الرئيسية الجزائیات حقوق المدنی عقود الإذعان
عقود الإذعان PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 03 أكتوبر 2010 16:25

 الجواهری، حسن
ما هی عقود الإذعان فی النظم التجاریة ؟
إنّ عقود الاذعان ( کما فی عقود شرکات التأمین والنقل وعقود المرور وشرکات الغاز والمیاه ومصالح البرید وغیرها ) بلغة الحقوق الحدیثة هی کبقیة العقود متکونة من إیجاب وقبول ورضا الطرفین ، إلاّ أنّ القبول یتمیّز بأنّه مجرد اذعان لما یملیه علیه الموجب ، ویسمّی هذا العقد فی الفرنسیة ( عقد الانضمام ) حیث إنّ من یقبل العقد إنّما ینضمّ إلیه دون أن یناقشه ، إلاّ أنّ الاستاذ الدکتور السنهوری آثر تسمیته فی العربیة بـ « عقد الاذعان » لما یشعر به هذا التعبیر من معنی الاضطرار فی القبول ، وقد شاعت هذه التسمیة فی اللغة القانونیة من فقه وقضاء ( (1) ) .

ویتمیّز الایجاب فی عقود الاذعان بأنّه معروض بشکل مستمر إلی کافّة الناس ، بمعنی ان یکون الایجاب ملزما بالنسبة للموجب إلی مدة أطول بکثیر من المدة التی یلزم فیها الایجاب فی العقود المعتادة إلاّ أن یتغیّر هذا الایجاب بتعدیل فی هذا النظام .

وکذا یتمیّز الإیجاب بکونه واحدا بالنسبة لجمیع الناس ، ویکون ملزِما للمتعاقد وإن لم یطلّع علی شروط العقد ما دام أنّه یتمکن أن یطلع علیها لأنّها مطبوعة فی متناول اطلاعه ، فیتقیّد بالشروط المطبوعة حتی من کان اُمّیا لا یعرف القراءة ( (2) ) .
(صفحه 150)

وقد نصّت المادة ( 100 ) من القانون المصری الجدید فقالت : « القبول فی عقود الاذعان یقتصر علی مجرد التسلیم بشروط مقررة یضعها الموجب ولا یقبل المناقشة فیها » فالقابل للعقد لم یصدر قبوله بعد مناقشة ومفاوضة ، بل هو فی موقفه من الموجب لا یملک إلاّ أن یأخذ أو أن یدع ، ولما کان فی حاجة إلی التعاقد علی شیء لا غناء عنه فهو مضطرّ إلی القبول ، فالرضا بالعقد موجود ولکنه مفروض علیه ( (3) ) .
أقـول :

1 ـ انّ هذه العبارة جمعت بین أن یکون العقد مضطرا إلیه ومفروضا علیه ، ولعلّ مراده أن العقد مضطر إلیه ومکره علیه ، وسوف نری الفرق الواسع بین الاضطرار إلی العقد والاکراه علیه .

2 ـ ثمّ انّ هذا الضرب من الاذعان للعقد والاکراه للقبول لیس هو الاکراه الذی یوجب عیبا فی رضا المتعاقد ، لأنّ هذا الاکراه لم یکن صادرا من الموجب ، بل هو اکراه متّصل بعوامل اقتصادیة ؛ ولذا ذکرت المذکرة الإیضاحیة للمشروع التمهیدی للقانون المصری الجدید :

إنّ عقود الاذعان هی ثمرة التطور الاقتصادی فی العهد الحاضر ، فمن حقها أن یُفرد لها مکان فی تقنین یتطلّع إلی مسایرة التقدم الاجتماعی الذی أسفرت عنه الظروف الاقتصادیة .

وفی رأی بعض الفقهاء : أنّ عقود الاذعان هی سِمة بارزة من سمات التطور العمیق الذی أصاب النظریة التقلیدیة للعقد ( (4) ) .

أقـول : توضیح ذلک : إنّ النظریة التقلیدیة للعقد تقول : بأنّ الأصل فی العقود ( سواء کانت مکتوبة أم غیر مکتوبة ) هو عقود التراضی التی تتم وفقا للرضا التام بین الطرفین فی تحدید محل العقد وشروطه بلا اضطرار ولا اکراه
(صفحه 151)

حتی بالمعنی الاقتصادی ، حیث تکون السلع والمنافع متوفرة معروضة ، ومصادرها متنوعة من تجّار أو شرکات تقوم بتسویقها وتوفیرها ، فالمنافسة موجودة بین الشرکات والتجار علی تقدیم الأفضل والأرخص للمنتفع ، ولکن فی بعض الأحیان ، نظرا للتقدم الاقتصادی ، حصلت بعض السلع التی تحتکرها الحکومات أو بعض الشرکات العملاقة أو المحضوضة ( بترخیص من الدولة لا یتعداها إلی غیرها ) التی تجعل السلعة أو الخدمة المطلوبة غیر موجودة إلاّ فی جهة واحدة فقط ، خاصة إذا کانت تلک السلع أو الخدمات ضروریة وحیویة وحیاتیة لا یمکن العیش ومسایرة التطور الحضاری بدونها ، کالمیاه والغاز والکهرباء والتلفون والبرید وأمثالها ، وفی هذه الحالة یتحوّل أحد المتعاقدین وهو الضعیف إلی متعاقد تملی علیه الشروط من قبل القوی وهو المتعاقد الآخر ، ولابدّ له أن یقبل إذا أراد أن یسایر الحیاة الحضاریة ؛ وبهذا فقد اُصیبت النظریة التقلیدیة للعقد التی کانت قائمة علی الرضا التام بین الطرفین إلی رضا یکره علیه ( أو یضطر إلیه أحد المتعاقدین اکراها اقتصادیا ) .

فالسؤال الذی یمکن أن یطرح هو ما یلی :

1 ـ انّ هذا الاکراه الذی یصیب أحد المتعاقدین هل یوجب خللاً فی صحّة العقد ؟

2 ـ انّ هذا الاضطرار الذی یصیب أحد المتعاقدین هل یوجب خللاً فی صحة العقد ؟

3 ـ ألا یمکن أن نسمّی هذا النوع من العقود احتکارا أو استغلالاً محرّما ، أو یجب أن یقف منه ولی الأمر موقف المانع والمحرّم ؟

وسوف تأتی الاجابات علی هذه الأسئلة فی مطاوی هذا البحث .
(صفحه 152)
طبیعة عقود الاذعان :

ذکر السنهوری انقسام الفقهاء فی طبیعة عقود الاذعان إلی مذهبین رئیسین ( (5) ) .

أوّلهما : یری أنّها لیست عقودا حقیقیة ، وقد ترأس هذا المذهب ( الاُستاذ سالی ) وتابعه فقهاء القانون العام مثل : ( ذیجیه وهوریو ) حیث أنکر علی عقود الاذعان صبغتها التعاقدیة ، إذ العقد توافق ارادتین عن حریة واختیار ، أمّا هنا : فالقبول مجرد اذعان ورضوخ ، فعقد الاذعان أقرب إلی أن یکون قانونا أخذت شرکات الاحتکار الناس باتّباعه ، فیجب تفسیره کما یفسّر القانون ویراعی فی تطبیقه مقتضیات العدالة وحسن النیّة ، وینظر فیه إلی ما تستلزمه الروابط الاقتصادیة التی وضع لتنظیمها .

فالمذعن فی عقد الاذعان لا یستطیع إلاّ أن ینزل علی حکم شرکات الاحتکار ، فالرابطة القانونیة فیما بین المذعن والمحتکر قد خلقتها ارادة المحتکر لوحدها ، وهذه الارادة المنفردة للمحتکر هی بمثابة قانون ، أخذت شرکات الاحتکار الناس باتباعه شأن کل قانون ، فتفسیر العقد الاذعانی وتحدید الالتزامات التی یولّدها یجب أن یکون فی ظل هذه الاعتبارات ، فیفسر العقد کما یفسر القانون لا باعتبار أنّه ولید ارادة الأفراد .

إذا هو مرکز قانونی ینظّم المصلحة العامة لمجموع الأفراد الذین یخضعون له ، فیطبّق هذا القانون التعاقدی تطبیقا تراعی فیه مقتضیات العدالة وحسن النیّة ، وینظر فیه إلی ما تستلزمه الروابط الاقتصادیة التی وضع لتنظیمها ( (6) ) .

فالمشترک فی هذه الشرکات العامّة المحتکرة للاُمور الحیاتیة والضروریة یقبل أن یکون عضوا فی هیئة لها نظامها ، فهو لا یساوم ولا یناقش ولابدّ له فی وضع النظم التی یخضع لها فی عمله ، بل المتعاقد والمشترک یقبل قانونا
(صفحه 153)

یعرض علیه فهی ظاهرة قانونیة أصبحت معتادة فی الوقت الحاضر .

ویری الاُستاذ ( دیموج ) : أنّ عقد الاذعان هو مرکز قانونی منظّم یجب أن یعنی فی تطبیقه بصالح العمل أوّلاً ثمّ بما یستحق الحمایة من صالح کلّ من طرفی العقد ( (7) ) .

