الرئيسية الجزائیات العام مشروعیة التصرف فی جسم الآدمی فی القانون الوضعی و الفقه الإسلامی
مشروعیة التصرف فی جسم الآدمی فی القانون الوضعی و الفقه الإسلامی PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الأحد, 16 ديسمبر 2012 03:00

الكاتب : سعید عبدالسلام،




مشروعیة التصرف فی جسم الآدمی فی‌ القانون الوضعی و الفقه الاسلامی

للسید الدکتور/سعید عبد السلام‌ کلبة الحقوق-جامعة المنوفیة

مقدمة:

لقد أوشک القرن العشرین‌ علی الإنتهاء و لا زالت الأبحاث‌ مستمرة حول أعضاء الجسم‌ البشری.و لا زال الجدال‌ مستمرا بین فقهاء القانون‌ الوضعی و علماء الشریعة الاسلامیة بین مجیز للتعرف‌ سواء کان بالبیع أو الهبة أو الوصیة و بین منکر لهذه‌ التصرفات.و یرجع هذا الجدال إلی حقیقة الجسم‌ البشری الذی خلقته الإرادة العلیا التی تسمو علی فکر البشر المادی.فهذا الخلق بدأ من العلقة ثم من المضغة ثم‌ عظاما ثم کسی العلی القدیر هذه العظام لحما.فالجسم هو السیاج الذی تتجسد فیه‌ الروح‌1.

و لقد أحدث التطور الطبی‌ فی هذا العصر الحدیث ضجة علمیة حول مشروعیة التصرف فی هذا الجسم‌ البشری.و خصوصا إزاء النجاح الفائق الذی حققته‌ عملیات نقل عضو من شخص‌ سلیم إلی شخص مریض کما هو الحال فی عملیات ترقیع‌ القرنیة أو زرع الشعر أو نقل‌ الکلی أو زرع القلب و إلی غیر ذلک من العملیات غیر المألوفة فی النطاق الطبی.

کل ذلک أدی إلی تطویع‌ هذا الجسم البشری لکی یکون‌ مجالا خصبا لمثل هذه‌ التصرفات الخطیرة.و إزاء هذه المخاطر التی تهدد کیان‌ الانسان.أصبح القانون‌فی‌ خدمة الإنسان.فلم ینظر إلیه‌ علی أنه صاحب الحق فی هذا الجسد و إنما نظر إلیه نظرة شمولیة أی نظرة قانونیة شاملة لحمایة هذا الجسم‌ البشری فی کیانه المادی‌ و المعنوی و مشاعره و عواطفه‌ و صورته و حیاته الخاصة و کذلک الأسرار و أخص هذه‌ النظریات فی القانون المدنی‌ المصری هی حق الإنسان فی‌ وقف الاعتداء علی أی حق‌ من الحقوق اللصیقة بالشخصیة.و فی مجال حمایة الکیان المادی للإنسان حرص‌ القانون علی حمایة الجسم ضد أی اعتداء یقع علیه من‌ الغیر.و قد امتدت هذه الحمایة إلی نطاق حمایة الشخص ضد تصرفه فی جسمه.و هو ما سیکون موضع هذا البحث. و سیرا وراء الاتجاهات التی‌ أبرزت أهمیة هذه الدراسة و کان لها الفضل و السبق‌ المعنی فی هذا الشأن فإننا أثرنا علی‌أن تکون هذه الدراسة مقارنة بین الشریعة الإسلامیة و القانون الوضعی.و نشیر بادی‌ء ذی بدء إلی أن هذه‌ الدراسة لیست دراسة نظریة بحته و إنما لها صدی فی الحیاة العملیة و تلک الأهمیة العملیة تتأتی مما نسمعه و نقرأه فی‌ حیاتنا الیومیة سواء کان فی‌ الصحف أو الاعلانات عن‌ شخص یرید من یتبرع له‌ بإحدی کلیتیه مقابل مبلغ من‌ المال یصل إلی آلاف‌ الجنیهات.

فیجب علی رجال القانون‌ ایضاح حقیقة هذه الظاهرة التی طفت علی سطح الحیاة الیومیة و خصوصا عند ما حققت عملیات نقل و زراعة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 80)

الأعضاء البشریة شوطا هائلا فی النجاح المستمر لها.

الأهمیة العلمیة لمشروعیة التصرف فی‌ جسم الآدمی:-

لا یستطیع رجل القانون‌ الذی یرید أن یواکب التقدم‌ الحضاری الحدیث أن ینکر أهمیة البحث فی مدی‌ مشروعیة تصرف الإنسان فی‌ أحد أعضاء جسمه.و ذلک لما ظهر مؤخرا فی العصر الحدیث من تقدم طبی هائل فی‌ نقل عضو من جسم شخص‌ حی أو میت إلی شخص آخر حی.و ذلک لکی ینتفع به‌ شخص مریض.کل ذلک لأن‌ العلوم الطبیة علی تقدمها الحدیث لم تستطیع أنمشروعیة التصرف فی جسم الآدمی فی القانون الوضعی و الفقه الإسلامی تعتمد علی الأجهزة الصناعیة کالقلب‌ الصناعی أو الکلی الصناعیة. فلم یصل هذا التقدم إلی زرع‌ مثل‌هذه الأجزاء الصناعیة فی‌ جسم الانسان حتی نهایة المطاف‌2.و المشکلة الحقیقیة التی تصادف الأطباء الذین یعملون فی هذا المجال‌ هی أنه لم یتم التوصل إلی‌ الآن بصفة قاطعة إلی طریقة لحفظ أعضاء الجسم البشری‌ بعد الوفاة.فهناک مثلا أعضاء فی جسم الانسان لا یمکن بأی‌ حال من الأحوال الحفاظ علیها.و هناک مشکلة أخری‌ أکثر تعقیدا ألا و هی طرد الجسم‌ البشری للأعضاء الغریبة عنه.الأمر الذی دعی هؤلاء الباحثون فی مجال الطب‌ الحدیث إلی الاتجاه نحو جسم‌ الانسان الحی.و هو أمر لا مفر منه.فهم یریدون مزیدا من التقدم الطبی فی هذا المجال حتی و لو فی مقابل‌ التضحیة بالمبادی‌ء الانسانیة.

فأصبح من الأهمیة بمکان‌ البحث فی مدی مشروعیة هذا المساس بجسم الآدمی الذی‌ یعتبر الحقل الخصب الذی‌ یلجأ إلیه الطبیب للحصول‌ علی قطع الغیار البشریة إذا جاز هذا التعبیر.

فی حقیقة الأمر لاقت‌ عملیات زراعة و نقل الأعضاء. رواجا شدیدا فی تلک الآونة من هذا القرن الحدیث.فهذا الرواج یستحق‌من رجال‌ القانون و خصوصا الفقه‌ باعتباره صاحب النظر الثاقب‌ فی معالجة الظواهر القانونیة التی یعشها الانسان کی لا تقع‌ هذه الظاهرة فمعالجة هذه‌ الظاهرة الحیویة یتم بالتعاون‌ و الوفاق بین رجال الطب‌ و رجال القانون.کی یمکن‌ وضع هذه العملیات فی إطارها القانونی السلیم مما یحقق سعادة البشر فالطب یقدم الوسائل‌ الفنیة و رجل القانون یقدم‌ المسار الصحیح الذی یرسمه‌ القانون کی تصبح هذه الظاهرة لا تقع تحت طائلة المسئولیة سواء کانت مسئولیة جنائیة أم‌ مسئولیة مدنیة.و ذلک حتی‌ لا یکون هذا التقدم الطبی علی‌ حساب إهدار حقوق البشر. فنحن نقرأ کثیرا فی هذه الأیام‌ عن حوادث خطف أحد الأشخاص‌3لیس للاعتداء علیه جنسیا أو الاستیلاء علی‌ أمواله و إنما لنزع إحدیت کلیتیه‌ مثلا لبیعها لشخص آخر مریض.تلک الشماکل التی‌ تنتج عن إباحة التعرف فی‌ أعضاء الجسم البشری یجب‌ التصدی لها بحزم حتی لا تتفاقم‌ و ذلک لا یکون إلا بتدخل رجال‌ القانون لوضع الإطار السلیم‌ لممارسة مثل هذا العمل.

و نشیر بداءة إلی أن هذه‌ الدراسة لیست کما سبق أن‌ ذکرنا دراسة نظریة بحته‌ لاجدوی منها ففی مصر علی‌ وجه الخصوص تقدم الطب‌ إلی حد بعید و قطع شوطا هائلا فی مجال عملیات زرع الکلی‌ و ترقیع القرنیة و الجلد.و الذی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 81)

یسترعی الانتباه أننا نجد من‌ یعانی من مرض یحتاج إلی‌ نقل أحد أعضاء الجسم‌ البشری مثل الکلیة أو القرنیة یعلن علی ملأ فی الصحف‌ الیومیة و لاحیاء فی ذلک أنه‌ مطلوب التبرع بکلیة مقابل‌ مبلغ مجزی.و من .جل ذلک‌ یجب ربط هذا البحث بالواقع‌ العملی.فکل هؤلاء الأطباء الذین یجرون تلک العملیات‌ الخطیرة فی حاجة لمعرفة حقوقهم و کیفیة حمایة أنفسهم‌ من طائلة المسئولیة بنوعیها جنائیة و مدنیة ئو مدی اتساق‌ هذه التصرفات مع أحکام‌ الشرع الحنیف کی توضع‌ الأمور فی نصابها الصحیح. و أبلغ دلیل علی ذلک ما قرأناه‌ فی الصحف الیومیة4من‌ سؤال نقابة الأطباء المصریة الموجه إلی السید مفتی‌ جمهوریة مصر العربیة و الذی‌ تفضل فضیلته بالتصریح حول‌ هذا الموضوع و سنعرض له‌ فی حینه.

«مجال البحث»

لقد أثارت نصوص القانون‌ الوضعی سواء کانت فی الدول‌ العربیة أم الدول الأوربیة خلافات حادة بین رجال‌ القانون و علماء الفقه الاسلامی‌ حول إباحة تنازل الشخص‌ عن جزء من جسمه.فقد نظنم‌ المشرع المصری فی القانونین‌ 871 لسنة 0691 الخاص‌ ببنک الدم و القانون 301 لسنة 2691 الخاص ببنک العیون. و نظم المشرع السوری زرع‌ الأعضاء فی القانون 13 لسنة 2791 عملیة زرع الأعضاء البشریة و نقلها من انسان حی‌ إلی آخر حی مریض.و کذلک‌ التشریع الکویتی رقم 3 لسنة 3891 بشأن عملیات زرع‌ الکلی للمرض‌5.

و فی الدول الأجنبیة مثل‌ فرنسا صدر قانون فی‌ 9491/7/7د یبیح التصرف‌ فی قرنیة العین و أصبح فی‌ فرنسا العدید من البنوک‌ لمختلف أجزاء الجسم‌ البشری.و یباشرون مهامهم‌ تحت ادارة السلطة العامة. کل ذلک یشیر إلی إقرار التصرف فی أعضاء الجسم‌ البشری.فکل هذه التشریعات‌ سواء علی المستوی العربی أو الأجنبی أباحت فی نصوص‌ القانون الوضعی التصرف فی‌ أعضاء الجسم البشری.الأمر الذی یؤکد بصفة مستدیمة علی‌ أن هذا التصرف مشروع. فیمکن للشخص أن یوصی‌ بجزء من جسمه بعد الوفاه. و یمکنه أن یتصرف فیه حال‌ الحیاة.

و لقد أعلنت محکمة النقض‌ الفرنسیة فی حکم قدیم لها6. «أن کل شخص یستطیع أن‌ یتصرف فی جثته کما یستطیع‌ أن یتصرف فی أمواله.کل‌ ذلک دون أن تدخل الجثة فی‌ التجارة أو المعاملات» فالتصرف لا یکون الا لأغراض صحیة أو علمیة.

«خطة البحث»

یتناول هذا البحث ثلاثة فصول هی:-

الفصل التمهیدی:سلطة الانسان علی جسده.

الفصل الأول:التصرف‌ فی جسم الانسان الحی و المیت‌ و الأساس القانونی لذلک.

الفصل الثانی:سلطة الانسان علی جسده فی الفقه‌ الاسلامی.

الفصل التمهیدی‌ سلطة الإنسان علی جسده‌ تمهید:-

لقد کثرت الاتجاهات‌ القانونیة فی نظریات الحق‌ خاصة ما یتعلق منها بالحقوق‌ الشخصیة و خصوصا التی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 82)

تتعلق بشخص الإنسان.و قد اتخذ کل من القانون الجنائی‌ و الدستوری فی البدایة موقفا صلبا نحو حمایة الکیان‌ الجسدی للإنسان و قاما بتنظیم‌ العقاب اللازم لمن یرتکب فعلا مخلا بهذه الحمایة.

غیر أن القانون ما لبث أن‌ تخلی عن هذه الحمایة نظرا للتطور الحدیث فی علوم‌ الطب و مفاهیم المجتمعات‌ الأمر الذی سمح بالمساس بکیان‌ الانسان.فقد نادی البعض‌ بمبدأ الحریة المطلقة لجسد الانسان؟و أوضح التشریع‌ مظاهر لتلک الحمایة.و لکن‌ قبل الدخول فی عدم المساس‌ المطلق لجسد الانسان ینبغی‌ أن نوضح ما المقصود بجسد الآدمی الذی یکون له هذه‌ الحریة المطلقة.و ما مدی‌ مشروعیة المساس به‌ و الأساس القانونی لتبریر ذلک‌ و من ثم ینقسم هذا الفصل إلی‌ ثلاثة مباحث هی:-

المبحث الأول:المقصود بجسد الآدمی الواجب حمایته‌ قانونا.

المبحث الثانی:مدی‌ مشروعیة المساس بجسم‌ الانسان.

المبحث الثالث:الاساس‌ القانونی لتبریر التصرف فی‌ جسم الآدمی.

المبحث الأول:المقصود بجسد الآدمی الواجب حمایته‌ قانونا.

یقصد بالإنسان فی مجال‌ الدراسة القانونیة الشخص‌ الطبیعی أو الذات الناطقة7 فالانسان یتکون من عنصرین‌ أساسیین:الجسد و الروح‌ فجسم الإنسان بمفرده لا یمکن‌ أن یکون شخصا کما أن الحیاة لا یمکن أن توجد إلا فی‌ الجسد.فلوجواد الانسان لا بد من أن یتحد الجسد مع الروح‌ التی تعطی لهذا الجسد الحیاة و الأهمیة الوجودیة من حیث‌ الواقع المادی.و قد حسم‌ بعض الفقهاء أعضاء جسم‌ الآدمی إلی ثلاثة أقسام‌8 القسم الأول:أعضاء یابسة، القسم الثانی:أعضاء سائلة. القسم الثالث شعر الآدمی‌ و قد برد هذا الجانب من الفقهاء هذا التقسیم بقوله أن علی هذه‌ الأقسام تدور أسئلة المسلمین‌ مثل هل یجوز للشخص أن‌ یستخدم عضوا فی جسمه أو یتبرع به لشخص آخر مریض‌ یضطر إلیه و هل ذلک یدخل‌ فی نطاق سلطة الانسان علی‌ جسده.

و أول ما یتبادر إلی الذهن‌ عند بحث سلطة الانسان‌ بالتصرف فی جسده هل جسم‌ الانسان قابل للتقدیم بالمال کی‌ یمکن أن یکون محلا للتصرف‌ فیه أم هل جسم الإنسان اسمی‌ من أن یقدر بمال.

تنازع الإجابة علی هذا التساؤل مبدأین فلسفیین‌ متضادین.المبدأ الأول:هو عدم قابلیة جسم الإنسان‌ للتقویم المالی نظرا لسموه. و المبدأ الثانی:ینادی بالحرمة المطلق لجسم الانسان.

(أ)جسم الانسان أسمی‌ من أن یقدر بمال.

کان النص فی القانون‌ الرومانی«لا یعتبر أحد مالکا لجسمه أو لأعضاء جسمه» و من ثم أمکن استخلاص المبدأ الذی بموجبه یعتبر جسم‌ الانسان أسمی من أن یقدر بمال.فلا مجال للتحدث عن‌ قیمة الانسان أو قیمة عضو من أعضاء جسمه.فلا یجوز أن یشبه جسم الانسان بالشیی‌ء و بالتالی لایمکن أن یدخل فی‌ دائرة التعامل أو أن یقوم‌ بمال‌9.

و عند ما صدر قانون اکویلیا الشهیر سنه 764 لم یکن‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 83)

یطبق فی حالات الاصابة أو الأضرار المادیة التی تلحق‌ بجسم الانسان الحر.و إنما کان یطبق فقط علی الرقیق‌ باعتبار هم من الأشیاء النفیسة المملوکة للسید.فهذا القانون‌ لم ینظم الا بعض أحوال‌ مسئولیة الشخص عن اضراره‌ بمال الغیر.

و لقد ظل الاعتداء علی‌ جسم الإنسان الحر خارجا عن‌ نطاق قانون اکویلیا حتی منح‌ البریتور الرجل الحر الذی‌ یصاب بجرح حق المطالبة بغرامة عن طریق الدعوی‌ المقیدة فبالرغم من أن المساس‌ بجسم الإنسان لم یکن معتبرا من الأضرار المادیة إلا أن‌ البریتور سمح استنادا إلی‌ قانون اکویلیا بتوقیع الجزاء علی من یعتدی علی جسم‌ الإنسان الحر.و بهذا تطور المبدأ الذی بموجبه کان یحرم‌ الشخص من الحصول علی‌ تعویض الأضرار التی تصیب‌ جسمه‌01.

و الحقیقة أن هذا المبدأ لم‌ یکن یستهدف منع تعریض‌ الاضرار التی تصیب جسم‌ الإنسان بقدر ما کان یستهدف‌ إبراز سمو جسم الإنسان‌ و عظمته و الإشارة بقدرة خالقه.بل أن المحافظة علی‌ هذا الجسم الذی یتسم بنوع من‌ القدسیة المستمدة من کون‌ الجسم من أروع ما خلق العلی‌ القدیر تستلزم منع الاعتداء علیه و کفالة حمایته بأنجح‌ الوسائل.

(ب)مبدأ الحرمة المطلقة لجسم الإنسان.

مقتضی هذا المبدأ أنه‌ لا یجوز المساس بتاتا بجسم‌ الإنسان.لکن ما هو الأساس‌ الذی یرتکز علیه هذا المبدأ و کیف یمکن استخلاصه.

أساس المبدأ.

وجدت ثلاث اتجاهات فی‌ هذا الصدد لإرساء دعائم مبدأ الحرمة المطلقة لجسم الإنسان‌ أولا:-تأکید المبدأ دون‌ محاولة إیجاد أساس له:-

ذهب جانب من الفقه‌ و القضاء الفرنسی‌11إلی‌ تأکید هذا المبدأ الذی یقصد به‌ بصفة عامة عدم جواز المساس بکل ما یمنع الدین‌ مساسه-و یقصد به فی صدد دراستنا عدم جواز المساس‌ بسلامة الجسم لتعارض ذلک‌ مع مبادی‌ء الدین لکنهم لم‌ یحاولوا تبریر المبدأ باعتباره‌ من المسلمات البدیهیة التی‌ لا تحتاج إلی تأصیل لذلک یجب‌ أن یکون مبدأ مطلقا و أی‌ استثناء علیه لا بد و أن تقره‌ صراحة نصوص القانون.

ثانیا:هل یمکن أن یکون‌ الإنسان موضوعا لحق‌ عینی؟

بالرغم من أن جسم‌ الانسان لا یعتبر من الأشیاء إلا أن الجدال قد ثار لمعرفة ما إذا کان یمکن أن یکون جسم‌ الإنسان محلا لحق عینی. و وجد فی هذا المجال‌ اتجاهین:أولهما:یعتبر الإنسان مالکا لجسمه فله علیه‌ حق ملکیة و ثانیهما:یری أن‌ الإنسان یعتبر صاحب حق‌ انتفاع علی جسمه.و سوف‌ نعرض لکل اتجاه علی حده.

«للانسان علی جسمه حق‌ ملکیة»

کان من الطبیعی أن یتأثر التقنین المدنی الفرنسی‌ الصادر غداة الثورة الفرنسید بالنزعة الفردید و ما تعلنه من‌ فکرة سیادة الفرد و حریته‌ الکاملة و لذلک نجد أن المادة 445 منه تعرف حق الملکیة بأنه الحق فی التمتع‌ و التصرف فی الأشیاء بالطریقة الأکثر اطلاقا
المحاماة » شماره 699 (صفحه 84)

فبلورت هذه الأفکار فی نطاق‌ حق الملکیة.و لذلک ظل فی‌ الأذهان أن حق الملکیة هو النموذج البارز للحق المطلق‌ فمالک الشی‌ء یملک أوسع‌ السلطات و یتمتع بأکبر حمایة و من ثم فقد نادی البعض‌ لتبریر عدم جواز الاعتداء علی جسم الانسان بأن الانسان‌ یعتبر مالکا لجسمه و یستطیع‌ الإنسان التصدی فی مواجهة الکافة بحقه فی سلامة جسمه‌ لکننا نذهب مع بعض الفقهاء إلی أن حق الإنسان فی سلامة جسمه لا یتفق مع الخصائص‌ العامة لحق الملکیة21. و ذلک لأن من المسلم به أن‌ جسم الانسان لیس من الأشیاء لأن الملکیة لا یمکن أن یکون‌ موضوعها إلا الأشیاء.کما أنه من المتفق علیه فقها و قضاء31أن الإنسان‌ لا یستطیع أن یتعرف فی‌ جسمه بالطریقة الأکثر اطلاقا فهناک طائفة من التصرفات‌ لا یمکن أن ترد علی جسم‌ الإنسان فهذا الرأی لا یحمی‌ جسم الإنسان ضد تصرفات‌ الشخص لنفسه.و القول‌ بوجود حق ملکیة یستلزم أن‌ یکون هناک مالکا أی أن یوجد صاحب الحق مستقل عن‌ الموضوع الحق و طبیعة جسم‌ الإنسان تتعارض مع ذلک‌ حیث یتعدد صاحب الحق‌ و محل الحق‌41.کما أن حق‌ الملکیة فی صورته الحدیثة لم‌ یصبح ذلک الحق المطلق.بل‌ أصبحت له وظیفة اجتماعیة من شأنها أن تورد قیودا عدیدة علی سلطة المالک المطلقة.

«للانسان علی جسمه حق‌ انتفاع»

أوضح هذا الاتجاه أن‌ المحافظة علی کل عضو من‌ أعضاء الجسم ضروریة للمحافظة علی سلامة الجسم‌ ککل.و لذلک فالإنسان یجب‌ علهی المحافظة علی کل عضو من جسمه بالصورة التی تلقاها من اللّه.فالجسم مملوک ملکیة رقبة للّه،و لکن اللّه یسمح‌ للإنسان بالتمتع و باستعمال‌ جسمه طوال حیاته و علیه أن‌ یعیده إلی اللّه مالک الرقبة بنفس الصورة التی تلقاها منه.و لذلک یجب علی‌ الإنسان أن یحافظ علی جسمه‌ فیحافظ علی جمیع عناصره‌ و مکوناته و لا یستطیع أن‌ یتصرف فیه لأن التصرف‌ لا یکون إلا للمالک فالإنسان‌ لیس له إلا حق انتفاع علی‌ جسمه.و تهدف هذه النظریة إلی الحد من السلطة المطلقة التی یمکن أن یتمتع بها الانسان تجاه جسمه لو اعتبرناه مالکا إیاه فالقول بأن‌ الإنسان منتفع فقط بجسمه یحد فی سلطاته و خاصة منعه من‌ التصرف فی جسمه فالتصرف‌ یکون للّه فقط.

إلا أن هذه النظریة استهدف للنقد أیضا فهناک‌ خطورة أساسیة لهذه النظریة نتمثل فی التهدید الذی یمکن‌ أن یتعرض له جسم الإنسان لو افترضنا وجود نظام یدعی بأن‌ یرث اللّه فی الأرض.فمن‌ الواضح أن یترتب علی ذلک‌ أن تصبح الدولة مالکة للرقبة أی للجسم و بالتالی نستطیع أن‌ تفعل به ما تشاء.

کما أن حق الانتفاع‌ باعتباره من الحقوق العینید لا یرد إلا علی الأشیاء و جسم‌ الانسان لا یمکن تشبیهه‌ بالشی‌ء.

ثالثا:فکرة استقلال‌ الشخص الطبیعی:

نظرا للانتقادات التی‌ وجهت إلی نظریة حق المنفعة ظهرت النظریة الحدیثة فی‌ تفسیر مبدأ الحرمة المطلقة لجسم الإنسان و التی تتمثل فی‌ استخلاص فکرة استقلال‌ الشخص الطبیعی کأساس‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 85)

لمبدأ الحرمة المطلقة لجسم‌ الإنسان.فکل شخص یجب‌ أن یعتبر مقدسا و مصونا بالنسبة للغیر فلا یجوز مساسه‌ بتاتا.و هذا المبدأ هو الذی‌ برتکز علیه کل الفقه القانونی‌ فحرمة الشخص تهدف إلی أن‌ تتبح له تحقیق الأهداف المنوط به تحقیقها و هی الوصول إلی‌ الحقیقة و الخیر و الجمال. فاحترام الشخص من الغیر یسمح له بالقیام بدوره کاملا فی الحیاة.و یجب علی‌ الشخص أیضا أن یحترم‌ حقوق الآخرین بنفس الدرجة التی یجب أن یحترم بها حقوقه‌ من قبل الغیر.فهذا النوع من‌ الاحترام المتبادل بین‌ الأشخاص مبعثه استقلال کل‌ شخص عن الآخر،و یرجع‌ الفضل فی ظهور هذا المبدأ51إلی الأستاذ الفرنسی‌ بواستل الذی یری أن مبدأ عدم‌ التداخل المتبادل بین‌ الأشخاص یجب أن یکون‌ الناموس الأعلی فی العالم‌ المادی المحسوس و فی عالم‌ الأخلاق علی السواء.و لکن‌ یجب أن یلاحظ أن بواستل إذا کان قد توصل إلی مبدأ استقلال الشخص کأساس‌ لحرمة الشخص نفسه فإنه لم‌ بتوصل إلی مبدأ حرمة جسم‌ الإنسان.فکل بحثه کان‌ منصبا علی الشخص و تعریفه‌ و لم یتعرض لجسم الإنسان إلا یصفه عرضیة فی مجال‌ الحدیث عن الحق فی الحیاة و فی سلامه جسم الإنسان لکن‌ کیف یمکن استخلاص مبدأ الحرمة المطلقة لجسم‌ الإنسان؟

استخلاص مبدأ الحرمة المطلقة لجسم الإنسان.

لقد أوضح بعض‌ الفقهاء61أن حرمة الشخص‌ الطبیعی تعنی أول ما تعنی أن‌ کل شخص له أن یعترض‌ علی أی مساس بسلامة جسمه‌ و یرفض الخضوع لإجراء تحالیل طبیة أو عملیات‌ جراحیة.ففی رأی هذا الجانب من الفقهاء أنه لیس من‌ المبلغ فیه القول بأن جسم‌ الانسان یضع الشخصت بنفسه‌ فهو الحیز المادی الذی تتجسد فیه الشخصیة و من ثم فلا داعی للجوء إلی فکرة الملکیة فیکفی أن نعترف للانسان بما یسمی بالحریة البدنیة فهی‌ تسمح له بالرواح و الغدو و أن‌ یفعل أو لا یفعل کل هذه حریات‌ تعطی للأفراد مکنات معینة یحمیها القانون ضد أی‌ اعتداء.و حریة الانسان فی‌ سلامد جسده تحمیه قاعدة عدم‌ جواز المساس بالجسم.فحق‌ الانسان علی جسمه یدخل فی‌ نطاق الحقوق اللصیقة بالشخصیة71لا شک أن شأنه‌ فی ذلک شأن الحق فی الاسم. فیوجد حق فی سلامه الجسم‌ و حق فی الحیاة یکفل لهما القانون الحمایة اللازمة.

المبحث الثانی: مشروعیة المساس بجسم‌ الآدمی:

تمهید:لما کان جسم‌ الانسان لیس من الأشیاء فهو یخرج بالتالی عن دائرة التعامل و لا یصح أن یکون‌ محلا للحقوق المالیة.و أی‌ اتفاق یکون محله جسم الانسان‌ یعتبر کقاعدة عامة باطلا بطلانا مطلقا81.و هذه‌ القاعدة تعتبر نتیجة منطقیة لمبدأ عدم جواز المساس بجسم‌ الانسان.

و لکن إذا کان جسم الانسان‌ لا یصح أن یکون محلا للتعامل‌ فإن ذلک لا یعنی دائما و أبدا بطلان کل تصرف تکون له‌ مجرد علاقة بجسم الانسان. فالقاعدة السابعة قابلة للاستثناء و لکن بشروط مقیده تتضمن‌ عدم الاضرار بسلامة الجسد سواء کان حیا أو بعد وفاته‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 86)

و لذلک ینقسم المبحث إلی‌ مطلبین.

المطلب الأول:مدی‌ شرعیة الاتفاقات التی یکون‌ محلها جسم الآدمی الحی إذا کان مبدأ الحریة المطلقة لجسم‌ الانسان تقضی عدم المساس‌ بجسم الانسان.و عدم فاعلیة الإرادة بالنسبة للتصرفات التی‌ من شأنها المساس بجسم‌ الإنسان إلا أنه فی مواجهة هذا المبدأ یوجد ما یسمی بمبدأ التضامن الانسانی‌91.و هذا المبدأ یقصد به أن الانسان‌ یستطیع أن یقبل المساس‌ بسلامة جسمه بشرط أن یهدف‌ إلی تحقیق منفعة مشروعة للغیر.و نبحث فیما یلی‌ الصور التی یمکن أن تکون‌ محلا لهذه الاتفاقات مبتدئین‌ من الصور الأسهل حتی‌ الصور التی بها صعوبات‌ کثیرة.فإذا کان محل الاتفاق‌ جزءا من الأجزاء القابلة للانفصال عن جسم الانسان‌ دون إلحاق أدنی مساس‌ بالجسم أو بالحیاة فلا خلاف‌ فی صحة مثل هذه الاتفاقات. فالشعر مثلا یمکن فصله من‌ الجسم دون أن یؤدی ذلک إلی‌ أدنی مساس بسلامة الجسم‌ و علی هذا تعتبر صحیحة الاتفاقات التی یکون محلها شعر الإنسان.کما یعتبر صحیحا الشرط الذی یلزم‌ الممثلین بتصفیف شعرهم‌ بطریقة معینة أو صبغها بلون‌ معین أو حتی ضرورة حلق‌ رأسهم تماما.و لا یؤثر فی‌ صحة هذه الاتفاقات ما قد یصیب الانسان من تشویه‌ لجماله.فالإرادة تنتج أثرها فی هذا الصدد و بالتالی یلتزم‌ الشخص بتنفیذ ما تعهد به.

کما یعتبر ما یسمی فی‌ الشریعة الاسلامیة بإجارة الظئر فیجوز أن تلزم امرأة بارضاع طفل غیر طفلها مقابل‌ أجر معین.فإذا کان لبن الأم‌ یعتبر من ثمار الجسم و نتاجه‌ إلا أن المساس به لا یؤثر علی‌ سلامة الجسم بل أن اللبن وجد لینفصل عن الجسم‌02 و سنعود لشرح مثل هذا الاتفاق‌ بالتفصیل فی الجزء الخاص‌ بالفقه الإسلامی.

و إن کانت الحالتین‌ السابقتین لم تثر خلافا حول‌ صحتهما فإن الخلاف یأتی‌ لمعرفة صحة الاتفاقات التی‌ یکون محلها الدم البشری.

فمن ناحیة یترتب علی نقل‌ الدم أن یضعف جسم‌ المتصرف فی دمه و تقل درجة مقاومته للأمراض.و لکن من‌ ناحیة أخری فان نقل الدم إلی‌ شخص مریض قد یترتب‌ شفاؤه و تحسن حالته بل و بقاؤه‌ علی قید الحیاة.فالمصلحة الصحیحة للغیر و التضامن‌ الانسانی یستلزم نقل الدم إلی‌ المریض و لذلک فإننا نذهب مع‌ بعض الفقهاء إلی صحة الاتفاقات‌12التی ترد علی دم‌ الانسان بشرط ألا تکون من‌ شأن کمیة الدم المتصرف فیها أن تؤثر فی صحة المتصرف.فلا یصح التصرف‌ إلا فی حدود الکمیة اللازمة لشفاء المریض و بشرط ألا تکون تلک الکمیة من شأنها التأثیر فی صحة المتصرف. ففی هذه الحالة یعود بیع الدم‌ بالنفع الکبیر علی المریض و لا یؤدی إلا إلی الضرر القلیل‌ بصحة المتصرف.کما أنه‌ لا یجوز التصرف فی الدم‌ لأغراض العلاج.فهذا الهدف هو الذی یبرر الخروج‌ علی مبدأ الحرمة المطلقة لسلامة الجسم.فالخروج عن‌ هذا المبدأ لا یکون إلا لمقتضیات التضامن‌ الإنسانی.فیجب أن یهدف‌ التصرف فی الدم إلی تفادی ألم‌ شدید أشدمن الألم الذی یلحق‌ بجسم المتصرف و لکن بشرط عدم الاضرار بصحة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 87)

المتصرف.فالذی یبرر هذا التصرف هو من ناحیة الضرر الیسیر الذی یعیب المتصرف‌ و النفع الکبیر الذی یعود علی‌ المتصرف إلیه.و یعتبر مثل‌ هذا التصرف صحیحا سواء أکان بعوض أم بدون‌ عوض‌22.

کما یعتبر صحیحا الإتفاق‌ بین الطبیب و المریض علی‌ إجراء عملیة جراحیة و لو کان‌ یترتب علیها بتر عضو من‌ أعضائه.فمثل هذا الإتفاق‌ یهدف إلی تحقیق مصلحة مشروعة للمریض و هی‌ تخلیصه من الآلام أو تفادی‌ ضرر أکبر.أما إذا کان‌ یستحیل الحصول علی موافقة المریض أو أقربائه و کانت‌ هناک ضرورة عاجلة تستلزم‌ الإقدام علی جراحته دون‌ .خیر فإن الطبیب یجوز له‌ إجراء الجراحة تحقیقا لمصلحة المریض رغم تخلف‌ إذن صاحب الشأن‌32.

و لکن إذا کان مبدأ التضامن‌ الإنسانی یبرر المساس‌ الإتفاقی بجسم الآدمی تحقیقا لمصلحة الغیر الجدیرة بالرعایة فلیس معنی ذلک أن‌ للشخص أن یتصرف فی‌ جسمه کیفما شاء.فما هی‌ الحدود التی لا تستطیع الإرادة أن تنتج أثرها فیما یتعلق‌ بالتصرف فی الجسم الآدمی‌ و لا یستطیع مبدأ التضامن‌ الإنسانی أن یبرر مثل هذا التصرف.؟

إذا کانت الإرادة تنتج أثرها تحقیقا لمصلحة الغیر و إعمالا لمبدأ التضامن الانسانی فان‌ أی تصرف یعتبر باطلا إذا کان من شأنه أن یؤدی إلی‌ وفاة المدین أو جعل موته‌ محتملا أو حیاته فی خطر.

فالحیاة الإنسانیة لا یمکن‌ أن تکون محلا لاتفاق‌ مشروع.فیعتبر باطلا الإتفاق الذی بمقتضاه یطلب‌ شخص من آخر قتله لا راحته‌ من مرض مستعص. و الملتزم بمثل هذا الإلتزام إذا قام بتنفیذه یکون مسئولا عن‌ قتل عمد کما یکون مسئولا من‌ الناحیة المدنیة.فالإرادة غیر قادرة علی تبریر ذلک الإتفاق‌ لأن محل الإتفاق هو الحیاة الإنسانیة و هی غیر قابلة للتعامل.فمثل هذه الإتفاقات‌ تعتبر باطلة بطلانا مطلقا32.

کما یعتبر باطلا کل اتفاق‌ یکون من شأنه المساس‌ بالأجزاءالحیویة اللازمة لحیاة الإنسان و بقائه.فیعتبر باطلا الإتفاق الذی بمقتضاه‌ یتعهد شخص بالتنازل عن قلبه‌ حال حیاته إلی شخص‌ آخر42.

و یثور التساؤل أخیرا لمعرفة مدی صحة الإتفاقات‌ التی من شأنها أن نصیب جسم‌ الآدمی بعجز دائم أو مستدیم‌ و لکن دون أن یکون لها تأثیر علی حیاة الإنسان مثل التبرع‌ بالعین أو بتر عضو من‌ أعضاء الجسم أو التعقیم‌52.

و یبدو هنا بوضوح مدی‌ ما قد یظهر من تعارض بین‌ مبدأ سلامة جسم الإنسان و بین‌ مصلحة الغیر أو ما قد تملیه‌ مقتضیات التضامن الإنسانی. فمن یتنازل عن قرنیة عینه‌ یصاب بضرر مستدیم غیر قابل لأن یعوضه الجسم و لکن‌ تظهر من ناید أخری‌ مصلحة الغیر الذی قد یرد إلیه‌ نور الحیاة و کذلک الحال فی‌ حالة التبرع بکلیة أو إحدی‌ الرئتین.فما مدی فاعلیة الإرادة بصدد هذه‌ الإتفاقات.؟

ثارت هذه المشکلة أمام‌ الفقه و القضاء الأجنبی فی‌ فترة کان التقدم العلمی لم یصل‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 88)

إلی الحد الهائل الذی وصل‌ إلیه فی تلک الحقبة الأخیرة من‌ هذا القرن و نستعرض فیما یلی‌ هذه الإتجاهات ثم بعد ذلک‌ نری مدی توافق ذلک مع التقدم‌ العلمی الحدیث.

ذهب غالبیة الفقه الفرنسی‌ إلی عدم مشروعیة الإتفاق‌ الذی بمقتضاه یقبل شخص بتر عضو من أعضاء جسمه حتی‌ و لو کان ذلک لتحقیق مصلحة کبری للغیر و الطبیب الذی‌ یقوم بإجراء عملیة جراحیة معتمدا علی فاعلیة مثل ذلک‌ الإتفاق یعتبر مرتکبا جریمة جرح عمد و یکون بطبیعة الحال مسئولا من الناحید المدنیة62و لقد واجهت‌ المادة الخامسة من القانون‌ المدنی الإیطالی تلک المشکلة فقررت تحریم کل تصرف‌ برد علی جسم الإنسان إذا کان‌ من شأنه أن یؤدی إلی إضعاف‌ سلامة الجسم بصفة مستدیمة أو کان مخالفا للقانون أو النظام‌ العام أو الآداب العامة.

و حرم کذلک المشروع‌ التمهیدی للقانون المدنی‌ الفرنسی التصرفات التی من‌ شأنها أن تمس مساسا خطیرا و نهائیا بسلامة الجسد.

و نذهب مع بعض‌ الفقهاء72إلی أنه یمکن‌ تلخیص شروط مشروعیة الإتفاق الذی یکون موضوعه‌ جسم الآدمی فی:

أولا:لا یجب أن یترتب‌ علیه اصابة المتنازل بضرر غیر قابل للاصلاح و یکون‌ مساسا مستدیما بجسمه فارادة الشخص غیر قادرة علی ابرام‌ مثل هذه التصرفات.

ثانیا:یجب أن یترتب‌ علی الإتفاق تحقیق مصلحة کبیرة للغیر تزید فی قدرها علی الضرر الذی یعیب‌ المتنازل من جراء المساس‌ بجسمه.فالشخص یتحمل‌ ضررا طفیفا فی سبیل أن‌ یتفادی ضررا بالغا قد یلحق‌ بالغیر إذا لم یتم التنازل.

و هذا الرأی مستوحی من‌ مبدأ الحرمة المطلقة لجسم‌ الإنسان فلا یمکن أن تصلح‌ فکرة التضامن الإنسانی کمبرر للمساس غیر القابل للإصلاح‌ بجسم الإنسان.فتلک الفکرة لا یمکن إعمالها إلا حیث‌ یکون المساس بجسم الإنسان‌ قابل للإصلاح.و هذا الرأی‌ تظهر أهمیته فی المحافظة علی سلامة جسم الإنسان‌ و اکتمال کیانه المادی.

و لکن إزاء التقدم العلمی‌ الحدیث تفتحت آفاق جدیدة لانقاذ ملایین المرضی‌ و العجزة فلقد أصبح من‌ الممکن علمیا نقل بعض‌ الأعضاء من جسم إلی‌ آخر82و لکن العقبة التی‌ تقف فی سبیل علاج هؤلاء المرضی هو عدم توافر قطع‌ الغیر اللازمة لعلاجهم نظرا لعدم تقدم وسائل المحافظة علی أعضاء الجسم الآدمی‌ بعد وفاته.و لذلک فأمل هؤلاء المرضی فی الشفاء یتوقف‌ علی مدی مشروعیة الإتفاق‌ مع شخص علی أن یتنازل عن‌ عضو من أعضاء جسمه لانقاذ حیاة شخص آخر.و لما ذا لم‌ یتطئور القانون لمواجه‌ءة مثل‌ هذه الحالات حقیقة لم یوجد فی‌ التشریع الوضعی المصری‌ سوی القانون 87 لسنة 8791 لسنة 0691 فی شأن التبرع‌ بالدم و القانون 261 لسنة 3691 الخاص بالتبرع والا یساء بقرنیة العیون و سنعود إلی‌ دراسة تفصیلیة لشرح أحکامها عند بیان الأساس القانونی‌ لتبریر مشروعیة المساس‌ بحجم الآدمی.و مع ذلک ذهب‌ بعض الفقهاء إلی مشروعیة تلک الإتفاقات طالما أن‌ المخاطر التی یتعرض لها المتنازل له أکثر من المخاطر التی یتعرض لها المتنازل عن‌ جزء من جسمه.فهو یبیح‌ بصفة عامة المساس‌ و الاضرار المستدیم بجسم‌ الإنسان إذا کان فی ذلک للغیر مصلحة جدیرة بالرعایة فهو
المحاماة » شماره 699 (صفحه 89)

یقیم نظرته علی أساس‌ الموازنة من جهة ما بین‌ النتائج التی تترتب علی بتر عضو من جسم الإنسان و من‌ جهة أخری بین المنفعة التی‌ نعود علی الغیر من نقل ذلک‌ العضو إلیه فإذا کانت تلک‌ المصلحة تصل إلی حد الضرورة الملحة فإنها تبرر المساس المستدیم بجسم‌ الإنسان المتنازل.

هذه النظرة و إن کانت‌ تواجهها مقتضیات التقدم‌ العلمی الحدیث و المصالح‌ الضروریة للغیر إلا أنها تتغاضی إلی حد کبیر عن مبدأ سلامة الجسم و تغالی فی‌ رعایة مصلحة الغیر.لکن‌ هل من سبیل إلی التوفیق بین‌ هاتین المصلحتین‌ المتعارضتین دون إهدار مبدأ سلامة الجسم نذهب مع بعض‌ الفقهاء03إلی .نه للتوفیق‌ بین هاتیم المصلحتین أنه‌ یجب التفرقة بین بتر عضو من الأعضاء الذی یترتب علیه‌ المساس بمجرد الناحیة التشریحیة للجسم و بین‌ المساس الذی من ش.نه أن‌ یؤثر فی الناحیة الوظیفیة لذلک‌ العضو.فإذا کان المساس‌ بالناحیة الأولی یعتبر مشروعا أما إذا کان الثانیة فإنه یکون‌ غیر مشروع.و الخلاصة أن‌ المساس المستدیم بجسم‌ الإنسان لا یکون مشروعا إلا إذا کان من شأنه ألا یؤدی إلی‌ المساس بأداء الجسم لوظائفه‌ و أن یکون هناک مصلحة حیویة للغیر تبرر مثل ذلک‌ الإتفاق.و فی هذا المجال لا بد من التعاون التام بین رجال‌ القانون و الطب حتی یکون‌ هناک نوع من العمل المشترک‌ یؤدی للخیر العام.

المطلب الثانی:مدی‌ شرعیة الاتفاقات التی یکون‌ محلها جسم الآدمی بعد الوفاة.

الحق فی سلامة الجسد یمتد إلی ما بعد الوفاة و ذلک‌ فی صورة حق الفرد فی‌ احترام جثته و أبرز مثال‌ لحمایة الجثة هو ما یقرره‌ قانون العقوبات من تحریم‌ نبش القبور لما فیه من مساس‌ بحرمة جثة الإنسانـ

و المشکلة مثار البحث هنا هو مدی فاعلیة إرادة الشخص‌ فی إبرام تصرفات قانونیة یکون محلها جثته فیما بعد وفاته من الناحیة الخلقیة أو الدینیة.و سوف نفصل ذلک‌ فی الجزء الخاص بالفقه‌ الإسلامی.

فقد أباحت الکنیسة الکاثولیکیة علی لسان البابا بیوس السابع نقل القرنیة من‌ المیت إلی شخص آخر حی. و لفت البابا النظر إلی‌ ما یترتب علی هذه العملیة من‌ منح أو تحسین نعمة البصر إلی الکثیر من الأفراد و لقد أجاز القانون الفرنسی صراحة عام 9491 الایصاء بالعیون‌ إلی مؤسسة عامة أو خیریة تجری أو تساعد فی إجراء عملیة نقل القرنیة.و لقد أباحت لجنة تعدیل القانون‌ المدنی الفرنسی التصرفات‌ التی بمقتضاها یتصرف‌ الشخص فی کل أو جزء من‌ جسمه طالما أن هذا التصرف‌ مضاف إلی ما بعد الموت. فمن المسلم به فی القانون‌ الفرنسی أن التصرفات‌ القانونیة التی ترد علی جثة الإنسان بعد وفاته تعتبر تصرفات سلیمة و صحیحة فإرادة الشخص تنتج أثرها کاملا فی صحة مثل هذه‌ التصرفات.

و لکن الحقوق التی ترد علی جثة الإنسان یجب أن‌ تستهدف تحقیق غرض‌ مشروع فیجب أن یستهدف‌ التصرف تحقیق مصلحة مشروعة للغیر یکون من‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 90)

شأنها تبریر المساس بحرمة جثة المیت.

فلا یجب أن یفهم أن جثة الانسان لا تتمتع بأی قدر من‌ الإحترام و القدسیة.و بالتالی‌ تصح جمیع التصرفات التی‌ ترد علیها13.

بل انه یجب إجراء موارثة مع مبدأ احترام هذا المیت‌ و بین مصلحة الغیر التی تبرر المساس بالجثة.و متی انعدم‌ شرط المصلحة أو کانت‌ ضئیلة بحیث لا تستطیع أن‌ تصبح مبررا کافیا للمساس‌ بجثة الإنسان فإن التصرف‌ الذی یرد علی الجثة یکون‌ غیر مشروع.و لتقدیر مدی‌ کشر.هی‌ء تلنصرف یلجأ إلی‌ نص المادة 631 مدنی«إذا لم‌ یکن للإلتزام سبب أو کان سببه‌ مخالفا للنظام العام أو الآداب‌ کان العقد باطلا.و سنزید ذلک‌ تفصیلا عند بحث المسألة فی‌ نطاق القانون لمدنی.

و أهم استعمال مشروع‌ للجثة و الذی من شأنه تبریر التصرف الذی یرد علی الجثة هو استعمالها لأهداف علاجیة مثل نقل عضو من الجثة إلی‌ شخص آخر حی لانقاذ حیاته‌ أو تحسین صحته.کما أنه‌ یعتبر مشروعا التصرف الذی‌ یسمح بإجراء دراسات‌ و تشریح الجثة لأغراض‌ علمیة.

و لکن یعتبر غیر مشروع‌ و باطل کل تصرف یرد علی‌ جثة الشخص یستهدف تحقیق‌ مجرد أهداف اقتصادیة مثل‌ ما کان یحدث فی ظل النازیة من استعمال‌23جثث‌ الموتی لانتاج بعض أنواع‌ الأسمدة و الکیماویات.

فیعتبر باطلا التصرف‌ الذی بمقتضاه یبیع شخص‌ جثته بعد الوفاة إلی رجل‌ أعمال لاستعمالها لأغراض‌ صناعیة.

