الرئيسية الجزائیات العام دراسات‌ الاعلان العالمی لحقوق الانسان‌ علله و دوافعه و علاقته بالحکومات
دراسات‌ الاعلان العالمی لحقوق الانسان‌ علله و دوافعه و علاقته بالحکومات PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب Administrator   
الجمعة, 20 ديسمبر 2013 00:00

الكاتب : الجعفری، محمد تقی





الأستاذ العلامة محمد تقی الجعفری

مقدمة:

لکی ندرک علاقة الحکومات بالإعلان العالمی‌ لحقوق الإنسان و دوافع ذلک یجب أن نمیّز مسبقا بین‌ ثلاثة أنواع رئیسیة من الحکومات من حیث علاقتها بالشعب:

1-الحکومة التابعة.

2-الحکومة المتقدّمة.(القائدة)

3-الحکومة ذات البعدین(التابعة و المتقدمة).

1-الحکومة التابعة:و هذا النوع من الحکومات‌ عبارة عن إدارة المجتمع علی أساس من الأعمال، و أسالیب التفکیر،و الأهداف،و الثقافة،و الحقوق‌ و الأخلاق و الإقتصاد الذی یختاره الشعب لنفسه. و من المسلّم به أنه فی مثل هذا النوع من الحکومات- إن کما ممکنا(و هو بالقطع غیر ممکن)-یجب ان‌ یکون أفراد المجتمع أنفسهم قد أدرکوا معنی مواد المیثاق العالمی المذکور و دوافع وضعه بشکل کامل‌ و قبلوا به لتقوم الحکومة التابعة بالعمل وفق هذا المبنی القانونی(و هو ان علیها ان تقنن وفق ما یقبله‌ الشعب).

و لما کانت مواد هذا المیثاق و الدوافع و العلل‌ الداعیة لوضعه قد شجعت علی مجموعة من الأصول‌ و المبادئ الأخلاقیة،فإن علی الشعب نفسه إدراک‌ عظمة تلک الأصول و المبانی و دفع الحکومة التابعة لمراعاتها و تطبیقها،و لا شک فی ان الإستعداد لمراعاتها و إجرائها لا تتم دون التضحیات الوافرة بأنواع الإستئثار و عبادة اللذات(الهدونیة).

إلا أننا-مع الأسف-نجد أن مبدأ(اللذة الی
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 90)

أقصی حد و عدم مزاحمة الآخرین فی الحیاة فقط) الهدام و الذی یلقی بظله الأسود علی کل المبادئ‌ و الأهداف السامیة لحیاة الأفراد،هذا المبدأ یشکل‌ أحد أکبر الموانع فی تحقق الإستعداد المذکور.

2-الحکومة المتقدمة:و هی تعنی ان یتبع‌ الشعب فی کل شؤونه الحیاتیة و أعماله و أسلوب‌ تفکیره و ثقافته و أقتصاده و حقوقه و أخلاقه، الأصول و القواعد المعینة التی ترسمها له الحکومة من‌ خلال الأجهزة الرسمیة کالأجهزة التشریعیة و القضائیة و التنفیذیة و ما یتفرع منها من أجهزة فرعیة.

و اذا وجد مثل هذه الحکومات بین المجتمعات‌ فإنها لا تعترف بأی حق للشعب فضلا عن اعترافها بحقوق الناس الآخرین اللهم إلا فی إطار ما تراه فی‌ من رؤی و خطوط.

3-الحکومة ذات البعدین:و هی کما صوره‌ الإسلام مثلا،إذ أن هذا النوع یتبع الشعب فی‌ الموضوعات و علاقات الشعب بالطبیعة،و الناس‌ الآخرین بالشکل الذی یحقق مصلحة الشعب المادیة و المعنویة.و لهذا فان مثل هذه الحکومة تری من‌ أهم واجباتها العمل علی تقویة العقل و الوجدان فی‌ المجتمع و تنقیتها من الشوائب.و لذا تکون تبعیة الحکومة للشعب هی تبعیة للعقل و الوجدان الأصیل‌ اللذین تمت تقویتهما فی المجتمع.و علیه فتبعیة الحکومة للشعب إنما تتم فی تلک الأمور التی یکون‌ ملاک تشخیص الصلاح و الفساد و عواملهما فیها هو العقل السلیم و الوجدان الصافی.

و هذه الحکومة تقع فی الطلیعة و تهدی الشعب فی‌ مجال وضع و بیان القوانین التی جاء بها طلائعیو الإنسانیة الواقعیون لتنظیم المصالح المادیة و المعنویة (للحیاة المعقولة)للأفراد و هی الحیاة الحرکیة الهادفة لتحقیق الأهداف السامیة.

و وفق التصور الإسلامی فان اللّه تعالی هو واضع‌ القوانین الهادیة و هو العالم المطلق بکل الطاقات‌ و الإستعدادات و الأبعاد الإنسانیة،و غیر المحتاج‌ مطلقا للمخلوقات،و هو فوق کل ما یتصور من شوائبها و محدودیاتها.و هذا هو البعد الثانی.