ثانیهما : یری غالبیة فقهاء القانون المدنی أنّ عقد الاذعان عقد حقیقی یتمّ بتوافق إرادتین ، ویخضع للقواعد التی تخضع لها سائر العقود ، ومهما قیل من أنّ أحد المتعاقدین ضعیف أمام الآخر ، فإنّ هذه ظاهرة اقتصادیة لا ظاهرة قانونیة ، وعلاج الأمر لا یکون بإنکار صفة العقد عن عقد حقیقی ، ولا یتمکن القاضی من تفسیر هذا العقد کما یشاء بدعوی حمایة الضعیف فتضطرب المعاملات وتفقد استقرارها ، بل انّ العلاج الناجع هو : تقویة الجانب الضعیف حتی لا یستغله الجانب القوی . وتقویة الجانب الضعیف یکون بإحدی وسیلتین أو بهما معا :

الاُولی : وسیلة اقتصادیة ، فیجتمع المستهلکون ویتعاونون علی مقاومة التعسف من جانب المحتکر .

والثانیة : وسیلة تشریعیة ، فیتدخل المشرّع ـ لا القاضی ـ لینظّم عقود الاذعان ( (8) ) .

والسؤال المطروح هنا هو : ما هو الصحیح من هذین المذهبین ؟

والظاهر : أنّ الجواب مرتبط بتعریف العقد فی الفقه :

1 ـ فقد عرّف الفقه الغربی العقد بأنّه : اتفاق ارادتین علی انشاء حق أو علی نقله أو علی انهائه ( (9) ) .

أقـول : بناءً علی هذا التعریف فتکون عقود الاذعان عقودا تفید الالتزام
(صفحه 154)

بالتملیک للسلع أو للخدمات ( المنافع ) ؛ لأنّ تعریف العقد عندهم عبارة عن انشاء الالتزام بنقل الحق أو إیجاده ، ولیس بنفسه إنشاءً للنقل أو للحق ، فالبیع مثلاً فی الفقه الغربی لیس انشاءً للتملیک والتملک أو النقل والتبادل ، وإنّما هو إنشاء للالتزام بفعل ذلک ( (10) ) ، وعلی هذا تکون عقود الاذعان عندهم عقودا حقیقیة .

ولکن هذا التعریف للعقد من قبل الفقه الغربی غیر صحیح ؛ لأنّ العقد کما یمکن أن یکون عبارة عن انشاء التزام بنقل حق أو ایجاده فیمکن أن یکون انشاءً للنقل أو انشاء للحق کما فی البیع الذی هو انشاء التملیک والنقل . فالاقتصار علی أن تکون العقود هی انشاء للالتزام بنقل حق أو ایجاده هو تخلف فی الفقه الغربی ، علی أنّ التعریف یشمل الوعد ولا یقتصر علی العقد ، وهذا اشکال آخر علی تعریف الفقه الغربی للعقد .

2 ـ وقد عرّف الاُستاذ الزرقاء العقد ناسبا ذلک إلی مصطلح الفقه الاسلامی ( السنی الحنفی فی مجلة الأحکام الشرعیة ) بأنّ العقد هو : ارتباط ایجاب بقبول علی وجه مشروع یثبت أثره فی محله ( (11) ) .

ویقرب من هذا التعریف ما نقله الدکتور عبد الرزاق السنهوری عن صاحب « مرشد الحیران » من أنّ العقد عبارة عن ارتباط الایجاب الصادر من أحد العاقدین بقبول الآخر علی وجه یظهر أثره فی المعقود علیه ( (12) ) .

أقـول : إذا جعلنا العقد مختصا بالعقد الصحیح ( کما فی التعریفین المتقدمین عن الزرقاء والسنهوری ) فما دامت عقود الاذعان مختلفا فی کونها عقدا أو قانونا أو ما دامت مختلفا فیها صحة وبطلانا ، فلا یمکن التمسک بإطلاق لفظ العقد لأنّ الشک آل إلی وجود المقوّم ؛ فیکون التمسک بإطلاق لفظ العقد تمسکا بالاطلاق فی الشبهة الموضوعیة وهو باطل کما قرر ذلک فی الاُصول .
(صفحه 155)

ثمّ إنّ الاُستاذ الزرقاء جعل اختصاص العقد بالعقد الصحیح مرجحا له علی التعریف المنقول عن الفقه القانونی . وقد ذکر السید الحائری ( حفظه اللّه‏ ) أنّ کون هذا مرجحا له غیر واضح ، فأی بأسٍ فی تعریف العقد بالنحو الذی یشمل الباطل ؟ فنحن تارة نفتش عن حقیقة العقد القائمة بنفس المتعاقدین ، واُخری نفتش عمّا یحدثه الاعتبار التشریعی الذی أحدثه المشرّع ( سواء کان هو العقلاء أو أی مشرِّع آخر ) ولا تلازم بین الأمرین . . . ( فإنّ ) انشاء نقل الملک فی اعتبار المتعاقدین مغایر لحصول الملک فی اعتبار القانون ولا تلازم بینهما ، ولا ینبغی الخلط بینهما ، فبالإمکان أن ننظر فی تعریف العقد إلی ما یقوم به المتعاقدان بقطع النظر عن مدی امضاء الشارع له ( (13) ) .

3 ـ وقد عرّف العقد فی الفقه الشیعی الامامی بتعبیر المحقق الاصفهانی قدس‏سره بأنّه : قرار مرتبط بقرار آخر . أمّا العهد : فهو عبارة عن القرار والجعل : فالعقد والعهد یتصادقان فی مورد القرار المرتبط بالقرار ، فحیثیة القرار فیه هی حیثیة العهدیّة ، وحیثیة الارتباط هی حیثیة العقدیة .

والعقد بمعناه اللغوی أعم من العهد ، لأنّ العقد لغة هو ربط شیء بشیء ، والعهد لا أقلّ من ارتباطه بما تعلّق به ، فکل عهد وقرار عقد ، ولکن لیس کل عقد عهدا وقرارا ، فعقد الحبل مثلاً لا علاقة له بالعهد والقرار ، ولکن العقد بمعناه الاصطلاحی أخصّ من العهد ، لأنّ العقد هو القرار المرتبط بالقرار ، والعهد هو مطلق القرار من دون تقیید بالارتباط بقرار آخر ، والعهد الذی هو القرار والجعل قد یکون فی المناصب المجعولة کالإمامة والخلافة کما فی قوله تعالی : « إنّی جاعلک للناس إماما قال ومن ذریتی قال لا ینال عهدی الظالمین » ( (14) ) وقد یکون فی التکالیف کقوله تعالی : « وعهدنا إلی إبراهیم وإسماعیل أن طهّرا بیتی للطائفین » ( (15) ) ( (16) ) .

وعلی هذا التعریف للعقد تکون عقود الاذعان عقودا حقیقیة ؛ لأنّ قرار
(صفحه 156)

المتعاقد ارتبط بقرار المذعِن ( سواء کانت عقود الاذعان صحیحة أو فاسدة ) ، ولا یشمل هذا التعریف الوعد الذی کان مشمولاً لتعریف الفقه الغربی ، علی أنّ التعریف مستبطن للإیجاب والقبول بمعنی أوسع من مثل بعت وقبلت ، وبعت واشتریت ، لأنّه یشمل مطلق القرارین المرتبط أحدهما بالآخر ، فیشمل القرارین المرتبط أحدهما بالآخر ولو کانا فعلیین ، فتدخل فیه المعاطاة أیضا .

والخلاصة : انّ کل التعاریف للعقد ( سواء کانت غربیة أو اسلامیة ) أثبتت أنّ عقود الاذعان هی عقود حقیقیة ، ولیست صیغة قانونیة أخذت شرکات الاحتکار الناس باتباعها .

علی أنّنا یمکننا أن نقرّر عدّة ملاحظات علی عقود الاذعان تجعله لا یختلف عن بقیة العقود التی لا اشکال فی صفتها بالعقدیة ، وهی :

1 ـ إنّ أکثر العقود فیها اذعان من أحد الطرفین للآخر إذا کان أحدهما مضطرا للآخر أو کانا کلاهما مضطرین للتعاقد .

2 ـ انّ عقود الاذعان تحتوی علی ضرر أقل من العقود الاُخری التی یضطر الیها أحد الأطراف ؛ لأنّ الإیجاب فی عقود الاذعان یکون عاما للجمیع بصورة واحدة فیندر أن یکون غلط فی العقد أو تدلیس .

3 ـ انّ المحتکر فی عقود الاذعان لیس له غلبة علی غیره ، لأنّه هو أیضا خاضع للظروف الاقتصادیة المحیطة به ، فهی تضطره وتملی علیه شروط العقد ، ولیس هو الذی یملی شروط العقد علی الطرف الآخر حقیقة .

4 ـ بل قد یکون المحتکر أضعف من المستهلکین کما یحصل عند تألبهم علیه واجتماع کلمتهم علی محاربته ( (17) ) .

ومن کل ما تقدم ثبت عندنا أنّ عقود الاذعان عقود حقیقیة .
(صفحه 157)
حکم عقود الاذعان فی القانون المصری القدیم والجدید :

کان القانون المصری القدیم یحمی عقود الاذعان حمایة قضائیة ، فیعتبر القضاء عقود الاذعان عقودا حقیقیة واجبة الاحترام ، فیحترم الشروط . . ویلزم من یتعامل مع شرکة باحترام لوائحها المطبوعة ، ومن یتعامل مع مصلحة السکک الحدیدیة بمراعاة نظمها ولوائحها ، ویقیّد المستخدم فی عقد العمل باحترام لوائح الخدمة التی یخضع لها ، إلاّ أنّه مع ذلک یغلّب الشروط المکتوبة علی الشروط المطبوعة ، ویُبطل الإعفاء الاتفاقی من المسؤولیة ، ویفسِّر الالتزام فی مصلحة الطرف المذعن وینسخ الارادة السابقة بالارادة اللاحقة ( (18) ) .

