الرئيسية الجزائیات قواعد الحقوقی قاعدة أصالة الصحة
قاعدة أصالة الصحة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
السبت, 02 أكتوبر 2010 12:54

نویسنده : الجرجانی، السید محسن
یستفاد من بعض الآیات والروایات أنّ المؤمن لا ینبغی له حمل عمل أخیه المؤمن علی الحرام أو القبیح ، بل یلزمه حسن الظنّ به مهما أمکن وأن یحمل عمله علی الصحّة ولا یتّهمه ، بل وأن یکذّب بصره وسمعه فیه . والمقصود بالحمل علی الصحّة ـ والذی یظهر اختصاصه بالمؤمنین دون غیرهم ـ هو حسن الظنّ بهم لا عدم ترتیب الأثر علی ذلک ؛ لما ورد فی الخبر من تکذیب الإنسان سمعه وبصره فی أخیه حتّی لو شهد خمسون شخصاً أنّهم سمعوا منه ذلک وکذّبه هو ، إذاً فاللازم تصدیقه وتکذیبهم . وواضح أنّ المراد بتصدیقه عدم ردّه والقبول منه لا عدم ترتیب الآثار الحاصلة علیه ؛ لأنّ الخمسین شاهداً هم مؤمنون أیضاً ، فلا یمکن تصدیق المؤمن وحمل الآثار المترتّبة علی کلامه من جهة وفی الوقت نفسه حمل الآثار المترتّبة علی کلام الشهود من جهة اُخری . إذاً ، المقصود من الحمل علی الصحّة عدم اتّهام المؤمن بصدور الحرام منه ، بل یحمل فعله علی الإباحة والمشروعیّة .
وعلیه ، فإنّ المراد بأصالة الصحّة لیس حمل العمل الصادر عن شخص إذا شککنا فیه علی الصحّة دون الفساد ، کما لو أوقع ـ مثلاً ـ عقداً وشککنا فی صحّته أو فساده فنحمله علی الصحّة بناءً علی أصالة الصحّة ، فهذا معنی آخر غیر المعنی السابق لأصالة الصحّة .
(صفحه 110)

کما أنّ من الواضح أنّ أصالة الصحّة بالمعنی الثانی هی غیر قاعدة الفراغ ؛ فإنّ الثانیة وإن کان المکلّف یحصل له الشکّ فیحمل عمله علی الصحّة ، إلا أنّ الفعل المشکوک هو فعله ، کما أنّ الشکّ الحاصل له یقع بعد الفراغ من الفعل ، ولیس الأمر کذلک فی أصالة الصحّة ؛ وذلک لأنّ المراد بها حمل فعل الغیر علی الصحّة ، هذا أوّلاً . وثانیاً : لعدم اشتراط الحمل علی الصحّة فی المقام بالفراغ من العمل ، بل یحمل عمل الغیر علی الصحّة ویرتّب آثار الصحّة حتّی فی خلال العمل إذا عرض له الشکّ فیه .

وبعد اتّضاح المراد بقاعدة الصحّة ـ بالمعنی الثانی ـ والفرق بینها وبین قاعدة الفراغ ، ینبغی البحث عن الدلیل الدالّ علی هذه القاعدة ، فإذا ثبتت هذه القاعدة بالدلیل المعتبر انتقلنا لما یتفرّع علیها من بحوث . وسنشیر إلی بحوث هذه القاعدة ضمن النقاط التالیة :
النقطة الاُولی ـ أدلّة القاعدة :

تعتبر أصالة الصحّة من المسلّمات بین فقهاء الإسلام ولم ینکرها أحد منهم ، بل قبلوها واستدلّوا علیها بأدلّة عدیدة ، فتّمسّکوا بقوله تعالی : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ، وبالخبر الوارد فی قاعدة الید : «لو لم یجز هذا لم یقم للمسلمین سوق» ، وبالإجماع القطعی ، وبالروایات الواردة فی باب تجهیز المیّت ، والروایات الواردة فی باب الجماعة والجمعة والتوکیل وإمضاء نکاح الأب والجدّ ونظائر ذلک .

