الرئيسية الجزائیات قانون أصول المحاكمات والإجراءات القانونية من تراث علمائنا: النسخ فی الشریعة الإسلامیة
من تراث علمائنا: النسخ فی الشریعة الإسلامیة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الجمعة, 20 ديسمبر 2013 00:00

الكاتب : محمد سعاد جلال،
من تراث علمائنا النسخ فی الشریعة الإسلامیة
بقلم.د/محمّد سعاد جلاک
أیها السادة:
سلام اللّه علیکم و رحمته،و بعد:
1-للمناسبة المللحوظة فی منهج البحث بین الدلالة اللغویة للکلمة،و الاصطلاح المؤسس‏ علیها،یلزمنا تحقیق الدلالة اللغویة لکلمة النسخ،و المعنی الاصطلاحی الذی یریده علماء الأصول منها،ذلک المعنی الذی یظل بسبیل من النظر إلی المدلول الأول دائما

بیان النسخ:

یطلق النسخ فی اللغة علی الإزالة:یقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته،و نسخت الریح‏ آثار القدم إذا أزالته،و نسخ الشیب الشباب کذلک.

و یطلق علی النقل و التحویل،یقال:نسخت‏ النحل العسل إذا نقلته من خلیة إلی خلیة.

و من دلالة النسخ علی النقل استعمالهم اللمة فی تناسخ المواریث،لانتقالها من قوم إلی قوم، و تناسخ الأرواح لانتقالها بذاتها من بدن إلی بدن، عند من یرون ذلک مذهبا.

و کعادة الأصولیین دائما،أو کما هو طابع‏ الثقافة الإسلامیة،فی اتجاهها إلی الدقة المتناهیة، و التمییز الفاحص بین الحقائق،اختلف العلماء أی‏ هذین المعنیین المذکورین هو المعنی الحقیقی دون‏ الآخر،أهو الإزالة؟أم هو النقل؟لیس للکلمة عند الاستعمال إلا هذان المعنیان،فلابد أن یکون‏ أحدهما هو احقیقی دون الآخر؛دفعا لفرض‏ اشتراکهما فی لفظ واحد یدل علی کل کل منهما؛لأن‏ اشتراک المعاین تحت لفظ واحد تعدد وضعه لکل‏ منها.مما یأباه واجب الحکمة فی وضع اللغات‏1.

و نحن نختار ما ذهب إلیه الإمام الرازی من أن‏ معنی النسخ هو الإبطال.

قال الرازی:

(فقد رأینا اللفظ مستعملا فی المعنیین علی‏ (1)عبد العزیز البخاری:شارح البزدوی.

 (صفحه 895)

سواء،فالتمسنا مرجحا،فوجدنا النقل أخص من‏ الإبطال لأنه حیث وجد النقل فقد عدمت صفة و حل عقیبها صفة أخری؛فإن مطلق العدم أعم‏ من عدم یحصل عقیبه شی‏ء آخر،و إذا دار اللفظ بین العام و الخاص کان جعله حقیقة فی العام‏ أولی)2.

و لکن لم یقل لنا الرازی:لماذا یکون جعل‏ اللفظ حقیقة فی المعنی العام أولی من جعله کذلک‏ فی المعنی الخاص؟

و لعله ترکنا لنفهم أن المعنی العام من قبیل‏ البسیط،فیکون فی مراحل تطور الکلمة سابقا علی المعنی الخاص الذی یعد-لاشتماله علی المطلق‏ و زیادة من قبیل المرکب،فیترجح أن تکون‏ الکلمة حقیقیة فی المعنی الأسبق وجودا،و قد ورد من ذلک قوله-تعالی:

و ما.رسلنا من قبلک رّسول و لا نبیّ‏ء إلاّ إذا تمنّی‏ ألقی الشّیطن فی أمنیّته فینسخ اللّه ما یلقی الشّیطن‏ ثمّ یحکم اللّه ءایته.

