا عن مسألة القفز من فکرة الإیلاء إلی فکرة الحق الجنسی والتی یجاب عنها بما تقدم ، إلاّ انّه قد یستوحی من مفهوم صحیحة عمر ابن اُذینة انّ الرجل إذا لم یوقع إیلاء فللمرأة حق علیه فی الأربعة أشهر ، وهو ما قد یعزز فکرة التحدید الزمانی من خلال ادخال عنصر الأشهر الأربعة .
(صفحه 102)

إلاّ أنّ هذا الاستیحاء من مفهوم الروایة غیر واضح ، لأن أقصاه ثبوت حقّ لها فی الأربعة أشهر من دون تحدیده أو فقل هی لیست فی مقام بیان هذا الحق ، فقد یکون مرة واحدة وقد یکون أکثر ومعه فلا تتم فکرة التحدید الزمانی ، وامّا أخذ عنصر الأربعة أشهر فإنّما هو لخصوصیة الإیلاء الذی فیه مثل هذا العنصر ولا یفید دخالة عنصر من هذا القبیل فی الحق الجنسی .

الوجـه الرابع : وهو مجموعة روایات قد تطلّ علی الموقف هنا بصورة مباشرة وهی :

الروایة الاُولـی : ما رواه الشیخ الکلینی عن الصّادق علیه‏السلام قال : « من جمع من النساء ما لا ینکح فزنا منهنّ شیء فالإثم علیه » ( (42) ) .

وهذه الروایة قابلة للمناقشة :

أوّلاً ـ الضعف السّندی بالإرسال فإنّ محمّد بن جعفر أو جعفر بن محمّد رواها عن بعض رجاله عن الصادق علیه‏السلام ؛ فلا یبنی علیها حکم شرعی .

ثانیـا ـ انّها تثبت الإثم علی الزوج فی المورد الذی یفضی فیه عدم المقاربة إلی وقوع الزوجة فی الحرام ، وهو أخصّ من المدعی ؛ لأن من الممکن أن لا تقع الزوجة فی الزنا لتدیّنها أو غیره ، وبالتالی ففی هذه الحالة لا یطالب الزوج بمقاربتها أصلاً سواء بلغت الأشهر الأربعة أو أکثر .

ثالثـا ـ ما أفاده السید الخوئی من ظهورها فی التزوّج من المرأة بحیث لا یقربها أبدا ، لا انّه یقربها لمدّة محدودة وبالتالی فتکون الروایة أجنبیة عن موردنا ( (43) ) .

الروایة الثانیـة : صحیحة حفص بن البختری عن أبی عبد اللّه‏ علیه‏السلام قال :
(صفحه 103)

« إذا غاضب الرجل امرأته فلم یقربها من غیر یمین أربعة أشهر استعدت علیه ، فإمّا أن یفیء وإمّا أن یطلّق فإن ترکها من غیر مغاضبة أو یمین فلیس بمؤول » ( (44) ) .

فهذه الروایة أعطت حکما بالأربعة أشهر حتی لو لم یحلف الزوج بحیث انّه لیس لها أمر قبل تمام الأربعة أشهر .

ویناقش أوّلاً ـ إنّ الروایة علی أقصی تقدیر خاصّة بموارد المغاضبة فلیس لها تقنین عام لکافّة الحالات ، وخصوصیّة المغاضبة متعقّلة .

ثانیـا ـ إنّ الروایة تهدف إلی الإشارة إلی انّ قطع العلاقات الجنسیة من قبل الزوج عن مغاضبة تترتّب علیه أحکام تشمل إلزامه بالطّلاق علی تقدیر عدم الفیء ، وهذا أجنبی عن المورد هنا ، وذلک لأ نّه من الممکن ثبوت الحق الجنسی لها ولزوم المقاربة علیه عند مطالبتها لکن لا بحیث انّه لو لم یفعل أجبر علی أحد الأمرین ؛ فتکون الروایة بصدد الحدیث عن حالات المغاضبة المترافقة مع عدم أدائه حقها لا عن مبدأ الحق الجنسی لها وعدم أداء الزّوج الحق لمطلق سبب وفی کافة الظروف .

ثالثـا ـ إنّ المفهوم من الروایة ـ بلحاظ ذیلها ـ هو انّ المغاضبة ولو بدون وقوع الیمین تعدّ محکومة بحکم الإیلاء لأ نّه قال : « فإن ترکها من غیر مغاضبة أو یمین فلیس بمؤول » ولا معنی لهذا النفی إلاّ أن تکون المغاضبة ـ وبقرینة جریان نفس أحکام الإیلاء علیها بنصّ الروایة ـ من الإیلاء ولو حکما علی أقل تقدیر ، ومن هنا یمکن تسجیل بعض الملاحظات السابقة علی مسألة الإستدلال بالإیلاء هنا .

الروایة الثالثـة : وهی عمدة الإستدلال هنا ، وهی صحیحة صفوان بن یحیی عن أبی الحسن الرضا علیه‏السلام انّه « سأله عن الرجل یکون عنده المرأة
(صفحه 104)

الشّابة فیمسک عنها الأشهر والسنة لا یقربها لیس یرید الإضرار بها یکون لهم مصیبة یکون فی ذلک آثما ؟ قال : إذا ترکها أربعة أشهر کان آثما بعد ذلک » ( (45) ) .

وهذه الروایة تدل علی ترتّب الإثم بعد تحقق ترک الزوجة أربعة أشهر ، فلو لم یترکها أربعة بل ترکها ثلاثة فلا إثم علیه بمقتضی مفهوم الروایة المستفاد من کون الإمام علیه‏السلام فی مقام ذکر تحدیدٍ للمسألة .

لکن الروایة فی إطار الاستدلال بها هنا واجهت أو تواجه بعض المناقشات وهی :

المناقشة الاُولـی : الضعف السندی فلا یعتمد علیها ( (46) ) .

ولکن هذه المناقشة التی ذکرها صاحب المسالک غیر واضحة ؛ فإنّ الروایة قد رواها الشیخ الطوسی بطریقین أحدهما اسناده إلی صفوان نفسه وهو مذکور فی الفهرست وإن لم یتعرض له فی مشیخة التهذیب والإستبصار ( (47) ) ، وثانیهما اسناده إلی أحمد بن محمّد بن عیسی عن علی بن أحمد بن أشیم عنه ، کما رواها الصدوق فی الفقیه بإسناده إلی صفوان بن یحیی ( (48) ) ، والسند الثالث علی أقل تقدیر تام ـ أی سند الصدوق ( (49) ) ـ ویمکن تتمیم الاسنادین الآخرین أیضا وفق جملة مبانی رجالیة اُخری .