إلا أنّ الجمیع مخدوش وقابل للمناقشة ، والدلیل الوحید الذی یمکن الاستدلال به علی هذه القاعدة هو السیرة القطعیّة للمسلمین طوال التأریخ والتی لا یعتریها أدنی شکّ ؛ فإنّ من المسلّمات والقطعیّات أنّ المسلمین ـ حتّی فی العصور المنصرمة وبحضور المعصومین( ـ کانوا یرتّبون الأثر علی العقود والإیقاعات الجاریة فیما بینهم ویبنون علی صحّتها من ناحیة عملیّة ، فالمیّت الذی یجهّز ویصلّی علیه ـ مثلاً ـ من قبل البعض یبنون علی صحّة عمله مع أنّ من المحتمل
(صفحه 111)

عدم صحّة عمل المتصدّی لتغسیله وتکفینه وتحنیطه والصلاة علیه ، بل غالباً ما یتصدّی لمثل هذه الاُمور من لا علم له بمثل هذه الاُمور من الناس ، فیتولّد الظنّ بعدم صحّة عملهم .

وهکذا فإنّ ثمّة من کان یتصدّی ـ علی طول التأریخ ـ لإیقاع عقد النکاح أو الطلاق بین الزوجین رغم أنّ الغالب فیهم عدم الإلمام والمعرفة بذلک ، لکن رغم ذلک فإنّ المسلمین یبنون علی صحّة عملهم ویرتّبون آثار النکاح والطلاق علیه ، کما أنّه کثیراً ما یحصل الاقتداء طوال هذه الأزمنة بأئمة الجماعات والأکل من الذبائح والألبان التی تصنع فی القری وفی المسالخ غیر المعروفة ، کلّ ذلک بناءً علی صحّة عمل الاُجراء فیها والوکلاء عنها ، مع أنّه یوجد الظنّ ـ ولا أقلّ من الاحتمال ـ بفساد عمل المتصدّین لمثل هذه الاُمور ، ولا یمکن حمل آثار الصحّة من دون حمل عمل الغیر علی الصحّة . فالزوج ـ مثلاً ـ یبنی علی قول وکیله بإیقاع الطلاق لزوجته مع أنّه یحتمل کذبه أو اشتباهه أو عدم إیقاعه الطلاق بشکل صحیح ، وهکذا بالنسبة للزوج الآخر الذی یرید العقد علی هذه المرأة یصدّق بصحّة ذلک مع احتمال الکذب أو النسیان أو عدم العلم والإلمام أو الغفلة فی حقّ زوجها الأوّل أو وکیله . فالمسلمون طوال هذه الأزمنة یحملون آثار الصحّة علی مثل هذا الطلاق أو علی الزواج والحریّة والبیع والشراء فی مواردها ، فهل یمکن القول بحصول العلم والاطمئنان من مثل هذه الموارد للمسلمین بالصحّة طوال الأزمنة السابقة؟ لا شکّ ولا ریب فی أنّ مثل هذا الکلام لیس إلا جزافاً لا یمکن قبوله . وعلیه ، فالصحیح أنّ مثل هذه السیرة بما أنّها سیرة ثابتة وقطعیة فهی غیر قابلة للإنکار والمناقشة ، وبما أنّ الأئمة( لم یردعوا عنها ، بل ثمّة روایات فی موارد عدّة تؤیّدها وتعضدها ، فلابدّ من القول بأنّ أصالة الصحّة هی أصل شرعی یجری عند الشکّ فی صحّة أو بطلان العمل الصادر من الغیر وترتیب آثار الصحّة علیه .
(صفحه 112)
النقطة الثانیة ـ ما المراد بالصحّة؟

هل المراد بالصحّة فی هذه القاعدة الصحّة الواقعیّة أو الصحّة عند من یصدر منه العمل؟ ذهب المحقّق القمّی إلی الثانی ، وهذا کما هو واضح هو المعنی الأوّل الذی ذکرناه أوّل البحث لأصالة الصحّة والذی قلنا إنّه خارج عن محلّ الکلام .