وجاء القانون المصری الجدید ، فجعل الحمایة لعقود الاذعان حمایة تشریعیة ، فجاء بنصوص عامّة لتنظیم عقود الاذعان کلّها ( (19) ) ، فجعل القانون الجدید حمایة تشریعیة للقضاء المصری .
الحمایة التشریعیة لعقود الاذعان فی القانون المصری الجدید :

نصّت المادة ( 149 ) من القانون المصری علی ما یلی : « إذا تمّ العقد بطریق الاذعان ، وکان قد تضمن شروطا تعسفیة ، جاز للقاضی أن یعدّل هذه الشروط ، أو أن یعفی الطرف المذعن منها ، وذلک وفقا لما تقضی به العدالة ، ویقع باطلاً کل اتفاق علی خلاف ذلک ( (20) ) .

وهذه المادة أداة قویة بید القاضی یحمی بها المستهلک من الشروط التعسفیة التی تفرضها علیه شرکات الاحتکار .
من الذی یقدّر الشروط التعسفیة ؟

إنّ القاضی هو الذی یملک حق تقدیر الشرط التعسفی ، فإذا قدّر وجود الشرط التعسفی ، فلا یجوز لأی محکمة أن تنقض ما قدّره من الشرط التعسفی ما دامت عبارة العقد تحتمل المعنی الذی أخذ به القاضی فی عدّ
(صفحه 158)

الشرط تعسفیّا . وحینئذٍ إذا کشف القاضی شرطا تعسفیّا فی عقد الاذعان فله ما یلی :

1 ـ أن یعدّل الشرط التعسفی بما یزیل أثر التعسف .

2 ـ أن یلغی الشرط بأکمله ( أی یعفی الطرف المذعِن من الشرط ) .

ثمّ إنّ المشرّع لم یحدد فی تشخیص القاضی للشروط التعسفیة حدودا إلاّ ما تقتضیه العدالة .

وما دام هذا هو النظام العام لعقود الاذعان ، فلا یجوز للمتعاقدین أن ینزعا من القاضی سلطته هذه ( علی تعدیل شروط الاذعان أو إلغائها ) باتفاق خاص ، حیث یکون هذا الاتفاق باطلاً لأنّه مخالف للنظام العام الذی وضعه القانون لعقود الاذعان ؛ وبهذا سدّ القانون العام علی شرکات الاحتکار الالتجاء إلی هذا الاتفاق لتجعله شرطا مألوفا فی عقودها ( (21) ) .

أقـول : إنّ العقد الذی وقع بین الشرکة والمذعِن بإرادتهما ، إن ادّعی المذعن وجود شروط تعسفیة لم یلتفت الیها حین العقد ، بحیث عُدّ المذعِن سفیها حین إقدامه علی العقد ، فیکون العقد باطلاً للسفه الذی یجعل العقد باطلاً من أساسه ، لأنّ السفیه محجور علیه فی معاملاته المالیة ، وإن لم یعدّ المذعن سفیها ولکن کانت الشروط التعسفیة توجب غبنا فی المعاملة للمذعِن ، فهنا یکون للمذعِن خیار فسخ العقد الذی أقدم علیه ، وإن لم توجب الشروط التعسفیة غبنا فی المعاملة فلا یحق للقضاء تعدیل هذه الشروط أو الغاءها ، لأنّ هذا عبارة عن عقد جدید ولابدّ فیه من رضا الطرفین ، فما لم یرضَ أحد الطرفین یکون العقد الجدید بلا رضا من الطرفین وهو غیر صحیح ( (22) ) .

کما نصّت المادة ( 151 ) علی ما یلی :

1 ـ « یفسّر الشک فی مصلحة المدین .
(صفحه 159)

2 ـ ومع ذلک لا یجوز أن یکون تفسیر العبارات الغامضة فی عقود الاذعان ضارّا بمصلحة الطرف المذعن » ( (23) ) .

وهذا أصل واستثناء ، فالأصل هو أن یفسّر الشک فی مصلحة المدین عند غموض عبارة العقد غموضا لا یتیح زواله . ولکن المشرّع استثنی من هذا الأصل عقود الاذعان ، فقضی أن یفسّر الشک فیها لمصلحة العاقد المذعن ( دائنا کان أو مدینا ) ؛ وذلک : لأنّ العاقد القوی تتوفر لدیه الوسائل التی تمکنه من أن یفرض علی المذعن عند التعاقد شروطا واضحة بیّنة ، فإن لم یفعل ذلک والتجأ إلی الغموض یعتبر مخطئا أو مقصّرا ویتحمل تبعة هذا الخطأ أو هذا التقصیر حیث یکون هو المتسبب فی هذا الغموض ( (24) ) .

أقـول : یمکن لنا أن نُبطل الشروط التعسفیة فی عقود الاذعان إذا کانت مخالفة للقرآن والسنّة ( أی تحلّل حراما أو تحرّم حلالاً ) ، أو إذا کانت تنافی مقتضی العقد أو تتناقض مع شروط اُخری سابقة علیها . أمّا فی غیر هذه الموارد ممّا ینطبق علیها الشروط الصحیحة فیجب الوفاء بها .
دائرة عقود الاذعان :

إنّ عقود الاذعان لها خصائص تمتاز بها عن بقیة العقود ، وبهذا ستکون لها دائرة خاصة إذا عرفنا تلک الخصائص الممیزة لها ، والخصائص الممیزة لها هی :

1 ـ أن یتعلق العقد بسلع أو مرافق تعتبر من الضروریات بالنسبة إلی المستهلکین أو المنتفعین .

2 ـ أن یکون الموجب محتکرا لهذه السلع أو المرافق احتکارا قانونیا أو فعلیا . أو أن یکون علی الأقل صاحب سیطرة علیها تجعل المنافسة فیها محدودة النطاق .
(صفحه 160)

3 ـ أن یصدر الإیجاب إلی کافة الناس بشروط واحدة ، ولمدة غیر محدودة ، وهذا الایجاب یحتوی علی شروط مفصّلة ، أکثرها لمصلحة الموجب ( إمّا تخفف من مسؤولیته التعاقدیة أو تشدد من مسؤولیة الطرف الآخر ) ولا تجوز فیها المناقشة ، والشروط بمجموعها تمتاز بأنّها غیر متیسرة الاستیعاب والفهم لعامّة الناس ( (25) ) .
بعض الأمثلة لعقود الاذعان :

إذا نظرنا إلی الخصائص الثلاث لعقود الاذعان تمکنّا أن نعتبر من عقود الاذعان ما یلی :

1 ـ عقود شرکات الکهرباء والغاز والمیاه ومصالح البرید والتلفونات إذا کانت منحصرة فی جهة واحدة وتملی شروطها بدون مناقشة وتخفف من مسؤولیتها وتشدد من مسؤولیة المتعاقد .

2 ـ عقود النقل بوسائله المختلفة من سکک حدیدیة وکهربائیة وبواخر وسیارات وطائرات وغیر ذلک .

3 ـ عقود شرکات التأمین إذا کانت منحصرة بید الدولة ومؤسساتها وکانت ضروریة .

4 ـ العقود مع المستشفیات التی تحصر الأجهزة المهمة للعملیات الکبری التی یحتاجها المریض عندها .

5 ـ عقود المرور فی الطرق العامة للسیارات التی باعتها الدولة لشرکة أو مؤسسة ، مع حاجة الناس إلی هذا الطریق المهم ، ولا یوجد بدیل لهم عنه .

6 ـ السلع الضروریة التی تستوردها أو تصنعها الدولة أو مؤسساتها وتمنع غیرها من الاستیراد وتتحکم فی بیعها بدون منافس لها بالشروط التی تضعها بدون مناقشة .
(صفحه 161)

7 ـ عقود الإیجار التعسفیة التی تضعها وزارة الأوقاف لموقوفاتها التی أوجدت حق التقدم ( السرقفلیة ) لشخصٍ حقیقی أو حقوقی .

وهکذا کل عقد یضطر إلیه الفرد ویذعن له مع شروطه التعسفیة ( عند عدم وجود منافسة حرّة ) لا تقبل المناقشة مع تخفیف مسؤولیة الشرکة وتشدید مسؤولیة المتعاقد المذعِن .
ما هی علاقة عقود الاذعان بالبیع الجبری من حیث فقدان الاختیار ؟

طرح مجمع الفقه الإسلامی هذه الفقرة فی موضوع عقود الاذعان فی الدورة الرابعة عشرة .

أقـول : إنّ عقود الاذعان لا جبر فیها فی مقابل الاختیار ، حیث إنّ العقد إذا کان فیه جبر وإلجاء لخرج عن العقد موضوعا لخلوّه عن القصد المعتبر فی حقیقة العقد باتفاق الکل .

لذا نری أنّ العنوان الصحیح هو أن یکون عبارة عن علاقة عقود الاذعان بالبیع الإکراهی من حیث فقدان الاختیار ، حیث إنّ الاختیار الذی یبحث عنه فی العقود هو عبارة عن صدور الفعل من العاقد عن الرضا وطیب النفس مقابل الکراهة وعدم الرضا .