والذی یبدو انّ صاحب المسالک کان یقرأ الروایة فی التهذیب لأ نّه ذکر ذیل « إلاّ أن یکون بإذنها » ، وهذا الذیل غیر موجود إلاّ فی الروایة التی سندها هو السند الثانی هنا ، وهذا السند ضعیف وفق المبانی الرجالیة المعمول بها آنذاک ؛ لأن علی بن أحمد بن أشیم وصفه الشیخ الطوسی فی رجاله بأنّه مجهول ( (50) ) ، ولا طریق لتوثیقه إلاّ بناء علی وروده فی أسانید کامل الزیارات وفق المبنی المعروف فیها ، وهو مبنی حدیث الظهور نسبیا ویبدو انّه لم یکن
(صفحه 105)

له أثر زمن الشهید الثانی بل کان علی ما یظهر واحدا من نتاجات الفکر الاخباری الحدیث ، ومعه یمکن تبریر حکم الشهید الثانی بالضعف السندی للروایة من دون الأخذ بهذا القول ، فالروایة صحیحة سندا .

المناقشة الثانیـة : إنّها خاصّة بحالات وجود همّ ومصیبة عند الرجل « یکون لهمّ مصیبةٍ » ومعنی ذلک أنّ الرجل لا یرید الإضرار بزوجته ولا التخلّف عن مقتضیات حقّها ، وإنّما قد طرأ علیه طاری‏ء ألحق به الهمّ والحزن کوفاة والده وأشباه ذلک مما قد یکون تکلیف الرجل أثناءه بممارسة الجنس مع زوجته غیر منسجم مع ظروفه النفسیة ، وهذا الزوج قد رخّص له الشّرع فی عدم مقاربة الزوجة فترة أربعة أشهر کمدّة کافیة لذلک دون ما هو أزید ، شریطة أن لا یکون لدیه نیة الأذیّة للزوجة ، وعلی الزوجة الصبر تقدیرا لظروفه ، وأمّا ما عدا هذه الحالة فلابدّ من تلمس دلیلٍ له غیر هذه الروایة .

ویمکن تقریب خصوصیّة الحالة المفروضة فی الروایة من خلال ضمّ عبارة « لیس یرید الإضرار بها » إلی عبارة « فیمسک عنها الأشهر والسنة لا یقربها » ؛ وذلک انّه لا یحتمل أنّ شخصا لا یرید الإضرار بزوجته ولم یطرأ علیه طاری‏ء من سفر أو مرض أو همّ أو ما شابه ذلک ومع ذلک لا یقرب زوجته الشّابة ، إذ إنّ هذه فرضیّة نادرة جدا حیث لم یفرض سبب یبرّرها فی الروایة من سفر أو مرض أو نحو ذلک . . . وهذا یصلح شاهدا علی خصوصیّة المسألة ویشکل مانعا عن انعقاد دلالة شمولیّة فی النص .

ووفق ما تقدم ـ وحتی الآن ـ فقد تبین انّه لا یوجد دلیل واضح یمکن اعتماده کمرجع للحکم بالنظریة التی ذهبت لفکرة التحدید الزمنی وأنّ غایة ما تؤکده الأدلة المتقدمة هو ضرورة عدم وقوع الزوجة فی الحرج أو الحرام من عدم مواقعتها ، کما انّه علی تقدیر تمامیة هذه الأدلة بما یؤکد فکرة التحدید
(صفحه 106)

الزمانی لابدّ من مقارنتها بالأدلة التی تقام علی الفکرة المقابلة ـ وستأتی إن شاء اللّه‏ تعالی ـ لنجد کیف ستکون المحصلة النهائیة من مقاربة هاتین المجموعتین من الأدلة ؟
نظریّة المماثلة والمشابهة فی الحق

أی بین الرجل والمرأة کزوجین ، إذ کما هو معروف فقهیا فإنّ للرّجل الحق فی إشباع رغباته الغریزیّة من زوجته بصورة لا حدود لها إلاّ الحیض أو النفاس أو المرض أو بعض العناوین الطارئة ، وأنّ علی الزوجة تلبیة کافّة رغباته منها دون تلکّؤ ، وبمجرّد أن تمتنع ولو لمرّة واحدة تکون عاصیة ، وعلی رأی البعض وربما الکثیر من الفقهاء ناشزة أیضا تترتّب علیها أحکامها المعروفة مما یرتبط بالنفقة وغیرها .

وهذه الرؤیة المخالفة هنا تؤکد الحق للزوجة علی زوجها تماما کذاک الحق الذی له علیها مما یعنی التشابه والتماثل فی الحق الجنسی بینهما .

وأمام القائلین بهذه الصورة لحقّ المرأة هنا تقدیم أدلتهم وإلاّ فإنّ أصالة البراءة عن إلزام الزوج بموافقة زوجته کأصل حکمی أو عدم حق لها بذلک یمثّلان مرجعا یعتمد علیه ولا یعدل عنه إلاّ إلی النتیجة التی توصّلنا الیها فی البحث المتقدم حول مقولة التحدید الزمنی بناءً علی صحة ما تقدم .