فلیس ها هنا معنی طلا الإزالة و الإبطال،و الأصل أن نفهم ذلک علی أنه‏ حقیقة اللفظ لا مجازة؛لأن ذلک علی أنه‏ حقیقة اللفظ لا مجازة؛لأن ذلک موجب‏ الإطلاق.

2-و قد یکون اختلاف الأصولیین فی تعریف‏ الکلمة من الجانب اللغوی أیسر یسرا من‏ اختلافهم الذی تقدم علیه الآن فی بیان معناها الأصولی.و لن نستطیع الدوران کثیرا وراء اختلافاتهم المتشعبة علی ما تری عند الآمدی، و عبد العزیز البخاری شارح البزدوی،و لکنا سنقتصر علی ذکر طائفة من التعریفات المعتبرة عند أصحاب الفن.و المقصود من ذلک إنما هو إیجاد أدلة طائلة لإیضاح الفکرة،و تمثیل وجهات نظر أصحاب المذاهب المختلفة:

أولا:هذا التعریف الذی اختاره الغزالی،و لعله‏ یمثل وجهة نظر المذهب الشافعی،و إن کان‏ الآمدی یضع لنفسه تعریفا مستقلا عنه:

(النسخ هو:الخطاب الدال علی ارتفاع‏ الحکم الثابت بالخطاب المتقدم،علی وجه لو لاه‏ لکان ثابتا مع تراخیه عنه).

و یلزمنا شرح هذا التعریف المفصل،الذی‏ نؤثره کما آثره الغزالی-برغم بعض المآخذ التی‏ وجهت إلیه.

فعند استعراض عملیة النسخ نفترض وجود خطابین شرعیین،أثبت کل منهما حکما شرعیا أحدهما متقدم و الآخر متأخر عنه،إذا ظهر المتأخر من قبل الشارع دل ظهوره علی زوال‏ الحکم الثابت بالخطاب المتقدم،و انتهاء مدته فی‏ علم الشارع،و أن اعتبار تکلیفنا به قد بلغ أجله، و یسمی الحکم الزائل منسوخا،و الخطاب الذی‏ دل علی زواله ناسخا.

و یشترط أن یکون الحکم المنسوخ حکما شرعیا-لا حکما عقلیا:فرفع ما یسمی‏ بالإباحة الأصلیة،أو براءة الذمة الثابت بحکم‏ العقل،إذا وقع بخطاب شرعی لا یسمی ذلک‏ نسخا؛لأن إیجاب العبادات فی الشرع ابتداء یزیل‏ حکم العقل من براءة.الذمة،و لا یسمی ذلک‏ نسخا.

و یشترط أن یکون الخطاب الثانی،و هو الناخ متأخرا عن الأول فی الزمان،فلو کان‏ (2)الفخر الرازی-محمد بن عمر-صاحب التعبیر.

 (صفحه 896)

موصولا به کالاستثناء،و الشرط،و الغایة، لا یکون شی‏ء من ذلک ناسخا و لا التقیید به‏ نسخا.بل قد یسمی فی بعض الاصطلاحات‏ تخصیصا،و فی بعضها بیان تغییر.

و ذلک کقوله تعالی:
و الّذین هم‏ لفروجهم حفظون

(5)
إلاّ علی أزوجهم

و قوله‏ -تعالی:
إن جاءکم فاسق بنبإ فتبیّنوا

؟؟؟، و قوله-تعالی:
ثمّ أتموا الصّیام إلی الّیل

؟؟؟. إلی آخر هذه الأمثلة الجزئیات.

و نشترط أن یون الخطاب الأول المثبت‏ للحکم المنسوخ مصوغا بصورة تدل علی استمرار الحکم الثابت،حتی یتصور أن یکون الخطاب‏ الناسخ دالا علی عدم استمراره،و کاشفا لما حجب عنا من انتهاء التکلیف به.فلو فرضنا أن‏ هذا الخطاب المتقدم قد کان مصوغا بصورة تفید التأقیت لما صح أن یکون حکمه منسوخا عند زواله،و طروء خطاب بعده یناقضه.