وذهب غیره إلی أنّ المراد هو الأوّل أی الصحّة الواقعیة ؛ لما تقدّم من أنّ بناء السیرة علی ترتیب الآثار الواقعیّة ؛ وإلا فلا معنی لترتیب جمیع الآثار . وعلیه ، فبما أنّ السیرة قائمة علی ترتیب الآثار الواقعیّة لا ترتیب آثار الصحّة عند صاحب العمل ، إلا أنّ القدر المتیقّن من هذه السیرة عندنا هو الموارد التی لا یختلف فیها الحامل لعمل الغیر علی الصحّة مع من یصدر منه العمل ؛ بأن یری ـ إمّا تقلیداً أو اجتهاداً ـ صحّة عمل الغیر ، أو بألا یکون له رأی معیّن فی الموضوع ، فإذا لم یکن الأمر کذلک بأن کان یری ـ إمّا تقلیداً أو اجتهاداً ـ بطلان عمل الغیر ، فلا یُعلم حینئذٍ کون بناء السیرة الحمل علی الصحّة ، کما لو عُلم عدم اطّلاع صاحب العمل علی شروطه وکیفیّته شرعاً فأتی به جهلاً ، فإنّ من البعید فی مثل هذه الحال الحمل علی الصحّة أیضاً ، فلو علم المکلّف بتصدّی الجاهل لتجهیز المیّت وتکفینه فلیس من المعلوم حینئذٍ الاکتفاء بعمله وحمله علی الصحّة وعدم استئناف تجهیزه من قِبله .

إذاً ، المراد بقاعدة الصحّة وإن کان هو الصحّة الواقعیّة إلا أنّ القدر المتیقّن من دلیلها الوحید ـ وهو السیرة ـ الموارد التی یجهل فیها کیفیّة عمل الغیر أو یعلم أنّه یأتی بالعمل عن علم ومعرفة ، کما یلزم ألا یخالف رأی الحامل رأی العامل .
النقطة الثالثة ـ عدم جریان أصالة الصحّة لو کان الشکّ فی قابلیّة القابل أو المورد :

لو شککنا فی صحّة عمل الغیر أو بطلانه من جهة الشکّ فی فقدانه لجزء أو
(صفحه 113)

شرط أو وجود مانع یوجب فساد العمل ، فلا شکّ هنا فی جریان أصالة الصحّة ، وأمّا إذا کان منشأ الشکّ من جهة قابلیّة الفاعل أو قابلیّة المورد فلا یمکن جریان هذه القاعدة . فلو شُکَّ ـ مثلاً ـ فی صحّة عقد من جهة الشکّ فی بلوغ المتعاقدین أو أحدهما أو من جهة الشکّ فی مملوکیّة العین وکونها قابلة للنقل أو لا لم تجرِ قاعدة أصالة الصحّة هنا لتصحیح العقد ؛ وذلک لأنّ المتیقّن من السیرة ـ وهو الدلیل المعتبر الوحید ـ غیر هذه الموارد . ومن الغریب إجراء الشیخ الأنصاری( [1])لها فی هذین الموردین ؛ لتصوّره جریان سیرة المتشرّعة فیهما وترتیبهم آثار المعاملة علیها مع شکّهم فی مالکیّة البائع واحتمال أنّه غاصب ، ففی مثل هذه الموارد التی یشکّ فیها فی قابلیّة الفاعل والمورد تجری السیرة المتشرّعیّة ویحمل عمل الغیر علی الصحّة .

ووجه الغرابة فی کلامه من جهة أنّ السیرة دلیل لبّی لا إطلاق فیه ؛ ولذا لا یمکن إثبات إطلاقه وشموله لمثل هذه الموارد ، فلابدّ من التوقّف عند القدر المتیقّن . وأمّا ترتیب المسلمین آثار العقد علیه فهو أوّلاً : قد یکون لحصول الاطمئنان بالمالکیة والبلوغ . وثانیاً : أنّه قد یکون من جهة قاعدة الید لا أصالة الصحّة . وعلیه ، فلا یمکن إجراء أصالة الصحّة فی مثل هذه الموارد بمعنی ترتیب الآثار الجاریة علیه .
النقطة الرابعة ـ انحصار ترتّب الأثر بجریان أصالة الصحّة فی خصوص الشیء المشکوک فیه دون ما عداه :