کما أن الحقوق التی ترد علی الجثة یجب أن تکون ذات‌ طبیعة احتیاطیة أی أنه لا یلجأ إلی ترتیب الحقوق التی ترد علی الجثة إلا إذا لم یکن هناک‌ أی وسیلة أخری لإشباع‌ و تحقیق مصلحة الغیر و یکون‌ للمتصرف أن یرجع عن‌ تصرفه فی أی وقت.و متی‌ کان سبب التصرف مشروعا فإنه یعتبر صحیحا سواء کان‌ التصرف بعوض أم بدون‌ عوض‌33و لا یمکن‌ الإعتراض علی التصرف‌ بعوض علی أساس أن هذا التصرف ینطوی علی تعامل‌ علی ترکه مستقبلا طبقا لنص‌ المادة 131 مدنی.

و تبریر ذلک أنه إذا کانت‌ الحکمة من تحریم التعامل علی‌ ترکه مستقبلا هو حمایة المتصرف من طیشه و أن یقع‌ فریسة للمرابین إذا کان‌ یتصرف فی الترکة نظیر الحاجة الشدیدة إلی المال فإن‌ الحاجة الشدیدة إلی المال فإن‌ هذه العوامل لا یتصور وجودها فی حالة التصرف فی‌ الجثة.و قد اعترض البعض‌ علی التصرف بعوض فی‌ الجثة43بقولهم أن ذلک یمنع‌ المتصرف من الرجوع فی‌ االتصرف فقد یخشی إذا أراد الرجوع فی التصرف أن یرد الثمن إلی المتصرف إلیه. و بالتالی قد یکون ذلک عائقا فی‌ سبیل حریته فی الرجوع فی‌ التصرف.إلا أن ذلک مردود علیه بأن التصرف فی جثة الإنسان یمکن أن یخضع‌ لقواعد خاصة به.و هذه‌ القواعد تبیح للمتصرف‌ الرجوع فی تصرفه حتی و لو کان التصرف بعوض و یعطی‌ الشخص مهلة کافیة لرد العوض الذی تلقاه.و أخیرا یمکن القول بأن السماح‌ بالحصول علی مقابل للجثة أو لعضو من أعضائها یشجع‌ الأفراد علی التصرف فی‌ جثتهم بعد الوفاة.و القول‌ بضرورة أن یکون التصرف‌ تبرعیا یعتبر نوعا من المثالیة تنقصه الواقعیة المستمدة من‌ طبائع البشر.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 91)

المبحث الثالث:الأساس‌ القانونی لتبریر التصرف فی‌ جسم الآدمی

تمهید:لقد ظهر إتجاه‌ حدیث نسیبا یسمح للشخص‌ بأن یتصرف فی جزء من‌ جسمه من أجل زرعه فی‌ جسم شخص مریض.فلم‌ یقف عدم وجود النص‌ التشریعی عقبة فی سبیل‌ البحث عن وسیلة قانونیة مناسبة لإباحة هذا التصرف‌ بجسم الإنسان.و هذا یعکس‌ لنا بوضوح مدی تأثیر التقدم‌ العلمی علی القانون.فحتی‌ عام 7691 لم یکن فی الفقه‌ المقارن سوی فقیه واحد53 یری مشروعیة هذه‌ العملیات.و بعد نجاح کثیر من عملیات زراعة الأعضاء فلم یزود الثقة فی هدم‌ الحواجز القانونیة التی تعوق‌ استفادة المرضی من التقدم‌ الطبی الهائل الذی حدث فی‌ تلک الآونة الأخیرة من هذا القرن.و من أجل ذلک توصل‌ الفقه و القضاء الأجنبی إلی‌ رسائل قانونیة تؤدی إلی‌ مشروعیة التصرف فی جسم‌ الآدمی و لذلک ینقسم هذا المبحث إلی مطلبین:

المطلب الأول:موقف الفقه‌ من إباحة التصرف فی‌ أعضاء الجسم الآدمی‌ المطلب الثانی:موقف‌ القانون الوضعی المصری‌ من إباحة التصرف فی‌ أعضاء الجسم الآدمی

المطلب الأول

موقف الفقه و القضاء من‌ إباحة التصرف فی أعضاء الجسم الآدمی

توصل الفقه و القضاء إلی‌ إرساء القواعد السلیمة و المعقولة للمشاکل التی تنشأ عن التطور العلمی فهناک‌ ثلاث وسائل قانونیة تؤدی‌ لمشروعیة التصرف فی‌ الجسم الآدمی و هذه الوسائل‌ الثلاثة تبناها فی الفقه ثلاث‌ اتجاهات أساسیة هی:

1-الإتجاه الأول: نظریة السبب المشروع‌ کأساس لمشروعیة التصرف‌ فی جسم الآدمی رغم أن مبدأ حرمة جسم الإنسان من‌ المبادی‌ء المستقرة لکن الواقع‌ یکذبه فی غالب الأمر.منذ القدم کانت هناک العدید من‌ الإتفاقات التی یتم تنفیذها علی‌ جسم الإنسان و لم یکن الهدف‌ من هذه الإتفاقات یثیر جدلا حول مشورعیته.و من أمثلة ذلک قص شعر الآدمی‌ و ممارسة الألعاب الریاضیة و غیر ذلک.

و إزاء هذا التعارض بین‌ المبدأ و العمل الواقعی ذهب‌ الفقه إلی القول أن جسم‌ الإنسان أصبح محلا للمعاملات القانونیة63و لکن‌ ذلک یعنی مشروعیة جمیع‌ االتصرفات التی ترد علی جسم‌ الآدمی و کأنما فرق بینه و بین‌ الشی‌ء.و لذلک لا بد من تحدید التصرفات المشروعة من غیر المشروعة.

فالقول بعدم مشروعیة التصرف یعنی إعمال مبدأ حرمة جسم الإنسان الذی‌ یضع الإنسان فوق الإتفاقات‌ القانونیة و یضعه فی مرکز سام.فعدم المشروعیة لیس‌ إلا الوسیلة الفنیة التی یعبر بها عن مبدأ حرمة الجسم‌73.

و لذلک لا بد من البحث عن‌ أساس عدم المشروعیة.یوجد ثلاثة وسائل ممکنة لإبطال‌ التصرفات غیر المشروعة فهناک المادة السادسة من‌ القانون المدنی الفرنسی التی‌ تبطل کل اتفاق ینطوی علی‌ مخالفة للقوانین التی تتعلق‌ بالنظام العام و الآداب و هناک‌ أیضا المادة 8211 التی تقرر
المحاماة » شماره 699 (صفحه 92)

أنه لا یمکن أن یکون محلا لاتفاق مشروع إلا الأشیاء التی‌ تدخل فی المعاملات.و المواد 1311،3311 تؤدیان إلی‌ بطلان الإلتزام الذی یکون‌ سببه غیر مشروع.و السبب‌ غیر المشروع هو السبب الذی‌ یحرمه القانون لتعارضه مع‌ النظام العام أو الآداب.

و أول نص یستحق الدراسة هو نص المادة 16 مدنی‌ فرنسی الذی یمنع الأشیاء التی‌ لا تدخل فی التعامل من أن‌ تکون محلا لاثفاقات‌ مشروعة.و لذلک فإن وجود مبدأ حرمة الجسم الآدمی‌ جعل بعض الفقهاء یعتقد83 استحالة أن یکون الجسم محلا لإلتزام مشروع.

و لکن ما المقصود بخروج‌ جسم الآدمی عن دائرة التعامل.؟

یجب أن نحدد بدقة المقصود بخروج الشی‌ء عن‌ دائرة التعامل.فإذا کان یقصد به الأشیاء غیر القابلة للملک‌ الخاص أو للتصرف فإن‌ سلامة الجسم و العناصر المکونة له تدخل فی عموم هذه‌ العبارة.فجسم الآدمی من‌ الأشیاء التی تقبل الملک أو التصرف و القول بغیر ذلک‌ یؤدی إلی إمکان التصرف فی‌ الجسم بجمیع الطرق الممکنة قانونا بما فیها بیع الشخص‌ برمته و إذا کان لا یوجد أدنی‌ شک حول المبدأ نفسه إلا أننا نتساءل عن القیود التی‌ یفرضها علی الحریة التعاقدیة.یترتب علی هذا المبدأ تحریم نقل ملکیة الجسم‌ الآدمی و استحالة إبرام اتفاقات‌ و إذا نظرنا إلی الحق فی الحیاة و الحق فی سلامة الجسم علی‌ أنهما من الحقوق لا یمکن‌ أن تکون محلا للتعامل.و لکن‌ یرد علی ذلک بأن الکثیر من‌ الإتفاقات ترد علی الحقوق‌ غیر المالید لتلک الحقوق التی‌ تتعلق بحضانة الطفل و تعلیمه‌ فی القانونت الفرنسی‌93. لا یقبل القول أن هذه الحقوق‌ تستعصی التقویم بالمال.فهذه‌ الحقوق یمکن تقویمها فالقاضی‌ یستطیع و بسهولة أن یقدر مبلغ‌ التعویض الذی یستحقه‌ الشخص فی حالة إصابته فی‌ جسمه.

و عندئذ لا یمکن أن یکون‌ عدم مشروعیة التصرف فی‌ جسم الإنسان أن یکون علی‌ أساس استحالة المحل‌04. و السؤال الذی یثار بتلک‌ المناسبة هو هل یمکن أن یکون‌ بطلان الاتفاقات الواردة علی جسم الإنسان بسبب‌ مخالفة المحل للنظام العام‌ و الآداب.

فقد یکون الشی‌ء غیر قابل‌ للتعامل فیه لأن ذلک غیر مشروع.و عدم المشروعیة إما أن ترجع الی وجود نص‌ فی القانون أو إلی مخالفة هذا التعامل للنظام العام أو الآداب.فالنظام العام یوجب‌ أن یکون أفراد المجتمع‌ أصحاء و فی حالة جیدة. فمصلحة الأمة تقتضی احترام‌ الحیاة و عدم المساس بها. و تقتضی الآداب أن یکون‌ المساس بجسم الإنسان‌ بالتصرف فیه مما یتعارض‌ مع الأخلاق الأساسیة التی‌ یقوم علیها المجتمع.

و ینبغی أن یلاحظ أن‌ الاعتبارات الإضافیة و الخلقیة التی تؤدی إلی بطلان‌ الإتفاقاتخ التی یکون محلها المساس بالجسم البشری. فهی تستلزنم أن توضح حدود للاتفاقات الباطلة.فیوجد بعض الإتفاقات التی یکون‌ محلها المساس بجسم الإنسان‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 93)

مثل إجراء عملیة جراحیة و لکن نظرا لأنها تستهدف‌ حمایة الجسم و تفادی ضرر أکثر خطورة فإن موجبات‌ النظام العام تستلزم القول‌ بمشروعیة هذه الإتفاقات. و عندئذ یمکن القول أن‌ الاتفاقات التی یکون المساس‌ بجسم الإنسان یکون بعضها مشروعا و البعض الآخر غیر مشروع.و الذی یقدم بهذا التقریر القاضی و ذلک علی‌ أساس الموازنة بین الخطر الذی یتعرض له الشخص‌ و النتیجة التی تترتب علی هذا المساس.و هذنا ینبغی الوقف‌ عند المقصود بالسبب الذی‌ یبرر التصرف فی جسم‌ الإنسان و یجعله مشروعا.

یقصد بالسبب هنا الباعث‌ الدافع للتعاقد أی الهدف من‌ التصرف و دوافع هذا التصرف فیعتبر التصرف فی‌ جسم الإنسان مشروعا إذا کان‌ هناک تناسب بین المساس‌ الحال أو المؤجل بالجسم‌ و الهدف من ذلک‌14.إلا أن‌ التصرف بهذه الصورة یؤدی‌ إلی مساس مستدیم بسم‌ الإنسان.ففی مواجهة مبدأ حرمة جسم الإنسان یوجد مبدأ آخر هام هو ضرورة مراعاة مقتضیات التضامن‌ الإنسانی‌24فمتی کانت‌ الحقوق التی تترتب علی‌ لمساس المستدیم بالجسم‌ تستهدف تحقیق مصلحة أشخاص آخرین و تنطوی علی‌ أداء لواجب التضامن الإنسانی‌ فإن ذلک یؤدی لفاعلیة و مشروعیة التصرف الذی‌ یرد علی جسم الإنسان. و یسری علی ذلک الإتفاقات‌ التی تنطوی علی مساس‌ بالجسم قابل للإصلاح مثل نقل‌ الدم.فهذا الإتفاق یعتبر مشروعا متی کان یستهدف‌ تحقیق مصلحة علاجیة للغیر و تکون أهم من الضرر الذی‌ سیصیب المتنازل عن دمه.

و أما عن التصرف الذی‌ یؤدی طلی مساس مستدیم بجسم‌ الإنسان غیر قابل للإصلاح‌ فإنه یمکن القول أنه إذا لم‌ توجد قاعدة وضعیة تحرم ذلک‌ فلا بد من الرجوع إلی الوسائل‌ الفنیة لتبریر مثل هذا التصرف.و تحقیقا لذلک فلا مفر من أن یقدم القاضی بهذه‌ العملیة التقدیریة أی الموازنة علی المستوی الأخلاقی. فالقاضی لا یستطیع القیام بهذه‌ العملیة أی تقریر مدی‌ مشروعیة هذه التصرفات إلا بالنظر إلی الإعتبارات‌ الخلقیة.و هی لا تعارض‌ المشروعیة طالما أن سبب‌ التصرف هو تحقیق مصلحة علاجیة للغیر.فهذه المصلحة هی التی تبرر فاعلیة رضاء الشخص بهذا المساس فلا یجوز لشخص أن یتنازل عن‌ قرنیة عینه إلا من أجل إنقاذ شخص آخر من العمی.کذلک‌ لا یجوز لشخص أن یتنازل‌ عن طحدی الکلیتین إلا إذا کانت‌ المخاطر التی یعانی منها المریض أکثر من تلک التی‌ سیتعرض لها المتنازل. و حاصل القول أن التصرفات‌ التی ترد علی جسم الإنسان‌ بالتصرف فی أحد أعضائه‌ و تؤدی إلی مساس مستدیم‌ به،تعتبر صحیحة بشرط أن‌ یکون سبب التصرف‌ مشروعا.و یکون السبب‌ کذلک متی کان یستهدف تحقیق‌ مصلحة علاجیة للغیر.

2-الإتجاه الثانی:حالة الضرورة.

یقصد بحالة الضرورة فی‌ مجال إباحة التصرف فی‌ أعضاء الجسم الآدمی حالة الموازنة بین القیم المختلفة التی توجد فی الحیاة34 الموازنة بین فقد أحد أعضاء الجسم و نقله إلی آخر بقصد الإستشفاء.أی المقارنة بین‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 94)

الخطر و الأمل و فرصة الشفاء و تکون تلک الموازنة بالنظر إلی المستقبل و من ثم فهی تبنی‌ علی الإحتمال.و حساب‌ الإحتمالات یلعب دورا کبیرا فی هذا المجال و یقوم علی‌ ما یسمی بقانون الکثرة44 حیث یمکن استخلاص قوانین‌ إحصائیة و عل‌ی‌المستوی‌ الإحصائی فإن حساب‌ الإحتمالات فإن حساب‌ الإحتمالات یعطینا نتائج‌ مؤکدة بالنسبة لاحتمالات‌ النجاح و الفشل.أما بالنسبة للحالة الفردیة الواحدة فإن عدم‌ التأکید یکون قائما فقانون‌ الکثرة یقوم علی الغالب و لکن‌ یصح جدا ألا یتحقق فی حالة معینة54و یتمیز عمل‌ الطبیب علی جسم الإنسان بأن‌ له جوهر معین لم یعد فی‌ الوقت الحاضر هو فن الشفاء للمریض و لکن یذهب إلی أبعد من ذلک بأن عمل الطبیب‌ صبح له القدرة علی القیام‌ بتوجیه و تنظیم الحیاة العضویة للإنسان بالنظر إلی ظروفه‌ المهنیة من خلال التدخل‌ و المساس بالجسم الآدمی. و من أجل ذلک ینبغی و بتحفظ شدید أن إجراء الموازنة الشدیدة بین المخاطر التی‌ یتعرض لها المعطی إذا تصرف فی أحد أعضاء جسمه‌ و بین الأخذ فی الآمل الذی‌ یحتمل أن یستفید منه المریض‌ من جهة أخری.و نری أنه‌ لا مجال لإعمال هذه النظریة لأن المتنازل شخص سلیم‌ یترتب علی تنازله عن أحد أعضاء الجسم إصابته بعاهة مستدیمة و لا یمکن بحال من‌ الأحوال القول بأن مصلحة الأخذ فی حد ذاتها أرجح من‌ مصلحة المتنازل و لذلک فإن‌ هذه الموازنة إن کان لها مجال‌ لا بد و أن تتم فی الظروف‌ الآتیة64:

أولا:أن یکون هناک خطر محدق بالمریض و یکون فی‌ عدم نقل عضو جدید له بدل‌ العضو التالف من شأنه أن‌ یؤدی لا محالة طلی الموت و لا یقدح فی توافر الخطر کون‌ من یتعرض له غیر من یتنازل‌ عن جزء من جسمه.فلا یشترط أن یکون الخطر محدقا بالشخص نفسه بل یکفی أن‌ یکون محدقا بالغیر کما هو الحال بالنسبة للدفاع‌ الشرعی.و نص المادة 861 مدنی صریح فی توافر حالة الضرورة متی سبب الشخص‌ للغیر ضررا لیتفادی ضررا أکبر محدقا.

ثانیا:یجب أن یکون‌ الخطر المراد تفادیه أکبر بکثیر من الضرر الذی وقع‌ و یکون ذلک إذا کان قیام‌ الشخص بالتنازل عن جزء من‌ جسمه مثل الکلیة فإن الخطر الذی یتعرض له المتنازل‌ المعطی أقل بکثیر من الآخذ المریض حیث أنه یتعرض‌ لخطر الموت فی الحال‌ و بإجراء هذه الموازنة فإن‌ المعطی لا یصاب إلی بنقص‌ فی الصفة التشریحیة للجسد أما الآخذ فإنه یتعرض للموت‌ لا محال فالتنازل هنا یکون‌ لتفادی ضرر أو خطر جسیم. إلا أن ینبغی القول فی هذه‌ الأحوال ؤأنه یجب البحث بل‌ إجراء هذا التنازل عن مدی‌ تجانس الخلایا حتی لا تفاجی‌ء بوجود طرد للعضو الذی ینقل‌ إلی المریض.فبدلا من أن‌ تحل مشکلة توجد مشکلتین. و یصبح وجود شخصین‌ معلولین بدلا من واحد.

و یجمع الفقه الفرنسی علی‌ أن حالة الضرورة لا تصلح‌ للقول بمشروعیة التصرف فی‌ أعضاء الجسم البشری و إنما یشترط رضاء المعطی عن‌ هذا التنازل عن جزء من‌ الجسم‌74.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 95)

3-الإتجاه الثالث: رضاء المجنی علیه بشرط تحقیق نفع اجتماعی.

لما کان الإنسان یعیش فی‌ المجتمع کعضو نافع فیه یلقی‌ علی عاتقه مجموعة من‌ الواجبات و هذه الواجبات‌ یقابلها حق المجتمع فی‌ اقتضائها.و لا یستطیع الفرد أن یقوم بها إلا إذا کانت سلامة جسده مصونة.و کل اعتداء یمس هذا الحق یفلل فی‌ الوقت نفسه من مقدرة صاحبه‌ من أداء لهذه الوظیفة84. و من ثم یکن للحق فی سلامة الجسد نطاقان الأول یتمثل فی‌ الجانب الفردی و الثانی فی‌ الجانب الاجتماعی و هما لا یتطابقان فی حالة تنازل‌ الشخص عن جزء من أعضاء جسمه یترتب علیه فوات‌ المنفعة أو إصابته بعاهة مستدیمة و قد یتطابق الجانبان‌ أی تکون هناک حالات واضحة للمشروعیة لأن التصرف فی‌ أعضاء الجسم و إن کان یمس‌ الکیان المادی للجسم إلا أنه‌ لا یتقصی بأی حال من‌ الأحوال من الإمکانیات التی‌ تتطلبها الوظیفة الإجتماعیة للمجتمع‌94و ذلک یتضح‌ تماما فی حالة عملیة نقل الدم‌ إلی شخص یجری عملیة جراحیة.إلا أننا ینبغی‌ التحفظ الشدید فی الأخذ بهذا الرأی و یجب أن یقید نقل الدم‌ من شخص إلی آخر متی کان‌ المتنازل عن الدم قوی البنیة و صحیح غیر معتل صحیا.

و بناء علی ذلک فإن‌ للمجتمع ارتفاق علی الجسم‌ و لا یجوز للشخص أن‌ یتصرف فی الحق فی سلامة الجسم فیما یتعلق بجوانبه التی‌ تمس ارتفاق المجتمع.و لکن‌ إذا تجاوزنا هذه الحدود فیتحرر الحق من ارتفاق‌ المجتمع و من ثم فلا مفر من‌ أن یعترف لصاحبه بسلطة التصرف فیه.و یکون ذلک‌ بالرضاء فهو الذی یبیح مثل‌ هذا التصرف‌05.

رأینا فی الموضوع:

لا شک أن فی موافقة المتنازل عن جزء من جسمه‌ لینتفع به غیر هو تضحیة تقوم‌ علی أساس من التضامن‌ الإنسانی.و هذا التضامن فی‌ حد ذاته لا یقوم إلا برضاء المتنازل عن هذا الجزءمن‌ الجسد.و من ثم فإن عنصر الرضاء هو المعول علیه فی‌ هذا التصرف.و لکننا لا نجیز هذا التصرف إلا بالنسبة للأجزاء التی تقبل التجرید من‌ جسم الإنسان کنقل الدم و طن‌ کان قد ذهب بعض‌ الفقهاء15فی مجال إباحة نقل الدم إلی أنه لا حاجد للحصول علی رضاء من ینقل‌ منه دمه و ذلک تأسیسا علی‌ عدم خطورة سحب الدم من‌ الشخص لأنه سیعوض هذا النقص فی الجسم و أما عن‌ التنازل عن باقی الأجزاء التی‌ لا تقبل التجرید و التی یترتب‌ علیها المساس المستدیم أی‌ الحاق ضرر دائم فإنه احتراما لکرامة الإنسان و حفاظا علی‌ الکیان البدنی فإنه لا یجوز للشخص هذا التنازل.و نذهب‌ مع اتجاه نری تأییده‌25إلی‌ أن إباحة التصرف فی بعض‌ الأجزاء المزدوجة مثل الکلیة و الرئة لینتفع بها آخر فی‌ حاجة ملحة و ضروریة تقوم‌ علی أساس التضامن الإنسانی‌ أکثر من کونها حالة ضرورة. و هو فی المجال الفردی یتطلب‌ تطوع الشخص لیتضام مع‌ غیره من البشر.فهو یکشف‌ عن خلق عمیق و استعداد للتضحیة من أجل شفاء الغیر و یخلق منه عضوا صالحا فی‌ المجتمع.و لذلک فلا یمکن‌ إجبار أحد علی التضامن و إنما یشترط القبول أو الرضاء
المحاماة » شماره 699 (صفحه 96)

الواعی المتبصر35.و من‌ أجل ذلک لا یجوز المساس‌ الجزئی بالجسم إلا بعد الحصول علی موافقة المتنازل.

المطلب الثانی‌ موقف القانون الوضعی‌ المصری

تمهید:

ما زال کیان الإنسان‌ الجسدی محل اهتمام للحمایة القانونیة سواء فیما یتعلق‌ بقواعد القانون الدستوری أو قواعد القانون الجنائی. و اهتمت هذه القواعد بإضفاء تالحمایة الجسدیة و تنظیم‌ العقاب علی کل اعتداء یخل‌ بهذه الحمایة القانونیة.و لکننا فی مجال و نطاق القانون‌ المدنی فلا تزال هذه المسألة مبهمة و لم تحظ بالتنظیم إلا فی‌ تلک الآونة من الوقت‌ الحاضر.و هذا الإهتمام‌ الحدیث من جانب هذا القانون‌ لیس سوی ترجمة حقیقیة لمبدأ معصوبیة الجسد45إلا أن‌ التطور العلمی الحدث سواء فی مجال التطور الطبی‌ و الإجتماعی أدی إلی جواز المساس بهذا الجسد.و یعتبر هذا المساس استثناء علی المبدأ فی ذاته سواء لأسباب توجبها المصلحة العامة أو مصلحة الشخص فی ذاته‌55.

و تطبیقا لذلک فإن کل اتفاق‌ یجیز التعامل فی‌جسم الإنسان‌ یعد باطلا بطلانا مطلقا فلا یجوز للشخص أن یتصرف‌ فی کامل جسده‌65أما بالنسبة للتصرف فی جزء حیوی یلزم لبقاء الإنسان علی‌ قید الحیاة أو لاستمرار قیام‌ الجسد بوظائفه الحیویة علی‌ مدی طویل کالتصرف فی‌ القلب أو الکبد مثلا فهو محظور أیضا بصفة مطلقة و لا مجال برضاء صاحب‌ الشأن فی هذا الصدد.

أما التصرف فی جزء من‌ الجسد بما لا یعرض الحیاة للخطر کالأجزاء المزدوجة أو کما یذهب البعض إلی التفرقة بین ما یسمی بالأعضاء التشریحیة و الأعضاء الوظیفیة75فإن النجاح‌ العلمی الهائل الذی حدث فی‌ القرن العشرین لعملیات زرع‌ الکلی و البنکریاس و القلب‌ و العیوون أوجب تطویع هذا المبدأ و ما یتفق و المصلحة العامة التی تعود علی المجتمع‌ بأسره:و حول مشروعیة التصرف فی أحد هذه‌ الأعضاء المزدوجة انقسم الفقه‌ فی هذه الإجازة إلی اتجاهین.

الإتجاه الأول:و هو یغلب‌ علیه الطابع فی شق منه یذهب‌ إلی أنه لا یجوز للشخص أن‌ یتصرف فی أحد هذه الأعضاء استنادا إلی أن الشخص لیس‌ له علی جسده لا مجرد حق‌ الإنتفاع أما ملکیة الرقبة هی‌ للّه سبحانه و تعالی و علی‌ الشخص أن یعید الجسم بالحالة التی تلقاها85أما فی شقه‌ الوضعی فإن حق الإنسان علی‌ جسده من الحقوق اللصیقة بالشخصیة و هی خارج‌ المعاملات المالیة.و یضیف‌ أنصار هذا الإتجاه إلی شقی‌ الرأی مجموعة من‌ الإعتبارات التی تتعلق‌ بملاءمة هذه الاعتداءات من‌ االمعطی إلی الآخر.فهی تؤدی‌ فی الواقع إلی أن یوجد فی‌ المجتمع شخصان مریضان‌ بدلا من شخص واحد.95 و تؤدی أیضا إلی أن یصبح‌ المعطی فی حیاة مملوءة بالمتاعب النفسیة فلا یمکن‌ للمعطی إذن أن یعیش هادی‌ء البال بالنسبة لمستقبل‌ حیاته‌06و بالإضافة إلی ذلک‌ فإن فائدة التنازل عن هذا الجزء إلی المتنازل لم یقطع‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 97)

التطئور العلمی الحدیث بنجاح‌ مثل هذا النقل للعضو المتنازل‌ عنه صحیا.

الإتجاه الثانی:یذهب‌ أنصار هذا الإتجاه إلی إجازة التصرف فی جزء من أجزاء الجسد المزدوجة.و ذلک‌ استنادا إلی أن هناک من‌ الحقق الشخصیة فی القانون‌ الفرنسی کالحق فی التعلیم‌ و حضانة الطفل‌16أجاز القانون التعامل فی شأنها و من‌ أجل ذلک یجوز التعامل فی‌ صدد جسد الانسان إلا أننا لا نذهب مع أنصار هذا الرأی‌ فی ذلک القیاس لأنه قیاس مع‌ الفارق إذ أن الحقوق اللصیقة بالشخصیة لیست جمیعا علی‌ مستوی واحد من حیث إمکانیة التصرف فیها فجسد الإنسان‌ لیس بالقطع کحضانة و تعلیم‌ الطفل‌26.

و إزاء هذا الإنقسام البین‌ فی أوساط دوائر الفقه ذهب‌ البغض إلی إقامة أساس‌ للمشروعیة إستنادا إلی‌ نصوص القانون بل و ذهب إلی‌ أبعد من ذلک بامکان امتداد هذه‌ النصوص التشریعیة إلی باقی‌ أعضاء الجسد.و بین من ذلک‌ أن النصوص التشریعیة التی‌ تناولت جواز التنازل عن جزء من الأجزاء التی لا یتعرض‌ فیها المعطی للخطر هی‌ القانون 871 لسنة 0691 فی‌ شأن نقل الدم و القانون 361 لسنة 2691 الخاص بإنشاء بنک العیون و من أجل ذلک‌ تخصص فرعین مستقلین‌ لإلقاء الضوء علی نصئوص‌ القانونین المذکورین.

الفرع الأول:القانون 871 لسنة 0691 فی شأن نقل‌ الدم

هذا القانون هو قرار رئیس‌ الجمهوریة العربیة المتحدة36الخاص بتنظیم‌ جمع و تخزین و توزیع الدم‌ و مرکباته.و قد خول وزیر الصحة سلطة وضع قواعد تحدید و صرف مکافآت‌ للمتطوعین بالدم و الثمن.

و قد أصدر وزیر الصحة القرار رقم 051 لسنة 1691 مقسما المتطوعین إلی‌ متطوعین بالمجان و یصرف‌ لهم شارة مکافأة علی هذا التطوع.و متطوعین‌ بالمجان مع منح کل منهم هدیة فی حدود 05 قرشا.ثم أدرج‌ فئات أخرج للتطوع مع تحدید المقابل فالمتطوع الذی یعطی‌ 004 س م 3 یمنح 051 قرشا. و المتطوع الذی یعطی‌ 002 س م 3 یمنح 001 قرشا. و أوجب إضافة إلی ذلک‌ وجوب إعطاء المتطوع بعض‌ المقویات و وجبة خفیفة46.

مما سبق یتضح لنا أن‌ المشرع نظم عملیة جمع‌ و تخزین الدم.و أن إعطاء الدم‌ طبقا لذلک قد یکون بالمجان‌ کما قد یکون بمقابل.و إن کان‌ المقابل الذی یتسلمه المتطوع‌ قلیل من حیث تقدیر ثمنه. و لکن من الزاویة القانونیة هو مقابل مهما کان قلیلا و لا یمکن‌ معه القول بأنه مجرد ثمن‌ مقویات لکی یعوض المتطوع‌ ما فقده من دم.

إلا أنه من حیث الواقع‌ و حسب التقاریر التی أعدت‌ فی هذا الخصوص‌56أن‌ مراکز جمع الدم تکاد تغلق‌ الأبواب لقلة الکمیات التی‌ یتحصلون بها من طریق‌ التبرع من المتطوعین‌ الشرفاء66و لا زالت هذه‌ البنوک تعتمد أساسا علی‌ المتطوعین المحترفین. و یتضح من القرار الوزاری‌ سالف الذکر أن الدم یباع‌76 من المتطوع إلی البنک و لا ینفی هذا البیع قلة الثمن أو المقابل الذی یتقاضاه المتطوع‌ و علاقة البیع هذه تتم مرة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 98)

أخری من البنک إلی المرضی‌ فقد تحدد القرار 051 لسنة 1691 ثمن بیع الدم للمریض‌ کالتالی:053 قرشا ثمن لکل‌ 005 س م 3،052 قرشا، 004 قرشا یحسب أنواع‌ الدم.إلا أنه قد صدر وزیر الصحة رقم 451 لسنة 1691 الذی سمح بصرف الدم‌ بالمجان لمتطوع الشرف أی‌ غیر المحترف و بدون مقابل له‌ أو أحد أفراد أسرته إذا قرر الطبیب المعالج نقل الدم‌ إلیهم.

فإذا کان الواقع العملی و من‌ خلال التجربة أن فکرة التطوع‌ المجانی بالدم لم یکتب لها النجاح فکان و لا مفر من‌ الإعتماد علی التطوع بمقابل‌ فإذا کان الأمر کذلک بالنسبة للتصرف فی هذا الجزء المتجدد من جسم الإنسان‌ و سیعوضه و لم یؤثر علی‌ الحیاة الوطنیة للجسد فهل‌ یمکن أن یمتد إلی باقی‌ الأعضاء المزدوجة أو التی‌ لا یترتب علی إباحة التنازل‌ عنها هذه المشروعیة أی‌ التصرف بمقابل.حقیقة الأمر أن التقدم العلمی الذی حدث‌ فی الأونة الأخیرة من القرن‌ العشرین فی مجال زرع‌ أعضاء الجسد البشری لإنسان‌ معتل کزرع البنکر یاس و الکلی‌ و القلب و العیون مهد الطریق‌ لإسعاد البشریة.و لذلک یجب‌ علی رجال القانون أن یذللوا العقبات أو الصعاب التی تقف‌ حائلا أمام هذا التطور الهائل. و یذهب البعض‌86إلی القول‌ أنه من غیر المقبول أن تقف‌ مجانیة التصرف لهذه‌ الأعضاء عقبة فی الحصول‌ علیها و أن المقابل لا اعتراض‌ علیه قانونا.و لکن هذا التصرف بمقابل لا یعنی ترک‌ تحدید الثمن لحریة الأطراف‌ المعطی و الآخذ حتی لا یصبح‌ الجسم مجلا لمزایدات مالیة و یقترح أن یصدر تشریع یحدد قیمة الأجزاءالتی یمکن‌ الإستغناء عنها.و هذا لیس‌ بجدید فقانون التأمینات‌ الإجتماعیة حدد نسب مئویة للعجز أو الإصابة بالنظر لمجموع الجسم الکلی.

و ننتهی من ذلک العرض أن‌ القانون 871 لسنة 0691 استعمل عبارات التبرع‌ و وضع أحکاما تقترب من‌ البیع‌96.

تعقیب:

إن مشکلة إباحة التصرف‌ فی الأعضاء البشریة التشریحیة أو التی لا یترتب‌ علیها فقدان الجسد لوظیفته‌ بالبیع فیه غضاضة للنفس‌ البشریة إلا أن عبارة بیع هذه‌ الأجزاء فی حد ذاتها لا تقلل‌ من کرامة الشخص.فالعضو الذی یتم التنازل عنه سواء بالبیع أو التبرع سینقل إلی‌ شخص آخر.فالمشکلة لیست‌ فی البیع فی حد ذاته.لأن‌ عدم إباحة مثل هذا التصرف‌ سیؤدی حتما إلی موت‌ المریض.فإذا کانت حیاة المریض لا تقدر بمال فإنه‌ لا یمنع من بقائه حیا بدفع هذا المال.

و الخروج من هذه المشکلة لا یتأتی إلا بوسیلة قانونیة صحیحة و یتصور ثلاث‌ وسائل لحل هذه الأزمة07 إما عن طریق التبرع من الغیر و إما بقیام الدولة بتوزیع‌ الثروات لکل حسب حاجته‌ و إما عن طریق البیع.و طالما أن القانون المصری 871 لسنة 0691 اعترف ببیع الدم‌ فإنه یمکن أن یمتد ذلک إلی‌ باقی أعضاء الجسد التی‌ لا یترتب علیها مساس مستدیم‌ بحیاة المعطی.فطالما أن‌ المحل الذی یخضع للتصرف‌ مشروع فلا معنی للتفرقة بین‌ البیع و التبرع بل إننا نذهب مع‌ آخرین لتحقیق غلواء فکرة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 99)

المقابل المادی و فی سبیل‌ تطویع النفس البشریة نحو التضامن الإنسانی یمکن أن‌ یکون المقابل فی صورة وثیقة تأمین لمصلحة المعطی‌27 و أولاده إذا أصیب أو توفی‌ نتیجة عملیة نقل العضو إلی‌ الآخذ أو جعل الوثیقة هنا لضمان حصول المعطی علی‌ دخل مجزی لتفادی أی نقص‌ فی قدرته علی العمل. و سوف یثبت التطور العلمی‌ فی هذا المجال اتجاه التصرف‌ بمقابل.فالقول بالتبرع نوع‌ من التدرج فی الإنتقال من‌ تحریم التصرف فی الجسم إلی‌ مشروعیة التصرف‌ فیه‌37.

و بذلک یمکن الإستناد إلی‌ نص القانون کأساس تشریعی‌ لإباحة التصرف فی أعضاء الجسم الذی لا یترتب علی‌ التنازل عنها أی مساس‌ مستدیم بالحیاة البشریة.

الفرع الثانی:القانون 301 لسنة 2691 فی شأن التنازل‌ عن العیون یتضح بجلاء من‌ استقراء نصوص هذا القانون‌ و خصوصا نص المادة الثانیة منه.علی أن بنک العیون‌ الذی أنشأه القانون یکون‌ مصدره:1-عیون‌ الأشخاص الذین یوصون أو یتبرعون بها.2-عیون‌ الأشخاص التی یتقرر استئصالها.و الأمر الذی‌ لا خلاف علیه بین الفقهاء أن‌ القانون أباح التصرف فی‌ العین فی الحالة الثانیة أی حالة العیون التی یتقرر استئصالها و ذلک إذا کانت تحتفظ ببعض‌ الأجزاء السلیمة التی یمکن‌ استخدامها لأشخاص آخرین‌ مثل ترقیع قرنیة العین.

و أما الحالة الأولی التی جاء نص المادة الثانیة من القانون‌ 301 لسنة 2691 فی شأن‌ التنازل عن العیون فقد احتدم‌ الجدال فی أوساط دوائر الفقه‌ حول هذا التفسیر و انقسموا إلی‌ اتجاهین:

الإتجاه الأول:یذهب إلی‌ الأخذ بظاهر النص القانونی‌ لإجازة التصرف فی العین فقد جاء النص واضحا من‌ المقصود منه‌47«عیون‌ الأشخاص الذین یوصون بها أو یتبرعون بها»فالوصیة تصرف مضاف إلی ما بعد الموت أی أن المسألة هی‌ تصرف فی الجثة و لیس‌ تصرف بین لاأحیاء و لکن‌ ورود عبارة التبرع فی نهایة النص تفید أن التصرف قد یقع‌ بین أحیاءو الهبة لا تکون إلا بین أحیاء.فالقانون 301 لسنة 2691 یقرر التصرف‌ فی العیون التی یوصون بها أو یتبرعون بها أی أنه یواجه‌ الوصیة باعتبارها تصرف‌ مضاف إلی ما بعد الموت‌ و الهبة باعتبارها تبرعا حال‌ الحیاة.إذ لا تجوز الهبة فی‌ القانون المصری إلا بین‌ الأحیاء.فلا مفر من تفسیر موقف الشرع إلا بإباحة التبرع بالعین حال الحیاة57 و الذی یشجع علی هذا التفسیر أن‌نص المادة 34 من دستور جمهوریة مصر العربیة الدائم‌ أجاز إجزاء تجارب طبیة علی‌ جسم الإنسان بشرط موافقته‌ و إزاء رکاکة الصیاغة القانونیة لهذا النص فالمقصود بإنهاء النص بلفظ أو یتبرعون بها إلا أن التصرف لا یکون بمقابل‌ بل هو تصرف بدون مقابل أی‌ تبرع.و یضیف أنصار هذا الرأی أن بنک العیون وحده هو الذی یقوم بعملیة الإستئصال‌ هذه شریطة ألا تمس بأداء الجسم الوظیفی و أن تنمکون‌ مصلحة علاجیة مؤکدة للغیر. إلی أنه ینبغی الترکیز إلی أنه‌ لا یجوز استئصال عین الحی‌ إلا من أجل استخدامها فی‌ أغراض طبیة و لیس أغراض‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 100)

تجریبیة.لأن الضرورة تقدر بقدرها فالهدف من هذا القانون‌ هو مساعدة فاقدی البصر علی‌ استرداد هذه النعمة.و یؤکد أنصار هذا الإتجاه علی أنه إذا کان مبدأ حرمة الجسم المطلقة یستهدف حمایة هذا الجسم فی‌ عصر لم یکن متصورا المساس به إلا بقصد الإضرار بالإنسان أما عند ظهور التطور الهائل فی المجال‌ الطبی الذی اکتشف حدیثا مثل‌ عملیات ترقیع‌القرنیة وزرع‌ القلب و الکلی و البنکریاس بل‌ فی تقدم مستمر مثل عملیات‌ زرع الدم حدیثا67.فلا بد من‌ فتح آفاق جدیدة أمام الإنسانیة تتمثل فی تذلیل عقبة المساس‌ بمبدأ الحرمة المطلقة للجسم‌ و لهذا فلا بد من تطویر القانون‌ کی یشمل النص الصریح علی‌ ذلک».

الإتجاه الثانی:یذهب‌ أنصاره‌2إلی أن نص المادة الثانیة من القانون 301 لسنة 2691 یعوزه الدقة فی تحدید اللفظ و المعنی و لکن لیست هذه‌ بحجة کافیة للإعتراض علی‌ هذا التصرف و لذلک أضاف أن‌ إجازة التبرع لبنک العیون بعین‌ سلیمة یعد أمرا مخالفا للنظام‌ العام.لأن العین لیست‌ بالجزء السهل فی إجازة التبرع به لکی یحتفظ به البنک‌ لاستخدامه عند الحاجة. و الذی یرجح ذلک أن اللائحة التنفیذیة لهذا القانون تفرض‌ علی الطبیب الذی یقوم‌ باستئصال أن یحدد سبب هذا الإستئصال فالتبرع بعین‌ سلیمة لیس فی ذاته السبب‌ القانونی المقصود.بل الغالب‌ أن المقصود هو السبب‌ الطبی.و ذلک لأن فقد العین‌ یؤدی إلی عجز دائم‌ و مستدیم‌77کما أن لفظ التبرع الذی ورد فی النص‌ لیس تصرفا بل هو وصف‌ یلحق التصرفات القانونیة و استنادا إلی ما سبق ینتهی‌ أنصار هذا الرأی طلی أن‌ المشرع لا یجیز التصرف فی‌ العین السلیمة و إنما تجوز الوصیة بها لاستئصالها بعد الوفاة فقط.و أخیرا لا یجوز أن تتخذ نص المادة الثانیة من‌ الثانون 301 لسنة 2691 منطلقا للقیاس لإباحة التصرف‌ فی العین بین الأحیاء.بل‌ یظل هذا العمل من حیث المبدأ محظور و یدخل نطاق‌ التجریم،بل و المسئولیة المدنیة أیضا»87.

إلا أن أنصار الاتجاه الأول‌ ذهبوا إلی القول بأن تصرف‌ الإنسان فی جزء من جسمه‌ من الأجزاءالمزدوجة یکون‌ صحیحا و جائزا و له أساس من‌ القانون و ذلک استنادا إلی‌ استعمال الحق المقرر قانونا لمرتکبه.2-أی بأن هذا التصرف له أساس من القانون‌ الوضعی فی ظل التشریع‌ المصری.و ذلک استنادا إلی‌ أن نص المادة 06 من قانون‌ العقوبات المصری«لا تسری‌ أحکام هذا القانون علی کل من ارتکب بنیة سلیمة عملا مقررا بمقتضی الشریعة»من‌ الواضح إذن أن یکون العقل‌ مباحا إذ وقع استعمالا لحق‌ بضرورة القانون.و اعتبر أنصار هذا الإتجاه أن القانون‌ 301 لسنة 2691 سبب من‌ أسباب الإباحة علی أساس‌ استعمال الحق.إذ أن‌ الشخص الوحید الذی یستأصل‌ العین هو طبیب تابع لبنک‌ العیون.فلولا نص فی هذا القانون لکان مساس الطبیب‌ بجسم المتبرع فیه إحداث‌ لعاهة مستدیمة.و لکن هذا القانون لکان مساس الطبیب‌ بجسم المتبرع فیه إحداث‌ لعاهة مستدیمة.و لکن هذا القانون یقتصر صراحة علی‌ العین فقط فهل یمتد إلی سائر أعضاء الجسم الأخری التی‌ لا یترتب علیها مساس دائم‌ بالجسد...

ذهب أنصار هذا الإتجاه‌08إلی أنه یمکن مد
المحاماة » شماره 699 (صفحه 101)

نطاق الإباحة إلی هذه الأجزاء الأخری من جسم الإنسان‌ باللجوء إلی قواعد القیاس فی‌ نطاق الإباحة و هو أمر جائز فی القانون الجنائی لأن القیاس‌ الممنوح فی القانون الجنائی‌ هو الذی یخلق الجریمة أو العقوبة و لما کان سبب الإباحة یمس العین أی الأعضاء المزدوجة فی جسم الإنسان‌ فانه لا یمتد إلا لباقی الأعضاء المزدوجة بالجسم مثل الکلیة و الرئتین.إلا أن البعض‌ یعترض علی ذلک و یری أن‌ القیاس الجائز یتوقف علی عدم‌ تعارضه مع إرادة المشرع‌18فوواضعوا النص‌ لمن یذهبوا إلی أبعد من العین‌ و لم یدر بخلدهم ذلک.و لذلک‌ یقال أن الأصل هو تحریم‌ تصرف الإنسان فی جسمه‌ و أن الإستثناء هو الإباحة فلا یجوز التوسع فی تفسیر الإستثناء.إلا أن أنصار الإتجاه الأول ذهبوا إلی أن‌ نصوص الإباحة لیست استثناء علی نصوص التجریم و إنما تتعاون فیما بینها من أجل‌ حمایة أهداف أولی بالرعایة فهی قواعد سلبیة محددة تمحو من القاعدة الإیجابیة الشق‌ الخاص بالنهی عن السلوک‌ لتحل محله محکما آخر28کما أن القیاس لا یستهدف خلق‌ أسباب جدیدة للإباحة و إنما یقتصر علی توسیع نطاق‌ السبب یحیث یسجل وقائع لم‌ ینص علیها القانون صراحة.

و تطبیقا لذلک یمکن القول‌ بأن القانون رقم 301 لسنة 2691 جاء بقاعدة عامة سلبیة تجرد من وصف الحریة إذ أن‌ استئصال عین من أجل‌ مصلحة الإنسان عن طریق‌ أعضائها إلی بنک العیون‌ لا یکون جریمة.فقاعدة إباحة استئصال العین یقصد بها رعایة مصلحة أولی من‌ قاعدة التجریم للمساس بالجسم‌ و هی مصلحة قطعیة مؤکدة. و مما لا شک فیه أن هذه‌ المصلحة تتوافر فی سائر أنواع الأجزاءالمزدوجة لجسم الإنسان.

و ینتهی أنصار هذا الرأی‌ إلی أن استعمال الحق فی‌ حدود و دون تعسف عملا بالمادة الرابعة من القانون‌ المدنی یؤدی إلی انعدام صفة الخطأ فی الفعل الضار.و أن‌ استعمال الحق یرفع عن الفعل‌ الضار صفة الجریمة الجنائیة فهو ینفی عنه صفة الخطأ المدنی أیضا38.

رأینا فی الموضوع:

إزاء هذا التعارض بین‌ الرفض و الإجازة نری عدم‌ جواز التصرف فی جزء من‌ جسم الإنسان حتی و لو باتفاق‌ صاحب الشأن.لأن هذا الحظر من شأنه أن یحمی‌ الإنسان من أی مساس بالجسم‌ لأنه یؤدی إلی إحداث عاهة أو فقد عضو حیوی من أعضاء الجسم و لا یعتد بموافقة صاحب الشأن فهی لا تکتفی‌ فی ذاتها لانتفاء المسئولیة الجنائیة للطبیب.کل‌ ما هنالک أن هذه الموافقة قد تمکن الطبیب من التمسک‌ بحالة الضرورة عند توافر شروطها.

و نذهب مع أنصار الإتجاه‌ الثانی إلی أن الأمر48 یحتاج إلی تدخل تشریعی ینظنم‌ هذا الموضوع و لو فی حدود معینة یکون أساسها أن یباح‌ التصرف فی هذه الأعضاء لأسباب حیویة کأن یباح‌ التصرف فیها بین لاأقارب‌ حتی الدرجة الثانیة.و أن‌ یکون التصرف بدون مقابل. و أن یتم التصرف بالرضاء الواعی المستنیر و ألا یصاب‌ المعطی بخطر حال أو محتمل.أما بالنسبة للأجزاء
المحاماة » شماره 699 (صفحه 102)

التی لا یترتب علیها الإنتقاص‌ من السلامة الصحیة.فیمکن‌ اجازتها ما دام لیس هناک‌ تعارض مع النظام العام‌ و الآداب العامة.فیجوز تصرف الإنسان فی الأجزاء التی تنفصل عن جسده. کالأسنان المخلوعة أو الشعر المقصوص أو الأطراف‌ المبتورة.لأن هذه الأجزاء قد انفصلت عن الجسم فهی‌ تخرج عن نطاق معصومیة الجسد58.