وعلی هذا یجب أن نفرض أنّ القصد إلی العقد موجود فی المعاملة ، غایة الأمر أنّ هذا القصد إذا کان المتعاقد مکرها علیه فهل یکون عقده صحیحا ؟

والجواب : اتفق علماء الإمامیة علی بطلان عقد المکرَه کما نُقل عن أهل السنّة عدم صحّة بیع المکرَه ، فقال الحنابلة : یشترط فی البیع أن یکون المتعاقدان مختارین ظاهرا وباطنا .

فاذا کانا مختارین فی الظاهر فقط کأن اتفقا علی بیع عین لأحدهما فرارا من ظالم یرید اغتصابها . . فإنّ هذا البیع یقع باطلاً ولا ینعقد ؛ لأنهما وإن
(صفحه 162)

تعاقدا باختیارهما ظاهرا ولکنهما فی الباطن لا یریدان هذا البیع ویسمی بیع التلجئة والأمان .

وقال الحنفیة : إنّ کل عقد یکره علیه الشخص ینعقد ، لأنّ القاعدة عندهم فی المکرَه ، أن کلّ ما یکره علی النطق به ینعقد . . . فإذا أکرهه ظالم علی بیع ملکه ، فإنّ البیع ینعقد فاسدا ویملکه المشتری ملکا فاسدا ، وللمکره أن یجیز البیع بعد زوال اکراهه ، وله أن یستردّ العین حیث وجدها .

وقال الشافعیة : بیع المکرَه لا ینعقد رأسا إلاّ إذا قصد إیقاع العقد ونواه حال الاکراه ، فإنّه فی هذه الحالة لا یکون مکرَها .

وقال المالکیة : الاکراه الذی یمنع نفاذ البیع هو الاکراه بغیر حق ( (26) ) .

ونحن فی هذا البحث لا نتطرق إلی الأدلّة الدالّة علی بطلان عقد المکرَه وإنّما نأخذ ذلک مفروض الحصول ، ونقیّده بغیر ما إذا کان الاکراه بحقّ ، کما لو کان الاکراه علی البیع قد صدر من الشریعة المقدسة ، فحینئذٍ لا یحکم بفساد العقد الواقع کرها ، وإلاّ لزم أن یکون حکم الشارع بوقوع العقد الاکراهی لغوا ( تعالی اللّه‏ عن ذلک علوّا کبیرا ) .

ثمّ ینصبّ البحث علی وجود الاکراه فی عقود الاذعان ، فهل یوجد اکراه فی عقود الاذعان ؟

أقـول : لابدّ من بیان معنی الاکراه الذی یبطل العقد أو ینافیه ثمّ البحث عن وجوده فی عقود الاذعان .
ما معنی الاکراه المبطل للعقد ؟

فنقول : إنّ حقیقة الاکراه لغة وعرفا هی حمل الغیر علی ما یکرهه ، فالاکراه متقوّم بوجود مکرِه واقعا وعلم المکرَه به .
(صفحه 163)

ولکن الأدلّة التی سیقت علی بطلان عقد المکره مثل قوله تعالی : « لا تأکلوا أموالکم بینکم بالباطل إلاّ أن تکون تجارة عن تراضٍ » ( (27) ) . ومثل ما رواه سماعة فی الموثق عن الإمام الصادق علیه‏السلام فی حدیث : أنّ رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم قال : « من کانت عنده أمانة فلیؤدّها إلی من ائتمنه علیها ، فإنّه لا یحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطیبة نفس منه » ( (28) ) . وفی تحف العقول عن رسول اللّه‏ صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم أنّه قال فی خطبة حجة الوداع : « أیّها الناس إنّما المؤمنون اُخوة ، ولا یحل لمؤمن مال أخیه إلاّ عن طیب نفس منه » ( (29) ) وغیرها ، تدلّ علی أنّه لا یجوز تملّک أموال الناس بالمعاملات إلاّ أن تکون تجارة عن تراضٍ ، والمراد من التراضی فی الآیة هو طیب النفس لا القصد والارادة ، لأنّ القصد والارادة مقوّمان للعقد ، بینما شرط صحة التجارة هو الرضا وطیب النفس ، والآیة والروایة هما بصدد بیان السبب الصحیح فی المعاملات .

ولکن النسبة بین عنوان الاکراه وعدم طیب النفس هی العموم المطلق بمعنی أنّه کلما تحقق الاکراه تحقق عدم طیب النفس ، امّا إذا تحقق عدم طیب النفس فلا یلزم تحقق الاکراه کما إذا توهم وجود مکرِه فباع داره لذلک ثمّ تبیّن عدم وجود المکرِه ، فالاکراه غیر متحقق ولکن لا یوجد رضا بالمعاملة ولا یوجد طیب النفس .

فالإکراه الذی یُبطل المعاملة هو الفعل الفاقد للرضا المعاملی وطیب النفس بالمعاملة وهذا یتحقق إذا تحققت عدّة اُمور :

1 ـ وجود مکرِه علی الفعل یعلم به المکرَه .

2 ـ وعید من الآمر ( المکرِه ) بتوجه الضرر علی المکرَه عند عدم صدور الفعل منه علیه أو علی من یهمه أمره عرفا .
(صفحه 164)

3 ـ علم المکرَه أو ظنّه أو احتماله بترتب الضرر علی ترک المکرَه علیه ، إذ فی هذه الصورة تکون المعاملة فاقدة لطیب النفس والرضا المعاملی بها .

4 ـ أن یکون الضرر مضرا بالمکرَه علیه .

5 ـ أن یکون الضرر المتوعد به غیر مستحق للمکرَه ، أمّا إذا قال له : إمّا أن تبیع دارک أو اطالبک بالدین الذی لی علیک ، فهو لیس باکراه ، لأنّ دفع الضرر من المطالبة بالدین تجعله راضیا ببیع البیت رضاءً معاملیا ونفسه طیبة بالبیع .

6 ـ أن لا یکون المکرَه قادرا علی التخلص من الضرر المتوعد به بتوریة أو غیرها ( (30) ) .

أمّا إذا کان قادرا علی التوریة أو غیرها للتخلص من ضرر المکرِه فلا یصدق علیه أنّه مکره ، ولا یصدق علی فعله انّه فاقد للرضا وطیب النفس ( لو ترک التوریة ) ، بل یکون فعله مع طیب النفس والرضا عرفا ، ولا نقبل التفرقة القائلة بأنّ المتمکن من التوریة مع عدم إعمالها لا یصدق علیه أنّه مکرَه إلاّ أنّه لا یصدق علی عقده أنّه قد نشأ من رضا وطیب النفس ، لأنّ العرف القاضی بعدم صدق الاکراه إذا صدر الفعل من صاحبه فی هذه الحالة یحکم علیه عرفا بأنّه مع الرضا وطیب النفس ، سواء قلنا إنّ الاکراه مانع من صحة العقد أو قلنا إنّ الرضا شرط فی صحّة العقد ، لأنّ الفرد المتمکن من التوریة عند عدم إعمالها لا یصدق علیه أنّه مکره وحینئذٍ یکون صدور العقد منه عن رضا واختیار عرفا .

وإذا اتضح معنی الاکراه الذی هو ( عدم الطیب وعدم الرضا علی إیقاع المعاملة ) فهل هذا الاکراه موجود فی عقود الاذعان ؟

الجواب : إنّه لیس موجودا ، لعدم وجود مکرِه علی الفعل وعدم الوعید
(صفحه 165)

بتوجه الضرر علی الغیر إن لم یقدم الغیر علی المعاملة ، وعدم احتمال توجه ضرر من أی فرد إن لم تتحقق المعاملة .

نعم هناک ضرر یتوجه إلی من لم یعقد العقد الاذعانی ، وهذا الضرر هو عدم استفادته من العقد عند عدم إبرامه ، وهذا الضرر لا یکون موجبا لإکراه المتعاقد علی العقد ، ولیس هو ضررا إضافیّا زائدا علی عدم ابرام العقد حتی یکون مانعا من صحة العقد لعدم الرضا بالعقد الموجود ، إذ لا عقد أصلاً حتی یقال بأن العقد وقع عن اکراه .

ولعلّ الدکتور السنهوری قد التفت إلی عدم وجود الاکراه حقیقة علی المذعن فی عقود الاذعان فعبّر بهذا التعبیر :

« ولمّا کان ( المذعن ) فی حاجة إلی التعاقد علی شیء لا غناء عنه فهو مضطر إلی الاذعان والقبول ، فرضاؤه موجود ، ولکنه یکاد یکون مکرَها علیه . . . » ( (31) ) .