وینبغی الالتفات هنا فی هذه النقطة إلی أنّ أثر الحکم بالصحّة فی کلّ شیء إنّما یترتّب علی نفس ذلک الشیء ، فلا یُتعدّی فی ترتیب الأثر إلی أکثر من ذلک فأثر الحکم بصحّة الإیجاب ـ مثلاً ـ یترتّب علی نفس الإیجاب لا علی العقد الذی هو عبارة عن مجموع الإیجاب والقبول . وعلیه ، فلو شککنا فی صحّة الإیجاب رتّبنا أثر الصحّة علی الإیجاب خاصّة من خلال إجراء أصالة الصحّة ، والأثر الوحید
(صفحه 114)

الذی یمکن ترتیبه علی ذلک هو أنّه لو ضممنا إلی جانب الإیجاب القبول الصحیح وتوفّرت سائر الشروط الاُخری المؤثّرة فی العقد سواء ثبتت بالأصل أو الوجدان ـ أمکن ترتیب آثار العقد الصحیح علی ذلک ، لا أنّه تترتّب آثار المعاملة بمجرّد جریان أصالة الصحّة فی الإیجاب ؛ لأنّ آثار المعاملة إنّما تترتّب علیها إذا کانت المعاملة واجدة لجمیع شروط العقد المؤثّر ، وجریان أصالة الصحّة فی الإیجاب إنّما تحرز أحد تلک الشروط لا جمیعها کما لا یخفی .

ومثال آخر یمکن توضیح المسألة من خلاله أکثر وتسلیط الضوء علی الخطأ الذی وقع فیه کثیر من الفقهاء ، وهو : أنّ الراهن قد یقوم ببیع العین المرهونة ویدّعی إذن الراهن له بذلک ، ولکن الراهن یدّعی رجوعه عن إذنه بعد صدوره عنه وأنّ البیع وقع بعد رجوعه عن الإذن وقد ذهب بعض الفقهاء فی هذه المسألة إلی إجراء أصالة الصحّة فی الإذن لتصحیح بیع الراهن ، فیما ذهب آخرون إلی أنّ جریان أصالة الصحّة فی الرجوع یوجب فساد المعاملة . إلا أنّ کلا هذین القولین غیر سدید ؛ وذلک لأنّ أثر صحّة الرجوع هو أنّ البیع لو وقع بعده لکان فاسداً ، لا أنّ الرجوع لو کان صحیحاً لکان البیع واقعاً بعده بالضرورة ؛ بمعنی أنّ وقوع البیع بعد الرجوع الذی یعنی فساد البیع لیس أثراً للرجوع حتّی یکون جریان أصالة الصحّة فی الرجوع موجباً لفساد البیع کما توهّمه بعض الفقهاء ، بل إنّ جریان أصالة الصحّة فی الرجوع یترتّب علیها أثرها نفسه الذی أشرنا إلیه ، کما أنّ أثر صحّة الإذن هو ترتّب آثار البیع علی عقده بعد وقوعه فیما لو کان جامعاً لتمام الشروط ، لا أنّه یترتّب وقوع البیع بعد ذلک علی الإذن الصحیح کما توهّمه البعض ؛ وذلک لما أشرنا إلیه من أنّ صحّة کلّ شیء إنّما تستلزم ترتّب آثاره هو لا أکثر ، ووقوع البیع بعد الإذن لیس أثراً للإذن الصحیح حتّی یترتّب من خلال جریان أصالة الصحّة .