کما تجدر الإشارة إلی أنّنا هنا سوف نفترض انّ حق الزوج الجنسی هو ما ذکرناه آنفا ، ولن نبحث فی هذا الحق ومدی صحته من ناحیة التوسعة والتضییق ، وبالتالی سوف نحاکم مقولة التماثل علی انّها تطابق هذا النوع وهذه الدرجة من الحق وإلاّ لو عدّلنا من تصورنا عن حق الرجل هنا أو تبیّن أنّ المؤیّدین لنظریة التماثل لا یقولون بثبوت حق للرجل بهذا المستوی فلربما تختلف نمطیّة البحث ، وقد تسقط بعض المناقشات الآتیة عن مستوی الصحة .
(صفحه 107)

وعلی أیّة حال فحاصل ما یذکر هنا لتأکید هذا الرأی وجوه هی :

الوجـه الأوّل : إنّ العلقة الزوجیة إنّما شرّعت بهدف تحصین الرجل والمرأة من الإنحراف الأخلاقی ، وهذا بنفسه یستدعی ثبوت الحق لها تماما کما هو ثابت له تحصیلاً لغرض الزواج ـ أو بعض الغرض منه ـ إذ کیف یتصور التّحصین للمرأة مع عدم إثبات حقّ لها فی العلاقة الجنسیة أو اثبات حق لها کأنّه بحکم العدم ؟ ! فإنّ مقولة التحدید الزمنی کما یطرحها الفقهاء لا تلزم الرجل إلاّ بإدخال مقدار الحشفة من العضو الذّکری فی فرج المرأة لا غیر ، بل اکتفی بعضهم بذلک فی الدبر من دون أن یلزم الرجل بمنحها إحساسا بالّلذة ، بل یکفی الإدخال ولو بمقدار الثّانیة الواحدة أنزل هو أم لم ینزل ، شعرت هی بالّلذة أم لم تشعر أصلاً فضلاً عن الوصول إلی مرحلة الکمال . . . ( (51) ) .

المناقشـة : وهذا الإستدلال جیّد من الناحیة المبدئیّة ومستفاد من الروح العامّة للتشریع فی مسألة العلاقة الزوجیة ویحتوی علی نزعة مقاصدیّة متقنة إلی حدّ بعید ، غیر انّه لا یثبت النتیجة المطلوبة والمفترضة ؛ وذلک أنّ التحصین قد یحصل ولو بمرتبة أقل من مطلق الإستجابة للزوجة عند مطالبتها بالمقاربة ، فإنّ امتناع الرجل أو المرأة أحیانا عن الإستجابة لرغبة الآخر منهما ـ لا بصورة دائمة أو غالبة أو کثیرة ـ لا یوجب رفع الحکمة من الزواج عند الشّارع إلاّ فی حالات نادرة جدا لعدم إفضاء هذه الحالة إلی وقوع الإنحراف الأخلاقی بالزّنا أو غیره . . . فهذا الدلیل أقصی ما یثبته هو لزوم کون کل طرف بحق الآخر إیجابیا فی الإطار العام ، لا أنّ کل فرد فرد من المطالبة یجب الاستجابة له کما هو الحال فی حق الرجل فقهیا وفق ما هو معروف .

الوجـه الثانی : النصوص العدیدة التی تؤکّد مقولة أنّ الغریزة الجنسیّة للمرأة تفوق غریزة الرجل وأنّها إن لم تزوّج تقع فی المفاسد ، وهذه النصوص هی :
(صفحه 108)

الروایـة الاُولـی : ما رواه الکلینی عن أبی عبد اللّه‏ علیه‏السلام فی حدیث قال : ـ أی رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم ـ « أیّها الناس ، إنّ جبرئیل أتانی عن اللطیف الخبیر فقال : إنّ الأبکار بمنزلة الثمر علی الشجر إذا أدرک ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس ونثرته الریاح ، وکذلک الأبکار إذا أدرکن ما یدرک النساء فلیس لهنّ دواء إلاّ البعولة ، وإلاّ لم یؤمن علیهنّ الفساد لأنّهنّ بشر . . . » ( (52) ) .

الروایـة الثانیـة : خبر عبد الرحمن بن سیّابة عن أبی عبد اللّه‏ علیه‏السلام قال : « إنّ اللّه‏ خلق حوّاء من آدم فهمّة النساء الرجال . . . » ( (53) ) . ونحوها خبر آخر رواه الواسطی ( (54) ) ، وثالث رواه إبن جمهور عن أبیه رفعه ( (55) ) ، ورابع رواه وهب ( (56) ) ، وخامس رواه غیاث بن إبراهیم ( (57) ) .

الروایـة الثالثـة : ما رواه الأصبغ بن نباتة قال : قال أمیر المؤمنین علیه‏السلام « خلق اللّه‏ عزّوجلّ الشّهوة عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء فی النساء وجزءا واحدا فی الرجال ، ولولا ما جعل اللّه‏ عزّوجلّ فیهنّ من الحیاء علی قدر أجزاء الشهوة لکان لکل رجل تسعة نسوة متعلّقات به ( (58) )، ونحوها ـ مع اختلافات ـ خبر ضریس ، وإسحاق بن عمّار ، وأبی بصیر ، ومسعدة بن صدقة ( (59) ) .

وهذه الروایات تشهد علی الموضوع الذی نعالجه لتؤکّد ـ ولو بطریقة غیر تقنینیّة ـ ضرورة إشباع غریزة الزوجة داخل مؤسّسة الزواج .

غیر أنّه قد یناقش فی هذه الروایات بمناقشتین هما :

المناقشة الاُولـی : وهی مناقشة سندیّة حاصلها : إنّ هذه النصوص ضعیفة السند فلا یعتمد علیها ، وهذه المناقشة قد تستوحی من صاحب هذا الوجه نفسه ( (60) ) .

غیر أنّ هذه المناقشة غیر وجیهة ، لأن بعض هذه النصوص وإن کان ضعیف السند ـ کما ذکر ـ کالخبر الأوّل بأحد طرقه ، وخبر إبن جمهور ،
(صفحه 109)

وخبر إسحاق بن عمّار ، وخبر أبی بصیر ؛ فإنّ هذه الأخبار جمیعها مرسلة ، کما أنّ خبر الواسطی ضعیف به ، وکذا خبر وهب ، غیر انّ خبر غیاث بن إبراهیم تام سندا ؛ لأ نّه مروی فی العلل عن أبیه عن سعد عن محمّد بن الحسین عن محمّد بن یحیی عن غیاث بعد تجاوز مشکلة انّه إبن أبی إبراهیم أو إبن ابراهیم ـ کما هو الأرجح ـ وکذا الحال فی خبر الأصبغ بن نباتة ومسعدة بن صدقة .

فإذا هناک البعض من هذه الأخبار صحیح سندا .

المناقشة الثانیـة : وهی مناقشة دلالیّة یفهم أیضا من صاحب هذا الوجه میله الیها ؛ ولهذا جعل هذا الوجه فی قوّة المؤید من دون أن یمنحه رتبة الدلیل ، وحاصلها أنّه لا توجد دلالة واضحة فی هذه النصوص ؛ لأن مرکز کلامها مختلف عن مرکز مسألتنا وإن کان مضمونها قابلاً لأن یسلّط الضوء علی ما نحن فیه ( (61) ) .