وعلی هذا فلا اشکال فی عقود الاذعان من هذه الناحیة . وبهذا فقد أجبنا علی التساؤل الأوّل المتقدم .
ما هی علاقة عقود الاذعان ببیع المضطر من حیث الخضوع للسعر ؟

إنّ ما تقدم من شرط صحّة العقود هو الرضا وطیب النفس کما تقدمت الأدلّة علی ذلک ؛ ولذا قال الفقهاء بعدم صحّة عقد المکرَه وإن کان عقد الاذعان الموجود فی الخارج لیس داخلاً فی العقود الاکراهیة ، أمّا الآن فنرید أن نعرف أنّ عقود الاذعان التی هی عقود اضطراریة ، یضطرّ المتعاقد المذعِن للخضوع للسعر الذی اُملی علیه کما یضطر لقبول الشروط التی تملی علیه بدون أی مناقشة ، فهل یکون هذا الاضطرار مانعا من صحّة العقد ؟

وبعبارة اُخری : إنّ عقود الاذعان إذا لم یکن هناک مکرِه علیها ، إلاّ أنّها
(صفحه 166)

یضطر الیها المذعن ، فهل یکون هذا الاضطرار مضرا بصحّة العقد ؟

والجواب : إنّه یوجد فرق أساسی بین الاکراه والاضطرار ، حیث یکون الاکراه منصبّا علیه من فرد خارجی مع عدم تحقق الرضا وطیب النفس لما یُملی علیه ویوقعه ، أمّا الاضطرار والضرورة التی تُلجئ المتعاقد إلی إیجاد العقد ولیست من فرد خارجی ظالم ، بل هی حالة من داخل الإنسان تنشأ من الظروف المعیشیة للفرد المتعاقد وحاجیاته ، یدفع بها ضررا خارجیا متوجها إلیه لولا إقدامه علی العقد ، فالرضا وطیب النفس موجود فی حالة الضرورة إلی العقد .

وکمثال علی ذلک : إذا اضطرّ الفرد إلی بیع داره لصرف ثمنها فی علاج مرضه ، أو للإنفاق علی عیاله ، أو لأداء حقٍّ شرعی متعلق بذمته أو لدفع غرامة حکم بها علیه ، ومع عدم دفعها یودع السجن لمدة عشر سنین ، فالعاقد فی هذه الأمثلة مضطر لا علی العقد بل مضطر لدفع المضار التی تتوجه إلیه لا من ظالم لولا العقد .

وعلی هذا اتضح الفرق بین الاکراه والاضطرار ، فالاکراه الذی تقدم الکلام عنه ( وإن قلنا إنّه غیر منطبق علی عقود الاذعان ) هو أن یکره زید عمرا علی عقد ما ویکیل له الوعید بالضرر علی ترک العقد ، وهذا الأمر یوجب فساد العقد ؛ لأنّه یوجب خلوّ العقد عن الرضا المعاملی المعتبر فی صحّة العقد ، بینما الاضطرار إلی دفع المضار المتوجهة إلیه « لا من ظالم » یضطر الفرد إلی إیقاع المعاملة عن رضا معاملی وطیب نفس بالمعاملة ، فمن اضطرّ بحسب وضعه الثقافی والاجتماعی أن یدخل فی شبکة الانترنیت للاستفادة منها ویدرأ المفساد المتوجهة إلیه لولا دخوله فیها ، یکون اضطراره هذا ( لا من ظالم ) داعیا له إلی التعاقد مع شبکة الانترنیت ( ولو کانت شروطها تعسفیة ) وموجبا لحصول الرضا وطیب النفس إلی هذا التعاقد .
(صفحه 167)

فکم هو الفرق بین الاکراه من قبل الظالم علی عقد وبین اضطرار المتعاقد إلی عقد لأجل تنظیم امور حیاته ، ولعله هو الفارق بین اکراه الجائر لفرد علی قطع اصبعه وإلاّ یهلکه بقتله لو لم یفعل ، ومن فسد جزء من أجزاء بدنه وانحصر علاجه بقطعه لئلاّ یهلکه ، فإنّ الثانی مبتهج وراضٍ بقطع عضوه بخلاف الأوّل ؛ ولأجل هذا فإنّ المکرَه لا یرضی بالنتیجة التی تراد من العقد ، ولو اُخبر ببطلان العقد لفرح بذلک ، بخلاف المضطر فإنّه راضٍ بالنتیجة التی تراد من العقد ، ولو اُخبر ببطلان العقد فانّه یتأذّی بذلک أذیً کثیرا لأنّه یری المتاع أو السلعة أو المنفعة موجودة وهو مضطر الیها ومرید لها ولا یتمکن من تحصیلها .

والخلاصة : إنّ اضطرار المتعاقد بمسایرة رکب الحضارة للتعاقد مع شرکات الماء والکهرباء والتلفون والانترنیت . . . الخ یکون مع الرضا المعاملی وطیب النفس ، فلا یمکن أن یکون حجر عثرة لإفساد العقود ولو کانت عقودا إذعانیة .
هل یمکن القول ببطلان عقد الاذعان الاضطراری للنص الخاص ؟

قد یقال إنّ عقود الاذعان إن لم تکن اکراهیة من قبل ظالم ، وکانت اضطراریة معها الرضا المعاملی فهی صحیحة علی القاعدة ، إلاّ أنّنا نحکم ببطلانها لوجود النص الخاص علی بطلانها إن کان الفرد مضطرا الیها . والنص الخاص هو ما روی بألسنة مختلفة عن الإمام الصادق علیه‏السلام عن النبی صلی‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم أنّه قال : « رفع عن اُمتی ست ( أو تسع ) خصال : الخطأ والنسیان وما اُکرهوا علیه وما لا یعلمون وما لا یطیقون وما اضطرّوا إلیه » ( (32) ) .

فقد یتوهم أنّه إذا ثبت بطلان عقد المکرَه وإیقاعه من جهة هذا الحدیث فلابدّ وأن یحکم ببطلان العقود والایقاعات الصادرة من المضطر لهذا الحدیث أیضا ، وإن کان بینهما الفرق المتقدم .
(صفحه 168)

والجواب : إنّ حدیث الرفع المتقدم بما أنّه وارد مورد الامتنان علی الاُمّة ، فکل ما أدّی إلی خلاف الامتنان لا یکون مشمولاً للحدیث ، ومن الواضح أنّ الحکم بفساد عقد المکره یکون موافقا للامتنان ، لعدم رضاه بالعقد وعدم طیب نفسه به ، وأمّا الحکم بفساد عقد وایقاع المضطر فهو خلاف الامتنان ، لأنّ المضطر إلی العقد والایقاع یکون راضیا وطیّب النفس به ، فالحکم بفساد عقده هذا یکون علی خلاف الامتنان علیه ، فحینئذٍ لا تکون المعاملة الاضطراریة مشمولة لهذا الحدیث ، وینحصر معنی الاضطرار المرفوع فی غیر العقود والایقاعات الاضطراریة .

وبهذا فقد أجبنا علی التساؤل الثانی المتقدم .
القانون الغربی وعقود الاذعان :

ذکر بعض القانونیین الغربیین أنّ الاستغلال ( سواء کان استغلالاً لجهل المتعاقد أو استغلالاً یؤدّی إلی الغبن غیر استغلال الجهل ) هو أمر غیر مشروع ، فیبطل بواسطته العقد ، فقد ذکر القانون المدنی الألمانی فی المادة ( 138 ) بطلان التصرف القانونی الذی یستغل الشخص حاجة الغیر أو خفّته أو عدم تجربته لیحصل لنفسه أو لغیره ، فی نظیر شیء یؤدیه ، علی منافع مالیة تزید علی قیمة هذا الشیء بحیث یتبیّن من الظروف أنّ هناک اختلالاً فادحا فی التعادل ما بین قیمة تلک المنافع وقیمة هذا الشیء ( (33) ) .

إذا ، الاستغلال هنا عمل غیر مشروع ویبطل العقد .

وهناک من القانونیین الغربیین من ینظر إلی أنّ الاستغلال یعیب ارادة المتعاقد ، فجعل العقد قابلاً للإبطال أو للإنقاص لعیب فی ارادة المتعاقد المغبون ، وهذا ما أخذت به التقنینات الحدیثة الاُخری أیضا ، ومعها القانون المصری الجدید .
(صفحه 169)

فقد ذکر قانون الالتزامات السویسری : بأنّه فی حالة اختلال التعادل اختلالاً واضحا ما بین تعهد أحد المتعاقدین وتعهد المتعاقد الآخر ، یجوز للمتعاقد المغبون فی غضون سنة أن یعلن بطلان العقد ، ویسترد ما دفعه إذا کان قد دُفع إلی هذا الغبن من طریق استغلال حاجة وقع فیها أو خفّة أو عدم تجربة .

وجاء فی القانون المصری الجدید فی المادة ( 129 ) : إذا کانت التزامات أحد المتعاقدین لا تتعادل البتة مع ما حصل علیه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الآخر ، وتبیّن أنّ المتعاقد المغبون لم یبرم العقد إلاّ لأنّ المتعاقد الآخر قد استغلّ فیه طیشا بیّنا أو هویً جامحا جاز للقاضی بناء علی طلب المتعاقد المغبون أن یُبطل العقد أو أن یُنقص التزامات هذا المتعاقد ( (34) ) .

أقـول : قد یقال : إنّ عقود الاذعان تنطبق علی مثل هذه العقود التی تستغل حاجة المتعاقد الآخر الیها ، فإمّا أن یکون باطلاً لمن حکم علی هذا الاستغلال بالحرمة ( أی أنّه عمل غیر مشروع ) ، فتکون الارادة من قبل المستغل غیر مشروعة ؛ وهذا ما ذهب إلیه القانون المدنی الألمانی .

وإمّا أن یکون العقد قابلاً للبطلان أو للانقاص ، لأنّ ارادة المتعاقد المغبون صارت معیبة ، وهذا ما أخذت به التقنینات الحدیثة الاُخری مع القانون المصری الجدید .