قال-تعالی:
ثمّ أتمّوا الصّیام إلی الّیل،

إن هذا النص أو هذا الخطاب یفید تأقیت الحکم‏ الثابت به،فلو فرضنا أن خطابا آخر لحق به من‏ قبل الشارع عند غروب الشمس یقول:
(کلوا و اشربوا)

لما اعتبرت هذه العملیة نسخا؛لأن‏ الخطاب الثانی لم یرفع شیئا باقیا من حکم الخطاب‏ المتقدم.

کما یشترط فی هذا الخطاب الأولی أیضا ألا تأخذ صیاغته صورة التأبید کقوله صلّی اللّه علیه و سلم: (الجهاد ماض إلی یوم القیامة)،و کقوله‏ -تعالی:
خلدین فیها أبدا

فإن مثل هذا الخطاب لا یلحقه النسخ؛لأن صیغته التی أعلنها الشارع عن نفسه أبانت أنه لیس فی علمه احتمال‏ نسخ مثل هذا الحکم.

و یضاف إلی هذا الموضع أیضا-أن النسخ‏ لا یلحق واجبات العقول:فیمتنع من أمر الشارع‏ أن یسوق خطابا یتضمن نسخ الحکم بوجود اللّه، أو بوحدانیته،أو بتنزیهه عن الولد و الشرکاء.أو یتضمن نسخ الحکم بوجوب شکر المنعم، و ما شاکل ذلک من الأمور التی یکون تحققها مما یحکم العقل بوجوبه.و إن خالف فی هذه المسألة التی یبدو-کأنها بدهیة-بعض أصحاب‏ المذاهب‏3.

ثانیا:عرف بعض الحنفیین النسخ بقوله:(هو بیان انتهاء الحکم الشرعی المطلق الذی فی تقدیر أو هامنا استمراره،لولاه-أی-لو لا هذا البیان-بطریق التراخی).

و یمکن فهم هذا التعریف علی ضوء شرح‏ التعریف السابق،و إن اختلف عنه باستعمال‏ کلمة«البیان»بدلا من کلمة الخطاب فی‏ التعریف السابق،و ربما کانت هذه الکلمة فی‏ موضعها أدق من«الخطاب»؛لأنها أمشل لصور النسخ من جهة إذ تشمل صریحا ما کان منم النسخ‏ عملیا بفعل النبی صلّی اللّه علیه و سلم:کالذین رووا أن النبی‏ صلّی اللّه علیه و سلم أمر بقتل شارب الخمر إذا شربها للمرة الرابعة-فجاؤوه بإنسان شرب الخمر للمرة الرابعة،فلم یقتله‏4-فکان ذلک نسخا بالفعل‏ لا بالخطاب،فأولی أن یسمی النسخ بیانا،و إن‏ کان فعله صلّی اللّه علیه و سلم لا یعری من أن یکون فی معناه‏ خطابا.

(3)ابن حزم فی الإحکام.

(4)الآمدی-الإحکام-النسخ.

 (صفحه 897)

و من جهة أخری:فإن کلمة«البیان»أکثر کشفا لفلسفة النسخ،و هو أنه علی الحقیقة بیان‏ من اللّه لما کان حجب عنا منم حقیقة بعض‏ ما کلفنا به.و یری ابن حزم أن النسخ نوع من‏ أنواع تأخیر البیان؛لأن تأخیر البیان عنده ینقسم‏ إلی قسمین:

أحدهما:یقع علی اللفظ المجمل،یظل علی إجماله‏ حتی یحین وقت التکلیف بحکمه،فیرد عن‏ الشارع ما یفسره للمکلف.