وقد یقال : إنّ هذه المناقشة تامّة من حیث المبدأ بمعنی انّها ـ أی الروایات ـ لا تستطیع أن تؤکّد صحّة هذه الرؤیة الفقهیّة لکنها قادرة علی أن تقدّمنا خطوة نحو الأمام بالنسبة للنظریة الاُولی المتقدّمة ؛ لأن الخبر الذی اشتمل علی مسألة أنّ همّة المرأة فی الرجل قد اشتمل عقیب هذه الفقرة علی جملة الأمر بالحبس فی البیت ، وهذا المقطع وارد فی خبر تامّ صحیح السند أیضا وهو خبر غیاث ، ومعنی ذلک أنّ من الضّروری سدّ حاجات المرأة تخوفا من فسادها نظرا إلی انّ الأمر بالحبس یمثل نموذجا تشریعیا للحیلولة بین المرأة والمعصیة .

غیر أنّ هذه المحاولة غیر واضحة لأنّها تعتمد علی مقدّمة خارجیة لم یکتنفها النص ، بل إنّ نفس الأمر بالحبس دون تعرّض لسدّ حاجات المرأة الغریزیة من شأنه أن یضعّف من أیّة محاولة للاستفادة من هذه النصوص لأن
(صفحه 110)

أمر الزوج بقضاء حاجات زوجته الغریزیة أو علی الأقل بأخذها بعین الإعتبار والإهتمام من الصعب تجاوزه فی مثل المقام والتعویض بدلاً عنه بالأمر بالحبس ، هذا کلّه باستثناء الروایة الاُولی التی تجعل الزواج حصانا للمرأة بضمیمة ما تقدم ذکره فی الوجه الأوّل هنا .

المناقشة الثالثـة : وهی مناقشة ربما تؤثّر علی قوّة الوجه الأوّل نفسه هنا وحاصلها انّ ههنا حلقة مفرغة ومفترضة لم یجر ملؤها ، وهی أنّ المشرّع فی هذه النصوص حیث اعترف بقوّة الحاجة الجنسیة للمرأة فلابدّ له أن یفرض بصورة إلزامیة علی الرجل مقاربة زوجته عند مطالبتها ونحو ذلک حتی لا تأخذ هذه الحاجة طریقا ومنفذا آخر مفضیا إلی الفساد ، فی حین أنّ هذه النصوص تنسجم مع رفع الإلزام عن الرجل إلاّ إذا خاف وقوعها فی الحرام ، لأن المستدل کأنّه یتصور أنّ رفع الإلزام التشریعی بالمواقعة یساوق رفع المواقعة بوجودها الخارجی مطلقا ، وکأنّ العلاقات الجنسیة الزوجیة لها دافع واحد وهو الشریعة نفسها ، وهذا خطأ فمن الممکن أن تکون الشریعة ـ فی الإطار النوعی ـ قد اکتفت بالدوافع الطبیعیة الغالبة عند الرجل من حیث المبدأ ، وبالتالی لا تکون هذه النصوص مؤشرة وبشکل تامّ علی الإلزام الشامل للرجل بحیث تکون المسألة شرعیا بحجم هذا القول ، وهذه الفکرة مبنیة علی مبنی کلامی اُصولی فی تدخّل الشریعة فی کافّة مرافق الحیاة حیث تفترض أنّ ما له دوافع طبیعیّة لا حاجة لتدخّل الشریعة فی أمره وإن کانت الشریعة ذات موقف فی الأمر من حیث ملاک الحکم وإرادته ، وهذا بحث لیس هنا مجال تحقیقه .

الوجـه الثالث : التمسک بقوله تعالی « فلا تمیلوا کلّ المیل فتذروها کالمعلّقة » ( (62) ) ذلک أنّ هذه الآیة الکریمة تفید النهی عن صیرورة المرأة کالمعلّقة مما یفید حرمة سلب المرأة حقوقها من النفقة وغیرها ، وترک الرجل
(صفحه 111)

مقاربة زوجته عند طلبها وحاجتها محقّق لهذا العنوان ( (63) ) .

والجـواب : إنّ ظاهر هذا العنوان ـ وإن کان شاملاً لغیر مورد النفقة وسلمنا بحکومة الآیة علی کافّة الأدلة الاُخری ـ إلاّ أنّ عنوان المعلّقة لا یعنی مطلق حالات حرمان الزوجة حقّها بل یختصّ بصورة الحرمان الذی یأخذ شکلاً خاصا یقرب من الهجران الکامل أو هو نفسه ، وامّا تخلّف الزوج أحیانا أو کثیرا عن بعض الحقوق بطریقة أو باُخری فلا یوجب صدق هذا العنوان هنا ، والذی یشهد لما تقدّم السیاق الوارد فی الآیة فإنّ المیل کلّ المیل قد وقع فی سیاق الحدیث عن مسألة العدل بین النساء والذی قد یغلب فیه بین الناس الإعراض الکامل أو شبه الکامل عن إحدی الزوجتین أو الزوجات .

إنّ مقتضی ظهور الآیة الکریمة هو حرمة جعل المرأة فی حالة وسطی بسبب تقصیر الزوج فی حقوقها بحیث بلغت حالة انّها لا تدری أهی فی زوجیّة أو انّها مطلّقة ؟ وهذا المقدار لا یفید لإثبات هذا الرأی هنا .

والذی یحتمل هو أنّ صاحب هذا الوجه قد ذکر جملة وجوه هدف من خلالها للخروج من دائرة النظریة المعروفة ولعل ما ذکره یحقّق له ذلک لکنّه لا یثبت البدیل الذی طرحه عن تلک الرؤیة الفقهیة ، فهذا الوجه المستفاد من هذه الآیة إذا قایسناه بالصورة الفقهیة ـ بقطع النظر عن سیاق تعدّد الزوجات ـ یمکن أن یصدق معه أنّ الرجل جنسیا یمیل کلّ المیل وأن زوجته بحکم المعلّقة من هذه الناحیة ، فاذا قبلنا أنّ الآیة إنحلالیة الدلالة إلی کلّ حقّ حقّ تمّ المطلوب هنا بهذا المقدار ، وإلاّ ـ کما هو الظاهر لأنّها بصدد الحدیث عن الإطار العام الحاکم علی الحیاة الزوجیة عموما ـ فلا تکون الآیة حینئذ مشتملة علی کثیر دلالة هامة علی ما نحن فیه .
(صفحه 112)

الوجـه الرابـع : التمسّک بقوله تعالی : « وعاشروهنّ بالمعروف » ( (64) ) حیث إنّ العشرة بالمعروف لا تکاد تصدق إلاّ مع ثبوت الحق لها جنسیا تماما کما هو له .