ولکن یرد علی ما تقدم :

إنّ خیار الغبن فی الفقه الاسلامی ( (35) ) إنّما یترتب فی موارد الغبن فی صورة جهل المغبون بالقیمة ، لأنّ أصالة التساوی فی القیمة بین الثمن والمثمن ، أو أنّ التساوی فی القیمة ( وهو الغرض العام للعقلاء ) یجعل اقدام المشتری علی طبق هذا القانون ، فاذا تبیّن أنّ القیمة أکثر من السعر السوقی
(صفحه 170)

للمثمن ، کان له خیار الفسخ ، فهو لم یقدم إلاّ اعتمادا علی ذاک الأصل أو ذاک الغرض العام العقلائی ، فکأنّه قد اشترط ذلک ، فإذا تبیّن عدم وجود ذاک الشرط کان له خیار الفسخ .

أمّا طیش المتعاقد مع علمه بالسعر واقدامه علیه فهو لا یجعل له خیار غبن ، حیث إنّ الطیش إذا کان صاحبه یعدّ سفیها فالبیع یکون باطلاً للسفه الموجود فی المتعاقد الذی یمنع صاحبه من أیّ عمل تعاقدی ، وإن لم یکن مستوجبا لاستغلاله .

أمّا ما نحن فیه من عقود الاذعان : حیث یکون المتعاقد قد أقدم علی ما أقدم علیه باختیاره التام وعلمه بالقیمة فلا وجه لبطلان العقد أو جعله خیاریّا .

نعم هناک حالة استغلال حاجة الغیر ، وهذه الحالة لا توجب الخیار ولیست هی محرّمة بالعنوان الأولی ، وحینئذٍ ما لم یحرمها ولی الأمر بالحکم الحکومی لا تکون محرمة أیضا بالعنوان الثانوی الحکومی ، فلا یکون العمل من قبل المستغل عملاً غیر مشروع یوجب البطلان إلاّ أن یکون المنع والنهی متوجها إلی بیع الاستغلال .
احتکار السلعة أو المنفعة :

قد یقال : إنّ عقد الاذعان قد یکون فیه احتکار للسلعة أو للمنفعة التی یقدّمها المحتکر ، والاحتکار محرّم فی الشریعة الاسلامیة ، فحینئذٍ یکون عمل المحتکر للسلعة أو المنفعة محرما ، فلا یکون عقد الاذعان صحیحا .

والجواب : إنّ الاحتکار فی الشریعة المقدسة وإن کان محرّما إلاّ أنّه امّا مختصّ باُمور ستة أو سبعة وهی : ( الحنطة والشعیر والتمر والزبیب والملح والزیت والسمن ) ، وهذا قول أشارت إلیه الروایات ، إلاّ أنها ضعیفة ، أو هو
(صفحه 171)

مختص باحتکار الطعام فی وقت لیس عند الناس طعام وهو ما دلّت علیه الأدلّة الصحیحة .

أمّا غیر الطعام من السلع والمنافع فلا دلیل شرعی علی حرمة احتکارها . نعم لولی الأمر أن یحرّم احتکار أی سلعة أو خدمة ، فإن أقدم ولی الأمر علی تحریم احتکار سلعة أو منفعة معینة أصبح نفس احتکارها محرما ، امّا البیع الذی یحصل بعد الاحتکار فلا یکون باطلاً إذا کان قد اشتمل علی شروط صحة العقد ، لأنّ الحرمة التکلیفیة لا تلازم البطلان .

وبهذا أجبنا علی التساؤل الثالث المتقدم ، فلا یکون استغلال حاجة الناس محرما ، ولا یکون احتکار هذه السلع والخدمات محرما بالعنوان الأولی ، نعم یکون الاستغلال لحاجة الغیر أو احتکار أمثال هذه السلعة والخدمات محرما إذا حرّمهما ولی الأمر ، ومع هذا لا یحکم ببطلان العقد المستغل فیه حاجة الغیر ، أو المحتکر فیه السلعة أو الخدمة إذا توفرت شروط صحة العقد ، لأنّ النهی والتحریم التکلیفی لا یستلزم البطلان الوضعی .
هل عقود الاذعان من أنواع العقود المعاطاتیة ؟

ذکر الشیخ الأنصاری قدس‏سره فقال : ( اعلم أنّ المعاطاة علی ما فسره جماعة : أن یعطی کل من الاثنین عوضا عما یأخذه من الآخر ) ویتصور بأن یکون التعاطی علی وجه التملیک والتملّک ( (36) ) .

والقول الصحیح فیها انها تفید اللزوم ( سواء کان الدال علی التراضی لفظا من قبیل أعطنی خبزا بدرهم أم کان غیره ) .

والدلیل علی ذلک هو اطلاقات وعمومات « أحلّ اللّه‏ البیع » و «أوفوا بالعقود » ، والسیرة القائمة علی معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملک فی التصرف فیه مع عدم ردع الشارع عن هذه السیرة .
(صفحه 172)

وإذا صحّ هذا فهل یعتبر فی المعاطاة شروط العقد ؟

والجواب : انّه لا شبهة فی کون المعاطاة عقدا عرفا وشرعا یعتبر فیها جمیع ما یعتبر فی العقد من شروط ویجری علیها ما یجری علی البیع من أحکام ، ولذا یحرم الربا فی المعاطاة أیضا کما یحرم فی البیع ویثبت الخیار فی المعاطاة کما یثبت فی البیع .

ثمّ إنّ المعاطاة بما أنها لم ترد فی آیة أو روایة ، ولیست معقد اجماع تعبدی کی یحفظ عنوانه ویؤخذ بالقدر المتیقن منه ، بل بحثنا فی المعاطاة من ناحیة أنّ العقد قد یتحقق بالإنشاءات اللفظیة ، وقد یتحقق بغیر الانشاءات اللفظیة ، کالانشاءات الفعلیة ، وحینئذٍ إذا حدث اعطاء من جانب مع قصد التملیک ، فصدق علیه الإیجاب عرفا وأخذ الجانب الثانی وصدق علی أخذه القبول ، صدقت المعاطاة ، وإن کان الاعطاء من الجانب الثانی یکون وفاءً بالعقد ؛ وبهذا سوف یتوسع التفسیر المتقدم عن جماعة بأنّ المعاطاة هو أن یعطی کل من الاثنین عوضا عمّا یأخذه من الآخر إلی صدق المعاطاة بالاعطاء والأخذ کما تقدم .

وحتی إذا قلنا إنّ البیع هو تبدیل مال بمال فلیس المراد منه هو التبدیل الخارجی بل التبدیل الاعتباری الذی یصدق بغیر التعاطی الخارجی من الطرفین ؛ ولذا نشاهد بالوجدان أنّ الناس علی اختلاف طبقاتهم یتعاملون بالمعاملة المعاطاتیة فی الأشیاء الحقیرة والخطیرة ، ولم نرَ ولم نسمع أن یتوقف أحد فی جواز التصرف فی المأخوذ بالمعاطاة حتی مع تحقق التعاطی من طرف واحد . وذکر السید الخوئی قدس‏سره : « أنّ المغروس فی أذهان القدماء والمشهور فیما بینهم أنّ أغلب المعاملات المعاطاتیة إنّما تنعقد بالتعاطی من طرف واحد ، ویکون الاعطاء من ناحیة الآخذ وفاءً بالتزامه لا قبولاً للإیجاب المتقدم » ( (37) ) .
(صفحه 173)

ثمّ إنّ القاعدة إذا کانت هی صحّة انشاء العقود والإیقاعات باللفظ والفعل ، جرت المعاطاة فی جمیع العقود إلاّ إذا قام دلیل خاص علی عدم جریانها فی فرد خاص ، لانحصار مبرزه بشیء خاص کاللفظ کما ورد ذلک فی النکاح والطلاق ( (38) ) ، حیث ثبت اعتبار مطلق اللفظ الصریح فی انشاء عقد النکاح واعتبار لفظ خاص فی انشاء الطلاق .

إذا اتّضح ما تقدم ، فیمکن أن تکون عقود الاذعان لفظیة أو معاطاتیة ، فیحصل عندنا عقد اذعان بیعی وعقد اذعان اجارتی وعقد اذعان تأمینی وعقد اذعان صرفی وهکذا . . .

إلاّ أنّ هذا کله لا یمنع من البحث فی صحّة عقود الاذعان من ناحیة الشروط التعسفیة واضطرار الإنسان للتعامل مع الشرکات التی انحصرت السلعة أو المنفعة عندها ، فهل الاکراه الذی یصیب المتعاقد یضرّ بصحة العقد ؟ أو هل الاضطرار إلی العقد یخلّ بصحة العقد ؟ وهل الشروط التعسفیة الملتفت الیها المتعاقد أو الغافل عنها تضرّ بصحة العقد ، فجعل عقود الاذعان نوعا من التعاطی ( کما فعل الاُستاذ الزرقاء ) لا یحلّ المشکلة التی تتوجه إلی عقود الاذعان ؟
هل هناک رقابة حکومیة علی عقود الاذعان فی القطّاع الخاص بالتسعیر ؟

نعم یتمکن ولی الأمر ( وهو رئیس الحکومة فی الشرع الاسلامی ) أن یتدخل لیمنع ویحرّم استغلال حاجة الغیر ، أو یمنع احتکار بعض السلع والمنافع وإن لم تکن من الاُمور السبعة التی حرّم الشارع فیها الاحتکار وهی ( الحنطة والشعیر والتمر والزبیب والملح والزیت والسمن ) أو حتی إذا لم تکن من الطعام ، وهذا الحکم یثبت حیث یتدخل ولی الأمر ویعلن عن التحریم الحکومی . وقد یزیل الحاکم الشرعی هذه الحرمة فی ظروف اُخری .
(صفحه 174)

وإذا منع ولی الأمر من استغلال الغیر أو منع من احتکار السلع الضروریة والخدمات المهمة فلا موضوع خارجی لعقود الاذعان وإنّما العقود التی توجد کلها عقود یتم فیها التراضی التام فلا شبهة اکراه ولا شبهة اضطرار للتعاقد مع الشرکات .