و ثانیهما:عمل کلفنا اللّه به فی وقت معین‏ لا نظنه مستمرا-و قد سبق فی علم اللّه أنه سینقلنا عنه إلی التکلیف بغیره فی وقت آخر،فإذا جاء هذا الوقت الآخر،بین لنا ما کان غائبا عنا من‏ علمه،و استأنف تکلیفنا بحکم غیر هذا الحکم‏ المتقدم.

و فی تقریر هذا المعنی،یسوق لنا البزدوی‏ إحدی عباراته الرصینة إذ یقول:(و هو-أی‏ النسخ-فی حق صاحب الشرع بیان محض لمدة الحکم المطلق الذی کان معلوما عند اللّه،إلا أنه‏ أطلقه فصار ظاهره البقاء،فی حق البشر،فکان‏ تبدیلا فی حقنا،بیانا محضا فی حق صاحب‏ الشرع،و هو کالقتل لأنه بیان محض للأجل؛ لأنه میت بأجله بلا شبهة فی حق صاحب الشرع، و فی حق القاتل تغییر و تبدیل).

ثالثا:و للغایة التی توحی بها کلمة«البیان»دون‏ کلمة(الخطاب)فی تفسیر النسخ جاء تعریف‏ ابن حزم الظاهری:«النسخ:بیان انتهاء زمان‏ الأمر الأول فیما لا یتکرر.و یرید بغیر المتکرر الذی یدخله النسخ ما کان الخطاب به مطلقا. و یرید بالمتکرر الذی لا یعتبر.بیان انتهاء زمانه‏ نسخا،ما کان الخطاب به دالا علی التأقیت.

ثم نقل تعریفا آخر عن بعض العلماء-عرفنا عن طریق الآمدی-أنه من المعتزلة قال:(إن‏ النسخ:استثناء الزمان الثانی من إطلاق الفعل علی‏ التأبید)و هو ظاهر.

و أکثر هذه التعریفات-تدور علی معنی‏ واحد،و هو أن النسخ:بیان لانتهاء حکم وضع‏ فی علم اللّه علی قدر زمان معین،و لیس اعتراضا علی حکم وضع علی قدر الزمان کله.

و هو المعنی ذو الأثر الذی سنصحبه معنا إلی‏ مناقشات قادمة.

>الاستدلال علی ثبوت النسخ

1-یلمح الدارس لموضوع النسخ من خلال‏ الأقوال التی نجدها منقولة عن الصحابة و التابعین،کابن عباس..و ابن مسعود، و عکرمة،و مجاهد،و الحسن،و قتادة، و غیرهم،و من تأصیل الأئمة،و علماء الأصول‏ من سنیین و شیعة و ظاهریة و معتزلة-أن مسألة النسخ کانت واقعا مستقرا فی التفکیر الإسلامی، و أن الجو الفکری المتبادل بین المختلفین فی مواد المسائل المنسوخة و الناسخة،إنما تنهض شاهدا علی أن موضوع النسخ من الموضوعات التی سلم‏ بوجودها المسلمون من أول الأمر فی الشریعة الإسلامیة.و أن أیة محاولة طارئة و متأخرة فی‏ الزمان ترمی إلی القول بعدم وجود النسخ فی‏ الشریعة،أو فی القرآن إنما هی محاولة مفتعلة علی‏ ذلک الوضع المستقر لفکرة النسخ،مهما اصطنع‏ لها أصحابها من المبررات،و مهما تهیأ لهم من‏ محاولات الاستدلال.

 (صفحه 898)

إنه لمن الصعب أن تصدق أن ابن مسعود، و ابن عباس،و علی بن أبی طالب و غیرهم‏ یتکلمون فی النسخ،و یختلفون فیما بینهم‏ اختلافات تصل إلی حد إعلان المباهلة حول بعض‏ الآیات..فیقول ابن مسعود فی بعض واقعات‏ النسخ:من شاء باهلته أن سورة النساء القصری‏ نزلت بعد سورة النساء الطولی،أی فنسخت‏ الآیة التی یعنیها.ثم یکون النسخ فی آیات القرآن‏ أو فی السنة أمرا غریبا و خطأ واقعا فی الدین.