والجـواب : إنّ العشرة بالمعروف لیست أحادیّة الشکل والرتبة ، ومن الطبیعی انّه لا یراد من الأمر بالعشرة بالمعروف فی الآیة ضرورة التقیّد بتمام مراتبها حیث یعلم استحباب کثیر منها وعدم وجوبه ، وهذا یعنی أنّ الأمر هنا متوجّه علی ما یعدّ فی العرف العقلائی معروفا بحیث یکون عدمه موجبا لصدق عنوان العشرة بلا معروف أو العشرة بالسوء ، وهذا المعنی المستفاد من الآیة الکریمة لا یفید مماثلة الحق الجنسی بین الرجل والمرأة لأن عدم استجابة الرجل أحیانا ـ وربما کثیرا فی بعض الصور ـ لا یوجب صدق عنوان عشرة السوء بخلاف صورة التمرد الکامل أو الکثیر اللافت وأحیانا القلیل ، ومن هنا فهذه الآیة تدفعنا خطوةً کبیرةً نحو الأمام بالقیاس إلی نظریة التحدید الزمانی المتقدّم وقد تقترب من الرأی الآخر القائل بالمشابهة لکنها لا تثبته بالدقة وبتمام إمتداداته .

الوجـه الخامس : التمسّک بمفهوم کلّ من صحیحة عمرو بن اُذینة وصفوان بن یحیی المتقدمتین ؛ لأن الاُولی یفید مفهومها انّه لو لم یحصل إیلاء من قبل الرجل فإنّ للزوجة حق وقول فی الأربعة أشهر ، وبالتالی علیه إثم من کفّه عنها هذه المدة ، وامّا الثانیة فإنّ مفهومها یعطی انّه لو ترکها أقل من أربعة أشهر کان آثما فی صورة عدم وجود المصیبة والهمّ وفق الشرح المذکور لهذه الروایة سابقا .

والروایة الاُولی مفهومها بهذا الشکل تامّ ظاهرا لأنّها بصدد ذکر حکم محدّد ، غیر أنّ الروایة الثانیة قد یضعّف من قوّة هذا المفهوم فیها ، فإنّ شرط المنطوق ـ وهو وجود الهمّ والمصیبة ـ قد ورد فی کلام السائل لا فی جواب
(صفحه 113)

الإمام علیه‏السلام وهذا یعنی انّ جواب الإمام علیه‏السلام قد توجّه علی الفرضیّة التی اشتملها السؤال ، وهذا المقدار لا یعطی ظهورا فی أنّ الإمام علیه‏السلام قد لحظ فی جوابه الصورة العکسیّة لمفروض السائل ، فإنّ هذا الإحتمال بعید عرفا لأن المجیب یأخذ عادة مفروض السؤال بعین الإعتبار ولا یظهر من مفروض السؤال هنا صورة عدم الهمّ والمصیبة ، فلا معنی أو لا ضرورة ملزمة لتوجّه الجواب علی ما لا دلالة فی السؤال علیه .

لکن هنا تعلیق وهو أنّ هذین المفهومین یفیدان علی أقصی تقدیر أنّ للمرأة الحق فی الأربعة أشهر لکنّهما لا یدلاّن علی انّ هذا الحق هو بحیث یجب علی الزوج الإستجابة لزوجته دائما ، وبالتالی فهما ینسجمان مع ما تقدم من مدلول آیة العشرة بالمعروف ونحوها مما تقدّم ، کما قد یحتملان نظریة التحدید الزمانی من دون مرجح لأحد التصورین علی الأقل .

الوجـه السادس : التمسّک بقوله تعالی « ولهنّ مثل الذی علیهنّ بالمعروف » ( (65) ) وذلک بتقریب أنّ الآیة الکریمة تفید تشابه الحق الذی یثبت لهنّ مع الأمر المفروض علیهنّ ، وحیث إنّ المرأة ملزمة بتمکین نفسها للزوج عند رغبته فی ذلک فإنّه ـ وبمقتضی الآیة ـ یکون لها الحق فی استجابة الزوج لها عند رغبتها أیضا ، وإلاّ فإنّ مدلول الآیة لا یکون محققا .

غیر أنّ هذا الوجه یستدعی تساؤلین هما :

أ ـ إنّه ما هی الدرجة الواحدة التی یفارق فیها الرجل المرأة کما ورد فی الآیة الکریمة عقیب هذا المقطع الذی نقلناه آنفا مباشرة « وللرّجال علیهنّ درجة » ؟ فانّه إذا کان المراد من التماثل فیما لهنّ وفیما علیهنّ هو التماثل فی الجنس وفهمنا من الدرجة الواحدة الوحدة التامّة أی خصوصیّة واحدة تمیّز وتقدّم الرجل علی المرأة ، فإنّ هذا سوف یفضی بنا إلی ضرورة إبراز محاولات لتفسیر الکثیر من فوارق الحق بین الرجل والمرأة کموضوع الطلاق
(صفحه 114)

والحضانة والتعدّد الزوجی وغیر ذلک بعد افتراض أنّ هذه الدرجة هی القیمومة لتصریح النصّ القرآنی بها فی موضع آخر « الرجال قوّامون علی النساء » ( (66) ) وهذا تساؤل نقضی علی الطرف الآخر تفسیره وحلّه .

لکن هذا الإشکال النقضی المثار قد یکون قابلاً للحل ؛ وذلک بإرجاع أکثر أو کل العناوین إلی عنوان القیمومة ، فالطّلاق ونحوه یفسّر علی هذا الأساس وإن کانت بعض العناوین غیر واضحة فی إنطباق هذا التفسیر علیها ، وعلی أیّة حال فهذا بحث آخر متعلّق بذیل الآیة لیس هنا محلّه .