ثمّ إنّه یتمکن ولی الأمر من تسعیر هذه السلعة المهمة والخدمات المحتاج إلیها بصورة شدیدة حسب ما یراه من المصلحة التی یستحصلها من أهل التخصص الثقات ، وإذا کان السعر منسجما مع فائدة السلعة والخدمة فلا یصدق عقد اذعان ، إذ لا استغلال للآخر ولا احتکار یوجب ارتفاع الثمن ؛ وبهذا تنحلّ مشکلة عقود الاذعان التی ترمی بوجود خلل فی الارادة تارة ، وبأنّ ارادة الغابن تکون غیر مشروعة فلا أثر لها تارة اُخری .
مشابهات عقود الاذعان :

نعم هناک عقود تشبه عقود الاذعان ، کما إذا تواطأ أهل صنعة أو حرفة علی طریقة معینة للبیع ، أو کما إذا کان التعامل مع أصحاب الوکالات الحصریة للاستیراد حیث یحصل استغلال الجمهور للخضوع والاذعان بما قرّره المتواطئون ، خصوصا إذا کان التواطؤ فی منطقة لا یتمکن الفرد العادی تجاوزها إلی غیرها لیؤمّن ما یحتاج إلیه من سلع أو خدمات .

وکمثال علی ذلک : الباعة فی سوق المدینة لسلعة معینة إذا اتفقوا علی أن یکون السعر لسلعة معینة دینارا واحدا ، فهم بذلک یستغلون حاجة الناس لإخضاعهم إلی السعر الذی یریدون ، فاذا کان السعر مجحفا کان هذا شبیها بعقود الاذعان من ناحیة خضوع الفرد لما یُملونه علیه من السعر المجحف ، إلاّ أنّ السلع هذه لمّا لم تکن حیاتیة ولابدّ منها لوجود البدیل لها فلا ینطبق علیها خصائص عقود الاذعان .
(صفحه 175)

والمشکلة لا تُحلّ إلاّ بتدخل ولی الأمر فیمنع من استغلال الغیر ومن احتکار هذه السلعة الحیاتیة المهمة فیعالج موضوع عقود الاذعان من ناحیة شرعیة .
خلاصة البحث :

یمکن أن نلخّص البحث بعدة نقاط :

1 ـ إنّ عقود الاذعان هی العقود التی یتمیّز فیها القبول بکونه مجرد اذعان لما یملی علیه الموجب .

2 ـ ذهب جماعة من القانونیین فی الغرب إلی کونها أقرب ما تکون إلی القانون الذی یؤخذ الناس باتباعه ، وذهب آخرون منهم إلی کونها عقودا حقیقیة تتم بتوافق الارادتین مع ایجاب وقبول .

3 ـ رجّحنا أن تکون عقود الاذعان عقودا حقیقیة لوجود الایجاب والقبول والرضا ، سواء کانت عقودا صحیحة شرعا أو غیر صحیحة .

4 ـ أقرّ القانون المصری القدیم والجدید بعقود الاذعان ، فکان القانون المصری القدیم یحمی عقود الاذعان حمایة قضائیة ثمّ جاء القانون المصری الجدید فحماها حمایة تشریعیة أیضا .

5 ـ إنّ دائرة عقود الاذعان تکون فی خصوص السلع الحیاتیة الضروریة إذا احتکرت من قبل الدولة أو الشرکات المرخّص لها بذلک وکانت شروطها تعسفیة وبصورة واحدة للجمیع .

6 ـ ذکر بعض القانونیین الغربیین أنّ استغلال الغیر یعتبر عملاً غیر مشروع فی التعاقد فیبطل العقد ، وذکر آخرون منهم أنّ استغلال الغیر یعیب ارادة المتعاقد ؛ فله الحق فی المطالبة بإبطال العقد أو للانقاص من الشروط التعسفیة فی العقد ، وتابع القسم الثانی القانون المصری الجدید .
(صفحه 176)

7 ـ ذکرنا أنّ الاختلال فی التعادل بین تعهد أحد المتعاقدین وتعهد المتعاقد الآخر الذی یسمی بالاستغلال إن أدّی إلی حصول العلم بسفه أحد المتعاقدین فالعقد باطل ، لأنّ السفیه محجور علیه من التعاقد المالی ، وإن لم یکن الاختلال مؤدیا إلی حصول العلم بسفه أحد المتعاقدین ، فإن کان أحد المتعاقدین جاهلاً بالقیمة فحصل هذا الاختلال فیثبت خیار الغبن فقط ، وإن کان عالما بالغبن فلیس له خیار أصلاً وإن حصل الاستغلال والشروط التعسفیة فی العقد کما هو فی عقود الاذعان .

8 ـ وامّا بطلان العقد للاحتکار الحاصل للسلع والخدمات فقد قلنا إنّ الاحتکار إنّما حرّمه الشارع فی الاُمور الستة أو السبعة : ( الحنطة والشعیر والتمر والزبیب والسمن والزیت والملح ) أو ما صدق علیه عنوان الغذاء للناس ، أمّا غیرها فلا حرمة فی احتکارها ما لم یحرّمه ولی الأمر بالحرمة الحکومیة ، وحتی لو حرّم بالحرمة الحکومیة فهو یدل علی الحرمة ولا یدل علی بطلان المعاملة الاحتکاریة ، للفرق بین الحکم التکلیفی والحکم الوضعی .

9 ـ عقود الاذعان یمکن أن تکون نوعا من أنواع العقود المعاطاتیة ، إلاّ أنّ هذا لوحده لا یحلّ مشکلة عقود الاذعان التی تثار عند القانونیین فی الغرب .

10 ـ لا علاقة لعقود الاذعان بالبیع الاکراهی الذی حکم فیه الشرع الاسلامی بالبطلان ؛ لأنّه لا اکراه من قبل الغیر علی عقد الاذعان الذی یبرمه الطرف المذعن للسعر .

11 ـ نعم قد تکون عقود الاذعان قد اضطر الیها المتعاقد لرفع العذر الخارجی الذی لم یکن متوجها إلیه من قبل الظالم ، فهو عقد وجد فیه التراضی وطیب النفس لإیجاده فی الخارج ، وحینئذٍ لا یوجد أی مبرر لبطلانها
(صفحه 177)

لأنّها حاویة علی التراضی المعاملی الکامل ، وحتی حدیث الرفع لا یشمل العقود التی یضطر الیها الفرد لدفع الضرر الخارجی الذی توجه إلیه من غیر جهة الظالم ، لأنّه حدیث امتنانی ، وبطلان العقد فی هذه الصورة خلاف الامتنان .

12 ـ یمکن لولی الأمر أن یجعل رقابة حکومیة علی عقود الاذعان فی القطّاع الخاص فیعمل علی :

أ ـ تحریم استغلال حاجة الغیر .

ب ـ یحرّم احتکار السلع الحیاتیة من غیر الغذاء وغیر الأصناف الستة أو السبعة .

ج ـ یسعّر الحاجات الحیاتیة والخدمات المهمة لکل انسان حسب مصلحة الاُمّة التی یتوصل الیها من أهل الخبرة الثقات ؛ وبهذا یزول موضوع عقود الاذعان والاستغلال للغیر واحتکار السلع والخدمات .

13 ـ هناک عقود تشبه عقود الاذعان من ناحیة التواطؤ الذی یحصل من البائعین علی سعر معیّن مجحف ، إلاّ أنها لیست سلعا أو خدمات حیاتیة ویمکن أن یوجد بدیل لها فهی من ناحیة تشبه عقود الاذعان من ناحیة السعر الذی یخضع له المتعاقد ، وبما انها لیست من السلع الضروریة والحیاتیة ویمکن أن یکون لها بدیل فلا تشبه عقود الاذعان من هذه الناحیة .

14 ـ حلّ المشکلة فی عقود الاذعان لا یکون بوصفها بأنّها عقود اکراهیة ، لعدم وجود الاکراه علیها من قبل الظالم ، ولا یکون بوصفها اضطراریة ، لأنّ الاضطرار إذا کان لدفع الضرر الخارجی المتوجه لا من قبل الظالم لا یؤدی إلی بطلان العقد ، بل یکون العقد المضطر إلیه واجدا للرضا المعاملی الکامل وواجدا لطیب النفس ، فلا یوجد ایّ مبرر لبطلانه .
(صفحه 178)

نعم تحلّ مشکلة عقود الاذعان بواسطة ولی الأمر الذی یحرّم کلاً من :

1 ـ الاستغلال للغیر .

2 ـ الاحتکار للسلع الحیاتیة والضروریة ، التی لم یحرّمها المشرِّع بالعنوان الأولی .