کما أنه یجوز التصرف فی‌ لبن الأم بإجازة عقد الرضاع‌ بشرط عدم الإضرار بمصلحة ابن المرضع.کما یجوز بیع‌ الدم بشرط ألا تؤدی الکمیة المتطرق بها إلی الإضرار بصحة المتصرف‌68. و أخیرا یمکن اتفاقا مع هذا المنطق إباحة التعقیم المؤقت‌ بناء علی طلب صاحب‌ الشأن‌78.

الفصل الأول‌ التصرف فی جسم الإنسان‌ تمهید:

إزاء هذا التقدم الطبی‌ المؤهل فی مجال نقل‌ الأعضاء البشریة.و ما رآه‌ فقهاء القانون من وسائل تذلل‌ الصعاب أمام هذا الفریق‌ الطبی المتقدم من رسم‌ السیاسة القانونیة لمباشرة هذا العمل الذی یسعد البشریة جمعاء.لکی لا یقع الطبیب‌ ضحیة للمساءلة الجنائیة أو المدنیة.فقد أجاز فقهاء القانون تصرف الإنسان فی‌ أحد الأعضاء المزدوجة أی‌ الأجزاءالتی لا یترتب علیها مساس بحیویة و وظیفة. الجسد.فثار التساؤل.هل‌ یجب أن یکون هذا التصرف‌ تبرعیا أم یکن أن یکون بمقابل‌ و إذا کان بمقابل هل یعتبر عقدا للتصرف فی أعضاء الجسم‌ البشری و ما مدی إجازة هذا التصرف و اعتباره مشروعا سواء کان هذا التصرف حال‌ الحیاة أم بعد الوفاة إذ یجوز الوصایة بجثة الشخص‌ المتوفی.

و سنتولی بیان ذلک فی‌ مبحثین الأول یتناول حقیقة التصرف فی جسم الإنسان‌ الحی و الثانی یتناول التصرف‌ فی جثة الإنسان المتوفی.

المبحث الأول:حقیقة التصرف فی جسم الإنسان‌ الحی

لمان کان الإنسان له حق‌ التصرف فی بعض الأحوال‌ فی الأجزاءالمزدوجة من‌ جسمه فإنه یعنی لنا أن هذا الإنسان یمر بمراحل من‌ العمر مرحلة المیلاد حتی سن‌ البلوغ و لذلک ینقسم البحث فی‌ هذا المبحث إلی مطلبین هما:

المطلب الأول:حقیقة التصرف فی جسم الإنسان‌ البالغ

بعد أن بینا الأساس‌ القانونی لمشروعیة التصرف‌ فی جسم الانسان.و انتهینا من‌ ذلک إلی أنه لا یجوز بصفة مطلقة لکافة أعضاء الجسم‌ البشری بل یقتصر علی. أعضاء الجسم المزدوجة أو الأعضاء التی لا یترتب علی‌ التنازل عنها المساس المستدیم‌ بالجسم و تعطیل للوظائف‌ الحیویة له.و نذهب مع‌88بعض الفقهاء بأننا نستعمل لفظ التنازل حتی‌ی‌حتمل التصرف‌ علی أنه بمقابل أو تبرع فلا نرید القطع بالتبرع و حتی یفتح‌ الباب أمام البیع و المسألة التی‌ دارت المناقشة الحادة حولها هی:هل یجب أن یکون هذا التنازل أو التصرف علی سبیل‌ التبرع أم أنه یکون بمقابل‌ انقسم الرأی فی تحلیل ذلک إلی‌ اتجاهین:-

الاتجاه الأول:-یری‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 103)

أنصاره‌98أن هذا التصرف‌ یجب أن یکون تبرعا.و لهذا لا یجب أن یکون المتنازل عن‌ دمه أو عضو من أعضاء الجسم محترقا فلا یجوز للشخص أن یحصل علی قوته‌ من تجارة الدم أو بالتصرف‌ فی أعضاء جسمه.فجسم‌ الإنسان لیس محلا لتجارة. و یبرر أنصار هذا الاتجاه ذلک‌ بأن حق الإنسان علی الجسم‌ لیس حقا مالیا بل إن هذا الحق‌ من الحقوق اللصیقة بالشخصیة و لا یمکن أن یصبح‌ حقا مالیا.و بناء علی ذلک فلا یستطیع الانسان أن یبیع أی‌ عنصر من العناصر التی‌ تکون جسمه حتی و لو کان الدم‌ البشری.

فقد کان نص القانون‌ الفرنسی الصادر فی‌ 2591/7/12 قاطعا فی‌ نصوصه علی عدم استعمال‌ کلمة بیع الدم.کما أن القضاء الفرنسی لا یطبق القواعد العامة فی البیع علی الشخص‌ الذی یتعهد بتورید کمیة من‌ دمه‌09و لهذا حبذ فقهاء القانون الفرنسی ألا نستعمل‌ عبارة بنک الدم أو بنک‌ الأعضاء الآدمیة و ذلک لأن‌ مثل هذه العبارات توحی‌ باخضاع جسم الأنسان‌ للمعاملات التجاریة و هو ما یستبعده أنصار هذا الاتجاه‌ و یذهب أنصار هذا الأتجاه إلی‌ أن ضرورة کون التصرف‌ بدون مقابل لا تتنافی مع‌ تعویض المتنازل عما فقده من‌ قوی نتیجة هذا التبرع و لذلک‌ نجد القانون الفرنسی حدد تعریفه للتنازل عن الدم أی‌ بمثابة تعوریض عن اصابه من‌ ضرر.و لیس هناک بیع‌علی‌ الإطلاق.فمشروعیة التنازل‌ عن عضو من الجسم لا ترجع‌ إلی أن المتنازل له سوف‌ یستفید من ذلک و انما ترجع‌ أیضا إلی أن المعطی سوف‌ یحقق میزة ذات طابع معنوی‌ هی شعوره بالارتیاح لأنه‌ استطاع أن ینقذ الغیر.و حتی‌ کان الهدف مادیا للمعطی فإنه‌ یجرد هذا التنازل من کل قیمة معنویة.و ذلک لأن القیمة المعنویة هی التی تبرر الخروج علی مبدأ حرمة الجسم المطلقة.فقیام شخص‌ ببیع عینه أو کلیته فیه مساس‌ لکرامة البشر من أجل المقابل‌ المادی.فلا یقبل أن یضحی‌ الإنسان بسلامة الجسم من‌ أجل مصلحة مادیة19.

فالتبرع هو الذی یحفظ للجسم کرامته لأنه یجعله‌ خارج المعاملات المالیة.

و لکن لا مانع مطلقا من تقدینم‌ هدیة علی سبیل التشجیع أو المکافأة متمثلة فی تقدیم المال‌ اللازم لمساعدة المعطی علی‌ الشفاء29و قد تابع القانون‌ الإیطالی ضرورة أن یکون‌ التنازل تبرعیا فی القانون‌ الصادر فی 7691/6/62 رقم‌ 854 فجاء نص المادة الأولی:ضرورة أن یکون‌ التصرف فی الکلیة مجانا.

و جاء نص المادة السادسة:بطلان کل شرط یمنح المتنازل الحق فی‌ الحصول علی تعویض‌ مالی‌39.

و لکن القانون الإیطالی‌ سالف الذکر أفرد نوعا خاصا من المکافأة حمایة للمتنازل فی‌ المادة الخامسة منه:أن‌ المتنازل عن الکلیة یتمتع‌ بالمزایا التی یقررها التشریع‌ الخاص بالعاملین المستقلین‌ و القوانین الخاصة بالعجزة. و یجب أن نخضع للتأمین ضد المخاطر الحالیة و المستقبلة التی قد تصاحب العملیة الجراحیة و مضاعفاتها.

و ذهب أنصار هذا الأتجاه‌ إلی أبعد من ذلک فعلاوة علی‌ شرط التنازل التبرعی فإنهم‌ یشترطون‌49أن تکون هناک‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 104)

رابطة دم و قرابة مابین‌ المعطی و الآخذ حتی یتم‌ استبعاد هؤلاء الأشخاص‌ الذین یتبرعون إلی بنوک‌ الأعضاء بجزء من أجسامهم‌ و لا تکون هناک صلة قرابة بینهم و بین المتنازل إلیه.و ذلک‌ لأن عدم استبعاد هؤلاء سیحول عملیة التصرف فی‌ الجسم من تبرع إلی بیع.و لقد أخذ القانون الایطالی سالف‌ الذکر فی مجال زرع الکلی أنه‌ لا یسمح بالحصول علی جزء لا یسمح بالحصول علی جزء من جسم غیر الأقارب إضافة إلی شرط التبرع.

الاتجاه الثانی:یری‌ أنصاره‌59أنه لا مانع أن‌ یکون هذا التصرف معارضة ممن أجیز التصرف فلیس‌ هناک مانع أن یتقاضی المعطی‌ مقابل التنازل عن جزء من‌ أجزاء الجسم.فالتنازل بمقابل‌ أو بدون مقابل هی مسألة أخلاقیة و لیست مسألة قانونیة.فالتصرفات التبرعیة و المعارضة هی تصرفات‌ مشروعة علی حد سواء و لیس‌ المقابل المالی من شأنه أن‌ یبطل أی تصرف قانونی. و یذهب هؤلاء إلی أن المال‌ کمقابل للتنازل لیس من شأنه‌ أن یهدر کرامة الانسان.و أن‌ إبعاد جسم الانسان عن دائرة المعاملات لا یصلح فی حد ذاته‌چ‌ للاعتراض علی تقاضی مبالغ‌ مقابل هذا التنازل طالما کان‌ التنازل عن جزء من الجسم‌ مشروعا فهذا المبدأ لم یهدف‌ إباحة التصرف التبرعی‌ و تحریم التصرف بمقابل. و مما لاجدال فیه‌69ان‌ الانسان یتقاضی تعویضا أی‌ مقابل للضرر الذی أصابه فی‌ أحد أعضاء الجسم و هذا أصبح‌ من الناحیة القانونیة مشروعا و لا یتعارض مع الأخلاق‌ فالتعویض لا یهدر کرامة الانسان و لیس من شأنه التقلیل‌ من قیمة الجسم فطبیعة التصرف من حیث کونه تبرع‌ أو بمقابل لا یمس باحترام‌ الانسان فلا یجب الخلط بین‌ الشهامة و المشروعیة79 فالأولی مسألة أخلاقیة و الثانیة مسألة قانونیة».

رأینا فی الموضوع:

إزاء هذا التعارض بین‌ الاجازة و المنع فی کون‌ التنازل بمقابل أم تبرع نذهب‌ إلی أنه باستطلاع الأمر فی‌ ظل القانونین 871 لسنة 0691 فی شأن نقل الدم‌ و القانون 301 لسنة 2691 الخاص ببنک العیون نری أن‌ المشرع فی القانون الأول‌ استعمل التبرع بالدم أی‌ بالمجان و التصرف بالبیع لقاء ثمن و لا یقترح فی ذلک أن‌ یکون الثمن تافها أی قلیل‌ لا یتناسب مع کمیة الدم من‌ جسم الانسان.و نجد أن‌ القرار الوزاری رقم 051 لسنة 1691 حدد ثمن الدم‌89 کی یباع للمرضی.فمراکز الدم تبیع الدم إلی المرضی. فهو لا یعطی مجانا و إذا کانت‌ الدولة حریصة علی مبدأ مجانیة التصرف فی الدم لکان‌ لزاما علیها أن تقدمه مجانا للمرضی بصرف النظر عن‌ تکلفه النفقات فی سبیل‌ المحافظة علی الدم.

و نستخلص من ذلک أن القانون‌ 871 لسنة 0691 یستعمل‌ عبارات التبرع و یضع أحکاما تقترب من البیع.فلا غبار فی‌ تحبیذ المقابل أو العوض عن‌ الجزء المتنازل عنه و لکن‌ حتی لا یترک الثمن لمشیئة الأطراف مما یؤدی معه الأمر إلی أن یصبح جسم الأنسان‌ محلا للمزایدات المالیة. نقترح أن یصدر تشریع یحدد قیمة الأجزاء التی یکون‌ التنازل عنها من جسم الانسان‌ فهذه الفکرة لیست جدیدة علی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 105)

آفاق القانون الوضعی فقد ذهب قانون التأمینات‌ الاجتماعیةة 97 لسنة 5791 المعدل بقانون 52 لسنة 7791 المعدل.بتحدید نسبة مئوید للعجز أو الاصابة التی‌ تصیب الجسم بالنظر إلی‌ مجموع الجسم.فقد حدد هذا القانون جدولا بنسب معینة لإصابات العمل و العجز99.

أما القانون 301 لسنة 2691 فی ش.ن بنک العیون‌ فیتضح من مطالعة نصوصه‌ أنه لا یجیز التصرف فی العین‌ إلا تبرعا أی بدون مقابل.

و نری فی النهایة طالما أنه‌ یوجد فی نصوص القانون‌ الوضعی اعتراف بالبیع و هو أحد الوسائل القانونیة للحصول‌ علی أعضاء الجسم التی لا تؤثر علی الحیاة المستدیمة للجسد فإنه لا محل للتفرقة بین‌ البیع و التبرع طالما أن المحل‌ مشروع.

المطلب الثانی:حقیقة التصرف فی جسم الإنسان‌ القاصر

تمهید:-

لما کان القاصر هو الشخص الذی لا یتمتع بکامل‌ ملکة الإدراک و التمییز فإنه‌ یصعب القول بإباحة التصرف‌ فی جزء من جسمه.و ذلک‌ تأسیسا علی أن کثیرا من‌ الأمراض لا تظهر فی مرحلة الشباب و معرفة احتمالات‌ أمراض الشخص فی المستقبل‌ لا یمکن الجزم بقیامها علی‌ أسس سلیمة إلا إذا کان‌ الشخص تعدی سن القاصر فی‌ غالب الأحوال.و لذلک انقسم‌ الفقه إلی اتجاهات ثلاثة بین‌ مجیز و محذر فی إباحة تصرف القاصر فی جزء من‌ جسمه.

الأتجاه الأول:

یری أنصار هذا الاتجاه أنه‌ یجوز للقاصر أن یتصرف فی‌ أحد أعضاء جسمه سواء کان‌ هذا التصرف معاوضة أو تبرع و یحددون سن الحدث فی‌ الفترات مابین أربعة عشر عاما و ثمانیة عشر عاما و تسعة عشر عاما001.

و یبررون وجهة النظر هذه‌ بأن المحاکم الامریکیة ذهبت‌ إلی الاعتداد بتصرف القاصر فیما یتعلق بعملیات نقل الکلیة دون موافقة ولی الأمر101. و لکن لا یمکن التسلیم بذلک علی‌ الأقل بالنسبة للقاصر الذی‌ یکون فی سن الرابعة عشر لأن هذا السن یصعب الاعتداد بالموافقة الصادرة من القاصر حیث لا تکتمل ملکة الإدراک‌ و التمییز و النضج اللازم للقول‌ بتوافر الأهلیة بالنسبة لهذا التصرف الخطیر.إذ یخشی أن‌ یکون القاصر متأثرا باکراه‌ أدبی مما یجعل هذه الموافقة فیها شک.

الاتجاه الثانی:-

یری أنصاره أنه لا بد من‌ التفرقة بین القاصر المدرک‌ و القاصر غیر المدرک. فالقصر أصبحوا فی الوقت‌ الحالی یتحملون کثیرا من‌ المسئولیات و أصبحت ملکات‌ التمییز لدیهم متقدمة و خصوصا مع تقدم الوسائل‌ الحدیثة للإنماء الفکری.و من‌ أجل هذا کله لا بد من الحصول‌ علی رضاء القاصر متی بلغوا سن التمییز حتی و لو لم یبلغوا سن الرشد القانونی‌201. و هذا یوضح لدی أنصار هذا الاتجاه ضرورة هذا التمییز بین المدرک و غیر المدرک. و یبدو أن أنصار هذا الاتجاه‌ یریدون وضع حد معین لأهلیة التصرف فی أعضاء الجسم‌ بالنسبة للقاصر.و قاموا بربط هذه الأهلیة بالقدرة علی‌ الإدراک و التمییز.فمتی کان‌ الإدراک و التمییز یقترب من‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 106)

سن الرشد فإنه یعتد برضاء القاصر و موافقة الولی إلا من قبیل الاحتیاط.و إذا کان‌ الإدراک لا یکفی للاستقلال‌ بالتصرف فیجب أن یکون‌ هناک رضاء بین القاصر و یکمله رضاء من الولی. و فی جمیع الأحوال متی کان‌ القاصر مدرکا و رفض‌ التصرف حتی بالنسبة لأخیه‌ التوأم‌301فلا یجبر علی ذلک‌ حتی و لو رضی الولی بهذا التصرف.و ذلک لأن القاصر لا یلتزم بقرار الولی إلا إذا کان‌ غیر مدرک.

الأتجاه الثالث:-

یذهب أنصاره إلی أنه‌ لا یجوز بأی حال من الأحوال‌ التنازل أو التصرف فی جزء من جسم القاصر لأنه لا یملک‌ ذلک حیث لا أهلیة له تتیح ذلک‌ و لا یوجد من ینوب عنه بالقیام‌ بهذا التصرف.و أن فی جعل‌ ولی القاصر یوافق علی هذا التصرف حتی و لو لمصلحة شقیقة التوأم یعطی الولی الحق‌ فی الحیاة و الموت‌401و أن‌ هذا التصرف فی جسم القاصر یخرج من مجال النیابة القانونیة لأنه لیس فیها مصلحة للقاصر.فمثل هذه التصرفات‌ الخطیرة لا یملکها إلا الشخص‌ نفسه متی کان لدیه الأهلیة الکاملة لذلک التصرف و یأخذ بهذا الرأی الفقه فی‌ تشیکو سلوفاکیا501.و یذهب‌ بعض الفقهاء601استنادا إلی‌ نص المادة الثالثة من القانون‌ 301 لسنة 2691 فی شأن‌ بنک العیون إلی القول أنه‌ یجوز للقاصر المدرک و غیر المدرک أن یتصرف فی جزء من جسمه لأن المشرع‌ استعمل فی نص هذه المادة عبارة القاصر أو ناقص‌ الأهلیة و الأخیر یشمل السفیه‌ و ذو الغفلة».

رأینا فی الموضوع:

لما کان القول بمشروعیة التصرف حتی وقت قریب‌ کان غیر جائز.فیجب أن‌ یکون التطور فی هذا المجال‌ مقصورا علی البالغین دون‌ القصر.لأن القاصر مخلوق‌ ضعیف البنیة و لا یتصور أن‌ یکون للولی الحق فی‌ التصرف فی جسم القاصر. إذ یتحدد دور الولی بالقیام‌علی‌ تربیته و اعداده لکی ینمو و یصبح عضوا صالحا فی‌ المجتمع.و لکن إذا کانت‌ هناک ضرورة تقدر بقدرها و ذلک کما هو الحال فی حالة إذا کان الآخذ أی المتنازل إلیه‌ عن جزء عن جسم القاصر هو شقیق توأم له أو وجود حالة رفض للشخص المریض‌ لجزء آخر لتصرف إلیه من‌ الغیر.و لکن یمکن تفادی هذا الرفض فإننا لا بد أن نتشدد فی‌ هذا التصرف من القاصر و نذهب مع البعض‌701إلی‌ القول أنه لا بد من عدة قیود علی هذا التصرف.من هذه‌ القیود.أولا:لا بد من أن‌ یون الحصول علی جز من‌ جسم القاصر الوسیلة الوحیدة بل و الأخیرة لانقاذ المتنازل‌ إلیه المریض.ثانیا:-أن‌ یکون القاصر ممیزا فلا یعتد بموافقة الولی إذا لا یتصور بقول التنازل إلا من شخص‌ ممیز ثالثا:اللجوء إلی‌ القاضی المستعجل للإذن بهذا التنازل فالقاضی شخص یلتزم‌ بمبدأ الحیاد فهو یحل محل‌ ولی النفس حتی تنتفی شبهة المحاباة.رابعا:ألا یقل عمر القاصر الممیز عن أربعة عشر عاما و هو السن الذی‌ یغلب معه اکتمال ملکات‌ الادراک و التمییز قیاسا علی‌ تحدید قانون الأجراءات‌ الجنائیة لسن الشاهد لا یقل عن‌ ذلک السن.

تعقیب:-

إذا أجزنا التصرف فی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 107)

جسم الإنسان الحی بالغا أو قاصرا بالشروط السالف‌ ذکرها.و أصبحنا أمام‌ شخصین أحدهما یسمی‌ المعطی أو المتنازل و الثانی‌ یسمی الأخذ أو المتنازل إلیه. فإن هناک مشکلة قانونیة تظهر فی الأفق القانونی و هی هل‌ یعتبر هذا التصرف عقدا و یطبق علیه القواعد العامة فی‌ العقود فی القانون المدنی...؟ أم أن هذا التصرف یتخذ شکلا آخر غیر العقد و لا یخضع لتلک‌ القواعد العامة.

بادی‌ء ذی بدء فإن تنازل‌ الشخص عن جزء من‌ الأجزاء المزدوجة من جسمه‌ إلی الغیر بمقابل فإن هذا التصرف لا یعدو أن یکون عقد تصرف فی أحد أعضاء الجسم‌ الآدمی.و لکن نظرا لأن‌ مجال الاباحة فی التصرفات‌ التی یکون محلها جسم الانسان‌ تتمیز بطابع خاص.فلا یمکن‌ معه و الحال کذلک أن تطبق‌ القواعد العامة فی العقود علی‌ التصرف فی هذا الجزء من‌ الجسد لأننا سوف نجد تعارضا صریحا مع هذه القواعد.و أنه‌ طبقا للقواعد العامة فی العقد یجب تنفیذ العقد بکل شروطه‌ و بحسن نیة و أن أطراف العقد یلتزمون بما جاء به و إذا امتنع‌ أحد المتعاقدین علی تنفیذها ما التزم به یجوز للتعاقد الآخر إجباره علی ذلک التنفیذ العینی‌ و إذا کان فی التنفیذ العینی‌ مساس بشخص المدین فإن هذا المضرور یلجأ إلی التنفیذ بطریقة التفویض.

فهل نطبق هذه القواعد العامة فی العقود علی عقد التصرف فی جزء من جسم‌ الإنسان أم هناک قواعد أخری‌ یمکن تطبیقها حمایة لطرفی‌ العقد المدین و الدائن.یذهب‌ الرأی الغالب فی الفقه‌ و القضاء المصری‌ و المقارن‌801إلی أن‌ التصرفات التی ترد علی جسم‌ الانسان لها طبیعة خاصة تقتضی وضع نظام قانونی‌ خاص یتلاءم مع هذه الظروف‌ حتی و لو کان هناک خروج‌ علی أحکام القواعد العامة.

فیرفض الرأی الغالب‌ تطبیق القواعد العامة فی حالة رفض التنفیذ العینی.و لذلک‌ یجوز للمعطی الرجوع أو العدول عن الرضاء فی مجال‌ التصرفات القانونیة التی ترد علی جسم الإنسان متی شاء فی هذا و لذلک تقرر المادة 11 من مشروع القانون المدنی‌ الفرنسی«یجوز دائما الرجوع‌ فی التصرف الذی بمقتضاه‌ یتصرف الشخص فی جسمه‌ أو فی جزء من جسمه سواء کان التصرف قابلا للنفاذ حال‌ حیاة الشخص أو عند وفاته». کما فی القانون الأثیوبی‌ المدنی؟و الایطالی بالنص‌ علی هذا المبدأ.و هو حریة العدول للمتصرف فی جزء من أعضاء جسمه کذلک رفض‌ الرأی الغالب أیضا تطبیق‌ القواعد العامة فی الرجوع‌ بطریقة التعویض النقدی بدلا من التنفیذ العینی و لا یسمح‌ للمتنازل إلیه فی حالة العدول‌ من المتنازل علی إجباره علی‌ دفع تعریف نقدی بل یقتصر الأمر علی مقدار المصاریف‌ اللازمة لإتمام عملیة النقل. و لذلک ورد نص المادة 91 من‌ القانون المدنی الأثیوبی.من‌ حق المستفید من التصرف أن‌ یطالب بتعویض المصاریف‌ التی یتحملها نتیجة التصرف‌ الذی سبق ابرامه‌901.

فالمتنازل لا یلزم بدفع‌ تعویض جزاء العدول‌011 و هذا الذی ذهب إلیه أنصار الرأی الغالب یستهدف توفیر أکبر قدر ممکن من الحریة أمام المتنازل عن جسمه حتی‌ لا یکون تحت وطأة المادة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 108)

و خشیته من دفع مبلغ من‌ التعویض فی حالة العدول مما یجعله یضحی و یرضخ للعملیة و نجم عدم اقتناعه بذلک. فالهدف البعید هو حمایة الجسم‌ و عدم إمکان المساس به إلا بناء علی رضاء مستمر حتی‌ إجراء العملیة و تنفیذ الوعد بالتصرف فی جزء من أجزاء الجسم.

و ذهب البعض إلی القول‌ بأن حریة المتنازل فی العدول‌ عن التصرف تستخلص من‌ استعمال الشرع المصری فی‌ القانون 301 لسنة 2691111لفظ الایصاء أو التبرع بالعین.فمن المقدر قانونا أنه یجوز للموصی‌ الرجوع عن الوصیة کلها أو بعضها.کما یجوز الرجوع‌ فی الهبة إذا وجد عذر مقبول‌ للرجوع و یرجع الأمر إلی‌ القاضی فی تقدیر الملائمة للرجوع أو فی تقدیر عذر الرجوع من عدمه.

و لکن هذا یقتصر علی حالة ما طذا کان التصرف تبرعا أی‌ بدون مقابل.أما فی مجال‌ التصرف بعوض فإن العدول‌ لا ینطوی علی أدنی خطأ عقدی و من ثم فلا یرجع‌ المتنازل له علی المتنازل بأی‌ تعویض و لکن یدق البحث فی‌ مسألة الأساس القانونی الذی‌ یمکن الاستناد إلیه فی تبریر حق رجوع المعطی عن‌ التصرف فی أحد أعضاء جسمه...؟

ذهب بعض الفقهاء211 أن هذا التصرف مقترن علی‌ بشرط إرادی بسیط واقف‌ یقتضی القیام بعمل و الشرط الارادی البسیط یعتبر صحیحا سواء تعلق بإرادة الدائن أو المدین.و لکن هذا التحلیل‌ یکون صحیحا إذا کان محل‌ الاتفاق هو خضوع الشخص‌ لإجراء عملیة جراحیة.أما فی مجال التصرف فی جسم‌ الشخص.فإن الاتفاق یتوقف‌ علی محض إدارة المتنازل‌ [المدین‌]و من هنا تکون إزاء التزام معلق علی شرط إرادی‌ محض‌311.و هو طبقا للقواعد العامة فی نظریة الالتزام یکون باطلا.و لکن‌ کما سبق أن ذکرنا أن التعاقد فی مجال التصرفات التی‌ یکون محلها جسم الانسان له‌ طابع خاص و مبررات تبرر الخروج علی نطاق القواعد العامة فی العقد.و لکن حتی‌ لا تترک ثمة ظروف أمام‌ المتنازل للتلاعب أو التحایل‌ علی المرض.کأن یتقاضی‌ مبلغا معینا نظیر التنازل و یتم‌ إجراءات التحلیل لتوافق‌ الأنسجة کی یمکن التأکد من‌ عدم رفض الجسم الجزء الذی‌ سینقل إلیه.و یکون هناک أمل‌ عریض للمتنازل إلیه فی‌ الشفاء و التخلص من الآمه. و عند خضوع الشخص‌ المتنازل لإجراء الاستئصال‌ للجزء محل التصرف یرفض‌ لإحساسه بالخطورة التی‌ تلحقه.

فإننا نری أن إخضاع‌ المتنازل فی حالة العدول عن‌ التصرف إلی إلزامه‌ بالتعویض لیس علی أساس‌ العدول فی حد ذاته.و إنما علی أساس الأفعال المصاحبة للحق فی العدول.أی عن‌ الأضرار التی لحقت المتنازل‌ إلیه من مصاریف تحالیل‌ و أجر طبیب خصص لعملیة استئصال العضو الذی یمکن‌ التنازل عنه من المتنازل. و التفویض لا یجبر الشخص‌ علی تنفیذ تعاقده مع المتنازل‌ إلیه و لکن یجعل المتصرف‌ یفکر بشی‌ء من الجدیة قبل‌ إبرام هذا التصرف.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 109)

المبحث الثانی:حقیقة التصرف فی جثة الإنسان‌ المتوفی

تمهید:-

بعد هذا العرض السابق فی‌ بیان إباحة التصرف فی‌ أعضاء الجسم البشری‌ و إقتصارها علی أعضاء الجسم التی لا تعطل الوظائف‌ الحیویة لهذا الجسم.أی‌ الأجزاء المزدوجة فی جسم‌ الإنسان و بذلک قد خرجت‌ الأجزاء الأخری غیر ما سبق‌ ذکره من عداد المشروعیة. و لذلک أصبح مجال زرع‌ الأعضاء رغم نجاحه و تطوره‌ الأخیر فی تلک الأونة من هذا التصرف محدودا بالنظر إلی‌ البحث العلمی المتقدم فی هذا المجال نظرا لقلة قطع الغیار البشریة.و من أجل هذا فلا مجال للحصول علی هذا الغیار البشری إلا من جسم‌ الإنسان المتوفی.فهو لن‌ یفیده شی‌ء و لا یتألم لانتزاعها منه.و من ثم فقد أصبح‌ المساس بجثة الإنسان أمرا لا مفر منه.إلا أن الأمر لیس‌ بالسهل الهین.فأغلب البشر یحرصون علی احترام الموتی‌ و سیرتهم.و هذا الاحترام‌ یوجب عدم المساس بتلک‌ الأجسام‌411.و یمکن القول‌ أن هذا المساس لا یتعارض مع‌ احترام الجثة و خصوصا أن‌ استعمالها سیکون من أجل حیاة شخص مریض یحتاج إلی‌ تغییر جزء تالف من جسمه‌ و حتی لا یفتح الباب علی‌ مصراعیة دون ضابط.و لکی‌ لا تعم الفوضی باغتیال شخص‌ و الحصول منه علی قطع‌ الغیار البشریة اللازمة511 لا بد من وضع معیار لتحدید وفاة الشخص حتی یمکن التأکد من أن الروح أسلمت إلی‌ بارئها الأعلی.و من أجل ذلک‌ یجب تحدید معیار منضبط للوفاة.و ما مشروعیة هذا التصرف ثم بیان کیفیة و حقیقة التصرف فی جثة المتوفی. و لذلک ینقسم البحث فی هذا المبحث إلی ثلاثة مطالب‌ هی:

المطلب الأول:معیار تحدید وفاة الشخص.

المطلب الثانی:مشروعیة المساس بحثة المتوفی.

المطلب الثالث:کیفیة التصرف فی جثة المتوفی.

المطلب الأول‌ معیار تحدد وفاة الشخص

تمهید:-

لما کان الحصول علی‌ الأجزاء الوفیرة الحیویة و غیر الحیویة من الجثة هو الطریق‌ السریع لتلافی مشکلة تعذر الحصول علی قطع الغیار البشریة.فإنه دفعا لکل شهوة علمیة فی مجال التصرف فی‌ أعضاء الجسم و زرع‌ الأعضاء من میت إلی حی‌ و لکی لا یقدم شخص علی‌ إزهاق روح المعطی أو الشخص الحی کی یحصل منه‌ علی جزء مطلوب نقله إلی‌ مریض مدفوعا بشهوة المال‌ أو رغبة الشخص فی مفارقة الحیاة بیدیه«أن یکون تحدید وفاة الشخص بمعیار قطعی‌ فی الدلالة علی انعدام الحیاة. و ذلک لأن تحدید لحظة الموت‌ یوضح الخط الفاصل بین‌ الحیاة و الموت فقبل الموت‌ فإننا نکون بصدد إنسان حی‌ یجب علی الطبیب أن یبذل کل‌ ما فی وسعه لمعاونته أی‌ تحقیق الشفاء باعتباره ملتزما ببذل العنایة611فهو یقدم له‌ الوسائل التی من شأنها بث‌ روح الحیاة فیه کالإنعاش‌ مثلا.أما منذ لحظة الوفاة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 110)

فإننا نکون بصدد إنسان میت. و هنا نبدأ التفکر فی المساس‌ بهذه الجثة و الثانون الوضعی‌ المصری لم یحدد أو یعرف‌ الموت الطبیعی أو بالحادث. بل جاء نص القانون 031 لسنة 6491 واضحا فی‌ إیضاح من الملزم بالإبلاغ‌ و المدة التی یبلغ خلالها بالوفاة إلی مکتب الصحة المختص. فالقانون الوضعی المصری‌ ترک للطبیب وحده سلطة التحقق من الوفاة و سببها. و لکن لم یحدد للطبیب الوسائل‌ التی یستطیع أن یتحقق من‌ الوفاة فالمسألة إذا هی أمورواقعیة یترک تقدیرها المطلق‌ سلطة الطبیب طبقا للأصول‌ الفنیة الطبیة.

و لکن یوجد ما یسمی‌ بالموت الظاهری أی انعدام‌ دقات القلب و التنفس دون‌ انعدام لخلایا المخ.فهو یعتبر الشخص میتا فی هذه‌ الحالة...؟

و إزاء هذه المشکلة التی لم‌ یهتم المشرع الوضعی‌ بمعالجتها.فإنه لا بد من وضع‌ معیار یحدد فی تحدید لحظة وفاة الشخص.یوجد فی هذا المجال اتجاهان الأول قدیم‌ و الثانی حدیث.

الأتجاه الأول:-

هو اتجاه تقلیدی قدیم‌711 یعرف الموت بأنه التوقف‌ النهائی للدورة الدمویة و للتنفس فالموت لا یتحقق إلا إذا توقف القلب عن العمل‌ و ماتت خلایاه و توقف التنفس‌ و لکن هذا المعیار کما یذهب‌ البعض‌811غیر دقیق لأن‌ توقف القلب عن العمل و توقف‌ التنفس قد لا یکشف إلا عن‌ الموت الظاهری دون‌ الحقیقی.فهناک وسائل حدیثة تعید للقلب التنفس و العودة من‌ جدید أو الاستمرار لمدة قد تطول أو تقصر مثل الأنعاش‌ أو الصدمة الکهربائیة أو تدلیل‌ القلب.و کثیرا ما تظل خلایا المخ حیة لفترة بعد توقف‌ القلب و جهاز التنفس.و قد یحدث العکس أن تکون خلایا المخ قد ماتت و یظل الجهاز التنفسی و القلب فی حالة عمل. فطالما أن خلایا المخ ماتت‌ فإنه یستحیل عودتها للحیاة. و یستحیل معه أیضا عودة الشخص للحیاة.

و بناء علی ذلک فالاتجاه‌ الذی یری أن توقف نبضات‌ القلب أو الجهاز التنفسی لیس‌ قاطعا فی الدلالة علی وفاة الشخص هذا من جهة911 و من جهة أخری فإن الأخذ بهذا المعیار یؤدی إلی استحالة إجراءات عملیات نقل القلب. لأن القلب‌یحتفظ بالأنسجة من‌ ساعتین إلی ثلاث و کذلک زرع‌ الکلی لأن الکلی تحتفظ بالأنسجة من ثلاث إلی أربع‌ ساعات و کذلک الکبد یحتفظ بالأنسجة لمدة نصف ساعة. و هو ما یسمی بموت الخلایا الذی یحدث بعد ساعات‌ معدودة من الموت الأکلینکی.

و إزاء هذا الغموض الذی‌ اکتشف هذا التحدید لدی‌ أنصار هذا الاتجاه فلا بد من‌ البحث عن معیار آخر یکون‌ أکثر دقة.لکی یمکن الاستفادة من أجزاء الجثة علی نحو صحیح یحقق الفائدة المرجوة من هذا المجال الخصب لقطع‌ الغیار البشریة.

الاتجاه الثانی:

هو اتجاه حدیث نسبی و قد أجمع فقهاء القانون المقارن‌ علی اعتبار الشخص میتا متی‌ ماتت خلایا المخ حتی و لو کان‌ القلب لم تمت خلایاه‌021إلا أن هذا الموت لخلایا المخ‌ یجب أن یکون بصورة نهائیة.و لکی یمکن التأکد من‌ موت خلایا المخ یجب‌ الاستعانة فی هذا المجال‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 111)

بجهاز الرسام الکهربائی‌ للمخ.فإذا توقف هذا الجهاز عن اعطاء اشارات فإنه یتفتح‌ إذن أن خلایا المخ قد توقفت‌ عن العمل.و بالتالی یمکن‌ القول بوفاة الشخص نفسه إلا أن هذه الوسیلة لا یمکن‌ الاعتماد علیها بصفة أصلیة. فلا یجوز الاعتماد علی‌ الأجهزة فقط.و إنما لا بد من‌ اعطاء الطبیب‌121سلطة تقدیریة لاعلان الوفاة بالرغم‌ من عدم اعطاء الجهاز الإشارات.فدور الطبیب یأتی‌ للتأکد من الأعراض‌ لاکلینیکیة.و قد أثبت العمل‌ بالفعل خلاف ذلک‌221أنه‌ لا بد من عدم التعویل بصفة أساسیة علی جهاز رسم المخ‌ الکهربائی و انما یعول علی‌ درجة ما یستهلکه المخ من‌ أوکسجین.و بناء علی هذا التعریف للموت یمکن إجراء عملیات نقل القلب أو الکلی أو العیون أو البنکریاس فمنذ لحظة وفاة المخ یعتبر الشخص میتا حتی و لو کانت‌ الأوعیة الخلویة لم تمت بعد. فهذه اللحظات هی التی یمکن‌ طبیا اجراء هذه العملیات. و متی أعلنت حالة الوفاة فإنه‌ یجب الابقاء علی الأعضاء المراد استئصالها باستبقاء وسائل الانعاش الصناعی‌ حفاظا علی هذه الأوعیة الخلویة.

و لکن تحفظا علی هذا الرأی أنه یجب أن یکون تقریر الوفاة بالإضافة إلی استخدام‌ جهاز الرسم الکهربائی للمخ‌ لیس بطبیب واحد فقط و إنما مجموعة من الأطباء علی‌ الأقل من الإخصائیین المشهود لهم بالکفاءة العلمیة و الدرایة بالأصول الفنیة الطبیة و تکون‌ هذه المجموعة التی قد یتراوح‌ عددها مابین شخصین أو ثلاثة علی حسب الأحوال غیر الأطباء الذین یقومون بعملیة النقل من جثة المتوفی الی‌ جسم الحی.

تعقیب:

إزاء هذا الخلاف الذی ثار فی أوساط دوائر الفقه و عدم‌ دقة المعیار التی یستند إلیها فی‌ تحدید لحظة الوفاة.فحتی‌ الاتجاه الثانی و إن کان قریبا من المنطق العلمی.إلا أن‌ الاعتماد علی الأجهزة العلمیة لا یمکن أن یبنی علیه تحدید قاطع فی تعریف الموت. فیقرر بعض الأطباء أن جهاز رسم المخ الکهربائی لا یصلح‌ کأداة321منفردة للتحقق من‌ الوفاة فی ذاتها فالجهاز لا یعکس سوی نشاط المراکز العصبیة القریبة للمخ.فهو لا یعطی إشارات إلا عن هذه‌ المراکز القریبة أما المراکز البعیدة أی العمیقة تکون فی‌ حالة حیاة.فمن الضروری‌ الاتفاق علی تجدید مدة یظل‌ خلالها الجهاز لا یعطی‌ إشارات بحیاة المخ حتی یمکن‌ التأکد من وفاة الشخص‌421 و لقد أشار الفقه الفرنسی بقرار وزیر الصحة الفرنسی الصادر فی 8691/4/42 الذی حدد الاحتیاطات التی یلتزم الاطباء فی تحدید لحظة الوفاة.فهذا القرار لم یحدد الموت قانونا. و لکن ترک ذلک الأمر إلی‌ الأصول العلمیة و إلی ضمیر الأطباء.521کل ذلک یقودنا إلی أنه لا بد من وضع معیار حاسم لتحدید لحظة الوفاة. فهل من الأدق أن یکون ذلک‌ بواسطة القانون أم هی مسألة فنیة بحتة یجب ترکها لذوی‌ أصول مهنة الطب.؟

لا جدال أنه فی الإجابة علی هذا التساؤل.أهمیة قصوی فی مجال التعرف فی‌ أعضاء الجسم الآدمی. و وضع المشکلة فی نصابها الصحیح.إذا أن کثیرا من‌ الأطباء المولعین بعملیات نقل‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 112)

الأعضاء یهمهم إنارة الطریق‌ فی هذا المجال بوضع‌ الضوابط القانونیة التی تتضمن‌ عدم تعرفهم للمسائلة المدنیة و الجنائیة.

فقد ذهب البعض‌621إلی‌ أنه یلزم صدور تشریع فی کل‌ دولة یحدد المقصود بالموت. لأن الرأی العام للجماعة و منهم الطبیب یرید أن یسیر هذا المجال فی طریقه‌ الصحیح عن طریق تدخل‌ المشرع بوضع هذا التعریف. فهو کأی ظاهرة اجتماعیة یعالجها التشریع حتی یسود الوئام بین أفراد الجماعات. و طالما أن الضمیر الاجتماعی‌ لأفراد المجتمع.یرید أن‌ یطمئن علی مسألة التصرف‌ فی جثة المتوفی فلا بد أن تأتی‌ القاعدة القانونیة محددة هذه‌ الظاهرة فلقد صدر فی ولایة کانساس الأمریکیة تشریع فی‌ أول یولیو عام 0791 یعرف‌ الموت.و سبب صدور هذا التشریع أنه حدث فی قضیة شهیرة تسمی بقضیة«بیکی» أن عثرت المحکمة علی‌ تعریف محدد للموت منذ القرن‌ السادس عشر.و الذی جاء به‌ أن الموت ه‌توقف جمیع‌ الوظائف الحیویة دون أدنی‌ امکانیة لعودتها مرة أخری‌721و لا یکتفی بتنظیم‌ هذه المسألة فی لوائح و آداب‌ مهنة الطب.لأن هذه اللوائح‌ لا تلقی لدی الضمیر الاجتماعی لأفراد المجتمع‌ نفس التقدیر الذی یکون منظما بقانون عام.إلا أننا نرد علی‌ ذلک بأنه إذا کان هناک تنظیم‌ لائحی للموت فاللائحد و هی‌ أدنی درجة من التشریع أو القانون.فهی ملزمة للمخاطبین بأحکامها.

و علی خلاف ما سبق ذهب‌ البعض الآخر821إلی القول‌ أن الحیاة و الموت من الظواهر البیولوجیة.و تحدید الوفاة من‌ خلال هذه لاظاهرة یثیر مسألة فنیة تتعلق بأصول المهنة الطبیة.و لا تثیر مشکلة قانونیة.فالطبیب هنا لا یمس‌ حرمة الجسد.و إنما یقتصر دور الطبیب علی تحدید اللحظة الفاصلة بین جسم‌ الانسان الحی و جسم الإنسان‌ المیت.و لا مفر من‌ اختصاص الطبیب بها.و لیس‌ للقانون أن یتدخل إلا بوضع‌ بعض القواعد السلوکیة التی‌ تسهل علی الأطباء أداء هذه‌ المهمة الفنیة و بناء علی ذلک‌ یذهب أنصار هذا الرأی إلی‌ القول أنه لا یجوز أن یصدر تشریع لتعریف الموت.و ذلک‌ لأن تعریف الموت بواسطة القانون قد یصبح فی وقت ما غیر دقیق بالنظر إلی التقدم‌ العلمی الذی یحدث فی مجال‌ الطب.و الذی قد یضطر المشرع فی کثیر من الأحوال‌ الی تقدیر التشریع بصفة متلاحقة حتی یتسق مع هذا التقدم العلمی.

و یضیف أنصار هذا الرأی‌ إلی أن انضباط القاعدة القانونیة لا یتلاءم مع ظروف‌ کل شخص علی حدة إذ القاعدة القانونیة عامة مجردة لا تتناول‌ شخص معین بذاته.

إلا أننا نعتقد أن الجمع بین‌ الاتجاهین بوضع احتیاطات‌ فی صورة تعلیمات للأطباء کی یستعینوا بها بالإضافة الی‌ الأصول الفنیة الطبیة هو أمر لازم لوضع هذه الظاهرة فی‌ مکانها الصحیح أسوة بما حدث‌ فی فرنسا من صدور قرار وزیر الصحة الفرنسی فی 42 أبریل 8691 بوضع ضوابط للأطباء یستولون من خلالها علی تحدید لحظة الوفاة.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 113)

المطلب الثانی‌ مشروعیة المساس بجثة المتوفی

تمهید:

إن مبدأ معصومیة921 الجسد أی حرمة الکیان المادی‌ لجسم الإنسان لم یقتصر أثره‌ علی جسم الإنسان الحی. و إنما امتد لیشمل حمایة جثة المتوفی.فنجد التشریعات‌ الوضعیة و العقائد الدینیة تحرم‌ المساس بجثة المتوفی.فقد جاء النص فی القانون الجنائی‌ المصری فی المادة 061 من‌ قانون العقوبات بتحریم انتهاک‌ القبور أو تحریم أی عمل من‌ شأنه المساس بحرمة الجثة سواء ان هذا العبث قبل الدفن‌ أم بعده.و أفرد المشرع‌ الوضعی عقوبة جنائیة لمخالفة هذه الأفعال الإجرامیة031. و امتدت هذه الحمایة فی العقائد الدینیة.فقد ورد فی الحدیث‌ الشریف«کسر عظم المیت‌ ککسر عظم الحی»131. فهناک إذن شعور عام لدی‌ کافة البشر بما یسمی بتقدیس‌ الموتی‌231.فیحرص‌ أغلب الناس علی احترام‌ المیت و عدم التمثیل بجثته إلی‌ حد الإنتقام و الشراسة.و هذا المبدأ الخاص بحرمة الجثة کرامة الجسم الحی.وقفت‌ إلی حد بعید عائقا فی سبیل‌ الحصول علی قطع الغیار البشریة من جثث المتوفیین. و لکن هذه الحرمة یجب أن‌ توضع فی موضوعها الصحیح‌ فی عصر ظهر فیه التقدم‌ الطبی الهائل فی مجال نقل‌ الأعضاء من میت إلی حی. أی وجود مصلحة عاجلة للمرضی الذین یحتاجون إلی‌ هذه القطع البشریة.و الترکیز علی الإهتمام بهذه الدراسة یسهل إذا ما انتهینا إلی‌ مشروعیة المساس بجثة المتوفی إلی عملیة استئصال‌ أعضاء من الجثة.فتقدم‌ دراسة عام الأرواح ألقی‌ الکثیر من الضوء علی أن‌ الإنسان روح لا جسد331 و أن الجسد هو القید الذی‌ توضع داخله الروح و یمنعها من الحرکة.کما بین لنا الکثیر من صور الحیاة فی‌ الحیاة الأخری.و من ثم فلا داعی لتقدیس الجسد علی نحو یعوق حرکة التقدم العلمی فی‌ مجال نقل الأعضاء الآدمیة. و بناء علی ذلک فإنه إزاء قدسیة الجسد فإنه لا بد من‌ التخلل و لو جزئیا من هذا المبدأ بإباحة المساس‌ و التصرف فی الجثة بالقدر الذی یحقق ضروات التعاون‌ و التضامن الإنسانی فإذا کان‌ یخطر بصفة مطلقة المساس‌ و التعرض لجثة المتوفی.فإن‌ الضرورات تبیح‌ المحظورات.و لذلک سنوضح‌ اتجاهات القانون المقارن‌ و القانون الوضعی المصری‌ إزاء هذا المبدأ و مبرراته و ذلک‌ فی فرعین متتالین هما:.