ب ـ إنّ الضمیر « لهنّ » فی الآیة یفترض رجوعه ـ کما یفهم من سیاق الآیة ـ إلی المطلّقات الرجعیّات ، فالآیة وردت علی الشّکل التالی « والمطلّقات یتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء ولا یحلّ لهنّ أن یکتمن ما خلق اللّه‏ فی أرحامهنّ إن کنّ یؤمنّ باللّه‏ والیوم الآخر وبعولتهنّ أحقّ بردهنّ فی ذلک إن أرادوا إصلاحا ولهنّ مثل الذی علیهنّ بالمعروف وللرجال علیهنّ درجة . . » ومن الواضح أنّ الضمائر ترجع إلی « المطلّقات » الواردة فی صدر الآیة .

ووفقا لذلک فلماذا افترض فی الآیة الکریمة أنّ هذا المقطع یمثّل قاعدة عامّة فی العلاقة الزوجیة مع انّه حکم مرتبط بالعلاقة مع المطلّقة الرجعیّة ؟ وبالتالی یکون معناه أن ما یفرض علی المطلّقة الرجعیّة من واجبات یکون بالمقابل لها حقّ بإزائها کالمبیت فی منزل زوجها والذی صرّح القرآن الکریم بوجوبه علیها ووجوب أن لا یخرجها الرجل من بیتها فترة العدّة إلاّ فی حالة إرتکابها الفاحشة المبینة ( (67) ) .

والذی یظهر بمراجعة التفاسیر ( (68) ) فی الآیة الکریمة انّها اعتبرت هذا المقطع متعلقا بالعلاقة بین الزوجین لا انّه خاصّ بالمطلّقة الرجعیة کما هو واضح من کلمات الکثیر من المفسرین ، والذی یفهم من بعض کلماتهم فی ذلک ـ وإن لم یطرحوا القضیّة کاحتمالین بل أرسلوا ما ذکروه إرسال المسلّمات ـ إنّ المقطع
(صفحه 115)

الذی یسبق موضع الشّاهد قد ذکر حق الرجل بإرجاع زوجته المطلّقة رجعیا فی العدّة ومعنی ذلک أنّ لکم إرجاعهنّ إذا أردتم الإصلاح فی ذلک لا الإضرار بهنّ وعلی تقدیره ـ أی الإرجاع وعودتها إلی علقة الزوجیة فهی إذن زوجة ـ فیکون لهنّ ما علیهنّ نعم لکم علیهنّ درجة . . . وبهذا یعمّم مدلول المقطع محلّ الشاهد .

ولم أعثر من بین کلمات المفسِّرین علی من احتمل رجوع الضّمیر إلی المطلّقات سوی إشارة عابرة من العلاّمة الطباطبائی قدس‏سره فی تفسیر المیزان حیث قال : « فالمراد بالجمیع معنی واحد وهو : أنّ النساء أو المطلّقات قد سوّی اللّه‏ بینهنّ وبین الرجال مع حفظ ما للرجال من الدرجة علیهنّ ، فجعل لهنّ مثل ما علیهنّ » ( (69) ) .

والصیغة التی وردت فی التفاسیر لتبریر تعمیم المقطع لا یوثق بها علی مستوی الظّهور العرفی ، لأنّها مجرّد محاولة وإلاّ فالمفترض رجوع الضّمیر إلی المطلقات ویکون معنی الدرجة هو أنّ قرار هذه المرأة فی الإمساک أو الإرسال هو بید الرجل .

ونحن وإن کنّا لا نجزم برجوعه إلی المطلقات بحیث لا ینفع فی الإستدلال هنا ، لکن علی الأقل لا یظهر بصورة یمکن الإتکاء علیها رجوعه إلی الزوجات لیمثّل قاعدةً زوجیةً عامّة .

وعلیه فالمتحصل من مجموع أدلّة الرأی الثانی أنّ للمرأة الحق فی الأقل من الأشهر الأربعة بما یحول دون انحرافها الأخلاقی ویعد فی العرف العقلائی معروفا ، أمّا الاستجابة التفصیلیّة بما لا یفسح المجال ولو بمخالفة واحدة فهذا غیر واضح ، ولعل صاحب الرأی الثانی یذهب إلی ما توصّلنا إلیه .

ولکن یبقی هنا انّه علی تقدیر تمامیّة أدلة القول الأوّل والثانی فما هو طریق
(صفحه 116)

الجمع بینهما ؟ انّه ودون الدخول فی مقایسة کلّ دلیل وما یقابله ، فإنّ المرجّح هو أدلة القول الثانی لأنّها أدلّة قرآنیة عامّة ومتعددة ، وفیها ما یبعد عنه إمکان التخصیص وهی أقوی من أدلة القول الأوّل حسب الظاهر .
نتیجة البحـث :

والنتیجة المستحصلة من مجموع ما تمت الموافقة علیه ـ کلاً أو مضمونا ـ مما تقدم هو انّ للمرأة حق المقاربة بما یزیل مبررات الانحراف الأخلاقی عندها أوّلاً ، وبما یعد فی العرف العقلائی معروفا بحیث یکون ترکه مصداقا للعشرة السیئة ثانیا ( (70) ) ، وهذه النتیجة تترتب علیها مجموعة نتائج أبرزها :

أوّلاً ـ انّ القضیة متحرکة ولا یوجد أی تحدید زمانی فیها ، بل تختلف باختلاف الأزمنة والأمکنة والظروف وطبائع النساء و . . .

ثانیـا ـ لا یعنی الحق الجنسی للزوجة أی صیغة إطلاقیة شاملة بحیث کلما أرادت وجب علی الزوج الاستجابة بل تتحرک القضیة ، فقد یکون امتناع ما محرما وقد یکون أکثر من امتناع غیر محرم تبعا لمدی صدق العشرة السیئة والظلم العقلائی ضمن إطار مؤسسة الزواج .

ثالثـا ـ لا تختلف القضیة سواء کانت الزوجة شابة أو غیر شابة کان الزوج مسافرا أو حاضرا وما شابه هذه العناوین ، بل القضیة تتبع ما تقدم من عناوین ، نعم بالنسبة للمنقطعة هناک مجال للتأمل لیس هنا بحثه فعلاً .