و مهما لاحظنا أن من المنقول عنهم فی الناسخ‏ و المنسوخ ما لا ینطبق علیه حد النسخ عند الأصولیین،فإن حدیث هؤلاء الصحابة و التابعین‏ عن النسخ حدیثا مستقرا متبادلا فیما بینهم،فی‏ الوقائع إلی یتدار سونها کاف وحده فی الدلالة علی‏ وجود مبدأ النسخ،و ثباته فی الشریعة الإسلامیة.

2-و حین یتحدث الکتاب المسلمون عن‏ المنکرین للنسخ لا یذکرون فی المقام الظاهر من‏ حدیثهم إلا الیهود،و یشیرون بمنتهی عدم‏ الاکتراث إلی بعض مجهل من المسلمین، لا یعرف أشخاصهم،و لا زمان وجودهم‏ و لا مستند رأیهم علی التحدید،قول الفخر الرازی:(و یروی عن بعض المسلمین إنکار النسخ)و لا یعنی بالزیادة فی تعریفهم علی هذه‏ الإشارة الوجیزة،و کقول الإمام البزدوی علی بن‏ محمد:و قد أنکر بعض المسلمین النسخ،لکن‏ لا یتصور هذا القول من مسلم مع صحة عقد الإسلام.

و تستطیع أن تقدر فی هذه العبارة العنیفة،من‏ تغلیظ الحکم،و قسوة النظر عی من ینکر وجود النسخ فی الشریعة،هذا القول لا یتصور من‏ مسلم مع صحة عقد الإسلام.

3-و لنبحث عن البعض المجهل الذی أشار إلیه‏ الرازی و الإمام البزدوی-رضی اللّه عنهما:إن‏ عبد العزیز البخاری شارح البزدوی دلنا علی هذا البعض المنکر للنسخ فی نقل البزدوی و سماه،بأنه‏ أبو مسلم الأصفهانی محمد بن بحر الذی نتکلم‏ عنه فیما بعد.

فمن یکون یا تری ذلک البعض المجهل الذی‏ عناه الفخر الرازی؟أهم جماعة آخرون غیر أبی‏ مسلم؟.أم المقصود أبو مسلم نفسه؟

إن الفخر الرازی لا یکشف لنا عن هذه‏ المسألة-و فی أثناء درسنا للآیات التی یقع فیها الاختلاف حول الناسخ و المنسوخ فی تفسیره‏ الکبیر لا یذکر لنا إلا اسم أبی مسلم فی الجانب‏ الذی یتأول فیه للآیات المسنوخة،لیخرجها عن‏ حد النسخ.

و فی بعض؟؟؟ذکر لنا اسما آخر هو اسم أبی‏ بکر الأصم،أثناء التوفیق بین بعض الآیات‏ المتنازع علی نسخها،و لکن هذا لا یکفی؛لأن‏ نظن أن أبا بکر الأصم،کان اسما آخر ینضم إلی‏ اسم أبی مسلم فی إنکار النسخ؛لأن القائلین‏ بالنسخ أنفسهم یبذلون نفس المحاولات للتوفیق‏ بین الآیات التی تعطی التعارض بظاهرها،نأیا عن‏ طریق النسخ؛لأن النسخ باتفاق العلماء آخر ما یصار إلیه فی فهم آیات القرآن،فلعل أبا بکر الأصم هذا کان من هذا الفریق.

علی أننا وقعنا مصادفة فی الإحکام لابن حزم‏ علی نص قاطع فی تحدید موقف أبی بکر الأصم.

فی أثناء نقل ابن حزم لأقوال العلماء الذین
 (صفحه 899)

یهذرون العمل الواحد،ذکر نقلا عن الأصم‏ یتضمن اعترافه بالنسخ یقینا.