الفرع الأول::اتجاهات‌ القانون المقارن

الفرع الثانی:اتجاهات‌ القانون الوضعی المصری

الفرع الأول‌ اتجاهات القانون المقارن

کثیر من التشریعات‌ الأجنبیة تعرضت بالنص‌ صراحة علی جواز استئصال‌ جزء من جثة المتوفی‌ و زرعها فی جسم آخر حی. و هی أسبق فی تاریخها من‌ تلک التی تعرضت للتصرف‌ فی جزء من جسم الإنسان‌ الحی.و نخص بالذکر القانون‌ الأسبانی الصادر فی‌ 0591/21/81.و القانون‌ الإیطالی الصادر فی‌ 7591/4/3.و القانون‌ السویدی الصادر فی عام‌ 8591.و القانون الدانمرکی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 114)

الصادر فی 7691/6/7. و القانون البرازیلی الصادر فی‌ 8691/8/01.431و کذلک‌ القانون الفرنسی و القانون‌ الأمریکی و القانون الإنجلیزی‌ و نظرا لأن القانون الفرنسی‌ و الأمریکی یعتبران أهم‌ القوانین المقارنة فی العصر الحدیث فإننا سنتعرض‌ تفصیلا لهما:

أولا:الوضع فی فرنسا: نجد أن القانون الفرنسی قد عدل عن مبدأ الحرمة المطلقة لجثة المتوفی و بدأ یدخل علیها استثناءات کثیرة من أجل‌ مصلحة البشریة.و أجاز العدید من التصرفات فی جثة الشخص بشروط مختلفة. و لقد أکدت محکمة النقض‌ الفرنسیة أن کل شخص‌ یستطیع أن یتصرف فی جثته‌ کما یستطیع أن یتصرف فی‌ أمواله مع مراعاة ألا تدخل‌ الجثة فی التجارة أو المعاملات‌ فالتصرف لا یکون إلا لأغراض صحیة أو علمیة.

و قد جاء فی‌المادة 3 من‌ القانون الفرنسی الصادر فی‌ 7881/11/51«أنه یجوز للشخص أن یوصی بکیفیة دفنه و تعتبر هذه الوصیة ملزمة.فیجب علی عائلته‌ احترام هذه الوصیة و تنفیذها طالما أنها غیر مخالفة للنظام‌ العام أو الآداب و قد علق الفقه‌ الفرنسی علی ذلک‌531بأن‌ الشخص یعتبر سید جسده بعد الوفاة.و لهذا من حقه أن یحدد کیفیة التصرف فی جثته‌ و إرادته تلزم الأقارب‌ و المجتمع.و التصرف الذی‌ بمقتضاه یتصرف الشخص فی‌ جثته أو فی جزء منها یعتبر مشروعا طالما أن الغرض من‌ التصرف هو توجیه الجثة إلی‌ غرض مشروع.

و لقد صدر فی فرنسا فی‌ 9491/7/7 قانون خاص‌ بإباحة التصرف فی قرنیة العین.فأباح للشخص أن‌ یوصی بقرنیة عینه.و من ثم‌ فإنه یمکن القول أن هذا القانون‌ أجاز مبدأ استئصال جزء من‌ جثة میت لزراعته فی جسم‌ إنسان حی.و یعتبر هذا القانون من قبیل التطبیقات‌ التشریعیة لهذا المبدأ.و کما أن وجود بنوک للعدید من‌ أجزاء الجسم تحت سلطة و إدارة السلطة العامد فی‌ فرنسا یعتبر من قبیل‌ الإعتراف بمشروعیة الحصول علی أجزاءمن جثة المیت.فیوجد بنک العظام‌ و بنک الجلد.

و لذلک نجد أن المادة الرابعة من مشروع تعدیل‌ القانون المدنی الفرنسی تسمح‌ للشخص بالتصرف فی جثته‌ لأغراض علمیة أو أغراض‌ طبیة.

ثانیا:الوضع فی أمریکا:

تطور الوضع فی القانون‌ الأمریکی و وضع أول قانون‌ فی 8691/7/03 و هو یبیح‌ نقل الأعضاء من جثة شخص‌ میت.

و أهم ما یمیز هذا القانون‌ هو السماح للشخص البالغ من‌ العمر ثمانیة عشر عاما فأکثر أن یعطی کل جثته أو جزء منها لغرض من الأغراض‌ التی یحددها القانون.و الهبة لا تنفذ إلا بعد الموت أی أن‌ یکون التصرف بالإیصاء. فأول من یسمح له القانون‌ بالتصرف فی الجثة هو الشخص نفسه.فإرادته التی‌ یبدیها قبل الوفاة یجب‌ احترامها731و الوضع‌ الحالی فی الولایات المتحدة الأمریکیة أن هناک ثلاثین‌ ولایة تسمح للشخص البالغ‌ فقط بأن یتصرف فی جثته عن‌ طریق الوصیة.و أربع‌ ولایات تسمح بالتصرف فی‌ العین فقط.و ستة عشر ولایة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 115)

تسمح للأقارب بالتصرف فی‌ الجثة للمتوفی‌831. و توصل الفقهاء فی أمریکا إلی‌ السماح للأقارب بالتصرف فی‌ الجثة تأسیسا علی ما یسمی‌ بحق الأقارب فی دفن قریبهم‌ المتوفی.ففی الولایات‌ المتحدة الأمریکیة من المستقر علیه و من المعترف به من‌ قدیم الزمان أن للأقارب الحق‌ فی دفن جثة قریبهم المتوفی. و الحق فی الدفن یشمل الحق‌ فی حیازة الجثد لدفنها و کذلک‌ الحصول علی تعویض فی‌ حالة تشویهها أو المساس بها. فمن حق الأقارب بل و من‌ واجبهم حمایة الجثة ضد أی‌ اعتداء غیر ضروری.و أی‌ اعتداء علی هذا الحق باستثناء تشریح الجثة لاکتشاف الجرائم‌ من شأنه أن یکون ماسا بأرق المشاعر العاطفیة و الإنسانیة للأسرة و حق‌ الأقارب و حق الأقارب فی‌ التصرف فی جثة قریبهم ینبع‌ من التزامهم أو حقهم فی‌ ذمته.فالحق فی الدفن یشمل‌ الحق فی التصرف فی الجثة بأکثر الطرق ملاءمة بما فی‌ ذلک التصرف فی الجثة و فی‌ جزء منها لأغراض علمیة. فالحق فی الدفن یجب أن یفهم‌ علی أنه یعطی للأقارب الحق‌ فی التصرف فی الجثة931 و هذا التوسع فی‌فهم الحق فی‌ الدفن هو الذی یبرر الخروج‌ علی المبدأ الخاص بالتصرف‌ فی الجثة لأغراض علمیة أو طبیة. الفرع الثانی:اتجاهات‌ القانون الوضعی المصری

یکاد یجمع الفقه‌041 المصری علی مشروعیة التصرف فی الجثة.و یظهر ذلک جلیا من موقف المشرع‌ المصری فی القانونین 301 لسنة 2691 الخاص بإنشاء بنک العیون.فیمکن استنتاج‌ إباحة المساس بجثة المیت من‌ حالة التنازل عن العین من‌ أجل إجراء عملیة ترقیع‌ القرنیة.فقد جاء نص المادة من حالة التنازل عن العین من‌ أجل إجراء عملیة ترقیع‌ القرنیة.فقد جاء نص المادة الثانیة من هذا القانون أن‌ یصدر البنک فی الحصول علی‌ العیون من:الموتی و قتلی‌ الحوداث الذین تشرح جثثهم. و الوصیة هی تصرف مضاف‌ إلی ما بعد الموت.أی أن‌ المشرع أباح التصرف فی‌ جزء من الجثة و هو العین‌ سواء من قتلی الحوادث أو الموتی الذین تشرح جثثهم. فطالما أن هناک مساس‌ بالجثة.فلیس هناک مانع إذن‌ من استئصال العین و الإنتفاع‌ بها لإنقاذ شخص آخر.

و نجد أیضا المادة 62 من‌ القانون 031 لسنة 6491 الخاص بالموالید و الوفیات‌ «یجوز لمفتشی الصحة أن‌ یأذن بعدم دفن الجثة بناء علی‌ طلب إحدی الجهات الصحیة أو الجامعیة للإحتفاظ بها لأغراض علمیة و ذلک بعد موافقة ذوی الشأن من قارب‌ المتوفی»یبین من ظاهر النص أنه قاطع فی جواز المساس بالجثة لأغراض‌ تتعلق بالمصلحة العلمیة أو لإجراء تجارب علیها.و یمکن‌ الإستدلال من ذلک التنازل عن‌ جزء من الجثة لتحقیق مصلحة أکیدة للغیر هو ما یتفق مع‌ ضرورات التضامن‌ الإنسانی.

و نذهب مع البعض‌141 إلی أن هذه النصوص لیست‌ إلا تطبیقا لقاعدة عامة هی‌ جواز المساس بالجثة من أجل‌ المصلحة الإنسانیة القطعیة و المؤکدة.فإذا توافرات هذه‌ الشروط فی حالة أخری فإن‌ الإباحة تمتد إلیها.

إلا أنه ینبغی و بحذر شدید
المحاماة » شماره 699 (صفحه 116)

ألا یجوز المساس‌بالجثة إلا لغرض علاجی.فضرورة الخروج عن مبدأ حرمة الجثة لا یبرره سوی مصلحة إنسانیة علاجیة و لیس مصلحة تجریبیة و تطبیقا لذلک. لا یجوز استخدام الجثة من‌ أجل تحقیق أهداف اقتصادیة. کاستعمالها فی إنتاج الأسمدة الأزوتیة241و ذلک لمخالفته‌ للنظام العام.

المطلب الثالث

کیفیة التصرف فی جثة المتوفی

تمهید:

لما کانت الجثة هی المجال‌ الخصب للحصول علی قطع‌ الغیار البشریة.فإن الصورة الأساسیة للتصرف فی الجثة تکون بناء علی وصیة صادرة من الشخص قبل الوفاة. و لکن فی غالب الأحوال یموت‌ الشخص دون تحدید لکیفیة التصرف فی جثته.فهنا تثور الصعوبة فی تحدید من یملک‌ الحق فی التصرف فی الجثة. أم لا یجوز التصرف فی‌ الجثة.و لذلک سنقسم البحث‌ فی هذا المطلب إلی فرعین‌ متتالیین:

الفرع الأول:التصرف فی‌ الجثة عن طریق الوجبة

الفرع الثانی:التصرف فی‌ الجثة بغیر طریق الوصیة

الفرع الأول‌ التصرف فی الجثة عن‌ طریق الوصیة

بادی‌ء ذی بدء أنه لا یجوز الإیصاء بالجثة أو بأجزاء منها إلا إذا کان لأغراض علمیة أو طبیة.و بهذا تعتبر الوصیة مشروعة قانونا.و یمکن‌ تأسیس شرعیة الوصیة من‌ الناحیة القانونیة استنادا إلی‌ نص المادة من القانون 301 لسنة 2691«أنه یمکن‌ الحصول علی العیون من‌ الأشخاص الذین یوصون بها» و یمکن مد هذه الإباحة إلی‌ باقی أعضاء الجسم البشری. و خصوصا أن المشرع أباح‌ الإیصاء بالعین و هی أغلی‌ جزء من الجسم و نور الحیاة عند البشر.

و لذلک نجد أن أغلب‌ القوانین الأجنبیة241و تابعها فی ذلک القضاء الأجنبی‌ أیضا341بالقول أنه رغم أن‌ الجثة لا تدخل فی مجال‌ المعاملات الإقتصادیة.فإن‌ من حق الشخص أن یتصرف‌ فی جثته شأنه فی ذلک شأن من‌ یتصرف فی أمواله.فالفرد سید نفسه حال حیاته و له أن‌ یحدد طریقة التصرف فی‌ جثته عند مماته.بل و له حق‌ الشخص أن تحترم إرادته فیما یتعلق بوصیته الخاصة بجثته.

و إذا کانت الإباحة فی‌ التصرف جزء من جثة الإنسان:و الجثة بأکملها عن‌ طریق الوصیة فما هو الشکل‌ الذی تکون علیه الوصیة و هل‌ تنطبق أحکامها علی البالغ‌ و القاصر و ناقص الأهلیة و ما هو السن الذی یمکن معه‌ الإعتداد بهذه الوصیة.و الذی‌ لفت النظر إلی إثارة مثل هذا النقاش بالنسبة للقاصر و ناقص‌ الأهلیة.هو العبارة الأخیرة التی وردت فی المادة الثانیة من القانون 301 لسنة 2691.و التی تشترط الحصول علی إقرار کتابی من‌ الموصی و هو کامل الأهلیة. فإذا کان ناقص الأهلیة أو قاصرا فتشترط الحصول علی‌ موافقة الولی.و نعود لما سبق أن ذکرناه بخصوص‌ شکل الوصیة و طریقة صیاغتها.فإنه یتضح من‌ نص المادة الثانیة من القانون‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 117)

رقم 17 لسنة 6491 فی شأن‌ الوصیة فی مصر441تنعقد الوصیة بالعبارة أو بالکتابة فإذا کان الموصی عاجزا عنهما انعقدت الوصیة بإشارته‌ المفهمد.و لا تسمح عند الإنکار دعوی الوصیة أو الرجوع فیها...الخ النص.

یتضح من النص المشار إلیه.أن المشرع المصری‌ یشترط لجواز سماع دعوی‌ الوصیة عند الإنکار أن تکون‌ إما محررة فی ورقة رسمیة أو فی ورقة عرفیة یصدق فیها علی إمضاء الموصی أو ختمه.أو تحرر بها ورقة عرفیة مکتوبة جمیعها بخط الموصی و موقع علیها بإمضائه.فالکتابة هنا لازمة لسماع دعوی الوصیة و لیست‌ شرطا لانعقادها.و الذی یؤید هذا التفسیر ما جاء بنص‌ المادة الثانیة من القانون 301 لسنة 2691 و التی تقرر ضرورة الحصول علی إقرار کتابی من الموصین و هم‌ کاملوا الأهلیة.

و أما عن السن الذی یجوز فیه الإعتداد بالإیصاء.فإن‌ المشرع المصری لم یحدد سنا معینا و یجب أن نحدد المقصود بکامل الأهلیة أی السن التی‌ ینتهی فیها الولایة علی‌ النفس‌541و لیس الولایة علی المال.و من المعلوم سلفا أن سن ا نتهاء الولایة علی‌ النفس فی القانون المصری هو البلوغ الطبیعی‌641ببلوغ‌ النکاح و الحد الأدنی للتصدیق‌ فی ذلک هو تسع عشر للفتاة و اثنتا عشر للفتی.و إن کان‌ القاصر مراهقا و لم یدع ببلوغ‌ النکاح فإن البلوغ یکون‌ بالخامسة عشرة.هذا و قد حدد القانون الأمریکی السن‌ الذی یعتد به فی اکتمال أهلیة الإیصاء بالجثة بثمانیة عشر عاما741و التساؤل الذی‌ یثور فی هذا النطاق.ما مدی‌ جواز الإیصاء بجثة القاصر؟

یبین من استقرار النصوص الوضعیة للقانونین‌ 472 لسنة 9591،301 لسنة 2691.فقد کان یشترط القانون الأول للحصول علی‌ عیون الأحیاء الذین یوضون‌ بها ضرورة الحصول منهم‌ علی إقرار کتابی و هم کاملوا الأهلیة.قالو اضح من ذلک أن‌ الوصیة بالعین لا تجوز إلا من‌ کامل الأهلیة.و لا تصح‌ الوصیة للقاصر و لو رضی‌ القاصر بذلک.و بعد تعدیل هذا القانون بالقانون 301 لسنة 2691 سالف الذکر جاء بالمادة الثالثة«أنه إذا کان‌ الشخص قاصرا أو ناقص‌ الأهلیة فیلزم الحصول من‌ ولیه علی إقرار کتابی بذلک. و یتضح من هذا التعدیل أنه‌ یجوز للقاصر أو ناقص‌ الأهلیة.أن یوصی بعینه بشرط الحصول علی إقرار کتابی من‌ الولی و لکن ما المقصود بالولی هنا.نؤکد أن المقصود بالولی،هو الولی علی‌ النفس.و لقد وقع المشرع فی‌ خطأ فی هذا النص حیث ذکر الشخص القاصر أو ناقص‌ الأهلیة فی حین أن الولایة علی‌ النفس لا تعرف ناقص‌ الأهلیة.و إنما تقتصر أحکامها علی القاصر فهی تستهدف‌ حمایة شخص الصغیر و حیاته‌841و کان الأحری‌ بالمشرع أن یکتف بعبارة القاصر فقط.و إذا کان القانون‌ الوضعی المصری أجاز الوصیة بجثة القاصر.فمن‌ الذی یملک الإیصاء.هل‌ الولی علی النفس منفردا أم أنه‌ یجب موافقة القاصر بالإضافة إلی ذلک.

ذهب البعض إلی أنه یجب‌ موافقة القاصر علی التصرف‌ فی جثته ثم یقر الولی ذلک. فمثل هذا التصرف من‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 118)

التصرفات الخطیرة التی یعتد فیها بموافقة القاصر بنفسه. و المادة الثالثة من القانون 301 لسنة 2691 سالف الذکر تقرر أنه إذا کان الشخص قاصرا فیلزم الحصول علی‌موافقة الولی أی أن الوصیة الصادرة من القاصر لا یعتد بها إلا إذا أقرها الولی.و لو کان‌ المشرع یرید السماح للولی‌ بالإیصاء منددا فی نص المادة الثالثة سالف الذکر فجاء النص‌ «یجوز للولی أن یوصی بجثة القاصر علی أن یکون ذلک‌ بإقرار کتابی»فالقاصر هو الذی یتصرف و الولی هو الذی‌ یجیز التصرف أو یقره.

إلا أننا نذهب مع بعض‌ الفقهاء من أنه لا مانع من قیام‌ الولی نیابة عن القاصر بالإیصاء بالجثة للأخیر. فالوصیة هی تصرف مضاف‌ إلی ما بعد الموت.و لهذا فهی‌ لا تشکل خطورة علی حیازة القاصر.کما أنه إذا امتد العمر بالقاصر حتی بلغ سن‌ انتهاء الولایة علی النفس فمن‌ حقه الرجوع فی الوصیة متی‌ شاء.

کما أنه یصعب القول‌ بضرورة موافقة القاصر لأنه‌ یکون فی سن صغیرة و غیر مدرک و من ثم فلا جدوی من‌ اشتراط موافقته.و إن کان‌ القاصر مدرکا أیضا فلا داعی‌ لموافقته لأن الوصیة تصرف‌ لا ینطوی علی طخورة حال‌ حیاته.فتصرف القاصر ثم‌ موافقة الولی أمر غیر متصور إلا فیما یتعلق بحالات نقص‌ الأهلیة.و هو نظام لا تعرفه‌ الولایة علی النفس.

و الأمر لا یخلو من صعوبة علی نحو ما سلف بیانه فإذا کان من حق الشخص أن‌ یوصی بجثته لغرض علمی أو طبی.فإن اتباع إجراءات‌ الوصیة و التثبت منها بالأوراق‌ الرسمیة أو العرفیة المصدق‌ علی التوقیع علیها،لا یحقق‌ فاعلیة إجازة التصرف فی‌ جزء من الجثة أو الجثة بأکملها إذ فی اتباع إجراءات‌ الوصیة العادیة یحتاج إلی‌ وقت طویل و یؤدی إلی نخیع‌ أجزاء الجسم و فقدها الصلاحیة للإلتئام مع جسم‌ المریض.و لذلک اقترح‌ البعض أن تثبت الوصیة فی‌ بطاقة تحقیق الشخصیة للموصی.کأن یثبت فی خانة تخصص للکشف عن‌ التصرف فی الجثة و یذهب‌ البعض الآخر951أنه یجب‌ عمل بطاقة خاصة بالتبرع‌ بجملها الشخصی مثل رخصة قیادة السیارة أو بطاقة تحقیق‌ الشخصیة.

و اقترح البعض‌ الآخر151نادی تکوین نادی‌ عالمی للمتبرعین بالأعضاء و کل عضو من أعضاء النادی‌ یدتی له و شم علی زراعه‌ الأیسر یمثل شعار النادی. و لکن هذا الاقتراح غیر مقبول‌ إذ أن الوشم یعتبر علامة غیر مستحبة فی معظم البلاد.و قد یستدل منه علی سوء الشخص‌ أو سذاجته.کما یصیب فی‌ غالب الأحوال إزالة الوشم‌ للرجوع عن الوصیة251.

و نری أن هذه الاقتراحات‌ و إن کان بعضها مقبولا و الآخر غیر مقبول.فقد یفتقد الشخص بطاقة تحقیق‌ الشخصیة أو بطاقة التبرع أو یصاب فی حادث ألیم یذهب‌ الوشم الذی یمکن منة الاستدلال علی الإیصاء.و قد لا یعرف کلیة عما طذا کان هذا الشخص .وصی بجزء من‌ جثته أم لا فهل یجوز التصرف‌ فی الجثة فی مثل هذه‌ الأحوال.و اذا أجزنا ذلک‌ کیف یمکن تبریر هذه الإجازة و بالأحری الأساسی الذی تبنی‌ علیه الأجازة فی حالة عدم‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 119)

الوقف علی الایصاء أو عدم‌ الإیصاء.و هو ما سنعرضه‌ فی الفرع الثانی.

الفرع الثانی‌ التصرف فی الجثة بغیر طریق الوصیة

قد یتوفی الشخص دون أن‌ یتعرض لکیفیة التصرف فی‌ جثته سواء بالإیصاء أو غیره‌ من الطرق الأخری،فإذا ما توفی الشخص ینتقل الحق‌ فی الحفاظ علی الجثة إلی‌ أقارب المتوفی.فیجب عند التعرف بها عدم اعتراض‌ هؤلاء الأقارب أو موافقتهم‌ علی التصرف.و لکن تثور هناک بعض المسائل القانونیة التی تفرض نفسها علی بساط هذا البحث و هی.ما أساس‌ حق الأقارب علی الجثة. و من هم هؤلاء الأقارب. و مدی ضرورة الحصول علی‌ موافقتهم.و هل یشترط الموافقة الصریحة أم الضمنیة أم‌ یکتفی بالموافقة الإفتراضیة».

المسألة الأولی:أساس حق‌ الأقارب علی الجثة:

یعطی القانون الوضعی‌ المصری بعض الامتیازات‌ للأقارب‌351أو بعض‌ الحقوق التی یمتع بها الأشخاص لمجرد صلة القرابة مثل ما جاء فی نص المادة 222 مدنی مصری التی تعطی‌ للأقارب حتی الدرجة الثانیة الحق فی التعویض عن‌ الضرر الأدبی الذی یصیبهم‌ من جراء موت المصاب.

و لهذا فان حق لاأسرة علی‌ الجثة لیس حق ملکیة.و إنما هو حق الحقوق اللصیقه‌ بالشخصیة.لصیق بشخصیة الأقارب أنفسهم فهو حق‌ معنوی یستند إلی صلة الدم‌ و القرابة التی تربط أفراد الأسرة.

و لذلک لا یمکن القول بأن‌ الموافقة علی التصرف فی‌ الجثة لیس من حق الورثة لأن‌ هؤلاء لا یخلفون الشخص إلا فی أمواله.و لکنهامن حق‌ الأقارب.و القرابه هنا تقوم‌ علی أساس صلة الدم.

و فی الغالب الأعم.کثیرا ما یتلاقی الوارث و القریب. و لکن عدم استعمال تعبیر الورثة فی الحصول علی‌ الموافقة.یدل علی أن العلاقة غیر مالیة و لکنها علاقة دم. و من أجل ذلک نری أن المادة الثالثة من القانون 472 لسنة 9591 تستلزم الحصول‌ علی موافقة أقرب الأولیاء علی النفس العصبات إلی‌ المتوفی.و هذا یدل علی عدم‌ اتسام حق الأقارب بأی طابع‌ مالی.و قد حرص المشرع‌ علی ایضاح عبارة الولی علی‌ النفس حتی لا تختلط بالولایة علی المال.

و الأصل أن حق الأقارب‌ فی التصرف لا ینشأ إلا من‌ لحظة الوفاة.أما قبل الوفاة فإن الحق یثبت للشخص نفسه‌ فقط.

المسألة الثانیة:تحدید أقارب المتوفی.

ذهب البعض إلی تفضیل‌ إستعمال لفظ الورثة بدلا من‌ الأقارب و ذلک‌451لأن‌ الورثة أکثر تحدیدا بل و أقل‌ بکثیر من الأقارب.

إلا أننا فضلنا استعمال لفظ الأقارب لأن الجثة لا تورث‌ فهی لیست من الأشیاء المادیة التی تدخل فی نطاق‌ المعاملات المالیة.و هذا الاستعمال یدعونا إلی تحدید هؤلاء الأقارب حتی لا ندخل‌ فی مجال لیس له نهایة من‌ الأقارب.

فمن هم الأقارب.یقصد
المحاماة » شماره 699 (صفحه 120)

بالأقارب فی القانون المدنی‌ کل من یجمعه مع الشخص‌ أصل مشترک و هذه هی قرابة الدم التی قد تکون مباشرة أو غیر مباشرة.کما أن هناک‌ ما یسمی بقرابة المصاهرة. و من ثم فإن هؤلاء الاقارب‌ یکون عددهم کثیر.و لهذا لیس من المنطقی الحصول‌ علی موافقة هؤلاء الأقارب‌ جمیعا.و من ثم فقد بات‌ واضحا أهمیة قصوی فی هذا الصدد کی نحدد هؤلاء الأقارب الذین یعتد بموافقتهم‌ حتی یمکن إجازة التصرف فی‌ جثة المتوفی و لذلک اختلف‌ الفقهاء الأجانب و المصریین‌ فی تحدید هؤلاء الأقارب‌ و سنعرض لهذا الخلاف فی‌ أوساط دوائر الفقه الأجنبی‌ و الوطنی.

(أ)تحدید الأقارب فی‌ القانون الأجنبی:

ذهب بعض الفقهاء الأجانب‌551إلی أنه یقصد بهؤلاء الأقارب.هم الأقارب‌ الحاضرین بجوار المتوفی‌ باعتبارهم نواب عن باقی‌ الأقارب نیابة قانونیة.أو علی أساس أن أی شخص‌ منهم یصلح لأن یکون ممثلا للأسرة و من ثم یمکن أن یقرر بالموافقة علی المساس‌ بالجثة.و لکن هذا الرأی‌ مردود علیه من زاویتین. الأولی.أن مجرد التواجد بجوار المتوفی لا یعطی هذا القریب ذلک الحق فالأسرة لا تعتبر شخصا معنویا بحیث‌ یمکن أن یمثل أحد أفراد باقی‌ الأسرة.و الثانیة.أن هذا القبول أو الموافقة التی قد تصدر من أحد الأقارب‌ المتواجدین مشوبا بالضغط النفسی إذ هذا القریب یعیش‌ فی مأساة وفاد عزیز علیه‌ و یستحیل أن یکون هذا القبول‌ صحیحا فهل علی الأقل قبول‌ ضعیف.

و إزاء هذا النقد.نجد أن‌ بعض التشریعات الأجنبیة لجأت إلی تحدید هؤلاء الأقارب الواجب الحصول‌ علی موافقتهم.

فقد ذهب البعض‌651إلی‌ أنه یجب أن تکون الأولویة للقریب الذی یلتصق أشد الالتصاق بالمتوفی و الذی‌ یعتبر بالتالی أقدر الناس علی‌ التعبیر عن رغباته لو کان‌ حیا.و أولی هؤلاء الأقارب‌ هو الزوج الباقی علی قید الحیاة.و لو کان الزوج قد توفی یدوره.أو کان المتوفی‌ غیر متزوج فیجب اللجوء إلی‌ ترتیب الأقارب حسب قواعد المیراث فی القانون الفرنسی.

و یری البعض الآخر751 ضرورة الاهتمام بالحصول‌ علی موافقة من یعبر أصدق‌ تعبیر عن إرادة المتوفی. و لهذا یمکن الحصول علی‌ موافقة العشیقة فهی تفضل‌ الأقارب ذوی الدرجات البعیدة و غیر المتصلین بالمتوفی.

و فی الولایات المتحدة الأمریکیة.یکون الحق فی‌ التصرف فی الجثة للزوج‌ الباقی علی قید الحیاة ثم الابن‌ أو الابنة البالغة ثم أحد الوالدین‌ ثم الأخ أو الأخت الشقیقة البالغین و أخیرا أی شخص‌ آخر یسمح له المتوفی قبل‌ الوفاة بالتصرف فی الجثة.

و تشترط المادة الثانیة من‌ القانون الصادر فی لوکسمبرج‌ و الخاص بتنظیم شروط استئصال أجزاءمن الجثة. ضرورة الحصول علی موافقة الأقارب المتوفی بحسب‌ ترتیبهم فی استحقاق الترکة و ذلک حتی الدرجة الثانیة و کذلک موافقة الزوج. و الوصیة الصادرة من المتوفی‌ تغنی عن اللجوء إلی موافقة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 121)

هؤلاء الأقارب.أما القانون‌ الإیطالی رقم 532 الصادر فی 7591/3 و الخاص‌ باستئصال الأعضاء من‌ الجثث.فهو لا یسمح بالمساس‌ إلا بناء علی وصیة من‌ المتوفی.و فی حالة عدم‌ وجود هذه الوصیة.فإن مدیر المستشفی الذی ستجری‌ الاستئصال یجب أن یخطر الزوج و أقارب المتوفی إلی‌ الدرجة الثانیة بعزمه علی‌ اجراء هذا الاستئصال متی‌ کان یعرف موطنهم‌ جمیعا851.و لا یجوز الاستئصال إذا ما رضی الزوج‌ الباقی علی قید الحیاة أو أحد الأقارب حتی و لو رضی بذلک‌ أغلبیة الأقارب و کأن القانون‌ الایطالی یشترط موافقة الأقارب بالاجماع.

(ب)تحدید الأقارب فی‌ القانون الوطنی:-

لما کان الحق فی التصرف‌ فی الجثة من الحقوق المعنویة فإنه قد یفهم مما ذهب إلیه‌ المشرع المصری فی المادة 222 مدنی تعویض الأقارب‌ حتی الدرجة الثانیة عن‌ الضرر الأدبی الذی یعود علیهم من جراء وفاة المصاب».أن هؤلاء یعتبرون‌ الأقارب فمن یتألم معنویا لموت القریب یکون من سلطته‌ التصرف فی الجثة.و لکن هذا التحلیل غیر صحیح فی مجال‌ التصرف فی الجثة و ذلک لأن‌ القانون یعطی هؤلاء الأقارب‌ جمیعا و إن تعددوا الحق فی‌ الحصول علی التعویض. و لهذا فإن العدد یعتبر کبیرا و یصعب الحصول علی‌ موافقتهم جمیعا.کما أن‌ النص لا یسمح بتفضیل‌ الأقرب درجد عن غیره من‌ الأقارب.فالتصرف فی الجثة یحتاج إلی تحدید أکثر دقة لهؤلاء الأقارب و لکننا نذهب‌ مع بعض الفقهاء951إلی أنه‌ یمکن الاستناد إل‌ی‌نص المادة الثالثة من القانون 472 لسنة 9591 فی ش.ن بنک العیون. و مد حکمه علی باقی أعضاء الجثة.فهذه المادة تقرر فی‌ مجال العیون«أنه یجب صدور إقرار بالموافقة علی استئصال‌ العین من أقرب الأولیاء علی‌ النفس العصبات إلی المتوفی‌ فی حالة ترقیع القرنیة و یراعی فی ذلک مراتب‌ الولایة علی النفس وفقا لأحکام‌ القانون.و فی حالة وجود أکثر من واحد من العصبات‌ فی مرتبة واحدة تلزم موافقة أغلبیتهم».

و کأن المشرع هنا یربط بین التصرف فی الجثة و الولایة علی النفس.فحق‌ التصرف یثبت للعصبات لأن‌ الولایة علی النفس تثبت‌ للعصبات.فالذی ینالهم الأذی‌ من عدم صیانة الشخص هم‌ عصبته.فهم الذین یتکافلون‌ معه فی دفع الأذی. فیشارکون فی الدیات إذا جنی.فکان لهم بذلک حق‌ صیانته و المحافظة علیه. و عند وفاته فإن الحق فی‌ الصیانة و المحافظة یحتد إلی‌ الجثة.و من ثم یثبت الحق‌ لمن کان له الحق و علیه واجب‌ صیانة الشخص و المحافظة علیه.و العصبة هم الأقارب‌ الذکور الذین لا تکون قرابتهم‌ بواسطة الأنثی وحدها.و هم‌ فی أولویة استحقاق الولایة علی حسب ترتیبهم فی‌ المیراث.فأولاهم الأبناءثم‌ الآباء ثم الأخوة ثم أبناؤهم ثم‌ الأعمام و هکذا.و یرجح منهم‌ من کان ذا قرابتین علی من‌ کان ذا قرابتین علی من‌ کان ذا قرابة واحدة فالأخ‌ الشقیق یقدم علی الأخ‌ لأب‌061.

و إنما الأمر الذی ینبغی‌ الإشارة إلیه و بحق أن المشرع‌ فاته ذکر حق الزوج الباقی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 122)

علی قید الحیاة إلی جانب‌ العصبات.و یرجع سبب ذلک‌ إلی تأثر المشرع بأحکام‌ الولایة علی النفس.و قد خرج‌ عن أحکامها فی بعض‌ الأحوال‌161لأنه فی مجال‌ الولایة علی النفس أنه فی حالة تعدد العصبات من درجة واحدة فأولادهم بالولاید أصلحهم و أتقاهم.فإن تساووا فی الصلاح فأولاهم أکبرهم‌ سنا.و لکن قد تظهر مشکلة أخری فی حالة تعدد هؤلاء کیف تفم الموافقة.و نذهب مع‌ بعض الفقهاء261إلی القول‌ أن النص یعتد بموافقة الأغلبیة من العصبات من نفس الدرجة مع ضرورة إضافة الزوج‌ الذی یبقی علی قید الحیاة الیهم.

المسألة الثالثة:موافقة الأقارب.

بعد هذا العرض فی تحدید أساس حق الأقارب فی‌ التصرف فی مجال الجثة و مدلول الأقارب الذین یجب‌ الاعتداد بموافقتهم یبقی مسألة أخیرة و هی موافقة هؤلاء الأقارب هل تشترط الموافقة الصریحة أم الضمنیة أم أنه‌ یجب الاعتداد بالموافقة الإفتراضیة.تنازع الإجابة علی ذلک اتجاهین.الأول‌ یذهب إلی أنه یلزم موافقة کتابیة و الثانیة یذهب إلی‌ الإکتفاء بالموافقة المفترضة. فالأصل الإباحة و الاستثناء التحریم.و سنعرض لکل من‌ هذین الاتجاهین و التعقیب علی‌ کل اتجاه علی حده.

الاتجاه الأول:ضرورة الموافقة الکتابیة.

یذهب الفقه و القانون‌ الأجنبی إلی ضرورة الحصول‌ یذهب الفقه و القانون‌ الأجنبی إلی ضرورة الحصول‌ علی موافقة أقارب المتوفی‌ عند التصرف فی الجثة. و تشترط بعض هذه القوانین‌ أن تکون هذه الموافقة المسبقة کتابیة361و یری أنصار هذا الاتجاه أن للأسرة حقا من‌ الحقوق الطبیعیة علی جثة قریبهم.و إعلان حقوق‌ الانسان و المواطن الصادر فی‌ فرنسا یقرر أن:ممارسة الحقوق الطبیعیة لکل إنسان‌ لیس له حدود إلا فی النطاق‌ الذی یسمح للغیر التمتع بذات‌ الحقوق.و تلک الحدود یجب‌ تنظیمها بقانون و لا یجیز شخص علی القیام بمالم یأمر به القانون.و من ثم فإن‌ القانون الفرنسی الصادر فی‌ 7881/11/51 الخاص بحق‌ الشخص فی تنظیم کیفیة حدوث جنازته یعطی الحق‌ للشخص نفسه قبل الوفاة فی‌ الإیصاء بما یزید.فإن لم یکن‌ قد أوصی بشی‌ء فی ذلک‌ المجال فإن الفقهاء یعطون ذلک‌ الحق للخروج ثم إلی الوالدین‌ و أخیرا إلی أولاد المتوفی.

و ترجع أهمیة اشتراط هذه‌ الموافقة لأننا فی صدد المساس‌ بحرمة الجثة.و إذا کان‌ المساس سمح به لضرورة و هی انقاذ حیاة المریض.فإن‌ توافر حالة الضرورة بمفردها لا تکفی لمشروعیة التصرف‌ فی جسم الانسان. فالمشروعیة لا تتوافر فی هذا المجال إلا بتوافر حالة الضرورة من جهة و موافقة المجنی علیه أو أقاربه.فلا یجب اغفال حرمة المساس‌ بالجثة.و بناء علی ذلک فإن‌ السلطة العامة لا تستطیع‌ التصرف بمفردها فی الجثة و لو بناء علی لائحة461 فالتغاضی عن حق الأسرة ینطوی علی اعتداء علی حریة من الحریات المتعلقة بالنظام‌ العام.

و أخذا بهذا الاتجاه تنص‌ المادة 62 من القانون 031 لسنة 6491«یجوز لمفتش‌ الصحة أن یأذن بعدم دفن‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 123)

الجثة بناء علی طلب إحدی‌ الجهات الصحیة أو الجامعیة للاحتفاظ لدیها لأغراض‌ علمیة و ذلک بعد موافقة جمیع‌ ذوی الشأن من أقارب‌ المتوفی.

فالقانون سالف الذکر یشترط موافقة الأقارب.و قد کان القانون 472 لسنة 9591 یشترط للحصول علی عیون‌ الموتی أو قتلی الحوادث أو من تشرح جثثهم صدور اقرار بالموافقة علی عملیة التصرف‌ فی هذا الجزء من الجسم من‌ أقرب الأولیاء علی النفس‌ العصبات إلی المتوفی.فلا بد إذن من الموافقة المسبقة للأقارب.و القول بغیر ذلک‌ یعنی منح المستشفیات‌ المرخص لها بانشاء بنوک‌ العیون سلطة خطف الجثث. بل و الاعتداء علی حرمة الجثة فیجب مراعاة الحقوق‌ المعنویة لأفراد الأسرة علی‌ حثة قریبهم.و أن استئصال‌ جزء من الجثة دون علم‌ الأقارب یعتبر من قبیل سرقة جزء من الجثة561.بل‌ یعتبر من جهة الطبیب خیانة للأمانة التی عهد إلیه بها المریض و أقاربه‌661.فلا یمکن التغاضی عن رضاء هؤلاء الأقارب.لأن التغاضی‌ عنه فیه هدم لمبادی‌ء اقامتها الإنسانیة خلال قرون عدیده‌ من أجل قدسیة و صیانة جسم‌ الإنسان.فجسم الإنسان حیا کان أم میتا یجب عدم‌ التصرف فیه.فهو خارج أی‌ استیلاء.اللهم إلا إذا سمح‌ بالمساس قانونا.أو صدر رضا بالتصرف من انسان‌ تعتبر إرادته حرة تماما.و أیا کانت الامتیازات التی یجب‌ منحها للعلم من أجل تقدمه‌ و فائدته للبشریة لا یجب‌ الإخلال بمبدأ حرمة الجسم‌ و قدسیته‌761.

تعقیب:

هذا المبدأ و إن کان یحابی‌ قدسیة و حرمة الجسم‌ البشری.و کذلک مراعاته‌ الضرورات الإنسانیة للأسرة إلا أنه یؤخذ علیه ثلاثة مسالب.

أولا:أن الهدف من إباحة التصرف فی الجثة هو الحصول علی قطع الغیار البشریة و نقلها فی حالة طیبة لکی تتلائم مع جسم المریض‌ الذی تنقل إلیه فی سبیل إنقاذه‌ من الموت الأکبر.فانتظار الحصول علی موافقة الأقارب‌ الکتابیة.و التی قد یستحیل‌ الحصول علیها فی کثیر من‌ الأحوال.لأن الغالب الأعم‌ أن یتوفی الشخص بعیدا عن‌ أهله و ذویه أو یکون ضحیة حادث من حوادث السیارات. فیه ضیاع للوقت و یجعل‌ الجزء المنعقد العزم علی‌ استئصال أن یصبح غیر صالح‌ لعملیة زرعه فی جسم‌ المریض.

ثانیا:-أنه لیس من‌ العطف و المشاعر الإنسانیة أن‌ یطلب من الأقارب فی لحظة الوفاة الموافقة علی التصرف‌ فی الجثة.إذ أن هذا الطلب‌ فیه إثارة للمشاعر و هم فی‌ وقت یحتاجون إلی السکینة. و عدم إثارة الأحزان.

ثالثا:القول بالحصول‌ علی الموافقة المسبقة من‌ الأقارب قبل الوفاة یعتبر من‌ قبیل المشارکة فی حقوق‌ الشخص و هذا غیر جائز.طذ أن هؤلاء الأقارب یخلفون‌ المتوفی فی المحافظة علی‌ کرامة الجثة منذ لحظة انقضاء الحق الذی کان للمتوفی علی‌ جسده.

و نری تحقیقا من غلواء هذا الاتجاه و حتی یمکن تفادی هذه‌ المسالب أنه یمکن الحصول‌ علی هذه الموافقة هاتفیا861.حرصا علی عدم‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 124)

ضیاع الوقت اللازم للحصول‌ علی الموافقة الکتابیة من‌ الأقارب.

الاتجاه الثانی:الموافقة المفترضة.

یری أنصار هذا الاتجاه أن‌ رضاء961الأقارب مفترض‌ ما لم یعترض أی منهم.فیقیم‌ هؤلاء قرینة بالرضاء المفترض لمصلحة الطبیب‌ لکی یمکن الاستئصال للجزء من جثة المتوفی و لکن هذه‌ القرینة قابلة لإثبات العکس. و یؤسس أنصار هذا الاتجاه‌ افتراض الموافقة إلی تعذر العثور علی الأقارب وقت‌ الوفاة فینتقل الحق فی الاذن‌ بالمساس بالجثة إلی الطبیب‌ باعتباره ممثلا للجماعة.

و لا یجوز للطبیب هذا المساس سرا من وراء الأقارب.إذ عمله هذا یعتبر من ضروب خیانة الأمانة التی‌ یضعها المرضی فی الأطباء و یحدث أزمة ثقة خطیرة بین‌ الطبیب و عائلة المریض.

ففی الأحوال التی یکون‌ فیها المریض فی حالة غیبوبة طویلة و حیث یبدأ الأطباء فی‌ مواجهة احتمال عملیة استئصال لأن المخ علی وءشک‌ الموت فإنه من المستحب أن‌ تخطر الأسرة بذلک و بعزم‌ الأطباء علی القیام بعملیة الاستئصال.و لکن لا یجب أن‌ ینتظر الأطباء حتی وصول‌ الموافقة.فالإخطار وعدم‌ الرد فی وقت مناسب من‌ الوفاة یعتبر بمتابة عدم‌ اعترض یخول الأطباء الحق‌ بالبدء فی الاستئصال.و یمکن‌ القول إذن أن الأصل هو حریة المساس بالجثة و استئصال‌ الأجزاء اللازمة لنقلها إلی‌ المریض و الاستثناء اعتراض‌ الأقارب.و یجب أن یوضح‌ الأمر للرأی العام بأن قرینة الرضاء المفترض للإتسئصال‌ تتعلق بضرورات التضامن‌ الإنسانی و المصالح الانسانیة و لیس من شأنها تعریض جثة الإنسان للامتهان.و یرجح‌ أنصار هذا الرأی بأن الأساس‌ القانونی‌071لمنح الأطباء هذا الحق.هو أن من یطلب‌ العلاج فی مستشفی یقبل فی‌ نفس الوقت الخضوع للقواعد المعمول بها لادارة و عمل‌ المستشفی بما فی ذلک قبول‌ التسهیلات المعطاة للأطباء لتسهیل أبحاثهم العلمیة.و هذا القبول المفترض یقع علی‌ عاتق مرضی المستشفیات من‌ أجل المصلحة العامة.فهذا الأتجاه یؤید السماح للطبیب‌ باستئصال أجزاءمن جثة المتوفی فور الوفاة متی کان‌ هناک مصلحة طبیة.کمریض‌ یحتاج إلی کلی أو مریض‌ یحتاج إلی قلب أو إلی غیر ذلک:و کانت هناک مصلحد علمیة.کأن یکون القلب به‌ مرض و من المصلحة القیام‌ بأبحاث علی هذا الجزء من‌ الجثة ما دام لم یصله اعتراض‌ قبل البدء فی القیام بهذه‌ العملیة.

إلا أن المحاکم الفرنسیة اختلفت حول شکل‌ الاعتراض‌171.فیری‌ البعض منها أنه یمکن أن یکون‌ بأی وسیلة ممکنة کتابة أو شفویا271.فی حین یری‌ البعض الآخر ضرورة أن‌ یکون الاعتراض کتابیا371.

و لذلک یری أنصار هذا الاتجاه أنه یحقق نوعا من‌ التوازن بین المصلحة العلمیة و بین مصلحة الأقارب. فالطبیب یستطیع أن یقوم‌ باستئصال الأعضاء اللازمة دون انتظار و فی نفس الوقت‌ تراعی مصلحة الأسرة بالسماح لها بالاعتراض علی‌ الاستئصال قبل القیام‌ به‌471.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 125)

و القانون السویدی یضع‌ قاعدة مؤداها السماح‌ باستئصال أجزاء من جثة المیت و لکنه لا یشترط الحصول مسبقا علی موافقة الشخص أو الأقارب.و انما یخطر المساس بالجثة إذا اعترض المتوفی قبل الوفاة أو اعترض أحد أقاربه.فهناک‌ قرینة مؤداها افتراض موافقة الشخص قبل الوفاة و موافقة أسرته.و لکن هذه القرینة تقبل إثبات العکس عن طریق‌ الاعتراض.کما لا یسمح‌ بالاستئصال إذا کان ذلک‌ یتعارض مع مبادی‌المتوفی‌ أو أقاربه أو إذا کان‌ الاستئصال من شأنه أن یعوق‌ النتائج التی قد یتوصل إلیها تشریح الجثة إذا کان هناک‌ ضرورة لذلک‌571.

تعقیب علی الاتجاه الثانی:-

لا شک أن هذا الإتجاه یثیر کثیرا من الصعوبات البالغة للطبیب و الأقارب و حتی‌ للمتوفی فی ذاتها فأما عن الصعوبة بالنسبة للطبیب. فإنه یکون فی مرکز خطیر قد یتعرض فیه للمسئولیة الجنائیة و المدنیة إذا أثبت الأقارب أنهم‌ اعترضوا علی المساس بحثة المتوفی و أن الطبیب لم یعبأ بهذا الاعتراض و قام بتمزیق‌ جثة المتوفی و لذلک نجد أن‌ معظم الأطباء فی فرنسا تفادیا لدعاوی المسئولیة الطبیة یحرصون علی الحصول علی‌ الرضا الصریح‌ للأقارب‌671.

و أما عن الصعوبة بالنسبة للأقارب فإن هذا الاتجاه‌ لا یوفر لهم حمایة فعّالة. خصوصا إذا ما علمنا أن‌ القضاء الفرنسی یقرر771أن‌ استئصال جزء من جثة المتوفی دون طلب مسبق من‌ الأقارب لا یعتبر من قبیل‌ الخطأ الذی یعقد المسئولیة لجهد الإدارة.فالطبیب‌ لا یلتزم بالحصول علی‌ الموافقة المسبقة فعلی الأسرة أن تعلنم و تعترض بوسائلها الخاصة و یصل الاعتراض‌ قبل المساس بالجثة إلا أن هذا القضاء یعطی هؤلاء الأقارب‌ الحق فی التعویض عن‌ الضرر الأدبی أو الصدمة النفسیة التی تصیب الأقارب‌ من رؤیة الجثة فی حالة ممزقه دون أدنی ضمادات

و أما عن الصعوبة الثالثة بالنسبة للمستشفی فی ذاتها. فإن خشیة المساس بالجثة بعد الوفاة دون تمکن الأقارب من‌ الاعتراض قد تجعل‌ الأشخاص یحجمون عن‌ دخول المستشفیات و هو ما یعود علی المستشفی‌ بالخسارة فی الربح المادی‌ و تقلیل الفرص أمام اعطاء هذه‌ المستشفیات فی الحصول علی‌ منافع علمیة من الأبحاث التی‌ قد تجری علی هذه الجثث. کما أن المستشفی قد تتکبد الکثیر من المصاریف‌ و الأعباء المالیة إذا ما ثبت‌ مسئولیة الطبیب الذی یعمل‌ لدیها بالرجوع علیه بالتعویض‌ باعتبارها مسئولة عن أعمال‌ التابع.و هی مسئولیة قانونیة أساسها الضمان القانونی.

و یقترح الفقه الفرنسی‌ تفادیا لهذه الصعوبات. ضرورة مل‌ء المریض أو أقاربه لاستمارة توضح عند دخوله المستشفی ما اذا کان‌ یقبل الاستئصال من جثته أم لا فی حالة الوفاة و یکون‌ للمریض و الأقارب مطلق‌ الحریة871فی قبول‌ الاستئصال من عدمه.