رابعـا ـ المقاربة والاتصال الجنسی هنا لا یعنی محض الادخال للحشفة ، بل یمتد لکل ما تقتضیه حیثیات العشرة الحسنة ورفع الانحراف الذی منه ما هو محرم غیر الزنا أیضا ، فقد یعبّر عن اتصال جنسی مکتمل ، ومن هنا تتحدد أیضا مسألة انّ المقاربة لابدّ أن تکون من قُبُل أو انّه یکفی الدبر ،
(صفحه 117)

فالقضیة متحرکة وتختلف باختلاف الطبائع والحالات النفسیة ولا یمکن وضع صیغة محددة ملزمة علی نحو إطلاقی ، بل قد تکون الاُمور مُجْزئة حتی ولو بدون المقاربة ـ أی ما یستبطن الإدخال ـ أحیانا .

خامسـا ـ انّ الحکم هنا تجری علیه کافة العناوین الحاکمة کعناوین الحرج والضرر والاضطرار و . . . ولیس فی المسألة قضاء أو أداء أیضا لعدم وجود إطار زمانی کما تقدم .

سادسـا ـ انّ نسق الأدلة المتقدمة هو کون المسألة مندرجة أوّلاً فی الحقوق ، وبالتالی فلیس الأمر حکما تکلیفیا إلاّ بتبع مطالبة ذی الحق بحقه ، فمع التنازل لکفایته وعدم الحاجة یسقط ، هذا واللّه‏ العالم بأحکامه .

(صفحه 118)
الهوامش

______________________________

( 1 )یراجع « الفقه علی المذاهب الأربعة » ومذهب أهل البیت ، عبد الرحمان الجزیری 4 : 309 ـ 311 ، وکذلک « الأحکام الشرعیة للأحوال الشخصیة » زکی الدین شعبان : 356 ـ 357 ، و « المفصّل فی أحکام المرأة والبیت المسلم فی الشّریعة » الدکتور عبد الکریم زیدان 7 : 241 .

( 2 )ذکره السید الیزدی فی العروة الوثقی 2 : 81 مخیرا بینه وبین الطّلاق إحتیاطا وجوبیا ، ولم یعلّق علیه الإمام الخمینی والسّادة الخوئی والگلبایگانی والشریعتمداری والقمی .

( 3 )مبانی العروة الوثقی ، کتاب النّکاح 1 : 149 ، محمّد تقی الخوئی ، تقریرات السید أبو القاسم الخوئی قدس‏سره .

( 4 )التحریم : 6 .

( 5 )کتاب النّکاح 1 : 33 ـ 38 ، 164 ـ 174 جعفر الشّاخوری ، تقریرات السید محمّد حسین فضل اللّه‏ ، ویراجع له أیضا دنیا المرأة : 93 ـ 94 .

( 6 )والسّبب فی کونها هجریةً قمریةً هو انّ النصوص حینما تستخدم کلمة الشّهر والسّنة فلابد من تفسیرها علی أساس إرادتها التحدید الهجری القمری ؛ لأ نّه هو المعروف آنذاک إذ لم یکن التأریخ الشمسی متداولاً فکانت هذه التعابیر دالّة علی المعنی المتقدّم .

( 7 )النهایة فی مجرد الفقه والفتاوی : 482 .

( 8 )المهذّب 2 : 223 .

( 9 )السرائر الحاوی لتحریر الفتاوی 2 : 606 .

( 10 )شرائع الإسلام فی مسائل الحلال والحرام 2 : 496 ، والمختصر النافع : 172 .
(صفحه 119)

( 11 )قواعد الأحکام 3 : 5 .

( 12 )إصباح الشیعة : 431 .

( 13 )اللمعة الدّمشقیة : 16 .

( 14 )الروضة البهیّة 5 : 104 ، ومسالک الأفهام 7 : 66 ـ 67 .

( 15 )نهایة المرام 1 : 61 .

( 16 )مفاتیح الشرائع 2 : 29 .

( 17 )مستند الشیعة 16 : 77 .

( 18 )ظاهر عنوان وسائل الشیعة إلی تحصیل مسائل الشریعة 20 : 14 .

( 19 )العروة الوثقی 2 : 810 ، ولم یعلق السّادة الخوئی والخمینی والگلبایگانی والقمی والشریعتمداری .

( 20 )یظهر من المحقق العراقی فی تعلیقته علی العروة : 302 .

( 21 )مستمسک العروة الوثقی 14 : 73 .

( 22 )منهاج الصالحین 2 : 260 ، ومبانی العروة الوثقی ، کتاب النکاح 1 : 142 ـ 149 .

( 23 )تحریر الوسیلة 2 : 216 .

( 24 )مستند الشّیعة 16 : 77 .

( 25 ) المصدر السابق ، ونهایة المرام 1 : 61 .

( 26 )مستند الشیعة 16 : 77 ، ومسالک الافهام 7 : 66 .

( 27 )مفاتیح الشرائع 2 : 290 ، ومستند الشیعة 16 : 78 ، والجواهر 29 : 115 .

( 28 )صرّح به فی مفاتیح الشرائع 2 : 290 .

( 29 )ونقصد بها المقنع والهدایة .

( 30 )جاء فی کتابه النهایة : 482 « ولا یجوز للرجل أن یترک المرأة ولا یقربها أکثر من أربعة أشهر ، فإن ترکها أکثر من ذلک کان مأثوما » .

( 31 )وستأتی الروایة وهی صحیحة صفوان بن یحیی .

( 32 )لا نرید هنا نفی هذه النظریة فی تلک الحقبة الزمنیة ، وإنّما نرید القول بأنّه لا یوجد بأیدینا ما یؤکّدها .
(صفحه 120)

( 33 )قد یناقش فی أصل جریان قاعدة الضرر هنا باعتبار عدم تحقق موضوعها ، إذ الضرر هو النقص فی النفس والمال والأطراف ونحوها ، والفقهاء کثیرا ما یتحفظون عن التوسعة أکثر .

( 34 )مبانی العروة الوثقی : 143 .