ثقال ابن حزم:قال أبو بکر کابن کیسان‏ الأصم البصری:لو أن مائة خبر مجموعة قد ثبت‏ أنها کلها صحاح إلا واحدا منها لا یعرف بعینه أیها هو قال:فإن الواجب التوقف عن جمیعها. فکیف و کل خبر منها لا یقطع علی أنه حق‏ متیقن،و لا یؤمن فیه الکذب،و المنسخ‏ و الغلط؟.انتهی کلام الأصم.

و ظاهر أن موضع الشهادة فیه علی ما؟؟؟ هو کلمته الأخیرة،و لا یؤمن فیه الکذب، و النسخ،و الغلط،فهذا إقرار منه بموضوع‏ النسخ.

4-إذن نستطیع أن نجزم بأن الاستقرار العلمی‏ إلی الآن و بحسب المصادر التی بأیدینا لم یستطع أن‏ یقدم لنا من بین علماء الملسمین اسما معینا یذهب‏ إلی إنکار النسخ غیر أبی مسلم-ذلک المفکر الذی یثیر ضجة کبیرة فی عالم التفسیر و الفقه‏ بنظریته المبتدعة فی إنکار النسخ.

و قد ترک لنا أبو مسلم من المصادر التی یتحتم‏ أن یکون ضمنها هذه النظریة-کتابین أحدهما کتاب:«جامع التأویل لمحکم التنزیل»،و هو تفسیر ضخم یقع فی نحو أربعة عشر مجلدا،کتبه‏ علی طریقة المعتزلة.

و فی نقول جولدزیهر:إنه یبلغ سبعة و عشرین‏ مجلدا،و قد مدحه بعض الکاتبین‏5،6القدماء بأنه لم یؤلف مثله-و هی عبارة تقلیدیة لا تفید غیر التزکیة لکن هذا الکاتب أشار بعد هذه‏ التزکیة إلی أن ضخامة الکتاب من بعض‏ الفضول.

و ثانی الکتابین:کتاب الناسخ و المنسوخ، و مبلغ علمی أن هذین الکتابین لم یصلا إلینا،و إلا کنا قد وجدنا فی حرابهما الواسعة،و مادتهما المباشرة معرفة أوسع و أدق،و ذات أصالة بهذه‏ النظریة الجدیدة التی خرج بها صاحبها علی‏ الناس،فی أواخر القرن الثالث،و مطلع القرن‏ الرابع الهجری.

5-و قد استطاع الفخر الرازی أن یقدم لنا نماذج‏ لمحاولات أبی مسلم فی التوفیق بین الآیات الناسخة و المنسوخة نعود إلیها فیما بعد،و لکنه لم یقدم لنا بالذات الأصل الذی اعتمده فی إنکار النسخ.إن‏ معرفة هذا الأصل ذات خطر کبیر فی تکییف‏ الموضوع و الحکم فیه،و لا سیما بالنسبة لمن‏ یحاولون تقلید أبی مسلم فی طریقة التوفیق بین‏ الآیات المنسوخة و الناسخة،و یحسبون الخطب فی‏ ذلک سهلا،مع أن انکشاف الأصل الذی بنی‏ علیه أبو مسلم«منع النسخ»قد یکون علی درجة من ظهور البطلان و مصادمة النصوص،کالقول‏ بالبداء أو غیره-یقتضی رد مذهبه ردا قاطعا بغیر اتفات إلی أسلوبه فی التوفیق بین الآیات مووضع‏ النسخ.

(5)الذریعة إلی کتب الشیعة.

(6)فی مکتبة الأزهر مخطوط باسم أبی مسلم-غلط فیه بعض الناس-لکنه لیس هو المعنی هنا،بل هو رجل آخر من علماء القرن السادس.