و لکن هذا الاقتراح فی غیر محله و ذلک لأن المریض عند دخوله المستشفی یأمل فی‌ الشفاء و کذلک الأقارب فلا یتصور من الناحیة الواقعیة
المحاماة » شماره 699 (صفحه 126)

و العملیة أن ؟؟؟ هذه‌ الـ؟؟؟ أو؟؟؟ عند؟؟؟ القد؟؟؟ ؟؟؟عور ؟؟؟اذهب؟؟؟ ؟؟؟ مستقیم معها القول بأن‌ ؟؟؟ الصحیح دائما یکون‌ ؟؟؟ مسوبا و لا یمکن التعدیل‌ ؟؟؟ کما أن موافقة الأقارب‌ ؟؟؟ الدخول بالمریض إلی‌ ؟؟؟ المستشفی هی موافقة سابقة ؟؟؟ لحظة الوفاة سابقة علی‌ نشوء حقهم فی حفظ الجثة و عدم المساس بها و صیانتها. و یبقی لهذا الاقتراح و جاهته‌ فی حالة واحدة فقط و هی إذا المریض فی‌حالة غیبوبة

و یمکن بعد هذا العرض‌ السالف بیانه لمشروعیة التصرف فی أعضاء الجسد الآدمی و إزاء هذه الصعوبات‌ التی تکثف البحث فی هذا الموضوع بین مجیز لها و بین‌ رافض لتلک الفکرة فإننا نری‌ علاجا لهذا الوضع و تحقیقا لمسیرة التقدم العلمی الطبی‌ بدلا من إجازة التبرع أو التصرف فی جسم الاسنان‌ الحی النالة أو القاصر أن ننشأ ما یسمی ؟؟؟ العیار البشریة.و لم تطلق لفط؟؟؟ لقطع الغیار البشریة حتی لا ؟؟؟ الاتحاء ؟؟؟ التجاریة و إذا کنا نقترح أن‌ ننشأ هذا المجمع لقطع الغیار البشریة ما هو التصور الواقعی‌ لهذا المجمع لقطع الغیار البشریة.أی ماهی المصادر التی یمکن الاعتماد علیها فی‌ تحویل هذا المجمع و ماهی‌ طریقة إدارته.و المتعاملین‌ معه.ثم ماهی الضرورة التی‌ تقتضی انشاء مثل هذا المجمع‌ البشری.

؟؟؟اح بإنشاء مجمع‌ تقطع الغیار البشریة»

تمهید:بادی‌ء ذی بدء نشیر إلی أن هذا الاقتراح لم‌ یأت من فراغ دائما یجد سنده‌ التشریعی فی نص القانون‌ الوضعی رقم 301 لسنة 2691 الخاص ببنک العیون‌ و الذی جعل مصادر هذا البنک‌ من عیون الأشخاص المحکوم‌ علیهم بالإعدام.و الجثث‌ المجهولة الشخصیة.و قتلی‌ الحوادث.و کذلک القانون‌ 693 لسنة 6591 فی شأن‌ تنظیم السجون الذی ینظم‌ تسلیم الجثث الخاصة بالمسمرة الفن یتوفون فی‌ السجن و لم ؟؟؟ ذویهم‌ لامتلامها خلال سبعه ؟؟؟ ؟؟؟ اخطارهم بإبداع ؟؟؟ ؟؟؟ مکان إلی ؟؟؟ لحفظ الجثث إلی إحدی‌ الجهات الجامعیة و تعتقد أنه‌ عن طریق امتداد أحکام هذه‌ القوانین إلی جمیع عملیات‌ استئصال الأعضاء البشریة یکون من الضرورة التی‌ تواکب التقدم الطبی الهائل‌ الذی حدث فی مجال نقل‌ و زراعة الأعضاء الآدمیة و تأکیدا علی ضرورات‌ التضامن الإنسانی و تخفیف‌ النفع العام للمجتمع.و بعد هذا التمهید فما هی المصادر التی‌ یمکن أن تکون موردا لهذا المجمع البشری.

«مصادر مجمع قطع الغیار البشریة».

رأینا فیما سبق أن المشرع‌ الوضعی أجاز فی القانون‌ 301 لسنة 2691 فی شأن‌ بنک العیون أن یکون من بین‌ مصادرة عیون الأشخاص‌ الذین یقتلون فی الحوادث. و عیون الأشخاص من الذین‌ تشرح جثثهم.و کذلک‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 127)

المحکوم علیهم بتنفیذ عقوبة الاعدام.و یمکن مد نطاق هذا المصدر إلی باقی أعضاء الجسم البشری و ذلک لتوافر ذات العلة.فالعلة تدور مع‌ المعلول وجودا و عدما فلتعرض لکل منها علی‌ حدة:-

(أ)المصدر الأول:جثث‌ قتلی الحوادث الذین تشرح‌ جثثهم:-

لما کان المشرع فی القانون‌ 301 لسنة 2691 أجاز الحصول علی العین من‌ الأشخاص القتلی الذین تشرح‌ جثثهم.فطالما أن الجثة ستشرح فإنه لا مانع من أن‌ یحصل الطبیب القائم بالتشریح‌ علی الأجزاء التی قد تصلح‌ من هذه الجثة کالقلب أو الرئتین أو الکلیتین أو البنکریاس تناسبا علی اجازة لحصول علی العیون و ذلک‌ دون موافقة أحد و یتم تحلیل‌ هذه الأجراء البشریة التی تم‌ استئصالها و معرفة نوع‌ الأنسجة أو الخلایا و یتم حفظها فی مادة حافظة و وضعها فی‌ ثلاجات المدة التی یمکن أن‌ تبقی خلالها هذه الأنسجة أو الخلایا فی حالة تصلح لزرعها فی جسم مریض یحتاج إلیها. و ننوه إلی أن الجثث التی‌ تشرح فقط هی التی یمکن أن‌ تکون مصدرا لهذا المجمع‌ لقطع الغیار البشریة.و یخرج‌ من عداد ذلک الجثث الخاصة بالموتی الطبیعیین و قتلی‌ الحوادث الذین لم یصدر أمرا بتشریح جثثهم.و العلة فی‌ ذلک أن هذه الجثث لها حرمة و قدسیة و لا یجب المساس بها و استئصال أجزاءمنها دون‌ موافقة أقارب المتوفی. فیجب أن تقدر العلة بقدرها. و لعلنا نتساءل عن إباحة المساس بجثث المتوفین الذین‌ تشرح جثثهم دون موافقة الأقارب.و تقرر أن سبب‌ المساس دون الحصول علی‌ موافقة الأقارب هو أن الجثة ستشرح و یتم فحصها للتأکد من سبب الوفاة فلا تتأذی‌ الأقارب من هذا التشریح بل‌ یهمهم و بالدرجة الأولی‌ الوقوف علی سبب الوفاة.

(ب)المصدر الثانی:جثث‌ الموتی مجهولی‌ الشخصیة».

یقصد بالموتی مجهولی‌ الشخصیة هؤلاء الذین یموتون‌ و لا یعرف لهم ذوی.کموتی‌ حوادث الطریق أو المرور أو مشوهی الحروب‌971أو المحکوم علیهم بعقوبة مقیدة للحریة و تم ایداعهم مکان حفظ الجثة و لنم یحضر ذویهم‌ لاستلامها خلال سبعد أیام من‌ تاریخ الایداع‌081و کذلک‌ المنفذ علیهم حکم الاعدام الذین‌ لم یحضر ذویهم لاستلام‌ جثثهم.و قد اعترض البعض‌ علی هذا المصدر بمقولة181 أن المساس بجثث هؤلاء یستتبع استحالة التصرف علی‌ الجثث و خصوصا فی قتلی‌ الطریق العام الذین لا یحملون‌ اثبات شخصیة أو المنتحرین. و قد یموت الشخص بشبهة جنائیة و یقوم غریمه بتسلیم‌ جثته علی أنه مجهول‌ الشخصیة و یقوم الطبیب‌ باستئصال أجزاءمنها یؤدی‌ إلی ضیاع معالم الجریمة أو سبب الوفاة.و لکن هذا القول‌ مردود علیه بأنه إزاء التقدم‌ العلمی الحدیث فی مجال‌ البحث و التحقیق الجنائی فی‌ اکتشاف الجریمة و التعرف‌ علی الجناة.فإن هذا الاعتراض یکون فی غیر محله.کما أن هذا الامر أصبح فی تلک الآونة من هذا القرن نادرا.

فیمکن استئصال أجزاء تصلح من هذه الجثث إذا کانت‌ سلیمة و تحلل أنسجتها و الخلایا
المحاماة » شماره 699 (صفحه 128)

فیها و معرفة درجة التئامها و حفظها فی مادة حافظة کالفورمالین أو فی ثلاجات‌ حفظ مدة معینة مما یمکن معه‌ أن تصلح لنقلها إلی شخص‌ مریض یحتاج إلیها.

(جـ)المصدر الثالث:جثث‌ الأشخاص المنفذ علیهم‌ أحکام الاعدام».

المقصود بهذا المصدر حتی یزول کل لبس فی هذا المجال أننا نقصد به جثث‌ الأشخاص الذین تم تنفیذ عقوبة الإعدام بهم فعلا و لیس‌ المحکوم علیهم بالإعدام. فهؤلاء ینتقل حق التصرف فی‌ جثثهم للسلطة العامة.فإذا کان الشخص المنفذ علیه حکم‌ الإعدام قد أحدث ضررا بالمحیط الاجتماعی.فیجب علی لاأقل‌ أن یستفاد منه ما یصلح بعض‌ الشی‌ء فی هذا المحیط الکائن‌ بالمجتمع و ذلک بتغیر بعض‌ أخطائه عن أن تصرح الدولة باستئصال ما یکون سلیما فی‌ جثته کمصدر لهذا المجتمع‌ البشری.کل ذلک تحقیقا لقرارات النفع العام و قد اعترض البعض بشدة علی‌ هذا المصدر بمقوله أنه لا یمکن المساس بجثة المحکوم‌ علیه بالاعدام دون إرادته. فهو لا یجوز له أن یتصرف‌ حتی بالوصیة فی بعض أو کل‌ جثته لأن هذا الشخص محکوم‌ علیه بعقوبة جنائیة و یمنع طبقا للمادة 52 من قانون العقوبات‌ المصری من إدارة أشغاله‌ الخاصة و أمواله و أملاکه فهو من باب أولی لا یجوز له أن‌ یتصرف فی جسمه‌281.

إلا أنه یمکن دحض هذه‌ الحجة بأننا نقصد الحصول‌ علی قطع الغیار البشریة من‌ الأشخاص فی المنفذ علیهم‌ بالفعل عقوبة الإعدام و لیس‌ المحکوم علیهم بالإعدام‌ المنتظرین التنفیذ لأنه ربما تظهر أدلة جدیدة و یعاد التحقیق فیما بعد.کما أن‌ المادة 52 من قانون العقبات‌ المصری تمنع المحکوم علیهم‌ من إدارة الأموال فهی خاصة بالولایة علی المال أما التصرف فی الجسم فهو فی‌ نطاق الئولایة علی النفس. و لقد مر القانون المصری‌ بتطور هام فی مجال‌ الحصول علی عیون المحکوم‌ علیهم بالإعدام و الذی یمکن‌ معه مد نطاقه إلی باقی أجزاء الجسم لاتحاد العلة فالدولة تحصل علی عیون الموتی‌ دون حاجة للحصول علی‌ موافقة الأقارب و لکن من‌ الأشخاص الذین نفذ فیهم حکم‌ الإعدام.فهی تعتبر الجثة و کأنها تم مصادرتها للمصلحة العامة و تستطیع التصرف فیها فی الحدود المسموح بهاد قانونا381.و نعتقد أن امتداد أحکام ذلک القانون 301 لسنة 2691 إلی سائر أعضاء الجسم الأخری من شأنه أن‌ یؤدی إلی امکان الحصول‌ علی جمیع الأعضاء اللازمة. فبعد تنفیذ الاعدام مباشرة یمکن استئصال القلب أو الرئتین أو الکبد أو البنکریاس‌ أو أی عضو آخر یکون فی‌ حالة سلیمة تصلح لنقله إلی‌ انسان آخر حی مریض و ذلک‌ علی ألا یخل ذلک الاستئصال‌ بتنفیذ عقوبة الاعدام کما هی‌ طبقا لقانون الاجراءات‌ الجنائیة481فلا یجوز أن یتم‌ فی غرفة العملیات من أجل‌ الحصول علی القلب أو الکلیتین مثلا و بهذا یمکن تفادی‌ المساس بجسم الانسان الحی‌ سواء کان بالغا أم قاصرا و وضع عقبات بل و سد الطرق‌ أمام من تسول له نفسه فی بیع‌ جزء من جسده من أجل حفنة قلیلة من المال فالجسم البشری‌ أسمی من أن یقوم بمال.فله‌ قدسید مطلقة.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 129)

«إدارة مجمع قطع الغیار البشریة».

لما کان التقدم الطبی الذی‌ حدث فی مجال زرع الأعضاء البشریة قد أوجب علی رجل‌ القانون أن یحدد له الطریق‌ الصحیح لمباشرة هذا النوع‌ من العملیات.و حتی لا نترک‌ المجال مفتوحا أما شهوة الأطباء فی استئصال و زرع‌ الأعضاء فإننا نقترح أن یکون‌ هذا المجمع لیس فی مرکز رئیسی واحد حتی یمکن أن‌ یتاح الفرصة لکافة أنحاء الجمهوریة بالانتفاع من‌ مصادر هذا المجمع.دائما یکون هناک مجمع لقطع الغیار البشریة یلحق بکل مستشفی‌ عام فی دائرة المحافظة أو مستشفی تعلیمی.و یخصص‌ لإجراء مثل هذه العملیات‌ أطباء متخصصون یدربون‌ علی هذا النوع من عملیات‌ استئصال و زرع الأعضاء یکون مشهودا لهم بالأمانة الخاصة.و الکفاءة العلمیة العالیة حتی لا نکون بصدد إنشاء حقل لتجارب علمیة و إنما یکون هؤلاء الکوادر الفنیة الطبیة یبغون من وراء هذا الهدف تحقیق النفع العام‌ الاجتماعی.و یکون الاشراف‌ الإداری و الفنی علی هذا المجمع لمدیر المستشفی‌ التعلیمی أو العام و یجوز لهؤلاء الاستعانة بالأطباء الشرعیین من مصلحد الصب‌ الشرعی لطلب المشورة الفنیة منهم فی کل ما یعن لهم من‌ أمور قد لا تکون واضحة فی‌ خصوص استئصال أجزاءمن‌ الجثة و تقدیر مدی صلاحیتها من عدمه و کذلک الاستعانة بأطباء متخصصین فی‌ التحالیل البیولوجیة حاصلین‌ علی إجازة تخصص فی هذا المجال و ذلک لمعرفة أنواع‌ الخلایا و الأنسجة و درجة التئامها و تلاحمها.و یدون کل‌ هذه البیانات فی سجل خاص‌ بذلک أو یغزی جهاز الکمبیوتر بدرجة تلاحم الأنسجة و ربطها بشبکة متناسقة.و ذلک حتی‌ یمکن الاستفادة من هذه‌ الأجزاءمدة حفظها سلیمه.

«المتعاملون مع المجمع‌ و طریقة التصرف فی هذه‌ الأعضاء».

نقرأ کثیرا فی الصحف‌ الیومیة أن أشخاصا کثیرین‌ یحتاجون إلی نقل کلیة أو قلب‌ أو بنکریاس أو کبد.

فالمتعاملون مع هذا المجمع‌ هم المرضی الذین یعانون من‌ تلف بعض القطع البشریة و فی‌ استبدالهم ببدیل لها ما یجلب‌ لهم الشفاء.فنری أن‌ الأشخاص الذین لا یجدی مهم‌ العلاج لهذه القطع البشریة أو المیئوس من شفائهم فیها هم‌ الذین یستحقون الحصول علی‌ البدیل من هذا المجمع.

و لکن یثور التساؤل کیف‌ یمکن صرف هذه القطع‌ و خصوصا إذا تنازع علیها عدة مرضی یحتاجون إلی‌ القلب مثلا أو عدة مرضی‌ یحتاجون إلی کلیة.و لا یوجد فی هذا المجمع سوی جزء واحد فقط.

لما کان البشر یتساوون‌ جمیعا فی الحقوق الإنسانیة فلا یفضل الغنی علی الفقیر و لا یقدم العالم علی الجاهل. و لا ذوی الحالة السیئة علی‌ الأقل سوءا.و انما الحل فی‌ رأینا حسب أولویة التقدم‌ بالطلب للحصول علی هذا الجزء.فیجب أن یخصص‌ سجل لهذه الطلبات یوضح بها دخول المریض و احتیاجه لهذا الجزء و یحدد الجزء بالتفصیل‌ بطریقة لا یکون فیها لبس أو غموض فإذا کانت أنسجته‌ و خلایاه تتلائم معه أخذا
المحاماة » شماره 699 (صفحه 130)

بالمعلومات الفنیة التی تستخدم‌ منه الحسابات الآلیة فإن هذا الشخص هو الأولی بهذا الجزء و إذا کان العکس فالذی‌ یحل بدوره هو صاحب الطلب‌ الذی یلیه و نری أن هذا حلا عادلا و یتفق مع المنطق‌ و ضرورات التضامن‌ الإنسانی.و فی‌نهایة الأمر تزید الأمور إیضاحا.من أن‌ إعطاء هذه الأعضاء للمرضی‌ الذین یحتاجون إلیهاعلی سبیل‌ التبرع و لا یدفع المریض أی‌ مقابل فی سبیل الحصول علی‌ هذه الأجزاء البشریة.إیمانا من السلطة العامة بأن تلتزم‌ بتوفیر الرعایة الطبیة الکاملة لجمیع مواطنی الدولة و منها هذه الرعایة إذ هی تفوق فی‌ أهمیتها عملیة الطب الوقائی.

الفصل الثانی

مشروعیة التصرف فی جسد الآدمی فی الفقه الإسلامی

تمهید:-

إن العصر الحدیث یشهد حلقة من حلقات الصراع بین‌ العلم المادی البحت النابغ من‌ حضارة الغرب.و بین‌ ضوابط التشریع الإسلامی‌ النابعة أصلا من الوحی الإلهی‌ الذی لایأنیه الباطل من بین‌ یدیه.و لا من خلفه.و قد بدأ هذا الصراع لدی الأطباء الأوربین مع الأمراض‌ المستعصیة فلقد استعمل‌ هؤلاء الأطباء الأجانب وسائل‌ نری فی البعض منها تحدیا للطبیعة التی فطر اللّه الإنسان‌ علیها.و هذا بطبیعة الحال‌ یصطدم بضوابط التشریع‌ الإسلامی.کما هو الحال فی‌ استعمال وسائل التدلیک‌ الصناعی لإعادة الحیاة إلی‌ القلب الذی یتوقف.و استخدام‌ الصدمات الکهربانیة فی‌ تحریک الدورة الدمویة. و زراعة بعض الأجزاء الادمیة فی جسم الإنسان. سواء کان هذا تبرعا من‌ الشخص السلیم أو بیعا و هذا الأخیر هو مجال البحث. و هذا یؤکد لنا أن العلم المادی‌ النابع من الحضارات الغربیة لا یکفی وحده للاستمرار فی‌ إضفاء المشروعیة علی‌ التصرف فی أعضاء الجسم‌ الآدمی.بل لا بد من ضوابط شرعیة حتی یکون العمل‌ الطبی محققا للسعادة البشریة فالعلم و الدین لا یختلفان‌ و لا یفترقان.بل إن الاسلام‌ حث علی الابحاث الکونیة حتی یمکن بتلک الأبحاث أن‌ نستجلب رحمد اللّه بأثارها الطبیة خدمة للإنسانیة و راحة لها.و لذلک یتعین وضع قیود علی ممارسة بعض‌ الاکتشافات الحدیثة خاصة تلک التی تتعلق مباشرة بجسم‌ الإنسان.بل یجب علی‌ الأطباء المسلمین أن یضعوا نصب أعینهم هذه الآیة الکریمة التی جمعت فأوعت‌ «و اللّه‌خلقکم من تراب ثم من‌ نطفة ثم جعلکم أزواجا و ما تحمل من أنثی و لا تضع إلا بعلمه و ما یعمر من معمر و لا ینقص من عمره إلا فی کتاب‌ إن ذلک علی اللّه یسیر581 و ذلک لأن العلم المادی وحده‌ لا یدرک الآثار البعیدة للعمل‌ الطبی فی هذا المجال.أما الشرع الحنیف قد جاءمن لدن‌ حکیم خبیر.وراعی فیه اللّه‌ سبحانه و تعالی مصالح العباد فی آجلهم و عاجلهم.و قد قال‌ تعالی مصداقا لذلک.
«و یخلق‌ ما لا تعلمون»

681و قوله جل‌ ش.نه فی آیة أخری.
«و ما أوتیتم من العلم إلا قلیلا»

781.

و لذلک نقسم البحث فی هذا الفصل إلی مبحثین.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 131)

المبحث الأول

الحمایة الشرعیة لجسد الآدمی فی التشریع الإسلامی

المبحث الثانی

مدی سلطة الإنسان علی‌ جسده فی التشریع الإسلامی

المبحث الأول

الحمایة الشرعیة لجسد الآدمی فی التشریع الإسلامی

تمهید:مما لا شک فیه أن‌ اللّه سبحانه و تعالی کریم‌ الإنسان و بالغ فی هذا التکریم‌ فقد خلقه من طین ثم نفخ فیه‌ من روحه و جعله بشرا سویا. و لیعلم الإنسان أن الجسد من‌ لقی کل هذا التکریم و خفف عن‌ عن کاهلة بکثرة التخفیفات. لأن الجسد لیس ملکا له و انما ملکیته إلی اللّه وحده الذی خلقه‌ بیده و کرمه و أسبغ علیه نعمته‌ الظاهرة و الباطنة.و لذلک لا بد من التعرض لمظاهر هذه‌ الحمایة ببیان صور هذا التکریم.ثم بیان حرمة الآدمی و صیانته عن الابتذال‌ فی مطلبین هما:-

المطلب الأول:مظاهر تکریم الآدمی

المطلب الثانی:حرمة الآدمی و صیانته

المطلب الأول:مظاهر تکریم الآدمی

سبق أن ذکرنا أن اللّه‌ سبحانه و تعالی کرم الإنسان‌ و وسع فی مظاهر التکریم لهذا المخلوق الذی نسبه إلیه بقوله‌ تعالی
«یسألونک عن الروح قل‌ الروح من أمر ربی»

و لذلک‌ فقد بات لزاما علینا فی ت.صیل‌ هذه المظاهر.أن نستعرض‌ هذا المظاهر فی التشریع‌ الاسلامی الحنیف.

فلنبدأ بالمظهر العام‌ للتکریم:-

لما کان الکرم صفه من‌ صفات اللّه تعالی بل هی اسم‌ من اسماء اللّه تعالی«الکریم» فإنه یقصد بالکریم هنا الجامع‌ لأنواع الخیر و الشرف‌ و الفضائل‌881فلقد عنی‌ الکتاب الکریم و السنة النبویة لمطهرة بتکریم الانسان عنایة منقطعة النظیر سواءفی حیاته‌ أو بعد مماته و من ثم تثبت له‌ هذه الحرمة.فیقول سبحانه‌ و تعالی
«و لقد کرمنا بنی آدم‌ و حملناهم فی البر و البحر

و رزقناهم من الطیبات. و فضلناهم علی کثیر ممن‌ خلقنا تفضیلا»

981.

و هذا التکریم یدخل فیه‌ الأبداع الخلقی علی هذه الهیئة فی امتداد القامة و حسن‌ الصورة.و حمل الإنسان فی‌ البر و البحر.و خلق اللّه‌ سبحانه و تعالی العقل و الإرادة و القصد و التدبیر له فقط.بل‌ خص اللّه الآدمی بالملذات فی‌ الطعام و الشراب و الملبس.ثم‌ کان من فضل العلی القدیر علی الآدمی أیضا أن کرمه‌ بالنطق و التمییز بین الأشیاء و خاطبه ربه بمقتضی ما خلق‌ من عقل و هو مناط التکلیف‌ و به یعرف اللّه سبحانه و تعالی‌ و یفهم کلامه.و فضّل اللّه‌ الآدمی علی کثیر من خلقه‌ بالغلبة و الاستیلاء و الثواب‌ و الجزاءو الحفظ و التمییز و إصابة الفراسة091فقد ورد فی تفسیر ابن کثیر رحمه‌ اللّه:فقد استدل علی أفضلیة جنس البشر علی جنس‌ الملائکة.قال عبد الرازق‌ أخبرنا معمر عن زید بن أسلم‌ قال:قالت الملائکة یا ربنا إنک‌ أعطیت بنی آدنم الدنیا یأکلئون‌ منها و یتنعمون و لم تعطنا ذلک‌ فأعطنا الآخرة فقال اللّه‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 132)

تعالی:
«و عزتی و جلالی‌ لأجل صالح ذریة من خلقت‌ بیدی کمن قلت له کن‌ فکان‌191»

و قد ذکر بعض‌ المفسرین أن الآیة الکریمة أفادت التکریم و التفضیل و من‌ ثم کان لا بد للفرق بینهما لئلا یلزم التکرار فقال العلماء و الأقرب فی ذلک أن یقال:إنه‌ تعالی فضّل الآدمی علی‌ سائر الحیوانات بأمور خلقیة طبیعیة ذاتیة مثل:العقل‌ و النطق و الخط و الصورة الحسنة و القامة المدیدة و هذا هو التکریم.أما التفضیل فهو أنه عز و جل عرضه بواسطة العقل و الفهم لاکتساب العقائد الخفة و الأخلاق الفاضلة. و قال بعض العلماء المعاصرین:لقد کرم اللّه‌ سبحانه و تعالی الانسان بهذه‌ الفطرة التی تجمع بین الطین‌ و النفخة فتجمع بین الأرض‌ و السماء فی ذلک الکیان. و کرمه بالاستعدادات التی‌ أودعها فطرته و التی استأهل‌ بها الخلافة فی الأرض یغیر فیها و یبدل و ینتج فیها. و ینشی‌ء و یرکب فیها و یحلل‌ و یبلغ بها الکمال المقدر للحیاة.و کرمه کذلک بتسخیر القوری الکونیة له فی الأرض‌ و إمداده بعون القوی الکونیة فی الکواکب و الأفلاک. و کرمه سبحانه و تعالی بهذا الاستقبال الضخم الذی استقبله‌ به الوجود و بذلک الموکب الذی‌ تسجد فیه الملائکة و یعلن فیه‌ الخلق جل شأنه تکریم هذا الانسان‌291.

وو من التکریم أن یکون‌ الإنسان قیما علی نفسه متحملا تبعة إتجاهه و عمله.فهذه‌ الصفة الأولی التی کان بها الانسان إنسانا.و حریة الاتجاه و فردیة التبعة و بها استخلف فی دار العمل.فمن‌ العدل أن یلقی جزاء اتجاهه‌ و ثمرة عمله فی دار الحساب‌391.

مظاهر التکریم الخاص:-

لقد کرم العلی القدیر فی‌ کتابه الحنیف الذی لا یأتیه‌ الباطل من بین یدیه أو من‌ خلفه بنی آدم فی مواضع‌ عدیدة هی:-

أولا:حسن الصورة:

لما أراد اللّه أن یخلق هذا المخلوق لیکون خلیفة فی‌ الأرض یعمرها و یستثمرها و ینتج فیها و یسیطر علی‌ ثرواتها و خیراتها.جاء به‌ علی أحسن صورة و غایة فی‌ الابداع.و سوف نذکر تباعا قول الحق جل و علی فی آیات‌ الذکر الحکیم:-

قوله تعالی:
(یأیها الانسان‌ ما غرک بربک الکریم الذی‌ خلقک فسواک فعدلک فی أی‌ صورة ما شاء رکبک)

491.

و قوله أیضا:
(لقد خلقنا الإنسان فی أحسن‌ تقویم)

.591.و قوله تبارک‌ و تعالی:
(قل هو الذی أنشأکم‌ و جعل لکم السمع و الأبصار و الأفئدة قلیلا ما تشکرون)

.691یبین من‌ مطالعة هذه الآیات الکریمة جلاء و احتفاء اللّه تعالی بهذا الخلق الکریم الذی أودع فیه‌ أدق أسراره و نسبه إلی نفسه. تلک الروح ذلک الجسم اللطیف‌ السامی الذی لا یری و الذی‌ قال اللّه عنه:
(یسألونک‌ عن الروح قل الروح من أمر ربی و ما أوتیتم من العلم إلا قلیلا)

791.

و لما کان حسن الصورة هی أولی مظاهر هذا التکریم‌ الخاص.من ثم فإنه لهذا المظهر أولویة فی القاء الضوء علی ما جاء بآیات‌ الذکر الحکیم.کی تتضح‌ الصورة أمام القاری‌ء الکریم.
المحاماة » شماره 699 (صفحه 133)

أن الانسان بحسن صورته. ما جاء بقوله تعالی:
«الذی‌ خلقک فسواک فعدلک فی أی‌ صورة ما شاء رکبک»

فیجدر بنا فی هذا المقام معنی التسویة و هو أنه سبحانه و تعالی عدل‌ خلقه سوی شکله بأن جعله‌ مستوی القامة جمیل‌ الصورة.و ناسب بین أعضائه‌ علی ما ینبغی.ثم نفخ فیه من‌ روحه فجعله حیا حاسا بعد أن‌ کان جمادا.ثم یلتفت القرآن‌ من الغیبة إلی الخطاب لینبهنا لما کرمنا اللّه تعالی به فیقول:

(و جعل لکم السمع و الأبصار و الأفئدة)

فهذه الحواس جاءت‌ من تلک النفخة من روح اللّه‌ التی جعلت من هذا الکائن‌ العضوی إنسانا ذا سمع و ذا بصر و ذا ادراک إنسانی ممیز عن سائر الکائنات العضویة الحیوانیة تتمیما لتسویة الخلق‌ و تکمیلا للنعمة علیهم‌891.

و مع کل هذا الفیض من‌ الفضل الذی یجعل من الماء المهین ذلک الانسان الکریم. هذا الفضل الذی أودع تلک‌ الخلیة الصغیرة الضعیفة کل‌ هذا الرصید من القدرة علی‌ التکاثر و النماء و التطور و التحول.ثم أودعها کل تلک‌ الخصائص و الاستعدادات التی‌ تجعل من الإنسان إنسانا.مع‌ کل هذا فإن الناس لا یشکرون‌ إلا القلیل منهم فی القلیل من‌ الأشیاء991.

و فی الآیة الکریمة.
(یا أیها الانسان ما غرک بربک‌ الکریم..الخ الآیات)

خطاب‌ یهز المشاعر و یوقظ الادراک.إذ ینادیه اللّه بأکرم‌ ما فیه و هو الانسانیة التی تمیز بها عن سائر الأحیاء و ارتفع‌ إلی أکرم مکان و تجلی فیها إکرام اللّه له و یعاتبه علی‌ تقصیره و إهماله بهذا العتاب‌ الجلیل
(ما غرک بربک الکریم)

و یذکره فیه بفضله علیه‌ فیقول:
(الذی خلقک فسواک‌ فعدلک فی أی صورة ما شاء رکبک)

.هذا السیاق القرآنی‌ الکریم یدل علی مدی الکرم‌ الإلهی له علی هذه الصورة الجمیلة السویة المعتدلة الکاملة الشکل و الوظیفة أمر یستحق‌ التدبر الطویل و الشکر العمیق‌ لصاحب الفضل الذی اختار له‌ هذه الصورة السویة المعتدلة التی تبدو فی تکوینه‌ الجسدی.و تکوینه العقلی‌ و الروحی فی تناسق و استواء فی هذا الکیان المکرم.

و قد علق بعض‌ العلماء002بالقول:هذا خطاب للکفار.و قال بعضهم‌ المراد بالإنسان ما یشمل الکافر و المؤمن و العاصی.و أن‌ المعنی.ما الذی غرک‌ و خدعک حتی کفرت بربک‌ الکریم.هذا یشمل کفر النعمة.ذلک الإله الذی تفضل‌ علیک فی الدنیا بإکمال خلقک. و حواسک و جعلک عاقلا فاهما و أنعم علیک بنعم لا تقدر علی‌ جحد شی‌ء منها102.

أما التسویة فی الخلق فقد علمتها و هی تشمل کل شی‌ء فی الإنسان من حسن الصورة و اعتدال القامة و شق السمع‌ و البصر و الفؤاد و ما إلی ذلک‌ و صدق اللّه تعالی عند ما قال‌ فی کتابه الکریم.
(و إن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها)

202.

ثانیا:التکریم بالاستخلاف‌ فی الأرض:

یقصد بالاستخلاف أن یحل‌ شخص مکان آخر.فقال أهل‌ اللغة302:استخلف فلان‌ فلانا أی جعله مکانه.و قد ورد فی قوله تعالی:
(و قال‌ موسی لأخیه هارون اخلفنی فی‌ قومی)

402.

و إذا کانت اللغة شهدت‌ بذلک فهنا تظهر أهمیة قضیة الاستخلاف للانسان نظرا
المحاماة » شماره 699 (صفحه 134)

لأنها تنطوی علی مسئولیات‌ خطیرة و أهداف جلیلة.فهل‌ کان أحد قبل بنی آدم یعیش فی‌ الارض؟

لقد أجاب کبار العلماء502 بأنه کان قبله من الملائکة فی‌ الأرض أو من کان قبله من‌ غیر الملائکة.و المراد الملائکة الجن حیث کنوا قبل‌ بنی آدم فی الأرض و أفسدوا فیها إفسادا عظیما.و هذا معنی قول الملائکة للّه عند ما أخبرهم بخلقه بشرا من طین‌ قالوا
(اتجعل فیها من یفسد فیها و یسفک الدماء)

؟

و أصل هذا الاستخلاف ما جاء به القرآن الکریم فی قوله‌ تعالی:
(و إذ قال ربک للملائکة إنی جاعل فی الأرض خلیفة قالوا أتجعل فیها من یفسد فیها و یفسک الدماء و نحن نسبح‌ بحمدک و نقدس لک قال إنی‌ أعلم ما لا تعلمون)

602.

و قال ابن کثیر فی تفسیر قول اللّه عز و جل:
(إنی‌ جاعل فی الأرض خلیفة)

أی‌ قوما یخلق بعضهم بعضا قرنا بعد قرن.أو أن المراد بالخلیفة معنی الخالق علی‌ وزن فاعل لمن قبله من‌ الملائکة کما قال بذلک القرطبی‌ و غیره.و قیل کل من له‌ خلافة فی الأرض‌702.

و وظیفة الخلافة فی‌ الأرض تقتضی عمارها و إقامة حدود اللّه و تنفیذ قضایاه‌ علی مقتضی شرعه.و قد خاطب اللّه الملائکة بهذا الخطاب لا للمشورة علی‌ الرأی الراجح‌802و إنما لإخبارهم و استخراج‌ ما عندهم.و عندئذ سألت‌ الملائکة عن هذا الخبر لیستکشفوا ما خفی علیهم من‌ الحکمة الباهرة فی هذا المخلوق الجدید و قد توجسوا منه خیفة الإفساد فی الأرض‌ و سفک الدماء علی نمط ما کان‌ یفعله الجن من قبل.فلیس فی‌ سؤالهم اعتراض علی اللّه‌ تعالی و لا طعنا فی بنی آدم‌ علی وجه الغیبة فإنهم أعلی‌ من ذلک و أکرم حیث قال اللّه‌ عنه
(لا یعصون اللّه ما أمرهم‌ و یفعلون ما یؤمرون)

902.

و قال سبحانة و تعالی:
(بل‌ عباد مکرمون لا یسبقونه‌ بالقول و هم بأمره‌ یعملون)

012.فکان‌ استفامهم عن طریق القیاس‌ لأحد الثقلین علی الآخر.
(أتجعل فیها من یفسد فیها)

بالمعاصی و ذلک یمقتضی القوة الشهوانیة.
(و یسفک الدماء)

بغیر حق بمقتضی القوة العضلیة کما فعل الجن من‌ قبل.فإن کان القصد من‌ الخلافة فی الأرض العبادة فنحن نسبح بحمدک و تقدس‌ لک.و لذلک جاء الرد علیهم‌ من صاحب الحکمة البالغة قال:
(إنی أعلم ما لا تعلمون)

و ظهر ذلک جلیا فکان من‌ الخلیقة أنبیاء و رسل صالحون‌ و ساکنوا الجنة.و فسر بعض‌ العلماء تلک الآیة الأخیرة علی‌ أنه تعالی أعلم أنهم یذنبون‌ و یستغفرون فأغفر لهم.و قیل‌ أعلم من وجود المصلحة و الحکمة ما لا تعلمون‌112.

و قد أکد اللّه تعالی فی کتابه‌ هذا التکریم للجنس البشری‌ لیمکن للانسان تخفیف خلافته‌ فی الأرض.من ذلک قوله‌ تعالی:
(هو الذی أنشأکم من‌ الأرض و استعمرکم‌ فیها)

212.

و یبرز القرآن فضل اللّه عز و جل فی مسألة التمکین فی‌ الأرض فیقول سبحانه:
(و لقد مکناکم فی الأرض و جعلنا لکم‌ فیها معایش قلیلا ما تشکرون)

312.

و هذه الآیة الکریمة توضح‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 135)

لکل ذی بصیرة ما جعله اللّه‌ لبنی آدم فی الأرض من‌ القرار و المهاد و هیأ لهم فیها أسباب المعیشة حیث أمر کل‌ ما فی الأرض أن یتفاعل مع‌ الانسان إذا هو جد فی‌ استخراج کنوزها و إلا فإن‌ الحرث و وضع الحب فی‌ الأرض لا یمکن أن یخرج نباتا بذاته.فقد قال تعالی:
(أفرأیتم ما تحرثون أ أنتم‌ تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظللتهم‌ تفکهون)

412ثم ذکر فائدة أخری من فوائد العیش و هی‌ ضرورة للبشر فی قوله‌ تعالی:
(أفرأیتم النار التی‌ تورون أ أنتم أنشأتم شجرتها أم‌ نحن المنشئون)

512.

و جملة القول فی التمکین‌ فی الأرض و جعل المعایش‌ یتبین لنا فی هذا الزرع الذی‌ ینبت بین أیدیهم و ینمو و یؤتی‌ ثماره ما دورهم فیه؟إن الحبة تأخذ طریقها لاعادة نوعها تبدؤه و تسیر فیه سیر العاقل‌ العارف الخبیر بمراحل‌ الطریق الذی لا یخطی‌ء مرة کما یخطی‌ء الإنسان.و تلک‌ رحلة لا یمکن للعقل أن‌ یصدقها قبل أن یراها و ما کان‌ الخیال یتصورها.و هذا الماء أصل الحیاة و عنصرها الذی لا تنشأ و لا تستمر إلا به من الذی‌ أنزله.؟إن کل دور الإنسان‌ أن یشربه دون أن یدفع له ثمنا علی الرغم من أنه أغلی شی‌ء فی الوجود فمنه و علیه یعیش‌ کل حی.و هذه النار التی لا یستغنی عنها إنسان و قد قامت‌ علیها حضاراته و لکنها أصبحت أمرا مألوف لا یثیر الاهتمام و من الذی أنشأ شجرتها.

و بعد فإن هذه منزلة عظیمة.منزلة هذا الإنسان‌ فی نظام الوجود علی هذه‌ الأرض الفسیحة و هو التکریم‌ الذی شاءه خالقه‌ الکریم‌612.

و أخیرا:فإن الخلافة فی‌ الأرض تعنی أن یکون‌ الإنسان شاکرا لأنعم اللّه علیه‌ علی هذا التکریم و ذلک‌ التفضیل و الشکر یکون بالقول‌ کما یکون بالعمل فلا بد من‌ تحقیق العدل بین الناس‌ و التمکین للحکم أن ینتشر و یسود وجه الجیاة.ألم تر إلی‌ قوله تعالی:
(یادواد إنا جعلناک خلیفة فی الأرض‌ فاحکم بین الناس بالحق‌ و لا تتبع الهوی فیضلک عن‌ سبیل اللّه إن الذین یضلون)

عن سبیل اللّه لهم عذاب شدید بما نسوا یوم الحساب)

712.

و نوضح هنا المقصود بالحکم بالحق أی بالعدل الذی‌ هو حکم اللّه بین عباده لأن‌ الأحکام إذا کانت مطابقة للشریعة الحقه الإلهیة. انتظمت مصالح العالم‌ و اتسعت أبواب الخیرات. و إذا کانت الأحکام علی وفق‌ الأهویة و تحصیل مقاصد الأنفس أقضی ذلک إلی تخریب‌ الحیاة و ما فیها.و ذلک یفضی‌ إلی هلاک ذلک الحاکم‌812.

ثالثا:التکریم بالعلم:-

لما کان العلم هو الطریق‌ الأوحد للوصول إلی الوحدانیة و النذیر فی خلق اللّه سبحانه‌ فقد خص اللّه به بنی آدم من‌ البشر.فهو رسالة اللّه الأولی‌ إلی خلقه و عباده الذین بعث‌ فیهم الأنبیاء و الرسل.فهو خصلة کل عظیم من عظماء الإنسانیة فقال تعالی:
(و علم‌ آدم الاسماء کلها ثم عرضهم‌ علی الملائکة فقال أنبئونی‌ بأسماء هؤلاء إن کنتم صادقین‌ قالوا سبحانک لا علم لنا إلا ما علمتنا إنک أنت العلیم الحکیم‌ قال یا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لکم)

المحاماة » شماره 699 (صفحه 136)

إنی أعلم غیب السموات‌ و الأرض و أعلم ما تبدون و ما کنتم تکتمون)

912.

و آدم نبی مرسل بدین‌ الإسلام و هو دین اللّه سبحانه‌ الذی قال عز و جل عنه
(إن‌ الدین عند اللّه الإسلام)

022.

و آدم‌122أول مخلوق‌ بشری تحدث اللّه عنه خلقا و تصویرا و تسویة و نفخا فیه‌ من روحه.کما تحدث عنه‌ خلیفة فی الأرض.و وهبه‌ العلم لیستطیع النظر فی‌ الأشیاء و التصرف علی هداه‌ فعلمه أسماء الأشیاء کلها.

و الأسماء هی العبارات‌ الموضحة لأسماء المسمیات‌ علی ما قال به أکثر العلماء و قد أکد اللّه علم آدم تأکیدا عاما فی قوله
(الأسماء کلها)

و کلمد کلها تفید العموم مم‌یتضح منه‌ أنه تعالی علمه جمیع الأسماء و لم یخرج عن هذا شی‌ء منها.

و المراد بعلم الأسماء و الألفاظ و المعانی و الأفراد و التراکیب و الحقیقة و المجاز222ثم یستطرد السیاق القرآنی فی بیان تکریم‌ آدم و بنیه فیقول سبحانه بعد أن‌ علمه أسماء الأشیاء«ثم‌ عرضهم علی الملائکة»یعنی‌ تلک الأشخاص أو تلک‌ المسمیات و لم یقل«عرضها» لتغلیب العقلاء علیهم.و الذی‌ یظهر أن اللّه علم آدم الأسماء و عرض علیه مع ذلک‌ الأجناس أشخاصا ثم عرض‌ تلک علی الملائکة و سألهم عن‌ أسماء مسمیاتها التی قد تعلمها آدم(فقال أنبئونی»322 بأسماء هؤلاء إن کنتم‌ صادقین).

و الأمر فی قوله تعالی‌ «أنبئونی»أمر تعجیز لقصد التبکیت لهم مع علمه بأنهم‌ یعجزون عن ذلک و هنا قالت‌ الملائکة(سبحانک لا علم لنا إلا ما علمتنا إنک أنت العلیم الحکیم‌ و قد استدل البعض بهذه الآیة علی أن آدم علیه السلام نبی‌ مرسل متکلم.کما تفید مزیة العلم.و أنه شرط فی‌ الخلافة.و أن آدم مفضل علی‌ الملائکة.و لذلک قال بعض‌ العلماء422لما أراد اللّه‌ إخطار فضل آدم علی الملائکة لم یظهره إلا بالعلم.فلو کان‌ شی‌ء أشرف من العلم لکان‌ إظهار فضله بذلک الشی‌ء لا بالعلم.و من ثم أمر اللّه‌ الملائکة بالسجود لآدم لأجل‌ فضیلة العلم.و لما کان للعلم‌ الأثر البالغ فی الإصلاح‌ و التوجیه دعا الاسلام إلیه‌ و رغب فیه و الأصل فی ذلک‌ قوله تعالی
(یرفع اللّه الذین‌ آمنوا منکم و الذین أوتوا العلم‌ درجات و اللّه بما تعملون‌ خبیر)

522و المراد بالعلم هنا العلم الشرعی و المعنی یرفع‌ اللّه الذین آمنوا منکم و الذین‌ أوتوا العلم فی الثواب فی‌ الآخرة و فی الکرامة فی‌ الدنیا.فیرفع المؤمن علی من‌ لیس بمؤمن و العالم علی من‌ لیس بعالم.

و قال ابن مسعود:مدح اللّه‌ العلماء فی هذه الآیة.فیرفع‌ اللّه الذین أوتوا العلم علی الذین‌ آمنوا و لم یؤتوا العلم درجات‌ فی دینهم إذا فعلوا ماأمروا به‌ أو المراد درجات کثیرة جلیلة کما یشعر به المقام‌622.

و قد عطف الذین أوتوا العلم علی الذین آمنوا من قبیل‌ عطف الخاص علی العام‌ تعظیما له کأنهم جنس آخر.

فهل هناک تکریم لأی خلق‌ آخر غیر بنی آدم أکثر من هذا التکریم؟.

و فی رأینا:أن دعوة الإسلام إلی العلم و التعلم‌ الهدف منه حث الناس علی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 137)

تعلم القراءة و الکتابة.و هما دعامتان أساسیتان لکل طالب‌ علم حتی إن المسلمین کانوا یطلقون سراح الأسیر إذا هو علم عددا من المسلمین القراءة ئو الکتابة.و هکذا استطاع‌ المسلمون أن یصلوا إلی مرتبة من الرقی لأنهم تسلحوا بالدین‌ و العلم معا فعرفوا اللّه و تعلموا و علموا و کتبوا کثیرا فی شتی‌ العلم و الفنون.و هکذا یستطیع‌ الدین و العلم معا دون فضل‌ بینهما أن یقیموا حضارات‌ عریقة و أمما راقیة فی ظل‌ التمسک بتعالیم الإسلام الحنیف‌ من آدم إلی محمد صلی اللّه علیه و سلم و إلی‌ قیام الساعة إن شاء اللّه.

رابعا:التکریم بأمر الملائکة أن تسجد لآدم:

یقصد بالسجود لغة معان‌ متعددة.منها السجود بمعنی‌ الخضوع فی العبادة و هو لا یکون لغیر اللّه‌722و قد یقصد به التعظیم.و قد یقصد به التحیة أی الانحناء و التطامن إلی الأرض.

و دلیل الاستنتاج للمقصود الأول قوله تعالی
(فاسجدوا للّه‌ و اعبدوا)

و دلیل المقصود الثانی
(إنی رأیت أحد عشر کوکبا و الشمس و القمر رأیتهم

لی ساجدین)

822.

و دلیل المقصود الثالث‌922قول بعض‌ العلماء:سجد الرجل إذا طأطأ رأسه و انحنی و منه المیل‌ یقال:سجدت النخلة إذا مالت.

و الأصل فی أمر اللّه تعالی‌ الملائکة أن تسجد لآدم تکریما له قدر ورد فی أکثر من موضع‌ فی القرآن الکریم.

فقال تعالی:
(و إذا قلنا للملائکة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبلیس أبی و استکبر و کان‌ من الکافرین)

032.

و قوله جل شأنه
(لقد خلقناکم ثم صورناکم ثم قلنا للملائکة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبلیس لم یکن من الساجدین‌ قال ما منعک ألا تسجد إذ أمرتک‌ قال أنا خیر منه خلقتنی من نار و خلقته من طین)

132.

و کذلک قوله تعالی
(و إذ قلنا للملائکة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبلیس کان من الجن ففسق‌ عن أمر ربه أفتتخذونه و ذریته‌ أولیاء من دونی و هم لکن عدو بئس للظالمین بدلا)

232.

یستدل من هذه الآیات أن‌ اللّه تبارک و تعالی قد شرف آدم‌ و ذریته.حیث أمر الملائکة بالسجود له تکریما لهذا الخلق‌ الذی خلقه و سواه بیده و جعله‌ فی أحسن تقویم.