( 35 )جواهر الکلام فی شرح شرائع الإسلام 29 : 115 ـ 116 الشیخ محمّد حسن النّجفی ، کما ذکر القصّة أیضا فی تفسیر « من وحی القرآن » طبعة دار الملاک 4 : 275 نقلاً عن موطّأ مالک بن أنس ، وحاصلها انّه خرج عمر بن الخطاب فی اللیل فسمع امرأة تقول :

تطاول هذا اللیل واسودّ جانبه     وأرّقنی أن لا خلیل ألاعبه
فواللّه‏ لولا اللّه‏ أنّی أراقبه     یحرّک من هذا السّریر جوانبه
فسأل عمر إبنته حفصة کم أکثر ما تصبر المرأة عن زوجها ؟ فقالت : ستة أشهر أو أربعة أشهر ، فقال عمر : لا أحبّ أحدا من الجیوش أکثر من ذلک .

( 36 )مبانی العروة الوثقی : 143 .

( 37 )المصدر السابق .

( 38 )وسائل الشیعة 22 : 342 ، ب 2 من أبواب الإیلاء ، کتاب الإیلاء والکفارات ، ح 1 .

( 39 )مبانی العروة الوثقی : 142 .

( 40 )کتاب النکاح للشّاخوری ، المصدر السابق 1 : 166 ، وصرّح بکون الإیلاء طلاقا فی الجاهلیة جملة من الفقهاء کصاحب الجواهر فی جواهره 33 : 297 ، والسید الروحانی فی « فقه الصادق » 23 : 179 .

( 41 )مبانی العروة : 143 .

( 42 )وسائل الشیعة 20 : 141 ، ب 71 من أبواب مقدمات النکاح وآدابه ، ح 2 .

( 43 )مبانی العروة الوثقی : 143 .

( 44 )وسائل الشیعة 22 : 341 ، ب 1 کتاب الإیلاء ، ح 2 .

( 45 )المصدر السابق : ح 1 . وقد اعتمده المفاتیح والمستند والمستمسک ونهایة المرام ، راجع المصادر السابقة لهذه الکتب .

( 46 )مسالک الافهام 7 : 66 .
(صفحه 121)

( 47 )راجع المشیخة فی الوسائل 30 : 129 ـ 144 ، وأیضا معجم رجال الحدیث للسّید الخوئی 9 : 125 رقم : 5922 .

( 48 )والأسانید الثلاثة مذکورة فی الوسائل ، المصدر السابق .

( 49 )والسند هو عن أبیه عن علی بن ابراهیم بن هاشم عن أبیه عن صفوان کما ورد فی الوسائل ، الخاتمة 30 : 61 رقم 156 مشیخة الصدوق .

( 50 )معجم رجال الحدیث 11 : 248 رقم 788 .

( 51 )کتاب النکاح للشّاخوری ، المصدر السابق .

( 52 )وسائل الشیعة 20 : 61 ، ب 23 من أبواب مقدمات النکاح وآدابه ، ح 2 .

( 53 )المصدر السابق : ح 4 .

( 54 )المصدر السابق : ح 5 .

( 55 )المصدر السابق : ح 6 .

( 56 )المصدر السابق : ب24 ، ح 1 .

( 57 )المصدر السابق : ب 24 ، ح 5 .

( 58 )المصدر السابق : ب 23 ، ح 7 .

( 59 )المصدر السابق : ح 8 ـ 11 .

( 60 )کتاب النکاح للشّاخوری ، المصدر السابق : 34 .

( 61 )المصدر السابق .

( 62 )النساء : 129 .

( 63 )کتاب النکاح للشّاخوری ، المصدر السابق : 168 ، هذا وذکر فی بعض التفاسیر أنّ المراد بالمیل کلّ المیل هو إظهار تفاوت المیل القلبی فی الفعل والقول ، کما ذکره الرّازی فی تفسیره 11 : 68 ، والنووی فی تفسیره أیضا 1 : 177 .

( 64 )النساء : 19 . واستدل بها فی کتاب النکاح للشّاخوری ، المصدر السابق . هذا وفی تفسیر الکشّاف 2 : 45 ، والنووی 1 : 144 أنّ معنی الآیة الشریفة هو النّصفة فی المبیت والنفقة والإجمال فی القول ، وفی تفسیر البغوی 1 : 409 انّه « الإجمال فی القول والمبیت والنفقة ، وقیل : أن یصنع لها ما تصنع له » .
(صفحه 122)

( 65 )البقرة : 228 ، واستدل بها فی کتاب النکاح ، المصدر السابق .

( 66 )النساء : 34 .

( 67 )الطلاق : 1 .

( 68 )یراجع « زبدة البیان فی براهین أحکام القرآن » للأردبیلی : 747 ، ومجمع البیان للطبرسی 1 : 575 ، وکنز العرفان للمقداد السیوری 2 : 258 والتفسیر الکبیر للفخر الرازی 6 : 94 ، وتفسیر القرطبی 3 : 82 ، وتفسیر البغوی 1 : 205 ، وتفسیر الماوردی « النکت والعیون » 1 : 292 ط ـ دار الکتب العلمیّة ، وتفسیر ابن الجوزی 1 : 261 ، والتفسیر المنیر للدکتور وهبة الزحیلی 2 : 321 ، وتفسیر ابن کثیر 1 : 271 ، والدر المنثور للسیوطی 1 : 661 ، وتفسیر النسفی 1 : 114 ، 115 ، والکشّاف للزمخشری 1 : 442 ط ـ العبیکان ، الریاض 1998 م ، والتبیان للطوسی 2 : 241 ، ومواهب الرحمان للسبزواری 4 : 18 ، 19 ، والکاشف للشیخ محمّد جواد مغنیة 1 : 343 ، والوجیز لإبن أبی جامع العاملی 1 : 187 ، والأمثل للشیخ ناصر مکارم الشیرازی 2 : 98 ، وتفسیر المنار للشیخ محمّد رشید رضا 2 : 375 ، وکنز الدقائق للمشهدی 2 : 344 .

( 69 )المیزان فی تفسیر القرآن ، العلاّمة الطباطبائی 2 : 232 .

( 70 )کما أنّ هناک نتائج اقتضتها بعض الأدلّة المتقدّمة یمکن استبطانها فی هذین العنوانین أو أحدهما کأدلّة نفی الضرر والحرج .
منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » بهار 1380 - شماره 21 (از صفحه 91 تا 122)

آخر تحديث: الجمعة, 20 ديسمبر 2013 19:47
 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010