هذا تمام الکلام فی أصالة الصحّة فی الرجوع بناءً علی أنّ الإذن فی البیع لا
(صفحه 115)

یوجب سقوط حقّ المرتهن ، وإلا لم تجرِ أصالة الصحّة فی الرجوع ؛ لأنّ منشأ الشکّ فی الصحّة إنّما هو عدم قابلیّته للصحّة بعد سقوط حقّ المرتهن بالنسبة إلی الرهن . کما أنّها لا تجری فی أصل البیع أیضاً ؛ لأنّ منشأ الشکّ فی الصحّة هو فی قابلیّة البائع حال البیع ، وإن کان یحتمل تحقّق رجوع المرتهن قبل المعاملة وعدم کون البائع مأذوناً ، وقد مضی عدم جریان أصالة الصحّة حال کون الشکّ فی قابلیّة البائع أو المورد . وعلیه ، فلا تجری أصالة الصحّة إذا کان الشکّ فی البائع والفاعل .
النقطة الخامسة ـ عدم جریان أصالة الصحّة فیما لو کان عمل الغیر قصدیّاً :

ذکرنا فیما سبق أنّه لابدّ فی جریان أصالة الصحّة من إحراز عمل الغیر أوّلاً ثمّ الشک فی صحّته ، فنجری أصالة الصحّة والتعبّد بالخروج من حالة الشکّ ، فإذا کان العمل المشکوک فیه من الأعمال القصدیّة ( وهی التی لا تقع ما لم تقصد بعنوانها ) کالغسل والصوم ونحوهما ، فإنّ من المستبعد جریان أصالة الصحّة فیها ، فإذا علمنا ـ مثلاً ـ أنّ الشخص الکذائی لم یتناول شیئاً فی شهر رمضان ولکن لم نعلم أنّه هل نوی الصوم وقصده أو لا؟ لم تجرِ أصالة الصحّة ؛ إذ ما لم یقصد الصوم فلا تحقّق له ؛ بمعنی عدم إحراز أصل العمل ، وقد ذکرنا أنّه ما لم یحرَز أصل العمل لا یمکن جریان أصل الصحّة ؛ إذ مع الشکّ وعدم إحراز قصد العنوان فی مثل هذا العمل فإنّ مرجع الشکّ إلی نوع من الشکّ فی أصل تحقّق العمل ، وقد تقدّم أنّ مجری أصالة الصحّة مع فرض إحراز أصل العمل ، ونحن وإن کنّا نتمسّک فی مثل هذه الموارد بإطلاق روایات قاعدة الفراغ ، إلا أنّ القدر المتیقّن من السیرة فی قاعدة أصالة الصحّة هو غیر هذه الموارد کما لا یخفی .

هذا کلّه فیما لو کان العمل من الأعمال القصدیّة التی یتوقّف تحقّقها علی قصد عنوان خاصّ ، وأمّا فی سائر الأعمال الاُخری التی لا یتوقّف تحقّقها علی قصد
(صفحه 116)

عنوانها ـ کما فی غسل الثوب النجس ـ فإنّ الظاهر عدم توقّف تحقّقه علی قصد عنوان الغَسل ، فإذا رأینا من یطهّر ثوبه من النجاسة ـ مثلاً ـ أمکن حمل فعله علی الصحّة ولو لم نحرز أنّه قصد التطهیر أو لا ؛ وذلک لأنّ تطهیر الثوب من النجاسة لا یتوقّف علی الطهارة وإزالة النجاسة ؛ ومن هنا یمکن بعد إحراز أصل العمل

ـ وهو الغَسل ـ إجراء أصالة الصحّة وحمل آثار الطهارة علیه .

لذا فإنّ من الغریب إلحاق السیّد الخوئی( [2])هذه الصورة بالصورة السابقة فی عدم جریان أصالة الصحّة من دون أدنی إشارة فی کلامه إلی تعلیل ذلک وبیان الدلیل فیه . ومثله ما صدر عن الشیخ الأنصاری( [3])من کلام غریب مماثل فی جریان أصالة الصحّة ، حیث ذکر أنّه لو استأجر ولیّ المیّت أو وصیّه من یقضی عنه صلاته وصومه ولم یعلم أنّ الأجیر قصد النیابة فی عمله أو لا لم یمکنه إجراء أصالة الصحّة والحکم ببراءة ذمّة المّیت ؛ لأنّ مفاد أصالة الصحّة فی العمل الذی یقوم به النائب هو الصحّة ، بید أنّ صحّة عمله لا تثبت أنّه قصد النیابة ؛ لأنّ الفعل النیابی فعل قصدی ، وحیث إنّه لم یحرز قصد العنوان فإنّ مرجع الشکّ هنا إلی الشکّ فی تحقّق أصل وجود العمل النیابی ، والسیرة غیر ثابتة فی هذه الحالات .