و هذا التکرار یعنی أن لکل‌ آیة معنی معین.فالآیة الأولی‌ فسرها البعض:أن الملائکة لما استعظموا بتسبیحهم‌ و تقدیسهم أمر السجود أمرهم‌ بالسجود لغیره لیریهم استغناءه‌ عنهم و عن عبارتهم.و قال‌ البعض:إنهم عیروا آدم‌ و استصفروه و لم یعرفوا خصائص به فأمروا بالسجود له تکریما و یحتمل أن یکون‌ الأمر بالسجود له عقابا لهم‌ علی قولهم
(أتجعل فیها من‌ یفسد فیها)

332.و هذا کله‌ یعنی الحکمة من الأمر بالسجود.

أما الاستثناء فی قوله«إلا إبلیس»فقال القرطبی نصب‌ إبلیس علی الاستثناء المتصل‌ لأنه کان من الملائکة علی قول‌ الجمهور فقد استکبر و استعظم‌ أن یسجد لآدم و بذلک کان من‌ الکافرین‌432.

أما الآیة الثانیة:فهی‌ تعطی هذا المعنی عن طریق‌ الحوار بین اللّه تعالی و إبلیس‌ و فیها زیادة فائدة و هی أن ابلیس‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 138)

استخدم القیاس المنطقی فی‌ مواجهة الأمر الإلهی و کان‌ بذلک أول من استخدم المنطق‌ و کان سبب کفره لأنه لا قیاس‌ مع وجود النص من اللّه تعالی‌ أو من الرسول صلی اللّه علیه و سلم.

أما عن الآیة الثانیة.فهی‌ تعطینا تصورا بأن إبلیس کان‌ من الجن و لیس من الملائکة. و الجن غیر الملائکة.و قد أجاب القائلون بأنه کان من‌ الملائکة بأنه لا یمنع أن یخرج‌ إبلیس من جملة الملائکة لما سبق فی علم اللّه بشقائه عدلا منه و هو سبحانه لا یسأل عما یفعل.و لیس فی خلقه من نار و لا فی ترکیب الشهوة حین‌ الغضب علیه ما یدفع أنه من‌ الملائکة.و أما قوله«ففسق‌ عن أمر ربه»معناه خروج عن‌ طاعته سبحانه.ثم حذر اللّه‌ سبحانه و تعالی بنی البشر من‌ إبلیس و ذریته بطریق‌ الاستفهام الإنکاری و التعجب‌ فقال
(أفتتخذونه و ذریته أولیاء من دونی)

و هذا دلیل علی أن‌ إبلیس له ذریته و أولاده‌ یتناسلون أما الملائکة فلیس لهم‌ ذلک‌532.

و قال بعض المفسرین إن‌ السجود کان یوم الجمعة من‌ وقت الزوال إلی العصر632 و کان أول من سجد لآدم‌ جبرائیل ثم میکائیل ثم إسرافیل‌ ثم عزرائیل ثم الملائکة المقربون و اللّه أعلم.

خامسا:التکریم فی المطعم‌ و المشرب:-

بلغ تکریم اللّه سبحانه‌ و تعالی لجنس البشر باختصاصهم بالطیبات من‌ الطعام و الشراب تأکیدا لهذا التکریم دون تفرقه ما بین‌ إنسان و آخر.و ذلک بأن أحل‌ بعض الأطمة و حرم البعض‌ الآخر.

فقد جاء فی آیات الذکر الحکیم‌732
(یا أیها الناس کلوا مما فی الأرض حلالا طیبا و لا تتبعوا خطوات الشیطان إنه‌ لکم عدو مبین)

.

و قد اختلف المفسرون فی‌ سبب نزول هذه الآیة832 فقال البعض أنها نزلت فی قوم‌ من ثقیف و بنی عامر و خزاعة حیث حرموا الثمر و الأقط علی‌ أنفسهم من الحرث و الأنغام. و قال آخرون‌932أنها نزلت‌ فی المشرکین الذین حرموا علی أنفسهم السائبة و هی التی‌ کانوا یسیبونها لآلهتهم‌ و الوصیلة من الغنم حیث‌ حرموا علی أنفسم لحم الإبل‌ لما کان حراما فی دین‌ الیهود.و علی أیة حال فإن‌ العبرة بعموم اللفظ«یا أیها الناس»لا بخصوص السبب‌ و لکن قبل الدخول فی‌ تفصیلات الشرح.ما المقصود بالحلال:یقصد بالحلال لغة ما یجده الفم لذیدا لا لا یعافه و لا یکرهه أو تراه عینه‌ طاهرا عن دنس الشبهة. و سمی الحلال کذلک لانحلال‌ عقدة الخطر منه‌042و الحلال‌ شرعا ما نص الشارع علی‌ حله.و لم یکن فی الشرع ما یدل علی حرمته‌142و قد ورد النداء من العلی الکریم‌ یا أیها الناس.بالأمر فی قوله‌ تعالی«کلوا».

و قد اختلف علماء التفسیر فی صیغة الأمر هل هی‌ للإباحة أم للوجوب.فذهب‌ بعضهم إلی القول أن الأمر هنا للإباحة242فقد أباح اللّه‌ الناس أن یأکلوا مما فی‌ الأرض فی حال کونه حلالا من اللّه طیبا أو مستطابا فی‌ نفسه غیر ضار للأبدان و لا للعقول.و روی ابن کثیر بسنده إلی ابن عباس قال: تلیت هذه الآیة عند النبی صلی اللّه علیه و سلم‌
(یا أیها الناس کلوا مما فی‌ الأرض حلالا طیبا)

فقام سعد
المحاماة » شماره 699 (صفحه 139)

بن أبی وقاص فقال یا رسول‌ اللّه‌ أدع اللّه أن یجعلنی‌ مستجاب الدعوة فقال«یا سعد أطلب مطعمک تکن مستجاب‌ الدعوة و الذی نفس محمد بیده‌ إن الرجل لیقذف اللقمة الحرام‌ فی جوفه ما یتقبل منه أربعین‌ یوما و أیما عبد نبت لحمه من‌ السحت و الربا فالنار أولی به.

و أما قول تعالی
«مما فی‌ الأرض»

فمما هنا للتبعیض إذ لا یأکل کل ما فی الأرض و هی‌ تفید القطع بأن ما فی الأرض‌ ما هو حرام کالحجارة لا یؤکل‌ أصلا و لیس کل ما یؤکل‌ یجوز أکله فلذلک ورد اللفظ «حلالا»342.

و فی الآیة دلیل علی أن اللّه‌ تعالی هو الرزاق لعباده و أنه‌ هو الذی یشرع لهم الحلال‌ و الحرام و هذا فرع عن‌ وحدانیة الألوهیة.فالجهة التی تخلق و ترزق هی التی‌ تشرع فتحرم و تحلل.و هکذا یرتبط التشریع الإسلامی‌ بالعقیدة.و الأمر بإباحة ما فی‌ الأرض من الطیبات للانسان‌ بمثل طلاقة هذه العقیدة و تجاوبها مع فطرة الکون‌ و فطرة الناس فاللّه خلق ما فی‌ الأرض للانسان و من ثم جعله‌ له حلالا لا یقیده إلا أمر خاص‌ بالخطر و إلا تجاوز حد القصد و الاعتدال.

و قد ورد اللفظ«أیها الناس» فقد خص اللّه الناس دون تفرقة بین مسلم و کافر و أبیض‌ و أسود هنا لکونهم أفضل أنواع‌ الناس.

و حرصا من اللّه علی هذا المخلوق الذی استخلفه فی‌ أرضه و استعمره فیها حرم‌ علیه الخبائث من الکسب‌ الحرام المشوب بالربا أو السرقة أو نحوهما.و سواء کانت خبائث فی نفسها کالمیته‌ و الدم و لحم الخنزیر أو ما أهل‌ لغیر اللّه به قال تعالی:
(إنما حرم علیکم المیتة و الدم و لحم‌ الخنزیر و ما أهل لغیر اللّه به‌ فمن اضطر غبر باغ و لا عاد فلا إثم علیه إن اللّه غفور رحیم)

و نلاحظ هنا أن الشرع‌ الحنیف حصر المحرمات من‌ الحیوانات بصیغة القصر «إنما»و قد حرم المیتة لما فی‌ الطباع السلیمة من استقذارها و لما یتوقع‌من ضررها. و کذلک الدم و لحم الخنزیر لأنه‌ یتغذی من القذارات.و ل.نه‌ یسبب-علی ما یری الأطباء و المعالجین الدورة الشریطیة و کذلک ما أهل لغیر اللّه به. فهو محرم و سواء کان تحریم‌ الأشیاء و ما فی حکمها تحریما لعلة أو للتعبد فإن علینا أن نتبع‌ ما أمرنا به و نهانا عنه طاعة له‌ و شکرا علی نعمه و تکریمه.

المطلب الثانی:حرمة الآدمی و صیانته

مقدمد:-

لقد عانت البشریة فی‌ القرون الأولی قبل الإسلام من‌ نظام الاسترقاق.فقد کان‌ البشر فی تلک العهود المظلمة ینقسمون إلی قسمین:الأول‌ یسمی الأحرار أی الآدمی‌ الحر و الثانی یسمی بالعبید أی‌ الآدمی العبد.فقد کان للطائفة الأولی السیادة و الترفع علی‌ الطائفة الثانیة الذین کانوا یعذبون تحت سطوة الأحرار.و لقد أصبح الرق‌ و الاستعباد فی ظل هذه القرون‌ الظالمة نظاما لدی الشعوب‌ و الأمم.تقدم علیه الحیاة فی‌ شتی مجالاتها و عند ما جاء الإسلام القویم قضی علی‌ الرق و العبودیة و فتح الباب‌ لتحریر العبید کی یعید للإنسان‌ کرامته و قیمته.فنجد فی‌ آیات الذکر الحکیم حث علی‌ هذا التحریر فقد جاء قوله‌ تعالی:
(فدیة مسلمة إلی أهله‌ و تحریر رقبة مؤمنة)

442.
المحاماة » شماره 699 (صفحه 140)

و قوله تعالی أیضا:
(أو تحریر رقبة فمن لم یجد فصیام‌ ثلاثة أیام ذلک کفارة أیمانکم إذا حلفتم و احفظوا أیمانکم)

542.و قوله جل‌ شأنه فی کفارة الطهارة:
(ثم‌ یعودون لما قالوا فتحریر رقبة من قبل أن یتماسا)

642.

تلک هی مظاهر تفویض‌ الإسلام للرق فی مختلف نواح‌ التشریع الحنیف الذی لا یأتیه‌ الباطل من بین یدیه و لا من‌ خلفه.

و لذلک یجب فی مقام هذا البحث بل و ینبغی التعرض لما ورد فی التشریع الإسلامی من‌ موقف الإنسان من‌بیع‌ الأحرار و الأرقاء و الذی‌ سنعرض فی فرعین هما:

الفرع الأول:موقف‌ الإسلام من بیع الأحرار

الفرع الثانی:موقف‌ الإسلام من بیع العبید

الفرع الأول

موقف الإسلام من بیع‌ الأحرار

لقد أجمع العلماء فی الفقه‌ الإسلامی و کذلک الأئمة عدا قول ضعیف نسب للإمام‌ الشافعی علی تحریم بیع‌ الحر.فقد اجتمعت کافة الأدلة الشرعیة علی تحریم بیع‌ الآدمی الحر و أنه لا یمکن بأی‌ حال من الأحوال أن یدخل فی‌ دائرة المعاملات و لا أن یقوم‌ بمال نقدی.

و آیة ذلک ما رواه البخاری‌ بسنده إلی أبی هریرة رضی‌ اللّه عنه عن النبی صلی اللّه علیه و سلم و سلم‌ قال:(ثلاثة أنا خصمهم یوم‌ القیامة:رجل أعطی بی ثم‌ غدر.و رجل باع حرا فأکل‌ ثمنه.و رجل استأجر أجیرا فاستوفی منه و لم یعطه‌ أجره)742.

و وجه الاستدلال هنا.أن‌ بیع الآدمی الحر حرام حرمة شدیدة لأن المسلمین أکفاء فی‌ الحریة.فمن باع حرا فقد منعه من التصرف فیما أباح‌ اللّه له.و ألزمه الذل الذی أنقذه‌ اللّه منه.حتی قال ابن‌ الجوزی:الحر عبد اللّه فمن‌ جنی علیه فخصمه‌ سیده‌842.

و کذلک ما ورد فی‌ الحدیث:ما رواه أبو داود فی‌ سننه بسنده إلی عبد اللّه بن‌ عمر أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم کان‌ یقول:ثلاثة لا یقبل اللّه منهم‌ صلاة:من تقدم قوما و هم‌ کارهون.و رجل اتی الصلاة دبارا.و رجل اعتبد محرره‌942.

و وجه الاستدلال هنا.أن‌ اللّه تعالی توعد هؤلاء الثلاثة بأن لا یقبل منهم صلاة أی لا یثابون علیها.و من هؤلاء الثلاثة ذلک الرجل الذی حرره‌ عبده ثم عاد فاستعبده و قد علق‌ بعض العلماء علی:رجل‌ اعتبد محرره.بأن اعتباد الرجل لمن حرره یقع بأمرین‌ أحدهما أن یعتقه ثم یکتم ذلک‌ أو یجحد و الثانی أن یستخدمه‌ کرما بعد العتق.و الأمر الأول أشدهما052.

و إمعانا فی التدلیل علی‌ حرمة بیع الآدمی الحر.ما ذکره صاحب البحر نقلا عن‌ الشفاء من أنه روی الهادی إلی‌ الحق علیه السلام بإسناده(أن‌ رجلا باع نفسه فی ولایة عمر.فلما اشتد علیه البلاء أتی عمر فقال:إنی رجل‌ حر.فقال له عمر:أبعدک‌ اللّه.أنت الذی وضعت‌ نفسک.فقال له علی ابن ابی‌ طالب:إنه لیس علی حر ملکه‌ فاضربه ضربا شدیدا و البائع‌ له.و أمر المشتری أن یتبع‌ البائع بالثمن.و الذی یبدو لنا أن الفاروق عمر أراد بقولته.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 141)

أن یعاقب الرجل الذی باع‌ نفسه لأنه أهان ما کرم اللّه.إذ من المحال أن یقر أمیر المؤمنین شیئا حرمه اللّه‌ و رسوله و شدد النکیر علیه. فعمر أحرص الناس علی‌ محاربة المنکرات.بل هو أشدهم التزاما بتعالیم الإسلام.

و قد ذکر الشوکانی‌152 رحمه اللّه تعالی تعلیقا علی‌ ذلک.فقال بأن الشریعد الإسلامیة حرمت تحریما قطعیا بیع الحر.بل و أجمع‌ أهل الإسلام علیه و لا یحتاج‌ إلی الاستدلال علی مثله. و التعرض بما یستحقه الفاعل‌ لهذا الحرام غیر مناسب‌ للمقام.بل یستحقه من‌ العقوبة.هو سخط اللّه علیه. و لم یرد فی الشریعة عقوبة معینة فی الدنیا.و لا هو من‌ الأمور التی یجب الحد علی‌ فاعلها.

و الدلیل الأخیر علی حرمة بیع الآدمی.ما ورد فی‌ الفتاوی الهندیة252.إن‌ الحر لا یضمن بالغصب‌ صغیرا کان أو کبیرا لأن‌ ضمان الغصب یقتضی‌ التملیک.و الحر لا یصلح فیه‌ التملیک.و یضمن بالجنایة لأن‌ الجنایة إتلاف.352فالذی لا مراء فیه أن بیع الحر لو حدث،فیه قلب لنظام الکون‌ و ضیاع لاستخلاف اللّه له فی‌ الأرض.فالبیع منعدم.

و قد رتب التشریع‌ الإسلامی علی هذا المبدأ.أنه‌ لا یعترف بالشخصیة القانونیة و الشرعیة إلا للشخص‌ الطبیعی فقط.فالإسلام لا یعرف الشخصیة المعنویة بالمعنی الواضح فی القانون‌ الوضعی.و السبب فی ذلک‌ یرجع إلی أن مصدر التشریع‌ الإسلامی هو الإله‌ و المخاطبین بأحکامه هم‌ البشر.فمن غیر المقصود تکلیف غیر بین آدم بالأحکام‌ الشرعیة.لأن مناط ذلک‌ متعلق بصلاحیة الذمة.و هی‌ لا تتحقق إلا فی الإنسان الذی‌ تتوافر فیه شروط التکلیف‌ الشرعی.و یقصد بالذمة: الوصف الذی یکون الإنسان به‌ أهلا لما له و ما علیه من‌ الواجبات.

الفرع الثانی

موقف الإسلام من بیع‌ العبید

لقد جاء الإسلام‌ و المجتمعات البشریة تتعامل L3 بالرق و الإذلال.و کانوا یستبیحون الأرقاء.فلما جاءت الشریعة الإسلامیة و أخذت بمبدأ التدرج فی‌ التشریع لتنتقل بالأمة الإسلامیة رویدا رویدا لتصل‌ بها إلی السمو الأخلاقی بهدف‌ تحقیق التکریم الإنسانی‌ للإنسان کبشر مستخلف فی‌ الأرض.فقضی الإسلام علی‌ استرقاق الإنسان و إذلاله.

فقد جاء قول الحق جل‌ و علی:
(و کتبنا علیهم فیها أن‌ النفس بالنفس و العین بالعین‌ و الأنف بالأنف و الأذن بالإذن‌ و السن بالسن و الجروح‌ قصاص‌452)

.

بالنظر إلی تلک الایة الکریمة نجد أنها لم تفرق بین‌ نفس و أخری بمعنی أنها لم‌ تفرق بین حر و عبد أو بین‌ مسلم و ذمی أن بین رجل‌ و امرأة.

و قوله تعالی:
(کتب علیکم‌ القصاص فی القتلی الحر بالحر و العبد بالعبد و الأنثی‌ بالأنثی...الخ الآیة552)

.

فقد اختلف العلماء فی آیة سورة البقرة سالفة الذکر. فذهب البعض إلی أن هذه‌ الآیة مبینة لحکم النوع إذا قتل‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 142)

نوعه.فیقتل الحر طذا قتل‌ حرا.و یقتل العبد إذا قتل عبدا و کذلک الأنثی إذا قتلت أنثی. و لکنها لم تتعرض لأحد النوعین إذا قتل الآخر. و قالوا إن هذه الآیة محکمة و فیها اجمال بینته آیة المائدة التی سبق أن ذکرناها
(و کتبنا علیهم فیها أن النفس‌ بالنفس...إلخ الآیة)

.و ذکر أبو عبید عن ابن عباس أن‌ رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم بین ذلک حینما قتل الیهودی بالمرأة و قال ابن‌ عباس و وافقه أهل العراق: أن آیة البقرة منسوخة بآیة المائدة و اتفق أبو حنیفة و الثوری و ابن أبی لیلی علی‌ أن الحر یقتل بالعبد کما یقتل‌ العبد به و هو ما قال به داود الظاهری.و روی ذلک عن‌ علی و ابن مسعود رضی اللّه‌ عنهما.

و ذهب جمهور الفقهاء علی‌ خلاف ذلک‌فلم یقتلوا الحر بالعبد للتنویع و التقسیم فی‌ الآیة.إلا أنه یمکن الرد علی‌ ذلک بما ورد فی الحدیث‌ الشریف من النبی صلی اللّه علیه و سلم‌
(المؤمنون تکافأ دماؤهم و هم‌ ید علی من سواهم و یسعی‌ بذمتهم أدناهم‌652.)

و وجه‌ الاستدلال بذلک الحدیث أن‌ نفوس المؤمنین متساویة خصوصا فی القتل العمد فیقاد لکل مقتول من قاتله سواء کل‌ حرا أو عبدا.و لذک تمسک أبو حنیفة رحمه اللّه بقول اللّه‌ تعالی
(النفس بالنفس)

الآیة فی‌ قتل الحر بالعبد لتساویهما. لکن جمهور العلماء تمسک بأن‌ آیة البقرة
(الحر بالحر و العبد بالعبد..إلخ الآیة)

مفسرة لآیة المائدة
(النفس‌ بالنفس)

752.

و المسألة إذن محل خلاف‌ و الراجع فی هذا الشأن‌852 هو ما ذهب إلیه أهل العراق‌ علی النحو السالف بیانه و ذلک‌ لما یلی:-

أولا:إختصت الشریعة الإسلامیة بمبدأ التدرج فی‌ تشریعاتها.و لما جاء الإسلام‌ کان الرق موجودا منذ زمن‌ بعید و مصادرة کثیرة.فبدأ الإسلام فی تقویضه علی‌ أساس إعادة الحریة لبنی البشر جمیعا و تحریر جمیع العبید لتحقیق الکرامة التی خلقهم اللّه‌ علیها.و هذا المبدأ یتوافق‌ تماما مع قول أهل العراق بأن‌ آیة البقرة جاءت مجملة بینتها آیة المائة.کما یمکن أیضا أن‌ یتوافق مع القول بأن آیة المائدة
(النفس بالنفس)

ناسخة لآیة البقرة
(الحر بالحر)

و من‌ ثم یکون قتل نفس بنفس بغض‌ النظر عن الحر بالحر متمشیا مع منهج التدرج التشریعی.

ثانیا:ما جاء بالحدیث‌ الشریف«المسلمون تتکافأ دماؤهم)952.

و التکافؤ هو التساوی بین‌ الأشیاء.و بهذا دخل فی عموم‌ الحدیث کل وضیع بالنص‌ و کل شریف بالفحوی.و دخل‌ فی الأدنی المرأة و العبد و الصبی و المجنون.و الحدیث‌ الشریف هنا یتفق مع نص آیة المائدة من حیث المساواة بین‌ الأنفس کما یتفق مع منهج‌ الاسلام فی العمل علی تحریر الإمام و الناس.

ثالثا:-أن الإنسان فی‌ الأصل حر لم یخلق للتملیک‌ لیکون سلعة تباع و تشتری لما فی ذلک من التناقض بین کونه‌ مستخلفا فی الأرض و کونه‌ مملوکا ترد علیه عقود المعاوضات‌062.

رابعا:أن الرق ضعف‌ حکمی.و عارض فی سبیله‌ إلی الزوال بالعتق بدلیل أن‌ الإسلام فتح الباب أمام تحریر الأرقاء حیث أجاز الکتابة بمعنی أن یکتب العبد علی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 143)

نفسه ثمنه لولاه.و أجاز التدبیر أن یکون العبد حرا بعد وفاة سیده.162.

المبحث الثانی

مدی سلطة الإنسان علی‌ جسده فی التشریع الإسلامی

تمهید:-

إزاء ما قد نسمعه أو نقرأة فی وسائل الإعلام المختلفة حول جسد الإنسان و إمکانیة التصرف فیه بالبیع أو التبرع‌ و الهبة.فقد لفت الأنظار ما نشر فی الصحف الیومیة262 من أن جسد الإنسان لا یجوز التصرف فیه بالتبرع و الهبة و لکن الفقهاء أجازوا نقل عضو إنسان سلیم إلی إنسان مریض‌ لإنقاذ حیاته.کما أن بیع‌ الإنسان لجزء من جسده حرام‌ و یجوز له التبرع.کما أنه من‌ الجائز شرعا نقل جزء من‌ جسد المیت لإنقاذ حیاة شخص‌ آخر حی.فقد استرعی‌ انتباهی التناقض فی الإفتاء، فتارة لا یجیز التبرع أو الهبة و تارة آخری یجیز هذا التبرع‌ و لذلک فقد بات لزاما علینا و نحن فی مجال هذا البحث‌ بخصوص سلطة الإنسان علی‌ الجسد فی التشریع الإسلامی. أن نوضح الأمر علی قدر خصوصه طبقا لما ورد فی‌ کتاب اللّه تعالی و سنة رسول‌ اللّه صلی اللّه علیه و سلم بالاستعانة فی أصیل‌ الآراء بأقوال الفقهاء فی هذا الصدد.

فالمتدبر لآیات الذکر الحکیم.فی مفتتح سورة التین‌
(لقد خلقنا الإنسان فی أحسن‌ تقویم)

أی لقد خلقنا الإنسان فی‌ أحسن صورة و أجمل هیئة و منحنا بعد ذلک ما لم نمنحه‌ لأحد غیره.و کذلک ورد فی‌ سورة الانفطار
(یا أیها الإنسان‌ ما غرک بربک الکریم الذی‌ خلقک فسواک فعدلک فی أی‌ صورة ما شاء رکبک)

.و من‌ مظاهر هذا التکریم الآدمی أن‌ اللّه سبحانه و تعالی اعتبر جسمه أمانه إئتمنه علیها فهو الذی خلقه فسواه فعدله.فقد الذی خلقه فسواه فعدله.فقد نهی القرآن العظیم عن قتل‌ الإنسان لنفسه فی قول تعالی:
(و لا تقتلوا أنفسکم إن اللّه کان‌ بکم رحیما...الخ الآیة)

و من مظاهر هذا التکریم أیضا أمر الإنسان أن یهتم باصلاح‌ جسده ظاهرا أو باطنا و أن‌ یستعمل کل وسائل العلاج التی‌ تؤدی إلی شفائه من‌ الأمراض.فقد ورد فی‌ الحدیث الشریف.عن أبی‌ هریرة أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم‌ قال:«ما أنزل اللّه داء إلا أنزل‌ له شفاء»و فی روایة لمسلم‌ «لکل داء دواء فإذا أصیب دواء الداء برأ بإذن اللّه أی:فإذا نزل الدواء علی الداء شفی‌ المریض من مرضه بإذن‌ اللّه».

و إزاء هذه الحمایة البشریة و أخذا بالقاعدة الشرعیة الفقهیة المعروفة و هی«أن الضرر الأشد یزال بالضرر الأخف».

و لذلک قسم الفقهاء أجزاء جسم الإنسان إلی قسمین: أجزاء یابسة و أجزاء سائلة362و لذلک ینقسم البحث‌ إلی المطلبین:-

المطلب الأول:سلطة الإنسان فی التصرف فی‌ الأجزاء الیابسة

المطلب الثانی:سلطة الإنسان فی التصرف فی‌ الأجزاء السائلة

المطلب الأول

سلطة الإنسان فی التصرف‌ فی الأجزاء الیابسة

مقدمة:

إزاء القاعدة الفقهیة المشهورة«الضرر الأشد یزال‌ بالضرر الأخف»462فإن‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 144)

تصرفات الإنسان فی ظل‌ شرعیة الدیانة الإسلامیة الحنیفة و عدم الانسیاق وراء هذا الحشد الغربی.فإنه یباح‌ بعض التصرفات فی جسد الآدمی طالما تکون فی إطار الشرعیة الإسلامیة و لذلک‌ نقسم البحث فی هذا المطلب‌ إلی فرعین.

الفرع الأول:سلطة الانسان‌ فی التصرف المادی للأجزاء الیابسة

الفرع الثانی:سلطة الانسان‌ فی التبرع بالأجزاء الیابسة

الفرع الأول

التصرف المادی فی الأجزاء الیابسة

الأمر الذی لا خلاف علیه‌ باتفاق المحققون من‌ الفقهاء562علی أنه لا یجوز للإنسان أن یبیع عضوا من‌ أعضاء جسده أیا کان العضو و ذلک لأسباب أهمها:أن جسد الانسان و ما یتکون منه من‌ أعضاء لیس محلا للبیع‌ و الشراء و لیس سلعة من السلع‌ التی یصح فیها التبادل‌ التجاری.و إنما جسد الإنسان‌ بناء بناه اللّه تعالی و کرمه‌ و سما به عن البیع و الشراء و حرم المتاجرة فیه تحریما قاطعا لأن بیع الآدمی أو جزء منه باطل شرعا لکرامته بنص‌ القرآن الکریم
(و لقد کرمنا بنی‌ آدم..الخ)

و قد اتفق الفقهاء علی بطلان البیع أو الشراء بالنسبة للبدن أو أی عضو من‌ أعضائه.کما أن الإنسان‌ ما هو إلا أمین علی هذا الجسد و مأمور بأن نتصرف فی هذه‌ الأمانة بما یصلحها لا بما یفسدها.فإذا تجاوز الإنسان‌ هذه الحدود و تصرف فی‌ جسده بما یتعارض مع‌ إصلاحه کان خائنا للأمانة التی‌ ائتمنه علیها الخالق الباری‌ء. و لا یحتج علی ذلک بالقاعدة الشرعیة التی تقول. (الضرورات تبیح‌ المحظورات)و بناء علی ذلک‌ یجوز للإنسان أن یتصرف فی‌ جسده عند الضرورة.لأننا نقول فی الرد علی ذلک:إن‌ التصرف عند الضرورة إنما یکون فی حدود ما أحل اللّه‌ و فضلا عن ذلک فإن هذه‌ القاعدة مقیدة بقواعد أخری‌ تضبطها.و من هذه القواعد الضرر لا یزال بالضرر»أی‌ أنه لا یجوز إزالة الضرر بضرر یشبهه أو یزید علیه. و لذلک قالوا لا یجوز للجائع‌ مثلا أن یأخذ طعام جائع مثله‌ عن طریق السرقة أو ما یشبهها.کما أنه لا تعرض‌ نفقة علی الفقیر لقریبه.

و مما لا شک فیه أن بیع‌ عضو من أعضاء الجسد أیا کان هذا العضو یمثل ضررا شدیدا لبدن الإنسان.و هذا الضرر یزید علی ما یتعرض‌ له الإنسان من فاقة أو عسر أو احتیاج.لأن هذا الاحتیاج‌ هناک وسائل تدفعه منها مباشرة الأسباب المشروعة للحصول‌ علی الرزق.

و فی مجال التعرف المادی‌ فی جزء من جسد الآدمی. اختلف العلماء حول جواز أو جواز المضطر فی المخمصة لقطع جزء من جسده لیأکله.

فذهب أنصار الرأی الأول‌ و هو رأی جمهور العلماء662 علی أنه لا یجوز للشخص أن‌ یقطع جزء من جسده لیأکله‌ مطلقا.و سبب ذلک أنه ربما یقتل الشخص نفسه لأن القطع‌ فی حد ذاته یخدش الجسد فیکون قاتلا لنفسه و الضرر لا یزال بضرر مثله.و قد استدل‌ أنصار هذا الرأی علی حرمة قطع المضطر جزءا من نفسه‌ لیسد به رمقه بما یلی:-

قول الق جل شأنه:
(و لا تلقوا بأیدیکم إلی التهلکة

المحاماة » شماره 699 (صفحه 145)

و أحسنوا إن اللّه یحب‌ المحسنین)

762.فیلاحظ فی‌ هذه الآیة أن النهی فیها جازم‌ أی یدل علی ترک الفعل و هذا یفید الحرمة.فیحرم القطع‌ للمضطر لجزء من جسده‌ لیأکله بقصد سد الرمق.و ذلک‌ لأن الشخص یکون قد سعی‌ فی إهلاک نفسه بسبب محقق‌ لقاء أمر موهوم.

و استدلوا أیضا بقوله‌ سبحانه
(و لا تقتلوا أنفسکم إن‌ اللّه کان بکم رحیما)

862. فالنهی فی الآیة السابقة نهی‌ عام من أن یقتل الإنسان نفسه‌ أو یقتل أخاه فی الانسانیة لأن‌ قطع الإنسان کما سبق أن‌ ذکرنا من الخطورة بمکان. فهناک من الأوردة المتنوعة و العصب و إلی غیر ذلک من‌ الأعضاءالتی تفسد الحیاة بقعها مما یؤدی إلی قتل‌ الإنسان نفسه.و استدلوا لذلک‌ بالحدیث الشریف عن رسول‌ اللّه صلی اللّه علیه و سلم.عن أبی هریرة عن‌ النبی صلی اللّه علیه و سلم قال:ذرونی‌ ما ترکتکم فإنما هلک من کان‌ قبلکم بکثرة سؤالهم و اختلافهم‌ علی أنبیائهم.فإذا نهیتکم عن‌ شی‌ء فاجتنبوه.و إذا أمرتکم‌ بأمر فاتوا منه ما استطعتم)962.

فالنهی هنا عام و استثنی‌ الجمهور ما یکره المکلف علی‌ فعله.و وجه الدلالة فی هذا الحدیث أن درء المفاسد مقدم‌ علی جلب المصالح و هذا واضح مما ورد فی الحدیث‌ (فإذا نهیتکم عن شی‌ء فاجتنبوه).

و نقل عن الإمام أحمد أنه‌ ینزل بهذا الحدیث علی اعتناء الشارع بالمنهیات فوق إعناقه‌ بالمأمورات لأن أطلق‌ الاجتناب فی المنهیات و لو مع‌ المشقة فی الترک.و قید المأمورات بالاستطاعة072.

و بناء علی ما تقدم فإنه یجب‌ إجتناب ما نهی اللّه عنه.فقد نهی عن أن یلقی الإنسان نفسه‌ فیما یهلکه.کما نهاه عن قتل‌ نفسه و ما یؤدی إلی ذلک.و إذا کان فی قطع الشخص عضوا من نفسه ما یؤدی إلی الإتلاف‌ الکامل فیکون هذا منهیا عنه‌ النهی یفید التحریم.و من ثم‌ یحرم علیه ذلک.و باالجملة فإن‌ فی دلالة الحدیث‌قاعدة عظیمة من قواعد التشریع الإسلامی‌ و هی تقویم درء المفاسد علی‌ جلب المصالح.

و ذهب أنصار الرأی‌ الثانی.إلی أنه یجوز للمضطر أن یقطع جزءا من‌ نفسه لیسد به رمقه حال‌ المخمصة.و عللوا ذلک بقولهم‌ طن للمضطر أن یحفظ الکل‌ بالجزء.و هذا من باب‌ إرتکاب أخف الضررین فلا یعدل إلی الإغلاظ تحرما مع‌ وجود الأخف إلا أنهم‌ اشترطوا لذلک شروطا أربعة:-

1-ألا یجد المضطر میتة و لا نحوها مما یسد به الرمق.

2-أن یکون الخوف من‌ القطع أقل من الخوف من عدم‌ الأکل.فإن کان مساویا له أو أکثر حرم القطع.

3-أن یکون القصد من‌ القطع حفظ حیاة نفسه لا حیاة آخر.

4-ألا یشوی اللحم‌ المقطوع و لا یطبخه.بل‌ یأکله نیئا لأن فی ذلک هتکا لحرمته بخلاف سائر الحیوانات.

و استند أنصار الإتجاه‌ الثانی فی هذه الاجازة إلی عدة دلائل من القرآن و السنه فقد ورد فی آیات الذکر الحکیم‌ژ قوله تعالی:
(إنما حرم علیکم‌ المیتة و الدم و لحکم الخنزیر و ما أهل لغیر اللّه به.فمن

المحاماة » شماره 699 (صفحه 146)

أضطر غیر باغ و لا عاد فإن‌ اللّه غفور رحیم)

172. و وجه الاستدلال بهذه الآیة: أن المحظور قد یباح دفعا للضرر و لهذا أبیح أکل المیتة و غیرها من المحرمات عند المخمصة.فقد حرم اللّه تعالی‌ أربعة أشیاء فی هذه الآیة. فإذا اضطر الإنسان إلی أکل‌ شی‌ء من هذا أو غیره فقد أباح‌ اللّه له ذلک بشرط عدم البغی‌ و العدوان و أن لا یکون متلذذا به.و من ذلک لحم نفسه إذا لم‌ یجد ما یأکله من حلال أو حرام.فله أن یقطع من نفسه‌ مقدار ما یسد رمقه و إتلاف‌ الجزء لإنقاذ الکل أمر مطلوب.و هو من‌ الضرورات التی تبیح‌ المحظورات‌272و قد اعترض بعض العلماء372 علی هذا الاستدلال فقال: و کل ما حرم اللّه من المأکل‌ و المشرب من خنزیر أو صید حرام أو میته أو دم أو لحم‌ سبع طائر أو ذی أربع و غیر ذلک.فهو کله عند الضرورة حلال.و ما یقتل من تناوله فلا یحل من ذلک شی‌ء أصلا لا بضرورة و لا غیرها.و علل‌ استثناء لحم الآدمی:أن الأمر قد ورد بموارتها و ل.ن فی ذلک‌ إهانة لما کرم اللّه‌472.

و استند أیضا أنصار هذا الاتجاه إلی دلیل عقلی عن‌ طریق القیاس فقالوا:إن‌ المریض قد یضطر إلی قطع‌ عضو من أعضائه إذا وقعت‌ فیه الأکلة و المضطر فی‌ المخمصة أشبه بالمریض‌ فیجوز له أن یقطع جزء من‌ جسمه لیسد به رمقه.و هذا من باب إرتکاب أخف‌ الضررین کما فی مسألة المریض فقیاس علیه‌572. إلا أن جمهور الفقهاء و هم‌ أصحاب الرأی الأول‌ اعترضوا علی ذلک بالقول إن‌ هذا القیاس فاسد.لأن قیاس‌ مع الفارق إذ أن العضو الذی‌ وقعت فیه الأکلة عضو مریض و إزالته واجبة شرعا لأن الطب کالشرع جاء لتحقیق مصالح الناس لأنه لو ترک ذلک العضو672فإن‌ المرض ینتشر فی جمیع‌ الأعضاء.فهو إذن من باب‌ التداوی.و تلک مصلحة مؤکدة.بخلاف قطع عضو صحیح ذی منفعة لمصلحة موهومة فإن سد الرمق عن‌ طریق قطع العضو و الأکل منه‌ أمر رمهوم.و من ثم فقد أصبح الفرق واضحا بین‌ المقیس و المقیس علیه فافترقا فلا یمکن أن یتساوی العضو المریض بالعضو الصحیح.

و نحن نذهب مع أنصار الاتجاه الأول.و فی اعتقادنا أن هذه مسألة غیر مقصورة فی أیامنا هذه.فالذی لامراء فیه أن القطع لجزء من أجزاء الجسم الآدمی یؤدی إلی‌ أضرار صحیة بالغة فقد یصاب الشخص نتیجة هذا القطع بتلوث جراحی قد یؤدی‌ إلی هلاکه.فإذا افترضنا تجاه‌ الشخص فإنه من المؤکد أن‌ یحدث له تشوه فی محل القطع‌ مما یعد نقصا فی بنیانه.

الفرع الثانی‌ التصرف بطریق التبرع

مقدمة:-

لا شک أننا نعیش فی تلک‌ الآونة من القرن العشرین فی‌ تصارع للتیارات الفکریة باسم‌ العلم.و قد تفجرت علی أثر ذلک قضایا علمیة ذات طابع‌ مادی باسم الحضارة و مصلحة البشریة.

و قد ابتلی القطاع الطبی‌ و هو واحد من القطاعات التی‌ تقدم علی العلم المادی المجرد و الذی یشمل العدید من القضایا یؤدی بعضها إلی التداوی‌ بالمحرمات أو فعل ما فیه‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 147)

حرمة و لا یتلاءم مع أبسط قواعد الآداب العامة.هذا فضلا عن مخالفة کثیر من تلک‌ القضایا لتعالیم الإسلام‌ و ضوابطه.

و لعل ذلک یرجع إلی مقالید العلوم الطبیة و ابتکاراتها المتنوعة قد أصبحت فی ید من لا یدینون بالاسلام أکثر مما هی فی أیدی العرب‌ و المسلمین و بالتالی فإن هذه‌ الابتکارات تأتی فی طبیعتها علی غرار هذا دون التقید بالمبادی‌ء و الضوابط التی جاء بها الإسلام نحو حمایة الإنسان‌ من الاعتداءات علی کیانه‌ البشری الذی أحاطه اللّه بسیاج‌ من الصیانة.

إلا أننا لا ننکر علی هذه‌ الحضارات أنها تقدمت فی‌ مجالات العلوم المختلفة التی‌ خدمت البشریة جمعاء إلا ما کان منها مخالفا لتعالیم الإسلام‌ و من ذلک:

1-التداوی بعقاقیر تحتوی علی مواد کالخمر و الدم و الکحول.

2-إباحة الإجهاض بعد نفخ الروح فی الجنین لغیر ضرورة معتبرة شرعا.

3-نقل أعضاء آدمیة من‌ إنسان إلی آخر.

4-جراحة تحویل الرجل‌ إلی إمرأة و بالعکس.

5-مشکلة الأرحام‌ الصناعیة.

6-إنشاء بنوک للألبان‌ الآدمیة و أخری للمنی‌ الآدمی.

7-التحکم فی جنس‌ الجنین.

کل هذه قضایا شائکة تحتاج‌ من الأمة الإسلامیة و عیا کاملا و یقظة شاملة لئلا یقع‌ المخالفون فریسة فتقضی‌ الأمة علی نفسها بنفسها و یتحقق فیهم قول اللّه تعالی:
(حتی إذا أخذت الأرض‌ زخرفها و ازینت وظن أهلها أنهم قادرون علیها أتاها أمرنا لیلا أو نهارا فجعلناها حصیدا کأن لم تغن بالأمس کذلک‌ نفصل الآیات لقوم‌ یتفکرون)

872.

و إزاء هذا التناقض فی‌ الفتاوی المقصودة التی تنشر فی الصحف الیومیة و التی تعم‌ العالم اتساعا فی نشرها من‌ القول تارة بجواز التربع بجزء من جسم الانسان و القول تارة أخری لا یجوز التصرف‌ بالتبرع و الهبة فی جزء من‌ جسم الآدمی‌972فانقسم أهل‌ العلم فی هذا الخصوص إلی‌ اتجاهین.الاتجاه الأولی یری‌ عدم الإجازة و الاتجاه الثانی‌ یری إجازة هذا التبرع.

(أ):الاتجاه الأول:لا یجوز التبرع بجزء من جسد الآدمی

أورد أنصار هذا الاتجاه‌ الأدلة الشرعیة من القرآن‌ و السنة النبویة الشریفة علی‌ تحریم التبرع بعضو من‌ أعضاء الجسد.و ذلک تأسیسا علی أن الإنسان لیست له‌ سلطة علی جسده.و نذکر من‌ هذه الأدلة و الشرعیة منها ما ورد فی القرآن الکریم و منها ما ورد فی السنة النبویة.فقد استدلوا علی ذلک بقوله تعالی:
(و لا تلقوا بأیدکم إلی التهلکة و أحسنوا إن اللّه یحب‌ المحسنین)

082.و وجه‌ الاستدلال هنا أن اللّه تعالی‌ نهی أن نلقی بأنفسنا إلی‌ التهلکة.و فی إقدام الشخص‌ علی التبرع بجزء من جسده‌ هو فی الواقع سعی لإهلاک‌ نفسه فی سبیل إحیاء غیره. و لیس ذلک مطلوبا منه.لأنه‌ بالقطع للعضو لا بد أن یفقد هذا العضو منفعته و الإنسان أولی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 148)

بنفسه من غیره.کما أن من‌ أرکان التبرع أن یکون الإنسان‌ مالکا للشی‌ء المتبرع به أو مفوضا فی ذلک من المالک. و الانسان لیس مالکا لجسمه. لأن ملک الرقبة للّه وحده.کما لیس مفوضا فی ذلک.لأن‌ التفویض یستدعی إذنا له و لا یوجد بذلک إذن.

و قوله عز و جل أیضا
(و لا تقتلوا أنفسکم إن اللّه کان‌ بکم رحیما)

182.و وجه‌ الاستدلال فی هذه الآیة الکریمة.أن اللّه تعالی قد نهی‌ الانسان عن قتل نفسه أو قتل‌ غیره سواء کان بسبب مباشر أو غیر مباشر.فالنهی هنا عام یتناول جمیع الأسباب و من‌ هذه الأسباب المنهی عنها أن‌ یبرم شخص إتفاقا مع آخر لیتبرع الشخص بجزء من‌ جسده للآخر.فهذا حرام‌ لا یجوز الاتفاق علیه و لا فعله.لأنه لا یجوز له أن یتلف‌ نفسه لإحیاء غیره.لمخالفته‌ منهج التشریع الإسلامی من‌ حیث أنه لا یملک شیئا فی‌ جسده.و مخالفته للقاعدة الفقهیة المعروفة«الضرر لا یزال بالضرر»و الذی یؤکد حرمة التبرع قوله تعالی
(و من‌ یفعل ذلک عدوانا و ظلما فسوف

نصلیه نارا و کان ذلک علی اللّه‌ بسیرا)

282.

فموافقة الشخص علی قطع‌ جزء من نفسه هو لا شک‌ عدوان علی الجسد الذی شیده‌ اللّه و أضافه إلی نفسه تشریفا له و تکریما فی قوله تعالی‌ لإبلیس
(ما منعک أن تسجد لما خلقت بیدی،)

382.

کما فیه إبطال لمنافع هذا الجسد و نقصا له و ظلم للفس‌ أیضا لما یؤدی إلی الاتلاف‌ و التقاعس عن أداء العبادات‌ و الواجبات.

و استدل أنصار هذا الاتجاه‌ من السنة النبویة الشریفة. ما ذکره الشوکانی عن مسلم‌ و أحمد أنهما رویا بسندهما طلی‌ جابر قال:لما هاجر النبی‌ صلی اللّه علیه و سلم إلی المدینة هاجر إلیه‌ الطفیل بن عمرو و هاجر معه‌ رجل من قومه فاجتووا المدینة482.فمرض فجذع‌ فأخذ مشافعی‌582فشخبت‌ یداه‌682حتی مات فرآه‌ الطفیل بن عمرو فی منامه‌ و هیئته حسنة.ورآه مغطیا بیدیه.فقال له ما صنع بک‌ ربک؟قال:غفر لی بهجرتی‌ إلی نبیه صلی اللّه علیه و سلم فقال:مالی أراک‌ مقطبا یدیک؟قال:قیل لی لن‌ نصلح منک ما أفسدت.فقطبها الطفیل علی رسول للّه صلی اللّه علیه و سلم‌ فقال رسول للّه صلی اللّه علیه و سلم و لیدیه‌ فاغفر782و وجه الدلالة فی‌ محل الشاهد أن الإنسان لیس‌ ملکا لنفسه من حیث کیانه‌ و بالتالی لا یسوغ له بحال أن‌ یتصرف فی شی‌ء منه.بدلیل‌ أن من أفسد عضوا من‌ أعضائه بنیة التبرع أو البیع‌ فقد تعدی و ظلم.و لن یصبحه‌ اللّه له یوم القیامة.بل یبقی‌ علی الصفة التی علیها عقوبة له علی ما فعل‌982.و مما یؤکد هذا المعنی ما ذکره‌ الحفاظ ابن حجر فی‌ الفتح‌092عن ثابت بن‌ الضحاک«لیس علی ابن آدم‌ نذر فیما لا یملک».و قال معلقا علی هذا:و الإنسان لا یملک‌ تعذیب نفسه و لا التزام المشقة التی لا تلزمه حیث لا قربة فیها.

و استدلوا أیضا بما رواه‌ البخاری بسنده إلی عبد اللّه بن‌ عمرو رضی اللّه عنه قال: قال لی النبی صلی اللّه علیه و سلم ألم أخبر أنک‌ تقوم اللیل و تصوم النهار؟ قلت إنی أفعل ذلک.قال فإنک‌ إن فعلت ذلک هجمت عینک‌ و نفهت نفسک.و إن لنفسک‌ علیک حقا و لأهلک حقا نعم‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 149)

و أفطر و قم و نم‌192.

و وجه الاستدلال فی‌ الحدیث.وجوب مراعاة الکیان الجسدی و العمل علی‌ راحته لیسلم لصاحبه.فمن‌ حقوقه علیه أن یریحه و أن‌ یعطیه ما یحتاج إلیه من‌ ضرورات الحیاة مما یقوم به‌ هذا البدن لیکون أعون علی‌ عبادة ربه.و ما یجب علیه‌ نحو من تلزمه نفقتهم.أما إذا أهمله و أتعبه و شق أو اعتدی‌ علیه علی النحو المعروف‌ حدیثا بالتحایل أو ما یسمی‌ بالتبرع بکلیة آدمی مثلا لمرض مضطر إلیها لفشل‌ کلیته أو إحداهما.لذلک شدد علماء الإسلام علی حرمة الآدمی و عدم المساس بکیانة الجسدی إلا لمصلحة خاصة بهذا الجسد کالعملیات‌ الجراحیة لتحقیق مصلحة الشفاء.و أنه یجب علی‌ الطبیب فی هذا الصدد ألا یعتدی علی بنیان اللّه تعالی و لا یعول علی موافقة صاحب‌ الجسد.لأن الطب کالشرع‌ جاء لجلب المصالح و دفع‌ المفاسد و لیس العکس بتعدیه‌ بإفساد الجسد الصحیح.و قد شدد أنصار هذا الاتجاه فی‌ الحرص علی الجسد الآدمی‌ و ذلک لقوله صلی اللّه علیه و سلم«إن نفسک‌ مطیتک فارفق بها»و لیس من‌ الرفق أن تجیعها و تذیبها292.