 (صفحه 900)

و قد یدلنا هذا المعنی علی مبلغ المجازفغة،عند من یسارع إلی الأخذ بالجانب التطبیقی لمذهب‏ لا تعرف أصوله و لا قواعده،التی حصل‏ التطبیق علی أساسها غیر المنظور.

6-و الآن یتحتم علینا أن نقدم تعریفا موجزا عن‏ أبی مسلم هذا و یظهر من الشذرات غیر التحلیلیة-التی تنقلها کتب التراجم عنه أنه کان‏ عقلیة عمیقة متعددة الجوانب.و قد یفاجئنا من‏ أمره أن لم یکن رجلا«أکادیمیا»یعیش فی محراب‏ الدرس،منقطعا للبحث العلمی،علی طراز الجاحظ،أو النظام،أو عمرو بن عبید،أو غیرهم من شیوخ المعتزلة ذوی المذاهب،الذین‏ یشارکهم نحلة الاعتزال،بل کان رجل سیاسة و دعوة و إمارة،کما کان علی حد تعریف صاحب‏ معجم الأدباء(کاتبا بلیغا مترسلا جدلا،و کان‏ ینظم الشعر بالفارسیة فینقل للعربیة).

و من شعره الفارسی المنقول للعربیة:

یا للشباب و غصنه النضر و العیش فی أیامه الزهر لو دام لی عهد المتاع به‏ و أمنت فیه حواث الدهر لکنه لی معقب هرما و هو النذیر بآخر العمر

و یزعم بعض کتاب الشیعة،مثل صاحب‏ «الذریعة»أنه کان شیعیا؛لأنه تولی الکتابة لمحمد بن زید الداعی من آل البیت-رضی اللّه‏ عنهم.

و لو اعتبرنا کل محب لآل البیت،و عاملا فی‏ خدمتهم شیعیا-بالاصطلاح المذهبی-لکان‏ کل مسلم غیر منافق القلب شیعیا.

علی أن هذا الرجل کان والیا من قبل المقتدر العباسی علی أصفهان و ما حولها من بلاد فارس، و ظل علی ولایته حتی أخرجه منها سلطان بنی بویه‏ سنة إحدی و عشرین و ثلاثمائة.فدعوی تشیعه مع‏ عباسیته الرسمیة هذه مسألة تحتاج إلی التریث.

و إن کنا نلحظ فی تاریخ الانقسامات المذهبیة فی الإسلام أن المعتزلة کانوا أقرب إلی الشیعة منهم‏ إلی أهل السنة.

و مهما یکن من أمر فإن الومضشت الکاشفة التی تعبر إلینا من کتب التراجم عن هذا المفسر المتکلم الأدیب تقنعنا بأنه کان-فی الثقافة الإسلامیة-شخصیة علمیة خصبة،شدیدة الخصوبة،و أنه کان من طراز تلک الشخصیات‏ النادرة،التی یلتقی فی تکوین ملکاتها العلم و الفن‏ معا..فتکون بوسیلة الوجدان من ناحیة، و بوسیلة المنطق من ناحیة أخری،ذات قدرة نافذة علی الإدراک العمیق و التأمل الشامل.

یذکره بعض أئمة المذهب الحنفی متعجبا من‏ خلافه لعامة المسلمین فی النسخ مع تقدمه فی العلم‏ و الثقافة،فیقول عنه:و رجل معروف بالعلم‏ و إن کان بعد من المعتزلة،و له کتاب کبیر فی‏ التفسیر،و کتب کثیرة،فلا أدری کیف وقع‏ هذا الخلاف منه؟؟؟-أی فی النسخ و قد ولد أبو مسلم سنة أربع و خمسین و مائتین و توفی سنة اثنتین‏ و عشرین و ثلاثمائة،رحمة اللّه علیه.

یتبع
المآخذ:الازهر » شماره 434
آخر تحديث: الجمعة, 20 ديسمبر 2013 19:47
 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010