ولکن یمکن القول : إنّ جریان أصالة الصحّة فی عمل النائب لمّا کان من جهة أنّه عمله ومتعلّق به أمکن القول حینئذٍ باستحقاقه الاُجرة ؛ وذلک لصحّة العمل المستأجر علیه ، وإحراز عمل النائب بالوجدان ، وإحراز صحّته بأصالة الصحّة ، فلا وجه عندئذ فی عدم استحقاقه الاُجرة .

وغرابة کلامه تکمن فیما جاء فی آخره ؛ لأنّ مورد الإجارة لیس هو قیام النائب بعمل صحیح سواء عن المنوب أو لنفسه أو لآخر ، وإنّما موردها العمل الصحیح عن المنوب عنه وبقصد النیابة ، وبما أنّ مثل هذا العمل غیر محرز وذمّة المیّت لم تفرغ بعدُ ـ کما اعترف به هو ـ فکیف یمکن الحکم حینئذٍ باستحقاق النائب

الاُجرة ؟ .
(صفحه 117)

ألیس هذا حکماً ظالماً ؟ ! ألیس أخذ الاُجرة أکلاً للمال بالباطل مع عدم فراغ ذمّة الأجیر بحسب الظاهر من العمل الذی أخذ بإزائه ما لم یقم به؟! لا شکّ أنّ الشیخ قد وقع فی سهو واضح ، ولو أنّه کان قد جدّد النظر فیما ذکر لعدل عنه .
النقطة السادسة ـ هل أصالة الصحّة أمارة أم أصل ؟ :

قد تقدّم أنّ أصالة الصحّة لیست أمارة کاشفة عن الواقع ، بل هی أصل تعبّدی یجب العمل به بمقتضی السیرة المتشرّعیّة ، وعلیه فلا یمکن ترتیب لوازمها العقلیّة والعادیّة کما هو الحال فی جمیع الاُصول العملیّة . ولکن حتّی علی فرض کونها أمارة فإنّه لا یمکن الالتزام بلوازمها العقلیّة والعادیّة ؛ لأنّ دلیلها هو السیرة المتشرّعیّة والإجماع القطعی ، ومعلوم أنّ القدر المتیقّن من الدلیل اللبّی غیر هذه الموارد ؛ بمعنی أنّه لم یحرز قیام السیرة علی جریان أصالة الصحة فی اللوازم العقلیّة والعادیّة لمجراها ، بل القدر المتیقّن من ذلک ترتیب آثارها الشرعیّة ، وعلیه فلا ثمرة عملیّة تترتّب علی البحث فی کون أصالة الصحّة أصلاً عملیاً تعبّدیاً أو أمارة عقلائیة کاشفة وإن کان الظاهر أنّها أصل تعبّدی کما تقدّم .

ونشیر هاهنا إلی بعض الأمثلة الواردة فی کلام الشیخ الأنصاری وغیره :

1 ـ المثال الأوّل : إذا شککنا فی معاملة وقعت من المکلّف أنّها تمّت علی عین مملوکة أو علی عین غیر مملوکة کالخمر والخنزیر ، ثمّ خرجت هذه العین عن ملکه ، فإنّه لا یمکن إجراء أصالة الصحّة للحکم بخروج تلک العین من ملکه ، وإذا مات لم یکن لورثته التصرّف فیه ؛ لأنّ اللازم العقلی لصحّة المعاملة هو خروج تلک العین من ملکه ، وأصالة الصحّة ـ کما ذکرنا ـ لا تثبت اللوازم العقلیّة لها .

إلا أنّ المشکلة فی هذا المثال عدم جریان أصالة الصحّة فی هذه المعاملة ؛ لما تقدّم من أنّ أصالة الصحّة لا تجری فی الموارد التی لا یحرز فیها قابلیة الفاعل والمورد ، وفی هذا المثال لا یحرز قابلیّة المورد کما هو واضح ؛ لاحتمال وقوع
(صفحه 118)

المعاملة علی ما لم یملک ممّا لا یمکن مبادلته شرعاً بالبیع والشراء .