الاتجاه الثانی:یجوز التبرع‌ بجزء من جسم الآدمی

إن التبرع للمریض بعضو إنسان سلیم جائز شرعا392 حی کان ذلک مفیدا للمریض‌ و بشرط ألا یؤدی إلی‌ الأضرار بالسلیم.

و سند هذا الرأی أن جاء فی فقه الشافعیة و الزیدیة أنه‌ یجوز أن یقطع الإنسان الحی‌ جزءا من نفسه لیأکله عند الضرورة لیدفع به المخمصة إذا لم یجد ما یأکله لا حلالا و حراما بشرط أن یکون‌ الضرر الناشی‌ء من القطع أقل‌ من الضرر الناشی‌ء من ترک‌ الأکل.و تخریجا علی ذلک‌ فإنه یجوز أن یتبرع شخص‌ بجزء من جسده لا یترتب علی‌ اقتطاعه ضرر به متی کان‌ ذلک مفیدا فی غالب ظن‌ الطبیب لأن للمتبرع ولایة علی ذاته فی نطاق الآیتین‌ الکریمتین:
(و لا تلقوا بأیدیکم‌ إلی التهلکة)

و قوله تعالی:
(و لا تقتلوا أنفسکم إن اللّه کان‌ بکم رحیما)

.علی أنه لا یباح‌ أی جزء بل الجزء الذی لا یؤدی قطعد من المتبرع إلی‌ عجزه أو تشویهه‌492.

ثم أکد صاحب هذا الرأی‌ مجردا592بالتعرض لبعض‌ الأمور التی قاس علیها جواز التبرع بالأعضاء الآدمیة مثل‌ الجهاد بالنفس و تعریضها للقتل.و ماأوجبه الإسلام فی‌ شأن إنفاذ العرقی و الحرقی‌ و الهدمی مع ما قد یترتب علی‌ ذلک من هلاک المجاهد أو المنقذ و استبدل کلمة«فی غالب‌ ظن الطبیب»بکلمة أخری‌ «فإذا جزم طبیب مسلم ذو خبرة أو غیر مسلم کما هو مذهب الإمام مالک أن هذا لا یضر بالمأخوذ منه أصلا و یفید المنقول إلیه جاز هذا شرعا بشرط ألا یکون الجزء المنقول‌ علی سبیل البیع أو بمقابل لأن‌ بیع الإنسان الحر باطل‌ شرعا692.

أما بالنسبة لاستخدام بعض‌ أعضاء الموتی فقد فرق بین‌ المیت المعروف و بین المیت‌ المجهول.فبالنسبة للمیت‌ المعروف إشترط موافقة عصبته بترتیب المیراث.أما بالنسبة للمجهول فإنه یجوز أخذ العضو منه لإنسان حی‌ یستفید به فی علاجه أو ترکه‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 150)

لتعلیم طلاب کلیات الطب لأن‌ فی ذلک مصلحة راجحة تعلو علی الحفاظ علی حرمة المیت‌ و ذلک بإذن من النیابة العامة. بشرط أن تتحقق وفاته لأنه‌ لا یجوز قطع عضو من میت‌ إلا إذا تحققته وفاته.و قد ذهب البعض الآخر792إلی‌ جواز التبرع بالأعضاء الآدمیة بین الأحیاء بشرط ألا یترتب هلاک أو ضرر للمتبرع‌ للنهی عن الالقاء بالنفس إلی‌ التهلکة أو قتلها الوارد فی‌ الآیتین السابقتین.و کذلک‌ النهی من السنة عن الاضرار و اشترط لذلک أن یقرر أطباء ما هرون أن المتبرع له سیتفید من ذلک استفادة حقیقیة و قال: و المسألة هنا یحکمها عدم‌ ضرر المتبرع و استفادة المتبرع له.و ذهب البعض‌ الآخر892إلی أن التبرع‌ ببعض أجزاءالجسم جائز لکن‌ بیعها حرام بنفس الشرط و هو ألا یؤدی العضو المقطوع إلی‌ عجز أو تشوبه جسم‌ المتبرع له.و ذهب البعض‌ الآخر992إلی القول بأن‌ التبرع بالأعضاء الآدمیة کالکی و العینین حرام شرعا إذا کان ذلک بمقابل مادی.أما إذا لم ی‌کن بذلک فهو مباح و علل‌ الفرق بین المقابل و غیره بأن‌ الجسم لیس ملکا للشخص بل‌ ملکا للّه.ثم انتقل إلی أجساد الموتی فأباح الاستفادة بجمیع‌ أعضاء جسد المتوفی إذا کانت‌ هناک ضرورة لذلک و منفعه‌ للمریض المنقول إلیه العضو و أن یحکم بذلک طبیب ثقة دون‌ الرجوع إلی الورثة أو النیابة العامة إستنادا إلی أن‌ الضرورات تبیح‌ المحظورات.و ذهب أخیرا بعض أنصار هذا الرأی‌003 إلی إجازة التبرع بالأعضاء الآدمیة بین الأحیاء بشرط تعویض المتبرع عما فاته من‌ کسب خلال فترة إجراء العملیة و فترة النقاهة و تأمینه‌ ضد المخاطر المستقبلیة التی‌ یتعرض لها نتیجة نقل العضو منه.

و یلاحظ أن أنصار هذا الاتجاه قد بنوا هذا الجواز علی فکرة الموازنة بین عدم‌ الضرر للمتبرع و استفادة المتبرع له.کما اشترطوا أن‌ یقرر هذا طبیب ذو خبرة ثقة و لم یشترطوا فیه الإسلام‌ صراحة بل قال بعضهم طبیب‌ مسلم أو غیر مسلم و قال علی‌ ما ذهب إلیه المالکیة.

تقدیر ما ذهب إلیه أنصار الاتجاهین:

بادی‌ء ذی بدء إننا نرجع‌ ما ذهب إلیه أنصار الاتجاه‌ الأول و هو عدم جواز التبرع‌ بجزء من جسد الآدمی أیا کان‌ هذا الجزء حتی و لو کان مـ؟؟؟ الأجزاء المزدوجة و أما عن‌ أدلة الاتجاه الثانی فإن فکر الموازنة بین الضرر الذی‌ یعود علی المتبرع و بین‌ الاستفادة التی تعدد علی‌ المریض و ربط ذلک بالمصلح الاجتماعیة التی تترتب علی‌ عملیة نقل العضو الآدمی تج أساسها فی القانون الوضعی‌ و لیس فی التشریع الإسلامی‌ فهی تتعارض مع الأدل الشرعیة و أقوال فقها الإسلام.و بالإضافة إلی ذلک‌ إن فکرة المواءمة هی فکر غامضة إذ کیف لا یعود ضرر علی المتبرع الذی یتبرع جز من جسده فسوف یناله أبلغ‌ الأضرار و سوف یوجد شخصاان مریضان فی‌ المجتمع بدلا من شخص‌ واحد.و لیس من المؤکد علمیة کما یذهب الأطباء إلی أن‌ الانسان یمکن أن یعیش أبد الدهر بکلیة واحدة بدلا من‌ الکلیتین.و الدلیل علی ذلک‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 151)

؟؟؟ما ذا خلق اللّه الانسان‌ ؟؟کلیتین.فلله الحجة القاطعة ؟؟؟هذا الخلق و قد أکد ذلک‌ قوله تعالی:
«و ما أوتیم من‌ لعلم إلا قلیلا»

103.کما أن‌ ما ذهب إلیه أنصار الاتجاه‌ الثانی فی إجازة التبرع استنادا ؟؟لی فقه الشافعیة و الزیدیة من‌ ؟؟نهم أجازوا للمضطر فی‌ المخمصة أن یقتطع من نفسه‌ ؟؟جزءا لیسد به رمق نفسه. ؟؟هذا الاستثناء فی غیر موضع‌ النزاع علی الاطلاق و یترتب‌ علیه خطأ القول بجواز التبرع‌ مما یؤکد خطأ من قال‌ب‌جواز التبرع بالأعضاء الآدمیة أن الإنسان لیست له علی‌ جسده من سلطة إلا سلطة لمنفعة و إنه لا یجوز له أن‌ تسبب فی إضرار نفسه و لو إزهاقها مارواه البخاری‌ سنده إلی عبد اللّه بن عمرو ؟؟ال:قال لی النبی صلی اللّه علیه و سلم ألم‌ خبر أنک تقوم اللیل و تصوم‌ النهار؟قلت إنی أفعل ذلک‌ ؟؟ال:فإنک إن فعلتت ذلک‌ ؟؟جمت عنیک و نفهت نفسک‌ إن لنفسک حقا و لأهلک حقا صم و افطر و قم و نم‌203.

و ما أوجبه الاسلام فی شأن‌ ؟؟قاذ الغرقی و الحرقی‌ الهدم.فإنه قیاس مع الفارق‌ إذ أنه من الأصول الفقهیة فی‌ القیاس أنه شروط الفرع‌ المقیس ألا یکون هناک فارق‌ بین الأصل و الفرع یمنع‌ تساویهما فی الحکم‌303.کما أن العلةة هی من أرکان القیاس‌ و یشترط أن تکون وصفا ظاهرا منضبطا.أی یکون‌ هذا الوصف فی کل من‌ الأصل و الفرع بدرجة واحدة أو تفاوت یسیر جدا لا یوجب‌ إضطرابا فی الأحکام.کما أن‌ من شروط العلة أن یکون‌ الوصف مناسبا و هو الذی‌ یکون مظنة لحکمة الحکم. و لهذا لا یصح التعلیل‌ بالأوصاف الغیر مناسب‌ و تسمی بالأوصاف‌ الاتفاقیة403التی لا یعقل لها علاقة بالحکم و لا بحکمته.

من هذا نعلم أن ولایة الإنسان علی ذاته لا تتعدی بأی‌ حال وجه المنفعة و لیس له أن‌ یتصرف فی أی من أعضاء جسده و لو کان ضفرا.فإن‌ الإنسان لا یملک تعذیب نفسه‌ کما لا یلتزم مشقة لا تلزمه. حیث لا قربة فیها لأن علیه أن‌ یبدأ بنفسه و نحن نذهب مع‌ بعض الفقهاء503أنه و إن‌ کان و لا بد من الاستفادة بحثث‌ الموتی الآدمیین یکون فی‌ أحوال معینة و علی سبیل‌ الحصر:

أولا:أن توجد حالة ضرورد ملجأة.

ثانیا:لا بد من موافقة الورثة الشرعیة أو إذن من‌ القاضی الشرعی.

رابعا:أن یتم ذلک فی‌ سریة تامة علی ید طبیب مسلم‌ ظاهر الصلاح.

المطلب الثانی‌ سلطة الإنسان فی التصرف‌ فی الأجزاء السائلة

مقدمة:-

لما کانت الأجزاء السائلة فی جسد الآدمی کالدم و لبن‌ الأمهات و الشعر و إلی غیر ذلک هی من الأجزاء الحیویة أیضا لتمام التعایش فی الوجود المادی فبعضها لازم لحیویة الأنسجة و الخلایا و بعضها لازم لبث الحیاة فی الآخرین‌ و بعضها لازم لحمایة الإنسان‌ من الظواهر الطبیعیة.و قد وقع اختیارنا علی ثلاثة أجزاء هی دم الآدمی و لبن الأمهات‌ و شعر الآدمی باعتبارها من‌ العناصر السائلة التی تثیر مشاکل معاصرة فی الحیاة الیومیة.فما سلطة الإنسان‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 152)

فی التصرف فی هذه‌ الأجزاء.و سنتولی بحث هذه‌ العناصر فی ثلاثة فروع‌ متتالیة.

الفرع الأول:سلطة الإنسان‌ فی التصرف فی الدم

الفرع الثانی:سلطة الإنسان‌ فی التصرف فی لبن الأمهات

الفرع الثالث:سلطة الإنسان‌ فی التصرف فی شعره

الفرع الأول‌ شرعیة التصرف فی دم‌ الآدمی

الأمر الذی لا جدال فیه أن‌ بیع الدم محرم شرعا و إنما یجوز التبرع به و سنعرض‌ لأدلة تحریم بیع الدم و إجازة التبرع به لکن بشروط سیرد ذکرها فیما بعد.و طجازة التبرع بالدم علی أساس أنه من‌ آثار الذات‌603و لیس من‌ أعضائها بدلیل أنه یتغیر و یتجدد و یستعیض الإنسان ما فقده منه.

و الدلیل علی تحریم البیع‌ ما ورد فی قوله تعالی:
(إنما حرم علیکم المیتة و الدم و لحم‌ الخنزیر و ما أهل لغیر اللّه‌ فمن اضطر غیر باغ و لا عاد فلا إثم علیه إن اللّه غفور

رحیم)

703.و قوله جل شأنه‌ فی ایة أخری:
(و ما أهل لغیر اللّه به فمن اضطر غیر باغ‌ و لا عاد فإن اللّه غفور رحیم)

803.

و وجه الاستدلال فی هاتین‌ الآیتین الکریمتین واضح فی‌ الدلالة علی حرمة هذه الأشیاء الأربعة التی جاءت عقب قوله‌ تعالی
(یا أیها الذین آمنوا کلول‌ من طیبات ما رزقناکم)

فأفادت‌ الإباحة علی الإطلاق ثم عقبها بذکر کلمة(إنما)و هی‌ حصرت الأشیاء المحرمة و علة التحریم فی الثلاثة الأولی‌ حفاظا علی صحة البشر.أما الرابعة فهی محرمة شرعا لعدم ذکر اسم العلی القدیر. أو ذکر غیره جل شأنه.

و أما عن أدلة حرمة بیع‌ الدم فی السنة النبویة الشریفة ما جاء فی الحدیث عن ابن‌ عباس قال:رأیت رسول اللّه‌ صلی اللّه علیه و سلم جالسا عند الرکن قال: فرفع بصره إلی السماء فقال: لعن اللّه الیهود«ثلاثا»إن اللّه‌ حرم علیهم الشحوم فباعوها و أکلوا أثمانها و إن اللّه إذا حرم‌ علی قوم أکل شی‌ء حرم علیهم‌ ثمنه‌903.

و دلالة الحدیث أن اللّه‌ تعالی حرم بیع الدم شربا و إذا کان الحکم کذلک فإنه یحرم‌ بیعه.

و نذهب مع بعض‌ الفقهاء013إلی أن اللّه جل‌ شأنه حرم بیع الدم و کذلک حرم‌ ثمنة لأنه قد ثبت أن شربه من‌ الطریق المعتاد فیه مضره‌ و یحمل الجراثیم.

و أما عن إجازة التبرع بالدم‌ فکما سبق أن ذکرنا أنه من‌ آثار الذات و لیس من أعضائها و أنه یتجدد.و من ثم فهو جائز شرعا فی الحدود التی رسمها الشرع الحنیف إعمالا للقواعد الشرعیة التی تبنی علیها الأحکام مثل قاعدة الضرورات‌ تبیح المحظورا و الضرور تقدر بقدرها و الحاجة تنزل‌ منزلة الضرورة و المشقة تجلب التیسیر و إلی غیر ذلک

و الطب کالشرع وضع‌ لجلب مصالح الناس من‌ السلامة و العافیة و درء المفاسد عنهم من الأمراض.و الدم‌ من المواد التی لا یقوم مقامها عقار من العقاقیر فی تخفیف‌ مصلحتها الضروریة.و من‌ هنا فإن التبرع جائز شرع‌ لجلب المصالح أو درء المفاسد إلا أنه ینبغی الحیطة و التشر؟؟ فی هذه الإجازة و لذلک لا بد من‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 153)

توافر الشروط الآتیة:

أولا:-ألا یتقاضنی‌ المتبرع بالدم ثمنا لذلک لأن‌ الآدمی معصوم بکل أجزائه‌ و یحرم بیعه.

ثانیا:-ألا یتأثر المتبرع‌ بالدم فلا یصح من شخص‌ ضعیف الجسم و یترک الأمر لتقدیر الطبیب المسلم‌ الصالح.

ثالثا:-أن تکون هناک‌ ضرورة ملجئة لذلک‌ فالضرورة تقدر بقدرها.

رابعا:-أن یکون المتبرع‌ بالدم سلیما من الأمراض‌ الوبائیة.

و إذا کان الأمر کذلک فما هی أدلة إجازة التبرع بالدم. لقد استقینا من کتب علماء الفقه‌ الإسلامی علی ما یحتج به‌ لجواز التبرع بالدم‌ و سنعرضها فیما یلی:-

أولا:-لقد ثبت من السنة النبویة الشریفة أن النبی صلی اللّه علیه و سلم‌ قد احتجم‌113بین الحین‌ و الآخر فقد روی البخاری‌ بسنده إلی حمید بن الطویل‌ عن أنس رضی اللّه عنه أنه‌ سئل عن أجر الحجام فقال: احتجم رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم حجمة أبو طیبة و أعطاه صاعین من‌ طعام و کلم موالیه فخففوا عنه‌ و قال إن أمثل ما تداویتم به‌ الحجامة.و وجه الاستدلال‌ هنا أن الحجامة هی مصل الدم‌ مطلقا.فلیس بالضرورة أن‌ یکون الدم فاسدا للتداوی.فطنه‌ یکون قیاسا علیه أن یتبرع‌ الإنسان ببعض دمه للشخص‌ المریض.ذلک أن الأمراض‌ الدمویة کما تنفعها الحجامة بإخراج الدم من جسمه و هی‌ مشروعة لقصد التداوی. کذلک المریض الذی یحتاج إلی‌ إدخال دم سلیم فی جسمه إبقاء علی حیاته.و المهم أن الدم‌ المتبرع به لا ینقص شیئا من‌ أهل الإنسان و لا یوجب إزالة المنفعة کما یحدث من المتبرع‌ بالکلیة فإنه موجب للإزالة.

ثانیا:-ذکر الحافظ ابن‌ حجر فی الفتح عن بعض‌ العلماء:أن جسم الإنسان‌ یتعرض فی بعض الأحیان‌ لهیجان الدم و خصوصا فی‌ البلاد الحارة و هنا تکون‌ الحجامة أنفع دواء لهم إذ أنها تفید فی أمراض کثیرة213. و إذا کان الأمر کذلک حیث‌ یستفید المعطی و الآخذ علی‌ السواء و ینتفی الضرر فالتبرع‌ بالدم جائز شرعا اعمالا للقاعدة الشرعیة«لاضرر و لاضرار».

ثالثا:-إن الدم و إن کان‌ عضوا من أعضاء الجسم إلا أنه عضو سائل یتجدد و التبرع‌ من السلیم للمریض ببعض الدم‌ لیس فیه ما یوجب الإزالة لمنفعة العضو،کما هو الحال‌ بالنسبة للکلیة فهی عضو یابس‌ یترتب علی التبرع به إزالة المنفعة نهائیا إلا أنه ینبغی‌ الإشارة إلی طجازة التبرع بالدم‌ لا یعنی أن للإنسان سلطة مطلقة علی جسده.فهو لا یملک التبرع إلا فی الحدود المشروعة المقیدة بالقواعد الشرعیة و من باب قوله تعالی:
(و تعاونوا علی البر و التقوی‌ و لا تعاونوا علی الإثم‌ و العدوان)

313.

الفرع الثانی‌ شرعیة التصرف فی لبن‌ الأمهات

مقدمة:إن لبن الأمهات‌ الآدمیات یعتبر من الأجزاء السائلة مثل دم الآدمی إلا أنه‌ یفترق عن الدم فی جملة شروط نوجزها فیما یلی:-

أولا:-أن دم الآدمی‌ محرم بنصوص صریحة فی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 154)

الکتاب و السنة.قوله تعالی:
(إنما حرم علیکم المیته‌ و الدم..الخ الآیة)

413. و ما ورد فی الحدیث الشریف‌ من النهی عن ثمن الکلب و ثمن‌ الدم‌513أما لبن الآدمیات‌ یحرم لکونه أحد أعضاء جسم‌ الآدمی المصون عن الابتذال‌ و المهانة فهو یستمد هذه‌ الحرمة من هذه التبعیة الجسدیة.

ثانیا:-أن لبن الآدمیات‌ یثبت حرمة المصاهرة علی‌ خلاف الدم اذا افترضنا جدلا شربه.

ثالثا:-لبن الآدمیات‌ یتمیز باللون و الطعم و الرائحة علی خلاف هذا دم الانسان.

رابعا:-حکمة التحریم‌ فی الدم غیر قائمة فی لبن‌ الآدمیات إذ الدم لا یغلی و بقاء الجراثیم المضرة للجسم فیه‌ ما یؤدی الجسد.أما لبن‌ الآدمیات علی خلاف ذلک فهو غذاء للأطفال لبقاء النوع‌ الإنسانی.

و المسألة التی دعت إلی‌ التعرض لبحث هذا النوع من‌ أجزاء الجسد السائلة هو ما نشر فی إحدی الصحف‌ الیومیة عن فکرة إنشاء بنوک‌ لبن الآدمیات‌613.هذه‌ سابقة خطیرة فی الشرع‌ الإسلامی إذا ما أبیح هذا الإنشاء.و لذلک أوردت کتب‌ فقهاء الإسلام و المذاهب الدینیة آراء شتی فی إجازة أو عدم‌ إجازة بیع لبن الآدمیات‌ فذهب منهم إلی الإجازة و البعض إلی المنع و البعض‌ إلی الإجازة بتحفظ و البعض‌ الآخر هذهب إلی الکراهیة لهذا البیع.و سوف نستعرض معا هذه الاتجاهات الأربع و نتبعها برأینا فی الموضوع.

الاتجاه الأول:مذهب‌ جمهور الفقهاء713

ذهب أنصار هذا الاتجاه‌ إلی أنه یجوز بیع لبن الآدمیات‌ إذا کان فی إناء سواء کانت‌ المرأة حرة أو أمة.و کذلک‌ الانتفاع به و أنه مضمون‌ بالإتلاف.و قد استدلوا علی‌ ذلک بما جاء فی الکتاب الکریم‌
(و أحل اللّه البیع و حرم الربا)

. و وجه الاستدلال هنا.أن اللّه‌ تعالی أحل البیع و أباحه فی کل‌ من أحله اللّه.و البیع یقتضی‌ التملیک بناءعلی ما یدفعه‌ المشتری من العوض و کما أن‌ لبن الآدمیة مشروب طاهر و من ثم فإنه یجوز المرأة أن‌ تحلب لبنها فی إناء و تعطیه‌ لمن یسقیه صبیا و هذا تملیک‌ منها له.و کل ما صح ملکه‌ و انتقال الأملاک فیه حل بیعه‌ إلا ما جاء فیه نص یخالف‌ ذلک.

کما استدل أنصار هذا الاتجاه أیضا بالحدیث‌ الشریف‌813ما رواه مسلم‌ فی صحیحه بسنده إلی زینب‌ بنت أم سلمة قالت:قالت أم‌ سلمة لعائشة إنه یدخل علیک‌ الغلام الأیفع الذی ما أحب أن‌ یدخل علی قال فقالت عائشة أما لک فی رسول اللّه أسوة قالت إن امرأة أبی حذیفة قالت‌ یا رسول اللّه إن سالما یدخل‌ علی و هو رجل و فی نفس أبی‌ حذیفة منه شی‌ء فقال رسول‌ اللّه أرضعیه حتی یدخل‌ علیک.و وجه رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم‌ «أرضعیه»مع أن وقت‌ الرضاع المحرم لدی الجمهور قد فات.فاللبن مشروب‌ طاهر کسائر الألبان بدلالة أن‌ الرضیع هنا رجل و لیس‌ طفلا.و قد قال القرافی أن‌ عائشة أرضعت کبیرا فحرم‌ علیها.فلو کان حراما لما فعلتت ذلک و لم ینکر علیها أحد من الصحابة فکان إجماعا علی‌ إلغاء هذا الفرق بین الآدمیات‌ و لبن غیرهن من الحیوان‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 155)

مأکول اللحم‌913.

الاتجاه الثانی:مذهب أبی‌ یوسف

ذهب أبو یوسف و هو من‌ أصحاب أبی حنیفة إلی إجازة بیع لبن الآدمیة الأمة فقط و ذلک استناد إلی أنه یجوز إیراد العقد علیها فکذا یجوز علی جزئها.فالأمة مال متقدم‌ فکذلک أیضا جزؤها023.

هذا و قد اعترض البعض‌ علی هذا الجواز123بأن‌ الجواز یتبع المالیة و لا مالیة للإنسان إلا ما کان محلا للرق‌ و هو الانسان الحی و لا حیاة فی اللبن.و استطرد هؤلاء بالقول إن اللبن جزء من‌ أجزاء الآدمی بدلیل أنه تثبت‌ به حرمة المصاهرة و هو بجمع أجزائه مکرم مصون‌ عن الابتذال و الأمتهان بالبیع‌ إلا حاصل فیه الرق و هو لا یحل فی اللبن.أما کونه‌ مشروبا فضروری لأجل‌ الأطفال بحیث لو استغنی عنه‌ لا یجوز.و نظیره ملک النکاح‌ فإنه ضروری لاقتضاء الشهوة و إبقاء النسل فلا یدل علی أن‌ البضائع مهان مبتذل. و أضاف هؤلاء أن لبن الآدمیة فی حکم المنفعة حق جاز استحقاقه بقصد الاجارة فی‌ الظئر.و نذهب مع بعض‌ الفقهاء إلی أن أبو یوسف قید جواز بیع لبن الإماء تقیید لا معنی له و لیس هناک مبرر لذلک إذ أن الرقیق لن یظل‌ رقیقا.و من ثم فإن الأمة لن‌ تبقی أمة فی منهج الإسلام‌ و خصوصا أننا نعلم ضیق‌ مصادر الرق بل فتح الباب‌ للقضاء علیه نهائیا و خصوصا فی العصور الحدیثة لم یعد الاسترقاق نظام له جذور. فیوم تحرر الاماء جمیعا فإنه‌ لا یمکن القول بجواز بیع‌ ألبانهن

التجاه الثالث:الحنابلة «الکراهیة»

یری الإمام أحمد بن‌ حنبل أن یکره بیع لبن‌ الآدمیات مطلقا.فقد سئل‌ رحمه اللّه تعالی عن بیع لبن‌ الآدمیات فقال أکرهه‌223.

فی واقع الأمر لم نجد تعلیلا لما ذهب إلیه الإمام أحمد فی‌ قول بالکراهة لکننا نذهب مع‌ بعض الفقهاء إلی القول بإنه‌ یغلب تعلیل ذلک لأحد احتمالین:323.

الأول:أن القول بالحرمة قد یکون فیه شدة لأن اللبن‌ مشروب یتربی علیه أجیال‌ متعاقبه.کما أنه لیس بالجزء الآدمی الیابس الذی تزول‌ منفعته بإخراجه و به لا ینتقص شی‌ء من الأصل.

الثانی:أن القول بالجواز قد یکون مبالغا فیه باعتبار أن‌ اللبن جزء الآدمی و هو مکرم‌ بکل أجزائه.و ربما فی ذلک‌ امتهان لهذه الکرامة.

الاتجاه الرابع:الحنفیة [عدم الجواز مطلقا]مع‌ بعض الشافعیة

یری الإمام أبو حنیفة و محمد بن الحسن و تابعه حشد من باقی المذاهب الأخری‌ و علی ما ذکره صاحب‌ الجواهر أنه لا یجوز بیع لبن‌ الآدمیات.لأنه جزء من‌ الآدمی.و الآدمی مکرم‌ شرعا فکذلک جزؤه‌423.

و قد استند أنصار هذا الاتجاه إلی الأدلة التالیة لمنع‌ جواز بیع لبن الآدمیة و نوجزها فی:-

1-إن لبن الآدمیة جزء منها و قد صان اللّه الآدمی‌ بجمیع أجزائه عن مواطن‌ الامتهان و الابتذال.و فی بیعه‌ إدخال له فی دائرة المعاملات‌ المالیة و لا فرق فی ذلک بین‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 156)

الآدمیة الحرة و الأمة.فهذا اللبن تثبت به حرمة المصاهرة بین الرضع.

2-إن لبن الآدمیة لیس‌ بمال متقوم حیث لا یضمن‌ بالإتلاف.لأن الذی یضمن ما ینتقص من الأصل. و استخراج اللبن لا ینقص‌ شیئا من الأصل.فلا یقاس‌ ذلک علی بقیة الأعضاء الآدمیة التی تضمن بالإتلاف‌ و ذلک اعمالا لأحکام الدیة و القصاص فی الفقه‌ الإسلامی.

3-إن لبن الآدمیة فی‌ حکم المنفعة و لذا جاز استحقاقه بعقد الطجارة بخلاف‌ لبن الحیوان فلیس له حکم‌ المنفعة و بالتالی لا یستحق بعقد الإجارة.

رأینا فی الموضوع:-

فی واقع الأمر أننا نذهب‌ مع أنصار الاتجاه الأخیر الذی‌ یری.منع جواز بیع لبن‌ الآدمیات و ذلک للأسباب‌ التالیة:

أولا:یترتب علی إجارة هذا البیع اختلاط الأنساب. و ذلک استنادا إلی ما رواه ابن‌ عباس قال:قال النبی صلی اللّه علیه و سلم‌ «یحرم من الرضاع ما یحرم‌ من النسب»لأن حرمة المصاهرة تثبت بشربه و فی‌ ذلک شر یلحق بالأمة الإسلامیة.

ثانیا:إن فی الإباحة لهذا البیع إبتذال للأمهات و تشبیههن‌ بالحیوانات التی تحلب و قد کرم اللّه الآدمی و صانه عن‌ الابتذال و المهانة.

رابعا:إن فی إباحة هذا البیع أیضا ما یظهر عورات‌ النساء و فیه صعوبات کثیرة.

خامسا:مشکلة التلوث‌ لهذه الألبان فربما تکون النساء لدیها مرض خبیث غیر ظاهر ما یضر بصحة الأطفال‌ الرضع.و نعلم ذلک من‌ إحصاءات أمراض الصدر الخبیثة أن النساء أکثر عرضة فی الإصابة بهذا المرض فی‌ تلک المنطقة من الجسم.

سادسا:جهالة الأم من‌ الرضاع مما یؤدی إلی فساد الأنکحة بین الناس.

الخلاصة:أنه لا یجوز بیع‌ لبن الآدمیات و لا التبرع به إذا کان یحلب فی إناء و یمکن‌ الاستعاضة عن ذلک‌ بالمرضعات اللاتی یرضعن‌ هؤلاء الأطفال رضاعا طبیعیا و ذلک عملا بالقاعدة الشرعیة جلبا للمصالح و درءا للمفاسد. فإن مصلحة الأطفال الذین‌ تتوفی أمهاتهم عند الوضع. أو النساء اللائی لم یرضعن‌ لأسباب بدنیة أو صحیة فحاجة الطفل إلی اللبن‌ الانسانی لکی ینمو.من ثم‌ یمکن الاستعانة بالمرضعات‌ کرضاعة طبیعیة و اللّه و تعالی‌ أعلم.»

الفرع الثالث‌ شرعیة التصرف فی شعر الآدمی

مقدمة:

نظرا لانتشار ظاهرة الشعر الزائف أو ما یسمیه‌ البعض(الباروکة)التی تغیر من شکل الرجل أو المرأة علی‌ السواء.فقد یباع شعر الآدمی‌ خصیصا لذلک الغرض مما حدابنا فی مقام هذا البحث إلی‌ التعرض لأحکام الشرع‌ الحنیف بخصوص تلک‌ المشکلة التی ذاع انتشارها و نظرا لأهمیة الشعر بالنسبة لرأس الآدمی التی یوجد بها مرکز الإحساس و هو المخ فإن‌ أهمیة الشعر و إن کان من‌ الأعضاء السائلة التی تتجدد تأتی فی الأهمیة الأولی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 157)

للمحافظة علیه حمایة لهذا الجزء الحیوی من أجزاء الجسم البشری.و قد اختلف‌ فقهاء المسلمین فیما بیتنهم فی‌ خصوص مسألة بیع شعر الآدمی و الانتفاع به.فذهب‌ البعض إلی عدم الإجازة بینما ذهب الاتجاه الثانی إلی إجازة الانتفاع به فقط و سنعرض فیما یلی لکل اتجاه علی حده.

الاتجاه الأول:عدم إجازة بیع شعر الآدمی و الإنتفاع به

ذهب أنصار هذا الاتجاه‌ و هم أبو حنیفه و أبو یوسف‌ و المالکیة و الشافعیة523إلی‌ أنه لا یجوز بیع شعر الآدمی‌ و کذلک الانتفاع و ذلک لکرامته‌ و حرمته فهو کجزء من أجزاء الجسم البشری له سائر حرمة هذا الجسد و یجب دفن‌ شعره و ظفره و سائر أجزائه‌623.

و استدل أنصار هذا الاتجاه‌ علی صحة ما ذهبوا بالأحادیث‌ النبویة الشریفة فقد جاء فی‌ الحدیث الشریف بسنده إلی‌ أبی هریرة رضی اللّه عنه أن‌ النبی صلی اللّه علیه و سلم‌قال:لعن اللّه‌ الواصلة و المستوصلة و الواشمة و المستوشمة723.

و وجه الاستدلال هنا أن‌ وصل الشعر بشعر آدمی آخر حرام لا یجوز فعله لأن اللفظ جاء باللعن.و أن اللعن أقوی‌ الدلالات علی تحریم الشی‌ء. بل إن بعض العلماء یعدها من‌ علامات الکبائر823.

و قد قال النووی إن هذا الحدیث یدل دلالة صریحة علی تحریم الوصل و الوشنم‌ مطلقا و هذا هو الظاهر المختار.غیر أن أصحاب‌ الشافعیة قالوا:إذا کان‌ الوصل بشعر الآدمی فهو حرام بلا خلاف سواء کان‌ شعر رجل أو إمرأة.و سواء شعر المحرم أو الزوج أو غیرهما و ذلک لعموم الحدیث. أما إذا کان الوصل بشعر غیر شعر الآدمی فإن کان نجسا کشعر المیتة و شعر ما لا یؤکل‌ لحمه إذا انفصل فی حیاته فهو حرام أیضا لأنه حمل نجاسة فی صلاته.

و قد تمسک الإمام مالک‌ و آخرین باللفظ العام للحدیث‌ فمنعوا وصل الشعر بأی شی‌ء سواء کان شعر آدمی أو غیره‌ أو صوف و ذلک علی خلاف‌ ما ذهب إلیه اللیث بن سعد من‌ أنه لا بأس بوصل الشعر بغیره‌ مما لیس بشعر إذ النهی‌ مختص بالوصول‌ بالشعر923و وجه الاستدلال‌ الثانی ما رواه مسلم بسنده إلی‌ جابر بن عبد اللّه یقول:زجر النبی صلی اللّه علیه و سلم أن تصل المرأة برأسها شیئا033.

و وجه الاستدلال بهذا الحدیث الشریف ظاهر فی أنه‌ لا یجوز أن تصل المرأة بشعرها شیئا فلا یجوز وصل‌ الشعر بشی‌ء مطلقا.

و استدلوا أیضا من روایة البخاری من قول معاویة«أن‌ النبی صلی اللّه علیه و سلم سماه الزور»لأن‌ المرأة قد تفعل هذا التدلس به‌ علی من یخطبها133.و من‌ ثم قال النووی أنه یحرم علی‌ المرأة التی لم یکن لها زوج أن‌ تصل شعرها بشعر طاهر غیر الآدمی رفعا لهذا التدلیس.

الاتجاه الثانی:جواز الانتفاع بشعر الآدمی

یری أنصار هذا الاتجاه‌ و هم محمد بن الحسن الشیبانی‌ صاحب أبی حنیفه و ابن حزم‌ من الظاهریة أنه یجوز الانتفاع بشعر الآدمی.و یتفق‌ معهم کل من الهارویة و الإباضیة233.الا أن‌ الهارویة قیدوا ذلک بشعر المحرم الذی ینفصل عنه‌ عند ما یتحلل من إحرامه.أما
المحاماة » شماره 699 (صفحه 158)

الإباضیة فقد أجازوا الانتفاع‌ به و کرهوا بیعه.و قد استدل‌ أنصار هذا الاتجاه بالأحادیث‌ الشریفة و منها ما رواه مسلم‌ بسنده إلی أنس قال لقد رأیت‌ رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم و الحلاق یحلقه‌ و أطاف به أصحابه فما یریدون أن تقع شعره إلا فی ید رجل‌333.

و وجه الاستدلال بهذا الحدیث أنه یجوز الانتفاع‌ بشعر الآدمی و لو لم یجز الانتفاع به ما سکت رسول اللّه‌ صلی اللّه علیه و سلم علی من أخذ شعره‌ تبرکابه.بل ذکر بعض‌ العلماء أن النبی صلی اللّه علیه و سلم حین حلق‌ رأسه قسم شعره بین أصحابه‌ فکانوا یتبرکون به و لو کان‌ نجسا لما فعله.إذ لا یتبرک‌ بالنجس‌433.

و استدل الإمام یحیی بجواز الانتفاع بشعر الآدمی للتداوی‌ بحدیث أسماء بنت أبی بکر رضی اللّه عنها833فإنه‌ مصرح بأن الوصل فیه کان‌ للتداوی العروس التی أصیبت‌ بمرض الحصبة و کانت علی‌ و شک الدخول علی زوجها.

تقدیر ما ذهب إلیه أنصار الاتجاهین:

فی رأینا أن ما ذهب إلیه‌ أنصار الاتجاه ال.ول هو الراجح و ذلک للحکمة الشرعیة التی یقوم علیها صیانة جسد الآدمی عن الابتذال.فالشعر جزء من جسم الآدمی هذا الکیان.و لکن یحدونا هنا تحفظ هو أن الطب کالشرع‌ وضع لجلب المصالح و درء المفاسد.فإذا کان فی الانتفاع‌ بالشعر الآدمی للتداوی مثلا کعملبة تجمیل مثلا لزرع‌ الشعر فی الرأس لحمایتها من‌ الظواهر الطبیعیة.فهو جائز لجلب منافع للإنسان إذ أنه‌ یحمی هذا الجزءالحیوی الذی‌ یوجد فیه مرکز الإحساس‌ و هو المخ.و لکن یجب أن‌ تقدر الضرورة یقدرها.إذ من‌ المقرر شرعا أن الحاجة تنزل‌ منزلة الضرورة بشرط ألا تتعدی القدر الذی یدفع‌ الضرورة أو الحاجة.

اقتراح بإنشاء مجمع‌ للأعضاء البشریة

مقدمة:

الأمر الذی لا جدال فیه‌ شرعا و قانونا أن لجسم الآدمی‌ رحمة.إلا أن هذه الحرمة تتفاوت فی الشرع الإسلامی‌ عن القانون الوضعی.فنجد أن فقهاء المسلمین یکادون‌ یبالغون فی الحرمة و یجعلونها تصل إلی حدها المطلق‌ (الحرمة المطلقة)مع إجازة بعض الاستثناءات.أما فقهاء القانون الوضعی یحققون من‌ هذا المبدأ تطبیقا للقواعد الشرعیة التی تقضی بجلب‌ المصالح للعباد.کقاعدة الضرورات تبیح‌ المحظورات.و درء المفاسد مقدم علی جلب المصالح.

و لکن ماهی الأدلة الشرعیة التی توجب حرمة الآدمیبصفة مطلقة و ما موقف‌ التشریع الوضعی من هذه‌ المشکلة؟

نستعرض فیما یلی أدلة الحرمة المطلقة لفقهاء المسلمین.فقد استدلوا بما جاء فی الکنز الزیلعی:و حرمة طرق الإنسان کحرمة نفسه. حتی و لو أکره علی قطع ید غیره لا یرخص له قطعها. کما لم یرخص له قتل‌ نفسه‌633.

کما استدلوا بما جاء فی‌ الفتاوی الهندیة أنه یحرم‌ استخدام الأعضاء الآدمیة فی‌ التداوی و المعالجات‌733.

و قد ذکر جمهور المالکیة و الحنابلة:منع شق بطن‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 159)

المرأة المیتة إذا علم أن فی‌ بطنها جنینا حیا و لو رجی‌ حیاته علی المعتمد لأن سلامته‌ مشکوک فیها.فلا تنتهک‌ حرمة مؤکدة لحیاة موهومة833.

و قال الإمام محمد بن‌ إدریس الشافعی:فإن عجل‌ أحد بحفر قبر لیدفن میتا میتا فوجد میتا أو بعضه أعید علیه‌ التراب.و إن خرج من‌ عظامه شی‌ء أعید إلی‌ القبر933.

و قال علمآء الزیدیة: و حرمة قبر المسلم و الذمی‌ ثابتة کالمسجد من الثری إلی‌ الثریا طالما وجد فیها أجزاء من المیت لأن العبرة بذلک.

إلا أن فقهاء المسلمین لم‌ یأخذوا بالمبدأ علی إطلاقة و الدلیل علی ذلک أنهم لم‌ یمنعوا أخذ بعض أعضاء المیت الآدمی لاستخدامها لمصلحة المریض المضطر إلیها143.

هذا من وجهة الشرع‌ الحنیف.و نجد فی القانون‌ الوضعی.قانون العقوبات‌ المصری الصادر فی‌ 7391/7/13 برقم 85 لسنة 7391 فی الباب الحادی عشر «الجنح المتعلقه بالأدیان. خصص المشرع الوضعی‌ المادة 3/061(کل من انتهک‌ حرمة القبور أو الجبانات أو دنسها)یعاقب بالحبس‌ و بغرامة لا تقل عن مائة جنیه‌ و لا تزید علی خمسمائة جنیه‌ أو بإحدی هاتین العقوبتین».

و یستدل من هذا النص أن‌ المشرع حرص علی حمایة الجسد الآدمی حتی دفنه فی‌ قبره.و جعل تدنیس الجبانات‌ أو أی فعل من شأنه انتهاک‌ حرمة القبور جریمة یعاقب‌ علیها بالعقوبة المقیدة للحریة أو المالیة.

و قد عارض بعض الفقهاء المسلمین فی فکرة إنشاء بنک‌ للأعضاء الآدمیة التی تم‌ طرحها بالمؤتمر الطبی‌ الإسلامی الدولی المنعقد فی‌ فبرایر 7891.و ذلک لما فی‌ هذه الفکرة من المثلة و الإمتهان للکرامة الآدمیة243.

و قد ساق صاحب هذا الرأی المعارض أدلة شرعیة علی ذلک مستمدة من القرآن‌ الکریم و السنة النبویة المطهرة.

الدلیل الأول:ما جاء بقوله تعالی:
(فبعث اللّه غرابا یبحث فی الأرض لیریه کیف‌ یواری سوأة أخیه قال یا ویلتی‌ أعجزت أن أکون مثل هذا الغراب فأواری سوأة أخی‌ فأصبح من النادمین)

343.

فهذه الآیة تقص لنا قصة هابیل و قابیل فقتل الأخیر أخاه‌ و لم یعرف کیف یتم دفنه‌ فأرسل اللّه تعالی و علی حد قول‌ بعض العلماء443ملکا فی‌ صورة غراب لیعلم بنی آدم‌ کیفیة دفن الموتی.و بهذا الفعل صار الدفن فرض علی‌ جمیع الإنسانیة.و هو فرض‌ کفایة صیانة للإنسان و سترا له‌ عن أن تنتهک حرمته.فهذا یدل دلالة قاطعة علی عدم‌ التمثیل بالجثة للمتوفی‌ الآدمی.

الدلیل الثانی:ما جاء بقوله تعالی:
(ثم أماته‌ فأقبره)

542و وجه الاستدلال‌ هنا أن اللّه تعالی أمر بدفن‌ موتی بنی آدم لما جعل لهم من‌ حرمة سواء کانوا أحیاء أم‌ أموات لکی لا یکون مثله مما یؤدی إلی ابتذاله و امتهانه‌ فأوجب دفنه حفظا له و سترا.

و قد أمعن اللّه تعالی فی‌ صیانته حتی فی قبره فحرم‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 160)

بنبش القبول إلا لضورة قاهرة یقرها الشرع‌ الإسلامی.و حرم أیضا إنتهاک حرمات الموتی‌حتی‌ و لو کان بالکلام عنه فقد روی‌ أبو داوی بسنده إلی عائشة رضی اللّه عنها قالت قال‌ رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم«إذا مات‌ صاحبکم فدعوه و لا تقعوا فیه»643.

الدلیل الثالث:ما فعله‌ بعض الصحابة فقد نقل عن‌ الإمام أحمد أنه قال:لقد صلی‌ أبو أیوب الأنصاری علی رجل‌ و وارها و صلی عمر علی‌ عظام آدمیة بالشام و صلی أبو عبیدة عامر بن الجراح علی‌ رؤوس بعد تغسیلها و تکفینها. و قال الإمام الشافعی:ألقی‌ طائر یدا بمکة من وقعة الجمل‌ عرفت بالخاتم و کانت ید عبد الرحمن بن عتاب بن أسید فصلی علیها أهل مکة743.

و وجه الدلالة فی فعل‌ الصحابة رضی اللّه عنهم‌ واضح فی وجوب دفن أعضاء الآدمیین و عدم ترکها لما فیه‌ من المثلة بها و هی حرام.

کل هذا یؤکد عدم صدق‌ فکرة إنشاء مثل هذا البنک. فهی فکرة لا تتفق مع تعالیم‌ الإسلام.و أن الشفاء بید اللّه‌ تعالی.و یجب علی المسلمین‌ عدم الانسیاق وراء حضارات‌ الغرب التی لا تدین بالإسلام‌ و أن یتقوا اللّه فی دینهم.و لو صدق هؤلاء بالعمل علی تنفیذ الشرع الحنیف لأنزل علیهم‌ برکان من السماء و الأرض.

رأینا فی الموضوع:

سبق أن اقترحنا فی القسم‌ الخاص بالقانون الوضعی‌ بإنشاء مجمع للأعضاء البشریة و لفظنا إطلاق تسمیة بنک للأعضاء البشریة حتی لا یلتبس الأمر علی القاری‌ء من‌ أن لفظ البنک یوحی بالربح‌ و الاتجار و هو ما یصح أن‌ یکون مجالا للأعضاء البشریة و إزاء رفض فکرة تجمیع‌ أعضاء الآدمی.فإننا نرجح‌ إنشاء مجمع للأعضاء البشریة فسوف لا نعرض هذه الأجزاء للبیع و الاتجار فیها و لیس هناک‌ مقابل للانتفاع بها و نقرر أن‌ مصادر هذا المجمع کما سبق‌ ذکرها تتمثل فی‌جرحی و قتلی‌ الحوادث المجهولی الشخصیة و الذین تشرح جثثهم بالطریق‌ الجنائی عن طریق جهات‌ التحقیق الجنائی.و المحکوم‌ علیهم بالإعدام الذی تم تنفیذه‌ بالفعل.فلن یضار إنسان فی‌ بدنه.و أن حفظ هذه الأجزاء لا یکون فی زجاجات و تعرض‌ علی جمهور الناس کما یذهب‌ الرأی المعارض لفکرنا حتی‌ لا یتعرض الآدمی للمثلة.بل‌ إن هذه الأجزاء الآدمیة تکون‌ فی سترة لا یطلع علیها إلا القائمین علی شئون هذا المجمع فقط.فمبدأ الرفض‌ یجب ألا یؤخذ علی إطلاقه. فهناک العدید من القواعد الشرعیة التی تبیح ذلک ذکرها صاحب الرأی المعارض‌ نفسه.و هی أنه یجوز للمضطر أن یأکل لحم الآدمی‌ المیت فالحرمة لیست تعبدیة و إنما هی لکرامة الآدمی‌ و شرفه.و قال الإمام‌ الشافعی:إذا وجد المضطر آدمیا میتا جاز له بل یجب علیه‌ الأکل بشروط ثلاثة:

الأول:ألا یجد غیره فإن‌ وجد غیره و لو میتة مغلظة کالخنزیر حزم علیه الأکل من‌ الآدمی المیت و لو غیر معصوم الدم.

الثانی:أن یکون المضطر معصوما فلو کان مهدر الدم لم‌ یجز له الأکل من لحم الآدمی‌ المیت و لو اضطر.