3 ـ تسعیر السلع الحیاتیة والضروریة والمنافع التی تقدم للأفراد من قبل الشرکات والحکومات بما یکون موجبا لحفظ العدالة والمصلحة .

(صفحه 179)
الهوامش

______________________________

( 1 )الوسیط للسنهوری 1 : 229 و 230 . وراجع کتاب الإعلان عن الإرادة للاُستاذ سالی : 229 .

( 2 )راجع : نظریة العقد للسنهوری : 281 .

( 3 )الوسیط للسنهوری 1 : 229 و 230 . وراجع کتاب الاعلان عن الارادة للاُستاذ سالی : 229 .

( 4 )المصدر السابق : 231 .

( 5 )هناک فریق ثالث یقسم عقود الاذعان إلی جهتین : جهة تمّ علیها التعاقد بإرادة المتعاقدین وهی ما یتناول عناصر العقد المهمة . وهذا یفسّر کما تفسر العقود . أمّا الجهة الثانیة فهی جهة الشروط التفصیلیة التی لا تتناول العناصر المهمة ، وهذه لم تتوافق علیها الإرادتان توافقا حقیقیا ، فللقاضی حق تفسیرها بما لا یخرج به عن الشروط الأساسیة التی تمّ علیها التعاقد ، ویکون التفسیر حسب مقتضیات العدالة وفی حدود حسن النیة ، وإذا تناقض شرط أساسی مع شرط تفصیلی فالشرط الأساس هو الذی یتغلّب . ( راجع : نظریة العقد ، للسنهوری : 286 ) .

ویؤخذ علی هذا الرأی أنّ الشروط المذکورة فی العقد هی شروط أساسیة بالنسبة للمحتکر ، وإن لم تکن شروطا أساسیة للمذعن فهذا الرأی ینظر إلی أحد الطرفین فی العقد دون الطرف الآخر .

( 6 )سالی ، اعلان الارادة ، فقرة : 90 ص 230 ، عن نظریة العقد للسنهوری : 284 ، وسالی ، الالتزامات فی القانون الالمانی ، فقرة 337 عن نظریة العقد للسنهوری : 484 .

( 7 )راجع : نظریة العقد للسنهوری : 284 .
(صفحه 180)

( 8 )الوسیط ، للسنهوری 1 : 232 . وراجع : نظریة العقد للسنهوری : 285 .

( 9 )الفقه الاسلامی فی ثوبه الجدید ، الاُستاذ مصطفی الزرقاء ج 1 فقرة 132 ، نقل الاُستاذ الزرقاء هذا التعریف الغربی للعقد عن کتاب « نظریة العقد » للاُستاذ السنهوری .

( 10 )راجع : فقه العقود ، للسید الحائری 1 : 176 .

( 11 )الفقه الاسلامی فی ثوبه الجدید ، الاُستاذ مصطفی الزرقاء ج 1 فقرة 132 .

( 12 )مصادر الحق فی الفقه الاسلامی 1 : 40 .

( 13 )فقه العقود للسید الحائری 1 : 181 .

( 14 )البقرة : 124 .

( 15 )البقرة : 125 .

( 16 )راجع : تعلیقة المحقق الاصفهانی علی مکاسب الشیخ الأنصاری : 35 ، وقسم منه موجود فی کتابه فی الإجارة : 17 عن فقه العقود للسید الحائری 1 : 184 .

( 17 )راجع : نظریة العقد للسنهوری : 285 .

( 18 )هذه الموارد صدرت فیها أحکام قضائیة ، راجع الوسیط ، للسنهوری 1 : 232 و 233 . وتوضیح أنّ الارادة السابقةُ تنسخ بالارادة اللاحقة هو : ما قضت به محکمة مصر الابتدائیة المختلطة بأن اعتیاد شرکة التأمین علی قصد المؤمّن له فی محلّ اقامته لتستوفی الأقساط یلغی الشرط القاضی بدفع القسط فی محل الشرکة .

( 19 )وهناک نصوص خاصّة لتنظیم بعض عقود الاذعان الخاصّة کعقد التأمین وغیره .

( 20 )راجع : الوسیط للسنهوری 1 : 233 .

( 21 )راجع : المصدر السابق 1 : 233 و 234 .

( 22 )توضیح ذلک : إنّ الشروط إذا کانت تحدد ماهیة العقد أو العوضین ، فإنّ تغییر هذه الشروط یؤدی إلی قلب ماهیة العقد ، وأمّا إذا لم یکن الشرط دخیلاً ورکنا فی العقد فهو وإن لم یخلّ تغییره أو تعدیله بالعقد إلاّ أنّه لابدّ من الرضا به ، فإن لم یرضَ به أحد الطرفین فلا یکون ملزِما من الناحیة العقدیة .

( 23 )راجع : الوسیط للسنهوری 1 : 234 .
(صفحه 181)

( 24 )ونصّ القانون الاسبانی فی المادة ( 1288 ) والقانون النمساوی فی المادة ( 915 ) علی أنّ ابهام العبارة یفسّر ضدّ من صدرت منه . راجع : الوسیط 1 : 235 .

( 25 )راجع : نظریة العقد ، للسنهوری : 280 ، والوسیط للسنهوری 1 : 229 ـ 230 .

( 26 )الفقه علی المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزیری 2 : 163 .

( 27 )النساء : 29 .

( 28 )وسائل الشیعة 3 : 424 ، باب 3 من أبواب مکان المصلی ، ح 1 .

( 29 )تحف العقول : 24 ، الطبعة الخامسة منشورات المکتبة والمطبعة الحیدریة فی النجف ، 1961 م .

( 30 )کخروجه من الغرفة التی حصل فیها الاکراه إلی غرفة اُخری فیها من ینتصر به ویمنع الاکراه بمنع ظلم الظالم . ثمّ إنّ التوریة التی تستعمل عندما نقول لمن یطالبنا بالمال : ( إنّ یدی خالیة ) ونقصد بذلک صرفه عن المطالبة ؛ لأنّه یتخیّل کون المتکلم صفر الیدین من المال لا فرق بین أن یقصد بکلامه المتقدم عدم امتلاکه للمال أو یقصد توریة خلوّ یده من وجود عین مقبوضة ، لأنّه فی کلا الحالتین یرید أن یُخطر فی ذهن السامع ( عدم امتلاکه للمال ) لأنّ فائدة التوریة هو أن یفهم المخاطب غیر المعنی الذی قصده المتکلم باستعماله ، أمّا لو فهم المخاطب نفس المعنی المقصود حقیقة فقد فسدت التوریة وزال الغرض منها .

وعلی هذا : فإنّ من یری أنّ الکذب هو مخالفة ما یخطره فی ذهن الغیر للواقع ، فحینئذ لا فرق بین التوریة والکذب ، فتکون التوریة حراما کالکذب ، وحینئذٍ فمن یکون قادرا علی التوریة یکون قادرا علی الکذب ، وهذا لا یزیل عنوان الاکراه علیه حتی مع تمکنه من الکذب أو التوریة لأنّهما حرام شرعا لا یقدم علیهما المکرَه فیصدق الاکراه حتی مع القدرة علی التوریة . ولکن کلامنا هو فی صورة اختلاف التوریة عن الکذب حکما بجواز الأوّل دون الثانی ، امّا بناء علی أنّ الکذب هو عدم تطابق الارادة الاستعمالیة للارادة الجدیة ففی التوریة استعمل الجملة المتقدمة ، وأراد کون یده خالیة من عین مقبوضة فتطابقت الارادة الاستعمالیة والجدیة فلا کذب أصلاً ، أو بناء علی أنّ الکذب عبارة عن مجموع أمرین :
(صفحه 182)

الأوّل : عدم تطابق الارادة الاستعمالیة للارادة الجدّیة .

الثانی : مخالفة الارادة الحکائیة « الإخطاریة » للواقع فعند وجود الثانی وعدم وجود الأوّل لا یصدق الکذب ، فتختلف التوریة عن الکذب أیضا .

( 31 )نظریة العقد للسنهوری : 279 .

( 32 )وسائل الشیعة 16 : 173 ، باب 16 من کتاب الأیمان ، ح 3 .

( 33 )الوسیط ، للسنهوری 1 : 359 ، الفقرة 203 ، وراجع الفقرة 208 .

( 34 )المصدر السابق ، الفقرة 204 .

( 35 )فی الفقه الإمامی وبعض مدارس الفقه السنّی یترتب خیار الغبن مع جهل المغبون بالقیمة السوقیة . نعم هناک بعض المدارس السنیة تشترط مع جهل المغبون بالقیمة السوقیة وجود التغریر .

( 36 )وهناک تصورات اُخری أهمها ما ذکره صاحب الجواهر قدس‏سره من أنّ المعاطاة هی أن یبیح کل من المتعاقدین للآخر التصرف فیما یعطیه إیّاه من دون نظر إلی تملیکه ، فیقصد من التعاطی الاباحة المحضة کما فی الضیافة وأشباهها .

( 37 )مصباح الفقاهة 2 : 168 .

( 38 )ثبت فی الفقه الشیعی الامامی لابدیّة اللفظ الصریح فی الاطلاق مثل زوجتی فلانة طالق ، ولا یکفی الکتابة والمجاز فی ذلک .

منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) » تابستان 1383 - شماره 34 (از صفحه 149 تا 182)

 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010