ولکن یحتمل فی کلام الشیخ أن یرید أنّه بناءً علی صحّة جریان أصالة الصحّة فی هذه المعاملة فإنّها لا تثبت اللازم العقلی فیها ، ولا بأس بالتمثیل إذا کان یراد به بیان الحکم الکلّی أو کان مبنیّاً علی الفرض .

2 ـ المثال الثانی : ما ورد فی کلام الشیخ الأنصاری وإن کان قد نقله عن العلامة وهو : إذا اختلف المؤجر والمستأجر فقال الأوّل : آجرته بکذا إلی شهر ، وقال الثانی إلی سنة ، فلا یمکن إجراء أصالة الصحّة من طرف المستأجر والقول بأنّ المعاملة صحیحة وترتیب آثار الصحّة علیها وامتلاک المنافع إلی سنة ؛ وذلک لعدم إحراز قابلیّة المورد ؛ إذ لم یحرز وقوع المعاملة إلی سنة ، فلا تجری أصالة الصحّة فی عقد الإجارة إلی سنة کما یدّعی المستأجر . نعم ، یمکن جریانها فی أصل عقد الإجارة ، ولکن هذا لا یثبت لازمها العقلی وهو کونها إلی سنة ؛ لأنّه أصل مثبت .

والصحیح عدم جریان أصالة الصحّة فی المقام ؛ لأنّها إنّما تجری ـ کما اُشیر إلیه ـ فیما لو کان المورد محرز القابلیّة ، ولیس المقام کذلک ؛ لاحتمال عدم وقوع عقد الإجارة علی سنة ، ولا معنی محصّل لجریانها إجمالاً کما ورد فی کلمات البعض وأشرنا إلیه فی تقریر هذا المثال ؛ وذلک :

أوّلاً : لعدم ترتّب الأثر علی جریانه ، والأصل العملی إنّما یجری إذا کان یترتّب علیه أثر . وثانیاً : إنّ جریانها فی الإجارة إجمالاً هو من الموارد التی لم یحرز فیها القابلیّة ، ولیس من المعلوم إرادة الشیخ لهذا المعنی ، ولیس فی کلامه ما یشیر إلی ذلک ، وعلیه فهذا المثال مناقش فیه ، إلا أن یقال إنّه مجرّد افتراض لا غیر .

3 ـ المثال الثالث الذی نقله الشیخ الأنصاری عن العلامة الحلّی( [4]): ما إذا اختلف المؤجر والمستأجر فی تعیین الاُجرة أو المدّة وعدم تعیینهما ، فالمؤجر
(صفحه 119)

ینکر التعیین فیکون مدّعیاً لفساد الإجارة ، والمستأجر یدّعی التعیین فهو مدّع للصحّة ، وفی مثل المورد یقدّم قول المستأجر إذا لم یتضمّن أمراً زائداً . هذا ما نُسب إلی العلامة . وجاء فی توضیحه : أنّه إذا ادّعی المستأجر التعیین باُجرة المثل أو أکثر ، فإنّ ادعاءه لا یتضمّن هنا شیئاً زائداً علی أصل صحّة الإجارة ؛ ولذا یقدّم قوله بمقتضی أصالة الصحّة ، وهذا بعکس ما لو کان ادّعاؤه التعیین بأقلّ من اُجرة المثل ؛ فإنّ دعواه حینئذٍ قد تضمّنت أمراً زائداً علی اُجرة المثل ممّا یوجب دخول الضرر علی المؤجر ؛ ولذا لا وجه لتقدیم قوله ، وأصالة الصحّة تجری ولکن لا تثبت الزائد ؛ باعتباره من لوازم الإجارة الصحیحة ؛ لعدم حجّیّة الأصل المثبت .