الثالث:ألا یکون‌ المضطر ذمیا أو معاهدا أو مستأمنا إذا کان الآدمی المیت‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 161)

ملما843.فالقاعدة الشرعیة أن الضرورات تبیح‌ المحظورات و الفرض أن‌ المریض لا بد و أن یموت إذا لنم‌ ینقل إلیه جزء من جثة المتوفی.و الإنسان الحی‌ أفضل من المیت و لهذا لا یوجد ما یمنع من أخذ جزء من‌ جثة المیت لإنقاذ شخص‌ حی.بل إننا نذهب مع بعض‌ الفقهاء إلی أن ذلک‌943یعتبر صورة من صور تطبیق الآیة الکریمة
(یخرج الحی من‌ المیت و یخرج المیت من‌ الحی)

فنقل جزء من جثة المیت إلی شخص المریض‌ علی و شک الموت من شأنه أن‌ یحییه.و قرر المؤتمر الدولی‌ الإسلامی المنعقد فی مالیزیا عام 9691 أنه یجوز نقل‌ و زرع الأعضاء من میت إلی‌ حی إذا تحققت المصلحة العلاجیة من ذلک بشرط وفاة المتنازل و أن یکون النقل إما بوصیة منه أو من ولیه‌053.

و هذه المشکلة کثیرا ما عرضت علی دار الإفتاء المصریة و علی ما أعتقد أنه‌ صحیح اعتبارا من عام 4791 و حتی 0991153.فید اتضح من هذه الفتاوی أن‌ بعض العلماء حرموا التبرع‌ بشی‌ء من أجزاءالجسد لا فی‌ حال الحیاة و لا فی حال الوفاة غیر أن جمهور الفقهاءیری‌ جواز نقل عضو من‌أعضاء المیت إلی جسم إنسان حی طذ کان هذا العضو منفعه‌ ضروریه لا یوجد بدیل لها و أن یحکم بذلک الطبیب‌ المتخصص الثقة.و هذا الرأی‌ هو الراجح و ذلک استنادا إلی‌ القاعدة الشرعیة«الضرر الأشد یزال بالضرر الأخف».

فقواعد الدین الإسلامی‌ مبنیة علی رعایة المصالح‌ الراجحة و تحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة یکون‌ تقویتها أشد من هذا الضرر. فإذا کان أخذ عین المیت مثلا لترقیع قرینة عین المکفوف‌ الذی لا یری النور یحقق‌ مصلحة راجحة.بل هو علاج لضرر أشد.و لیس فی‌ هذا ابتذال للمیت و لا اعتداء علی حرمته.فالضرورة تقدر بقدرها.و لا یجوز الاحتجاج‌ فی هذا الصدد بما قرره‌ صاحب الرأی المعارض بأن‌ اللّه تعالی هو الذی یحدد هذه‌ المصلحة و لیس البشر.لأن‌ اللّه تعالی أجود من البشر فهو یرید بالبشر یسرا لا عسرا. و یرید بالبشر التحفیف و لیس‌ التشدید ففی حقوق العباد المشاحة و فی حقوق اللّه‌ المسامحة.و نذهب إلی أبعد من ذلک بأنه إذا لم یزود قسم‌ التشریع بالمعاهد المتخصصة فی هذا المجال بالجثث‌ لاغراض التعلیم علیها. فسود نهدر مبدأ أساسی فی‌ التشریع الإسلامی و هو الدعوة إلی التداوی.فقد ورد فی‌ الحدیث الشریف ما رواه‌ البخاری و مسلم عن أبی هریرة أن رسول اللّه صلی اللّه علیه و سلم قال:«ما أنزل اللّه داء إلا أنزل له شفاء» و فی روایة«أن لکل داء دواء فإذا أصیب دواء الداء برأ بإذن‌ اللّه.أی فإذا انزل الدواء علی‌ الداء شفی المریض من مرضه‌ بإذن اللّه.و سئل صلی اللّه علیه و سلم. انتداوی یا رسول اللّه؟قال: نعم تداوو فإن اللّه لم یضع داء أی لم یخلق مرضا إلا وضع له‌ دواء.غیر داء واحد و هو الهرم أی الشیخوخة»253 و لیس فی إجازة إنشاء هذا المجمع مخالفة للتشریع‌ الحنیف بل هو من أجل جلب‌ المصلح للعباد فکم یسعد الشخص إذا رد إلیه نور بصره بعد إجراء ترقیع‌ القرنیة مثلا.و کم یسعد أیضا إذا ما أجریت له جراحة فی‌ الکلی و زرعت کلیة صحیحة بدلا من المریضة.فکل هذه‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 162)

مصالح و منافع العباد.فاللّه‌ تعالی رحمته واسعة لکل شی‌ء فقد ورد فی الکتاب الکریم‌
«و رحمتی وسعت کل شی‌ء»

«ربنا وسعت کل شی‌ء رحمة و علما»

.

و إیمانا بهذه الفکرة لم نجد فی التشریع الوضعی سوی‌ القانون 871 لسنة 0691 و القانون 301 لسنة 2691 فی شأن إنشاء بنک الدم و بنک‌ العیون.إلا أننا نخاطب‌ المشرع بأن یخطو خطوة تشریعیة نحو إلغاء ما یسمی‌ بالبنک حتی لا تکون هناک‌ شبهة للاتجار أو شبهة للاستقلال ذات الطابع‌ الربحی.و نضع نصب أعیننا أن هذه الفکرة لم تلق رواجا سوی فی الدم و قرنیة العین‌ فقط من أعضاء الجسم‌ البشری.و هذا لعلة واضحة أن الدم و القرنیة هما الأجزاء التی یمکن الاحتفاظ بها لفترة معقولة یمکن الانتفاع بها بالنسبة للشخص المریض. فقد انتشرت ما یسمی ببنوک‌ العیون علی المستوی الدولی‌ و هناک اتحاد فیدر الی دولی‌ لبنوک العیون الدولیة.و تذکر منها فی مصر بنک دولی‌ للعیون فی جامعة القاهرة مقره‌ حرم المنیل الجامعی التابع‌ لکلیة طب القاهرة.و الثانی. فی جامعة عین شمس‌ التخصصی.و هناک بنکان‌ مزمع انشاؤهما فی کلیة طب‌ طنطا.و کلیة طب‌ الاسکندریة.و یشرف علی‌ هذه البنوک أساتذة طب العیون‌ بالجامعات المختلفة فی‌ جمهوریة مصر العربیة. و نأمل بالتقدم فی التوسع فی‌ إنشاء مجمعات أخری لباقی‌ الأعضاء الحیویة الأخری مثل‌ الکلی و القلب و الرئتین نظرا للنجاح الباهر الذی حققته‌ التجارب العلمیة الطبیة فی هذا المجال.

و أخیرا و فی ختام هذا البحث تعلیقا علی الاقتراح‌ بإنشاء ما یسمی بمجمع‌ للأعضاء البشریة أنه اقتراح‌ أقرب إلی الصواب لأن الطب‌ کالشرع جعل.أصلا لجلب‌ المصالح و درء المفاسد عن‌ البشر.فإذا کان فی إنشاء هذا المجمع ما یقضی علی قائمة الطنتظار مثلا بالنسبة لمرض‌ العیون.إذ کثیراما نقرأ أن‌ هناک نسبة کبیرة من المرضی‌ بعتانمة القرنیة من الحرفیین‌ و هی إصابة ناتجة عن مواد کیماویة أو بآلة حادة أو التهاب‌ بکتیری أو فیروس أو فطری‌ ناتج عن تحللات مرضیة. و یقدر عدد القرنیات التی یمکن‌ نزعها کل یوم بحوالی قرنیتین‌ یتم حفظهما فی البنک لأی‌ طلب‌353و هذا المرضی لا یرون نور الحیاة الدنیا و قد طالعتنا الإحصاءات فی هذا المجال بأنه نسبة النجاح لا تقل‌ عن 59%بأی حال454.

و نأمل أن یتسع المجال فی‌ أعضاء أخری و تکتمل بإنشاء ما یسمی بمجمع للأعضاء البشریة».

خاتمه البحث

خاتمة هذا البحث لیست‌ تلخیصا له.و طنما هی مغزاة. و مغزی هذا البحث یظل‌ القانون باعتباره من العلوم‌ الحیویة و الاجتماعیة دائما فی‌ تقدیم الجدید لخدمة البشر.

فالتقدم العلمی یقوم الکثیر من الوسائل المخترعات و علی‌ رجل القانون أن یقبل ما یراه‌ فی مصلحة الإنسانیة و أن‌ یرفض ما یراه غیر إنسانی‌ فالعلم و الطب یمکن أن ینظر الیها علی أنهما یساعدان‌ القانون و یعاونانه.و لکن یجب‌ النظر إلیهما علی أنهما النموذج المثالی الذی یجب‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 163)

الاحتذاء به.فالقانون یجب أن‌ یهیمن علی الفنون العلمیة الحدیثة حتی یشکلها بما یتوائم‌ مع مصلحة الإنسان.

فإزاء هذا التقدم الهائل فی‌ زراعة و نقل الأعضاء الآدمیة أصبح جسد الانسان محلا لهذه‌ البحوث العلمیة و العملیات‌ الجراحیة.من هنا کانت‌ الزاویة التی یدخل منها رجل‌ القانون لتقدیم الوسیلة المشروعة لممارسة هذه‌ العملیات.حتی لا یقع هؤلاء العلماء تحت طائلة المسئولیة القانونیة المدنیة و الجنائیة و الذی لف الأنظار إلی‌ الإطلال بالبحث من هذه‌ الزاویة و هی زاویة المشروعیة للتصرف فی‌ أعضاء جسم الإنسان الحیبالغا أم قاصرا أم میتا.هو ما نقره فی وسائل الاعلام‌ الحدیثة من نشر أخبار شراء کلیة مثلا بمبالغ زاهدة لا تتناسب مع مبدأ حرمة الجسد علی الإطلاق.فحتی لا یقع‌ هؤلاء فریسة فی أیدی حفنة قلیلة من المضاربین.تم وضع‌ الخطوط العریضة لرسم هذه‌ المشروعیة فی هذا المجال‌ باعتباره یمس أغلی شی‌ء فی‌ الوجود المادی و هو العنصر البشری.و فضلنا أن قتارن‌ مع هذه المشروعیة بما أورده‌ فقهاء العلماء المسلمین فی‌ الفقه الإسلامی.

فقد تناولنا فی هذا البحث‌ فی ثلاثة فصول.الفصل‌ التمهیدی و تناول مبدأ الحرمة المطلقة لجسم الإنسان فی‌ مواجهة التیارات الفعلیة.و أن‌ جسم الإنسان لا یصلح أن‌ یکون محلا لحق الملکیة لاختلاف الاعتبارات التی یقوم‌ علیها هذا الحق.و فی‌ مواجهة هذا المبدأ یکون مبدأ ضرورة التضامن الإنسانی. الذی بموجبه تم اخضاع جسد الآدمی لتفرقات قانونیة تناولت التعرض لنزع جزء من أجزائه المزدوجة التی لا یترتب علیها المساس بوظیفة الجسد و هی حیاته.و وجه‌ الفقه و القضاء المبررات‌ العلمیة التی تجیز هذا المساس‌ الذی لا یتأثر به هذا الجسد. و قد تناولنا هذه المبررات التی‌ تخلص فی نظریة السبب‌ المشروع و حالة الضرورة و تحقیقه النفع العام.و وجدت‌ هذه المبررات استنادا إلی‌ نصوص القانون الوضعی مثل‌ القانون 871 لسنة 0691 فی‌ شأن التبرع بالدم.و القانون‌ 261 لسنة 2691 فی شأن‌ بنک العیون.و ذلک عن طریق‌ القیاس علی الأجزاء المزدوجة لجسم الآدمی‌ و تناولنا فی الفصل الأول‌ التصرف فی جسم الإنسان‌ باستعراض شرعیة التصرف‌ حال الحیاة و تم إجازة هذا التصرف سواء بالبیع أو التبرع إلا أنه یکون قاصر علی الأجزاء المزدوجة التی‌ لا یترتب علیها المساس‌ المستدیم بالجسد الآدمی مع‌ وضع بعض الضمانات التی‌ تکفل هذا الشخص محل‌ التعامل فی حالة قتل عضو سلیم منه إلی آخر مریض‌ کعمل وثیقة تأمین مثلا تقیه‌ مخاطر التعرض فی المستقبل‌ إذ ما حدث و قلت کفائته عن‌ العمل.ثم تناولنا شرعیة التصرف بعد الوفاة.أی‌ التعامل فی جسم الآدمی المیت‌ سواء عن طریق الوصیة عن طریق آخر کموافقة الأقارب فی حالة وجود أقارب.و رجحنا الموافقة الافتراضیة للأقارب.فی‌ حالة بعدم أو عدم تواجدهم‌ بجوار المتوفی.و خلصنا من‌ ذلک باقتراح بإنشاء مجمع‌ للأعضاء البشریة یکون‌ مصدره جثث الموتی أو القتلی‌ فی الحوادث المجهولی‌
المحاماة » شماره 699 (صفحه 164)

الشخصیة و الأشخاص المنفذ علیم حکم الإعدام.و وضع‌ نصور لکیفیة عمل هذا المجمع‌ لقطع الغیار البشریة و الابتعاد عن تسمیته ببنک الأعضاء الآدمیة.و ذلک حتی یزول کل‌ شک لدی أفراد المجتمع ب.ن‌ هناک تعامل تجاری لهذه‌ الأعضاء البشریة.

و تناولنا فی الفصل الثانی‌ سلطة الإنسان علی جسده فی‌ الفقه الإسلامی ببیان الحمایة الشرعیة لهذا الجسد الآدمی‌ متناولین مظاهر هذا التکریم‌ الذی لقاه الانسان عن باقی‌ المخلوقات و أن لهذا الجسد حرمة.فیجب صیانته عن‌ الابتذال و الإمتهان ثم أوضحنا مدی سلطة الإنسان علی جسده‌ بتقسیم أجزاءالجسد إلی‌ أجزاء یابسة و أجزاءسائلة موضحین بالتفصیل أدلة التحریم و الجواز لهذه‌ السلطة.و لم یستثن فقهاء الشریعة الاسلامیة سوی‌ إجازة المضطر فی مخمسة إلی أکل لحم الآدمی و لکن‌ بشروط معینة.و کذلک التبرع‌ بجزء من جسم الآدمی إذا کان‌ مفیدا للمریض و بشروط مشددة أیضا.و قد تم اختیار بعض أجزاءالجسد کی تکون‌ محلا لهذا البحث و قیاس علیها باقی الأعضاءالمماثلة الأخری.و استعرضنا فی‌ نهایة البحث الرأی المعارض‌ لفکرة إنشاء مجمع لقطع الغیار البشریة أو کما یسمیه صاحب‌ الرأی المعارض بنک الأعضاء البشریة.

و تم الرد علی الرأی‌ المعارض استدلالا بالقواعد الشرعیة التی ساقها جمهور فقهاء المسلمین مثل قاعدة الضرورات تبیح‌ المحظورات.و تعاونوا علی‌ البر و التقوی.الضرر الأشد یزال بالضرر الأخف.أو الضرر یزال.و جلب‌ المصالح مقدم علی درء المفاسد.

و بعد فهذا اجتهاد فی مجال‌ البحث و أسأل اللّه أن یوفقنا لما فیه الخیر من جلب المصالح‌ و درء المفاسد.فإنه نعم‌ المولی و نعم النصیر.

و اللّه ولی التوفیق.

القاضی لا یصانع،و لا یضارع،و لا یتبع‌ المطامع

أمیر المؤمنین‌ عمر بن الخطاب

المحاماة » شماره 699 (صفحه 165)

هوامش

(1)راجع د.روؤف عبید.الانسان روح لا جسد مطول عام 1791.

(2)د.حسام الأهوانی.و المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء»عام 5791 ص 4-8.

(3)صحیفة الأهرام المصریة فی عددها الصادر فی 7891/1/01.

(4)صحیفة الأهرام المصریة فی عددها الصادر فی 9891/2/81.

(5)د.حسام الأهوانی.مجلة نادی القضاه.عدد مارس 7891 ص 21-41.

(6)نقض فرنسی 03 مارس 6881-و اللوز 6881-1-154 محکمة السین فی 23/21/02«حدث فی‌ هذه القضیة أن رفض الحانوتی تسلیم الجثة لأهل المتوفی لیقوموا بدفنه إلا بعد دفع الأتعاب الخاصة به أی أنه‌ مارس الحق فی الحبس وفاء لدینه.و محکمة النقض اعتبرت أن الحبس هنا غیر جائز لأن جسم الانسان خارج‌ المعاملات المالیة».

(7)کاربونیة:القانون المدنی.الجزء الأول ص 561 رقم 84 باریس عام 5691.

(8)راجع د.عبد الرحیم السکری نقل و زراعة الأعضاء الآدمیة منظور اسلامی عام 8891 ص 29.

(9)راجع د.حسام الأهوانی.نظریة الحق عام 2791 ص 01-11.

(01)أنظر فی تفاصیل ذلک.د.حسام الأهوانی«الأضرار الناتجة عن إصابات الجسم رسالة باریس عام 8691 دراسة مقارنة.

(11)أنظر د.حسام الأهوانی نظریة الحق عام 2791 ص 31-41.

(21)أنظر د.حسام الأهوانی نظریة الحق عام 2791 ص 61-81.

(31)(أ)راجع نقض مدنی 5891/3/71 مجموعة أحکام النقض المصریة فی خمسون عاما.

(41)راجع د.حسام الأهوانی المرجع السابق ص 6 بند 2 من هذا البحث.

(51)راجع د.حسام الأهوانی المرجع السابق ص 8 بند 2 من هذا البحث.

(61)کاربونیة:القانون المدنی-جزء أول ص 761.

(71)أنظر لیرسون:الحقوق غیر المالیة.رسالة من لیون سنة 9391 رقم 86.

(81)فمثلا الاتفاق الذی یکون محله القیام بعمل من أعمال الدعارة یعتبر باطلا لأنه مخالفت للنظام العام.

(91)دیرک:نظریة عامة للحقوق التی ترد علی الشخص ص 55 رقم 47.

(02)ابن قدامه:المغنی و الشرح الکبیر.جزء سادس-طبعة أولی عام 7431 هـ ص 37.

(12)راجع د.حسام الأهوانی.نظریة الحق عام 2791 ص 12،22.

(22)مازو:دروس فی القانون المدنی-الجزء الأول رقم 446 ص 636 باریس 5691.

(32)انر المشاکل القانونیة التی أثیرت بمناسبة ذلک.د.حسام الأهوانی.الأضرار الناتجة عن الإصابات‌ الجسدیة رسالة 8691 باریس جزء ثانی ص 417.

(42)انظر مازو:دروس فی القانون المدنی.الجزء الأول ص 636.

(52)عدم مشروعیة الاتفاق علی التعقیم فی القانون الفرنسی(نقض جنائی فرنسی 7391/7/1).

(62)راجع بیکینیوه:شرح القانون الطبی ص 472 رقم 252.

(72)راجع د.حسام الأهوانی.نظریة الحق عام 2791 ص 32 و ما بعدها.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 166)

(82)ریموندی.دراسة خاصة بنقل الأعضاأالمجلة الفصلیة للقانون المدنی 9691 ص 92.

(92)د.حسام الأهوانی.نظریة الحق عام 2791 ص 42.

(03)د.حسام الأهوانی نظریة الحق عام 2791 ص 52.

(13)راجع د.حسام الأهوانی.المرجع السابق ص 41 من هذا البحث ص 72.

(23)انظر د.حسام الأهوانی«المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع ا الأعضاء البشریة ترجمة و اعداد الدکتور محمود مصطفی عام 5891.

(33)انظر د.حسام الأهوانی نظریة الحق عام 2791 ص 72.

(43)انظر د.حسام الأهوانی نظریة الحق عام 2791 ص 82.

(53) Decocg (A)Essai diune the?orie ge?ne?rale des droits sur la Personne,p.95.ets.Paris 7960

(63) Josserand:la Personne humaine dans Lecommerce juridigue D.H.1932,p.1.

(73) Jack(Andre?e):Les Conventions relative a? la Personne Physique.

(83)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 83.

(93)راجع د.حمدی عبد الرحمن فکرة.الحق عام 7891 ص 103.

(04)راجع د.حسام الأهوانی-المرجع السابق هامش 2.

(14)راجع د.السنهوری:الوسیط فی شرح القانون المدنی جـ 1 ص 515 طبعد نادی القضاه عام 8891.

(24)راجع ابن حزم:المحلی جـ 01 ص 444«الشریعة الأسلامیة تقرر أن کرامد الانسان توجب عدم المساس‌ بجسمه حیا أم میتا.و قد أجاز فقهاء الشریعة المساس اذا کان ینطوی علی تعاون علی البر و التقئوی لا من أجل‌ تحقیق مصلحة انسانیة و یقول تعالی
«و تعاونوا علی البر و التقوی و لا تعاونوا علی الإثم و العدوان»

.

(34) Pallard(R):L?exception de ne?cessite? en dvoit civil,Pavis Savatier:Les Prople?mes juridigues: avticle precite?.1969.

(44)راجع د.حسام الأهوانی.المبادی‌ء العامد التأمین عام 5791 ص 73.

(54) Chavanne:Point de vue juridique,Bull.med Le?gale 1967.

(64)راجع د.حسام الأهوانی:المرجع السابق ص 331.

(74)مشار الیه فی د.محمود مصطفی.القسم العام عام 4792 ص 081 بند 411.

(84)دمحمود نجیب حسنی:الحق فی سلامة الجسم مجلة القانون و الإقتصاد ص 745.

(94)د.حسام الأهوانی،المرجع السابق هامش 4.

(05)راجع د.محمود نجیب حسنی:أسباب الإباحة فی‌التشریعات العربیة ص 131 القاهرة 2691.

(15)راجع د.محمود مصطفی:القسم العام بند 411 ص 081.

(25)راجع د.حسام الأهوانی:المرجع السابق هامش 3.

(35) Karl Engisch.cite? par Doll.op.cit p.85.

(45)راجع د.عبد الحی حجازی المدخل لدراسة العلوم القانونیة«الحق»عام 0791 ص 691.

(55)راجع د.حمدی عبد الرحمن فکرة الحق عام 8891 ص 44 و ما بعدها.

(65)راجع د.حمدی عبد الرحمن فکرة الحق عام 8891 ص 74.

(75)راجع د.حسام الأهوانی‌المرجع السابق ص 22 هامش 4.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 167)

(85)راجع د.حسام الأهوانی.المرجع السابق ص 36 و ما بعدها.

(95)د.حمدی عبد الرحمن فکرة الحق عام 8891 ص 74.

(06)راجع Dierkens «الحقوق علی جسد و جثة الانسان»باریس 6691 ص 56،55.

(16)راجع د.حسام الأهوانی:المرجع السابق ص 42 هامش 4.

(26)راجع د.حمدی عبد الرحمن.المرجع السابق ص 94.

(36)راجع النشرة التشریعیة عدد یونیو سنة 0691 ص 0771.

(46)الوقائع المصریة 71 أبریل سنة 1691.

(56)تقریر مقدم إلی مؤتمر الطب و القانون.د.کریمة محمد عوض.

(66)راجع د.حسام الأهوانی.المرجع السابق هامش 3 ص 931.

(76)نشر فی النشرة التشریعیة أبریل 1691 ص 4201.

(86)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 931.

(96)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 041.

(07)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 141.

(17)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 241.

(27)راجع د.حسام الأهوانی المرجع السابق ص 62 هامش 3 ص 46.

(37)راجع.عبد الرزاق السنهوری.الوسیط فی شرح القانون المدنی عام 2691.

(47)راجع د.حسام الأهوانی المرجع السابق ص 66.

(57)المذکرة الإیضاحیة لقانون 9591 و موافقة مفتی الدیار المصریة علی زرع قرینة من میت إلی حی.

(67)راجع د.حمدی عبد الرحمن فکرة الحق عام 8891 ص 15.

(77)راجع د.أحمد سلامد مقدم لدراسة الحق ص 201.

(87)راجع د.حمدی عبد الرحمن.المرجع السابق ص 25.

(97)راجع د.محمود مصطفی.القسم العام بند 39 ص 951 و ما بعدها.

(08)راجع نقض جنائی الهیئة العامة للمواد الجنائیة 3691/1/1 الطعن 4801 لسنة 23 ق.

(18)راجع د.محمود مصطفی.المرجع السابق ص 991 هامش 4.

(28)راجع د.رمسیس بهنام الجریمة و المجزم و الجزاء عام 3791 ص 921.

(38)راجع د.سلیمان مرتضی.المسئولیة المدنیة فی تقنینات البلاد العربیة عام 1791 ص 292.

(48)راجع د.حمدی عبد الرحمن فکرة الحق عام 8891 ص 35 و ما بعدها.

(58)راجع د.حمدی عبد الرحمن.المرجع السابق ص 35.

(68)راجع د.أحمد سلامة.المرجع السابق ص 201.

(78)راجع د.حمدی عبد الرحمن.المرجع السابق هامش 1 ذات الصفحة ص 45.

(88)د.حسام الأهوانی.رسالته الأضرار الناتجة عن الاصابات الجسدیة.بالفرنسیة عام 8691 ص 4.

(98) Savatier (R):De sanguine jus.D 1954.P 141.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 168)

(09)د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 241 هامش 502.

(19) Nerson L?influence de la biologie.P 676.

(29)د.حسام الأهوانی:المشاکل القانونیة التی تثیرها زرع الأعضاء ص 131 و ما بعدها عام 5791.

(39)د.حسام الأهوانی:المشاکل القانونیة التی تثیرها زرع الأعضاء ص 031 عام 5791.

(49) Dierkens:op.cit N.85 et 86.P.63 et 64. من یتبرع بجزء من جسمه لغیر قریب یکون مصابا بالماسوشیزم‌[رغبة غیر عادیة فی التضحیة].

(59) Decoq:The?se precite?e.P.119.N.177.

(69)د.حسام الأهوانی مقدمة القانون المدنی ص 23.

(79)د.حسام الأهوانی:المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 431.

(89)النشرة التشریعیة أبریل 1691 ص 4201 الوقائع المصریة فی 11 أبریل عام 1691 العدد 92.

(99)راجع.د.مصطفی الجمال.التأمینات الاجتماعیة عام 9891 ص 252 و ما بعدها.

(001) Masden v.Havvison 1957.

(101)راجع د.حسام الأهوانی:فی عرض التفاضیل المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 811.

(201)المادة الأولی من قانون الدانمرک«إذا کان الشخص أقل من 12 سنة تشترط موافقة الولی علی رضاء القاصر.

(301) Jack(A):Les convention relatives a? La Personne Physique.1955.

(401)د.حسام الأهوانی«المشاکل القانونیة التی یثیرهازرع الأعضاء عام 5791 ص 021 و ما بعدها.

(501)مؤتمر بیروجیا«منشور فی المجلة القومیة مارس 1791 العدد الأول المجلد 41 ص 72.

(601)د.حسام الأهوانی.المرجع السابق ص 221 و ما بعدها.

(701)راجع د.حسام الأهوانی«المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 621.

(801) Travaux de La commission de reforme du code civil 1950.P 53. و راجع المجلة القومیة.د/ریاض الخانی مارس 1791 ص 12.

(901)المادة 91 فقرة ثانیة من القانون المدنی الأثیوبی.

(011)د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 441.

(111)د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 541.

(211) Jack(Andee?):Les cmnentian relatives a? La Personne Physique.Eev

(311) Decocq:op.cit.P.257.

(411) Esmein(p):Le clute des morts Melanges Dabin:T,2.P.541.1963.

(511)مقال نشر فی جریدة الأهرام عددها الصادر فی 6891/5/22[خطف شخص لأنثی و اختلاس کلیتها لشخص مریض‌].

(611) Cass.Crim.23.juni 1955 Montpellier.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 169)

(711) Nerson:L,influence de La biologie.Article Precite?.P 669-670.

(811)د.حسام الأهوانی فی عرض الرأی بالتفصیل.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 271.

(911)د.حسام الأهوانی فی عرض الرأی بالتفصیل.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام‌ 5791 ص 371.

(021) Doll:op.cit.P 204.,Andry:Les rofession medicales.

(121)اعلان سیدنی الصادر فی أغسطس 8691 و منشور جزء منه فی: Doll:op.cit.P 204 cyril,

(221) Wecht and Michael Aranson:Medical Legal ramification of human tissue transplantation.De paul Reviow.1969

(321) Coste-Florel:Articl Precite.P.793.

(421)اقترح د.زهیر المصری ضرورة انتظار فترة 84 ساعة.بحث تقدم لمؤتمر الطب و القانون عام‌ 9791.

(521) Jedn Py:Article-Precite P.85.

(621) Anrys:op.cit p 431.N.335.

(721)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 181 هامش‌ 8062.

(821) Doll:La discipline op.cit.p.210.savatiev(j):Article precite?.p.91.Cyril,wecht op.p.490.

(921)راجع د.حمدی عبد الرحمن.معصومیة الجسد فکرة الحق عام 8891.

(031)راجع تفنین العقوبات المصری.طبعة وزارة العدل عام 6891.

(131)راجع:المحلی لابن حزم جزء 11 ص 04.

(231) Esmein(p):le culte des morts Melanges Dabin.p.541.

(331)راجع.د.رؤوف عبید:مطول الانسان روح لا جسد القاهرة 1791.

(431)نقض فرنسی 03 مارس 6881.و اللوز 6881-1-154 محکمة السین فی 02 دیسمبر 2391.

(531) Decocq:op.cit.p.44.N.55.

(631) Fisher,s Estate.v.Fisher(1954).

(731)راجع د.حسام الأهوانی فی عرض الرأی و تحلیله.المشاکل التی یثیرها زرع الأعضاء البشریة عام 5791 ص 361.

(831) Wheeler.op.cit.p.474.cyrill.

(931)د.حسن کیره.المدخل إلی القانون ص 024،د.توفیق حسن فرج.نظریة الحق.ص 442. د.برهام عطا اللّه:مقدمة علم قواعد المعاملات ص 471.

(041)أنظر د.حسام الأهوانی.المرجع السابق ص 461.

(141) Kornprobst:contrat soins medicauxp.81.paris 1960.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 170)

(241)نقض فرنسی(مدنی)03 مارس سنة 6881-و اللوز 6881-1-154.نقض بلجیکی‌ 9881/7/3 نشر فی‌ Dicrkens ص 331.

(341)المادة الأولی من القانون رقم 532 الصادر فی ایطالیا عام 7591.و کذلک ورد فی القانون الانجلیزی‌ و المشروع المقترح فی أمیرکا.

(441)راجع المشاکل العملیة فی قانون المواریث و الوصیة للمؤلف طبعة 9891 ص 731.

(541)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 881.

(641)راجع الشیخ محمد أبو زهرة.الولایة علی النفس القاهرة عام 6691 ص 45 و ما بعدها.

(741)راجع د.حسام الأهوانی.المرجع السابق ص 781.

(841)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 881.

(941)المادة الأولی من القانون البلجیکی الصادر فی 9691/1/61.

(051) Doll:Le dvoit de disposer des cadavve Article precite?.p.75

(151)فی الإشارة إلی هذا الرأی: Doll:op.cit.p.75

(251) Doll:op.cit.75.

(351)نظریة امتیازات الأقارب.منشور فی د.حسام الأهوانی:المرجع السابق ص 491.

(451)راجع د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 102 و یری‌ من المنتقد ما أخذ به القانون فی لوکسمبرج من ساتلزم علی موافقة الأقارب بحسب ترتیبهم فی استحقاق الترکة و ذلک حتی الدرجة الثانیة».

(551) Savatiev(j):Avticle precite?.p.94.

(651) Doll:Le dvoit de dis poser du cadavere.Rev.Se 1971.p.68

(751) Jean py:opŪcit.1968.p.84

(851)المادة الخامسة من قرار رئیس الجمهوریة الإیطالیة رقم 003 الصادر فی 1691/1/02.

(951)راجع د.حسام الأهوانی.المرجع السابق ص 303 و ما بعدها.

(061)الشیخ محمد أبو زهرة:الولایة علی النفس ص 26 معهد الدراسات العربیة 6691.

(161)د.محمد الحسینی حنفی.الأحوال الشخصیة ص 942 القاهرة 6691.

(261)د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 502.

(361)القانون الأمریکی الصادر فی ولایة الینوی.[منشور فی حسام الأهوانی.المرجع السابق ص 651.

(461) Le cle?re:les autopaies et lerespect des dvoits de la pevsomme.

(561)د.حسام الأهوانی:المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 791.

(661) Savatiev:(j.)Avrticle pvecite.

(761) Le cle?ve:Avticle pvecite? p.172.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 171)

(861)القانون الأمریکی: Anatom ical gifts Act. یقرر إذا کانت الموافقة تلیفونیة یجب أن تکون مسجلة أو تلغرافیة.

(961) Savatiev(j.) Article pvecite.D.1963.p.94.

(071) Savatiev(j.):Article pvecite D.1963.p.93.

(171) Trib.adm.de.Bovdeaux 15.nov.1963.j.C.p 1963.

(271) Trib.adm.de Bovaeaux 15.nov.1963.

(371) Trib.adm.de pavis 11 janv.1962.G.p 1962.

(471) Luce:Avticle pvecite?.j.c.p 1964.Doct 1827.

(571) Doll:op.cit.p.303.

(671) Doll:le dvoit de disposev du cadavrea? fes Fin.1971.p.71.

(771) Le trivunal administvatif de pavis 11 janv.1962.G.p.305.

(871) Luce:(E.P.):Levegime juvuduqne des aut opaies et des prelevement(Post Movetem) jc.p.1964.Doct.1827.

(971)یستثنی الفرنسیین هؤلاء تکریما لهم‌ Trib.corr.domfront de?c.1945

(081)المادة الثانیة من القانون 693 لسنة 6591 فی ش.ن تنظیم السجون المعدل بقانون 911 لسنة 4791.

(181) Doll:op.cit.p 182:le cle?ve:Avticle precite.p.170.

(281) Doll:opŪcit.p 75.

(381)د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 222.

(481)د.حسام الأهوانی.المشاکل القانونیة التی یثیرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 322.

(581)سورة فاطر الآیة 11.

(681)سورة النحل الآیة 8.

(781)سورة الإسراء الآیة 33.

(881)راجع د.عبد الرحیم السکری.نقل و زراعة الأعضاء الآدمیة من منظور اسلامی.

(981)انظر.الحاج لأحکام القرآن مجلده ص 903.

(091)تفسیر القرآن العظیم لابن کثیر جـ 3 ص 15.

(191)روح المعانی للالوس جـ 51 ص 711-811.

(291)راجع د.عبد السلام السکری.نقل و زراعة الأعضاء البشریة.منظور اسلامی ص 02،12.

(391)راجع د.عبد السلام السکری.نقل و زراعة الأعضاء البشریة.منظور اسلامی ص 32،42.

(491)سورة الانفطار:آیة 6،7،8.

(591)سورة التین:1،2،3،4.

(691)سورة الملک:32.

(791)سورة الأسراء:58.

(891)فی ظلال القرآن ص 0182 جـ 12.

(991)فی ظلال القرآن ص 1182 جـ 12.

(002)فتح البیان فی مقاصد القرآن.جـ 01 ص 262.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 172)

(102)فتح البیان فی مقاصد القرآن.جـ 01 ص 362.

(202)سورة ابراهیم آیة 43 و النحل:81.

(302)د.السکری.زراعة و نقل الأعضاء الآدمیة.منظور اسلامی عام 8891 ص 32.

(402)سورة الأعراف:آیة 241.

(502)الجامع لأحکام القرآن مجلد 5 ص 522.

(602)سورة البقرة:آیة 03.

(702)فتح البیان فی مقاصد القرآن جـ 1 ص 301.

(802)د.السکری.المرجع السابق ص 32.

(902)سورة التحریم آیة 6.

(012)سورة الأنبیاء:آیة 62،72.

(112)فتح البیان فی مقاصد القرآن جـ 1 ص 501.

(212)سورة هود:آیة 16.

(312)سورة الأعراف:آیة 26.

(412)سورة الواقعة:آیة 36،56.

(512)سورة الواقعة:آیة 17،27.

(612)فی ظلال القرآن جـ 1 ص 65.المرحوم الأستاذ/سید قطب.

(712)سورة ص:آیة 62.

(812)فتح البیان فی مقاصد القرآن.لصدیق خان جـ 8 ص 491.

(912)سورة البقرة:آیة 33.

(022)آل‌عمران:آیة 91.

(122)الجامع لأحکام القرآن.القرطبی جـ 1 ص 932.فتح البیان جـ 1 ص 601.

(222)مقاصد القرآن جـ 1 ص 601.

(322)د.عبد الرحیم السکری.نقل و زراعة الأعضاء عام 8891 منظور اسلامی ص 82.

(422)فتح البیان فی مقاصد القرآن جـ 1 ص 601،701،سورة البقرة:آیة 23.

(522)سورة المجادلة:آیة 11.

(622)راجع د.السکری.المرجع السابق ص 23.

(722)راجع د.السکری.المرجع السابق ص 33.

(822)سورة یوسف:آیة 4.

(922)د.السکری.المرجع السابق ص 33.

(032)سورة البقرة:آیة 43.

(132)سورة الأعراف:آیة 11،21.

(232)سورة الکهف:آیة 05.

(332،432)سورة ص:17،67.

(532)روح المعانی جـ 51 ص 392.

(632)فتح البیان فی مقاصد القرآن جـ 1 ص 801.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 173)

(732)سورة البقرة:آیة 861.

(832)روح المعانی للألوس ص 83.جـ 2.

(932)المرجع السابق ص 93 جـ 2.

(042)راجع د.السکری.زرع و نقل الأعضاء الآدمیة من منظور اسلامی عام 8891 ص 83.

(142)روح المعانی للالوس جـ 2 ص 83.

(242)تفسیر ابن کثیر.تفسیر القرآن العظیم جـ 1 ص 302.

(342)تفسیر البیضاوی ص 43.

(442)سورة النساء:آیة 29.

(542)سورة المائدة:آیة 98.

(642)سورة المجادلة:آیة 3.

(742)صحیح البخاری بشرح فتح الباری جـ 4 ص 714.

(842)فتح الباری شرح صحیح البخاری جـ 4 ص 814.

(942)سنن أبی داود جـ 1 ص 261.

(052)البحر الزخار جـ 4 ص 603.

(152)السیل الجرار للشوکانی جـ 3 ص 13.

(252)الفتاوی الهندیة جـ 5 ص 841.

(352)المبسوط لشمس الدین السرحسی جـ 3 ص 3.

(452)راجع نظریة العقد د.محمد یوسف موسی ص 713،د.السکری.نقل و زراعة من منظور إسلامی‌ عام 8891 ص 27،47.

(552)سورة المائدة آیة 54.

(652)سورة البقرة آیة 871.

(752)الجامع لأحکام القرآن مجلد 1 ص 4،6.

(852)فتح الباری جـ 21 ص 402.

(952)نیل الأوطار للشوکانی جـ 8 ص 971،081.

(062)راجع د.السکری.المرجع السابق ص 77،87.

(162)فتح القدیر جـ 6 ص 424.

(262)راجع:لسان العرب لابن منظور مادتی:کتب و دبر.

(362)مقال مفتی الجمهوریة فی صحیفة الأخبار الیومیة العدد الصادر فی 9891/2/9.

(462)راجع د.السکری.نقل و زراعة الأعضاء من منظور اسلامی ص 49 عام 8891.

(562)راجع.فتوی د.محمد سید طنطاوی.صحیفة الأخبار الصادرة فی 9891/2/9.

(662)راجع.فتوی د.محمد سید طنطاوی.صحیفة الأخبار الصادرة فی 9891/2/9.

(762)قوانین الأحکام الشرعیة ص 491.کشاف القناع جـ 6 ص 891.المفتی لابن قدامد جـ 8 ص 106.

(862)سورة البقرة:آیة 591.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 174)

(962)سورة النساء:آیة 92.

(072)نهایة المحتاج جـ 8 ص 361.

(172)شرح الأزهار جـ 4 ص 79.

(272)سورة النحل:آیة 511.

(372)حاشیة الجمل جـ 5 ص 972.

(472)المحلی لابن حزم الظاهری جـ 8 ص 431.

(572)راجع المرجع السابق ص 531.

(672)مغنی المحتاج جـ 4 ص 703،013.

(772)حاشیه ابن عابدین جـ 6 ص 833.

(872)سورة یونس:آیة 42.

(972)فتوی د.محمد سید طنطاوی مفتی الجمهوریة منشور فی جریدة الأخبار الصادر فی 0991/2/9.

(082)سورة البقرة:آیة 591.

(182)سورة النساء:آیة 03.

(282)سورة النساء:آیة 03.

(382)سورة ص:آیة 571.

(482)اجتووا المدینة أی استوخموها.

(582)المشاقعی:جمع مشقعی و هو السهم العریض النصل.

(682)البراجم:مفاصل الإصبع.

(782)شخبت یداه:انفجرت بالدماء.

(882)نیل الأوطار للشوکانی جـ 7 ص 891-991.

(982)نیل الأوطار جـ 7 ص 302.

(092)فتح الباری شرح صحیح البخاری جـ 11 ص 685.

(192)صحیح البخاری جـ 3 ص 83.

(292)مجمع الأنهر جـ 2 ص 825.

(392)صحیفة اللواء الاسلامی 6891/3/02.فضیلة الشیخ جاد الحق.

(492)صحیفة اللواء الاسلامی 6891/3/02«بیان للامام الأکبر الشیخ جاد الحق».

(592)قضایا معاصرة-فی الفقه الاسلامی و مرونته.نفس المؤلف.مجلة روز الیوسف.

(692)نفس المصدر السابق.

(792)راجع د.أحمد عمر هاشم.اللواء الاسلامی 7891/2/91 ص 1-5.

(892)راجع د.عبد الرحمن النجار.باب اسألوا أهل الذکر.المساء فی 7891/1/3.

(992)راجع د.محمد سید طنطاوی مفتی الجمهوریة.صحیفة الأهرام 7891/7/31.

(003)راجع د.حمدی عبد الرحمن فکرة الحق عام 9791 ص 84-05.

(103)أنظر سورة الإسراء:آیة 58.

(203)صحیح البخاری جـ 3 ص 83.

(303)تیسیر أصول الفقه.د/بدر عبد الباسط جـ 2 ص 903.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 175)

(403)د.السکری:زرع الأعظاء من منظور إسلامی ص 051.

(503)د.السکری:ذات المربع ص 051.

(603)مقال فضیلة د.محمد سید طنطاوی.صحیفة الاهرام العدد الصادر فی 9891/2/9.

(703)سورة البقرة:آیة 371.

(803)سورة النحل:آیة 511.

(903)نیل الأوطار جـ 5 ص 532.

(013)د.السکری.زرع الأعضاء من منظور إسلامی عام 8891 ص 081 و ما بعدها.

(113)یقصد بالحجامة:المص:أی مص الدم من موضع إنسان أو غیره بواسطه آله یجمع فیها دم الحجامة عند المص.

(213)فائدة الحجامة کثیرة:منها علاج أمراض الدورة الدمویة.ضغط لدم-التهاب عضلة القلب.تخفیف‌ آلام الذبحة الصدریة.[راجع الطب من الکتاب و السنه.د.عبد المعطی قلعجی ص 14.دار المعرفه بیروت.

(313)سورة المائدة:آیة 3.

(413)سورة البقرة الآیة:371.

(513)صحیح البخاری بشرح فتح الباری جـ 01 ص 413.

(613)جریدة الجمهوریة المصریة العدد الصادر فی 9891/01/22.

(713)المجموع للنووی جـ 9 ص 402.

(813)راجع د/السکری.زرع الأعضاء من منظور اسلامی عام 8891 ص 891.

(913)نیل الأوطار جـ 7 ص 711،911.

(023)حاشیه ابن عابدین جـ 5 ص 17.

(123)راجع دار السکری-المرجع السابق ص 102.

(223)المغنی لابن قدامه جـ 4 ص 882.

(323)د.السکری.زرع الأعضاء من منظور اسلامی عام 8891 ص 391.

(423)حاشیه ابن عابدین جـ 5 ص 17.

(523)قوانین الاحکام الشرعیة ص 284.

(623)شرح النووی علی صحیح مسلم جـ 41 ص 301.

(723)صحیح البخاری بشرح فتح الباری جـ 01 ص 473.

(823)سبل السلام جـ 3 ص 441.

(923)نیل الأوطار للشوکانی جـ 6 ص 143.

(033)صحیح مسلم بشرح فتح الباری جـ 01 ص 473.

(133)المرجع السابق ص 901.

(233)البحر الزخار جـ 1 ص 94.

(333)صحیح مسلم بشرح النووی جـ 51 ص 28.

(433)الکنز للزیلعی جـ 4 ص 15،فتح القدیر جـ 6 ص 624.

(533)نیل الأوطار للشوکانی جـ 6 ص 243.

(633)الکنز الزیلعی:جـ 5 ص 091.

المحاماة » شماره 699 (صفحه 176)

(733)الفتاوی الهندیة:جـ 5 ص 453.

(833)کشاف القناع:جـ 2 ص 641.

(933)الأحکام للامام الشافعی جـ 1 ص 772،872.

(043)شرح الأزهار جـ 1 ص 444.

(143)د.السکری.زرع الأعضاء من منظور إسلامی عام 8891 ص 122.

(243)راجع د/السکری.زرع الأعضاء من منظور إسلامی عام 8891 ص 322.

و یری أن المثله وردت بمعانی متعددة فی أکثر من موضع فی القرآن و السنة:نهی بمعنی العبرة لقوله تعالی‌
«فجعلناهم سلفا و مثلا للآخرین»

و تون بمعنی القیام و الانتصاب کما ورد فی الحدیث«من سره أن یمثل له الناس‌ قیاما فلیتبوء مقعده من النار»و قد تکون بمعنی الزوال عن الموضع لقوله تعالی
«و قد ضلت من قبلهم المثلات»

.

(343)سورة المائدة آیة:13.

(443)روح المعانی للألوس جـ 6 ص 511-611.

(543)سورة عیسی:آیة 12.

(643)الجامع لأحکام القرآن مجلد 3 ص 0107.

(743)کشاف القناع جـ 2.ص 401.

(843)ابن حزم المحلی:جـ 7 ص 724،ص 993.

(943)د/حسام الأهوانی:المشاکل القانونیة التی یثرها زرع الأعضاء عام 5791 ص 551.

(053)د.حسام الأهوانی:ذات المرجع ص 651.

(153)فتوی رقم 881 من مفتی الدیار المصریة بتاریخ 5 فبرایر عام 4791-و فتوی مفتی‌ جمهوریة مصر العربیة المنشور فی جریمة الأهرام المصریة بتاریخ التاسع من فبرایر عام 0991.

(253)الحدیثین منشورین فی مقال مفتی جمهوریة مصر العربیة.صحیفة الأهرام بتاریخ‌ 9891/2/9.

(353)مقال جریدة الأهرام المصریة.د/عاطف المغربی عدد صادر فی 9891/2/01«بنوک العیون‌ ؟؟غی مشکلة الانتظار».

(453)ذات المقال السابق.د.محمد ابراهیم مدیر بنک العیئون الدولی 9891/2/01.

(تصویرتصویرتصویر)
المحاماة » شماره 699 (صفحه 177)

فی رحاب الله

بکل الحزن و الاسلع.و بکل الایمان بقضاء الله و قدره‌ ینعی مجلس النقابة زملاء اعزاء انتقلوا الی رحمة الله‌ تعالی..افتقدتهم المحاماة و کانوا لهما سندا.و یتضرع‌ المجلس الی العلی القدیر ان یتغمدهم برحمته و ان‌ یسکنهم فسیح جناته..و ان یلهم اسرهم و زویهم‌ و زملاءهم الصبر و السلوان.

الأستاذ/صلاح عبد الحلیم الشافعی المحامی

الأستاذ/یحیی عبده الهلالی المحامی

الأستاذ/یوسف ابراهیم زکی کاشف المحامی

الأستاذ/عبد القادر ابراهیم العایدی المحامی

الأستاذ/صلاح مغیث المحامی

الأستاذ/محمود سویلم المحامی

الأستاذ/حسن أحمد بغدادی المحامی

المحاماة » شماره 699 (صفحه 178)

تنویه

نشر بالعددین السابع و الثامن سبتمبر و اکتوبر 9891 من صفحة 77 إلی 48 بحث بعنوان مشروعیة استخدام العقاقیر المخدرة فی الاستجواب و قد سقط سهوا اسم الاستاذ الباحث لهذا المقال و نود أن ننوه أن‌ هذا البحث یخص الأستاذ عاطف عوض برسوم- الباحث القانونی بمصلحة الشهر العقاری لهذا لزم‌ التنویه.

 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010