وهذا المثال مخدوش فیه أیضاً ؛ لأنّ القدر المتیقّن من السیرة المتشرّعیّة هو العمل بأصالة الصحّة فی غیر هذه الموارد المتنازع فیها والتی یکون فیها أحدهما منکراً والآخر مدّعیاً أو کلٌّ منهما یدّعی شیئاً معیّناً ، وعلیه فإذا لم تقطع بعدم جریان السیرة فی هذه الموارد بل یرجع المتشرّعة إلی القضاء فلا أقلّ من الشکّ فی وجود هکذا سیرة . فالنتیجة : هی عدم خلوّ المثال الثالث أیضاً من المناقشة .
النقطة السابعة ـ فی التعارض بین أصالة الصحّة والاستصحاب :

وقع خلاف کبیر بین الاُصولیّین فی تقدیم الاستصحاب أو أصالة الصحّة فیما لو تعارضا ، ولا داعی لنقل کلامهم ومناقشته فی المقام ؛ وذلک لوضوح تقدّم أصالة الصحّة باعتبارها أصلاً موضوعیّاً فی قبال الاستصحاب الحکمی ، فتتقدّم أصالة الصُحّة ـ مثلاً ـ فی معاملة ما علی استصحاب عدم النقل وأصالة الفساد ؛ وإلا کان تشریعها لغواً . وبعبارة اُخری : إنّ الحکم بصحّة هذه المعاملة مبنیّ علی أنّ أصالة الصحّة تنفی تعبّداً موضوع الاستصحاب بعدم النقل وأصالة الفساد ، کما أنّه لو لم تتقدّم أصالة الصحّة فإنّ موارد الابتلاء بذلک قلیلة . والحاصل : فإنّ العمل فی مثل هذه الموارد هو تقدیم أصالة الصحّة علی أصالة الفساد کما لا
(صفحه 120)

یخفی .

وأمّا إذا تعارض الاستصحاب الموضوعی مع أصالة الصحّة فالظاهر تقدّمه علیها ؛ لأنّه مع جریان الاستصحاب یزول الشکّ فی الصحّة والبطلان ـ الذی هو مورد أصالة الصحّة ـ تعبّداً ، ولیس من الواضح وجود السیرة علی العمل بأصالة الصحّة فی مثل هذه الموارد ، وهذا بخلاف دلیل الاستصحاب ؛ فإنّه دلیل لفظی له عموم وإطلاق ، ومن المعلوم عدم الفرق بینهما حینئذٍ سواء کانا أمارتین أو أصلین ، أو أحدهما أمارة والآخر أصلاً عملیّاً . فإذا وقعت معاملة ـ مثلاً ـ علی مائع کان خمراً ، وشککنا الآن أنّه تحوّل خلا حتّی تصحّ المعاملة ، أو لا فلا تصحّ ؟ فإنّ أصالة الصحّة هنا تحکم بالصحّة ، والاستصحاب یثبت خمریّة المائع ، فتکون المعاملة باطلة . ومن الواضح جریان الاستصحاب هنا والحکم بخمریّة المائع وفساد البیع ؛ وذلک لعدم معلومیّة جریان أصالة الصحّة فی مثل هذه الموارد ، الأمر الذی یعنی نفی التعارض من الأصل ، هذا أوّلاً . وثانیاً : لزوال الشکّ فی صحّة المعاملة بجریان الاستصحاب ، فلا تصل النوبة إلی إجراء أصالة الصحّة .

وبالطبع ، فإنّ هذا المثال فرضیّ أیضاً ؛ لعدم جریان أصالة الصحّة فی مثل هذه الموارد التی لا یحرز فیها قابلیّة المورد .
الهوامش

( [1] ) فرائد الاُصول ( قاعدة أصالة الصحة ) : 724 . فما بعد ، ط ـ جماعة المدرسین .

( [2] ) مصباح الاُصول 3 : 332 .

( [3] ) فرائد الاُصول : 727 ، مصباح الاُصول 3 : 332 .

( [4] ) المصدر السابق .
منبع: مجله فقه اهل البیت (عربی) »  بهار 1385 - شماره 45 (از صفحه 109 تا 120)
آخر تحديث: السبت, 02 أكتوبر 2010 12:57
 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010