و کما سنری عند التعرض لتفسیر العلل و الدوافع‌ لوضع و تنظیم مواد الإعلان العالمی لحقوق الإنسان‌ فان قیمة الإنسان لدی هذه الحکومة هی أسمی من‌ العنصر و اللون و النسب و المحیط و غیر ذلک،و لما کان‌ کل أفراد الإنسان ینطلقون متحرکین من مبدأ و مسیر واحد نحو هدف واحد وفق متشرکات روحیة جامعة،فإنّ العلل و الدوافع للإعلان العالمی لحقوق‌ الإنسان و مواده یمکن أن تکون مقبولة-فی محتویاتها بعد تفسیر و تعریف و تغییر ضروری فی بعض‌ مفاهیمها و موادها.

بعد هذه المقدمة نتعرض فیما یلی الی العلل‌ و الدوافع المذکورة فی البیان المذکور:

العلل و الدوافع لوضع و تنظیم الإعلان العالمی لحقوق‌ الإنسان:

و قبل الدخول فی صمیم البحث و التحقیق فی‌ العلل و الدوافع لوضع الإعلان العالمی لحقوق‌ الإنسان نود التنبیه الی المقدمات التالیة:

المقدمة الأولی:

یبدو ان الدافع الأصلی لوضع و تنظیم هذه‌ الحقوق هو جانب إنسانی،و ان المقصود و الهدف هو تقلیل الآلام و المصاعب الکثیرة و المتنوعة التابعة من‌ أنماط التزاحم و التنازع القائلة و المدمرة بین الأفراد و خصوصا فی العقود و السنین الکئیبة التی تلت‌ الحر بین العالمیتین الأولی و الثانیة فأصابت‌ المجتمعات البشریة بعواقبها الألیمة و لم تسلم المجتمعات‌ الضعیفة و القویة و المتمکنة من الآلام و المصاعب
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 91)

بسبب ذلک.

و کما سنری خلال التحقیق و البحث عن العلل‌ و الدوافع لوضع هذه الحقوق فانه بالإضافة للخلاص‌ من أنماط التزاحم المدمرة تعد مسألة فوز الأفراد بالحریة و السلام و الصفاء أحد أهداف واضعی هذه‌ الحقوق بالتأکید.

و قد ذکر واضعو هذه الحقوق-فی المقدمة-ان‌ مسألة الضمان العالمی للترابط بین أفراد الإنسان- و یمکن أن تعتبر العلة المنطقیة لوجود الحریة و السلام‌ و الصفاء-هی الأساس المنظور لهذه الحقوق.

و لذا و مع ملاحظة هذه الأهداف و الأسس، یمکن القول:بأنّ الإعلان العالمی لحقوق الانسان- الی الحد الممکن قبوله-یعتبر خطوة مهمة و لازمة و مفیدة جدا.و اننا لنرجوأن تتسع هذه الخطوة من‌ خلال الإصلاحات و التفسیرات و التعریفات‌ التجریدیة للعناصر الأساسیة فی المواد الواردة فی هذا الإعلان(مثل:حق الحریة،و المساواة و الأخوة، و الشخصیة الإنسانیة و علاقتها بالشخصیة الحقوقیة، و التفرد...)و حینئذ تمتلک تأثیرا أکبر و أکمل فی‌ مجال تحقیق التفاهم و الإنسجام بین أفراد الإنسان فی‌ مجال مختلف أنواع الإرتباطات-بعضهم مع البعض‌ الآخر-و تقلیل الآلام و المصاعب الهدامة و المدمرة.

المقدمة الثانیة:

من البدیهی أن فکرة إصلاح العلائق الإنسانیة سواء کانت بشکل إدراک العلة و الدوافع لوجود مثل‌ هذه الحقوق فقط،أو کانت-إضافة للإدراک‌ المذکور-بشکل الإحساس بضرورة القیام‌ بخطوات عملیة لبیان مواد الحقوق العالمیة للإنسان، هذه الفکرة کانت تطرح نفسها فی أذهان ذوی‌ التکامل الفکری بشکل دائم بین أبناء الإنسان أینما کانوا و الی أی عنصر انتموا و أی خصائص حازوا، مما أنتج بعض المواد التی طرحت بشکل متفرق علی‌ أساس أنها من الحقوق العامة للإنسان من العصور الماضیة،و نعنی بذلک:انه منذ العصور القدیمة لحد الیوم جاء فی المعارف و الآداب الثقافیة و المواد الحقوقیة للمجتمعات التی تمتعت الی حد ما بالحضارة بعض الموارد التی تکشف عن الوجه‌ العالمی للإنسان و اشتراک أفراده و بشکل عام فی‌ الآلام و اللذات و الحاجات و العلل الأصلیة للحقوق الطبیعیة و غیر ذلک،و کانت حصیلة ذلک‌ تعبیرات أدبیة فی الثقافات و المواد الحقوقیة فی النظم‌ الحقوقیة السائدة فی المجتمعات الإنسانیة.1و نحن‌ نلاحظ فی الثقافة و العقائد الأفریقیة القدیمة عبارات‌ یستفاد منها ما قلناه:

1-جاء فی اسطورة«ما لوزی»انه عندما عمل‌ أفراد الإنسان الأوائل علی صید الحیوانات لا مهم‌ الرب علی ذلک،و قال لهم:
«أیها الانسان ان السبیل‌ الذی اخترته لحیاتک سی‌ء جدا لماذا تقتل؟ان هذه‌ الموجودات الحیة هی اخوة لک فلا تأکلها،أنتم جمیعا أبنائی»

(الاسطورة رقم 32).نری فی هذه الاسطورة أنّ‌ القیمة الألهیة للحیاة تعم جمیع الأحیاء.

2-و فی اسطورة أخری عن شعب«بوروبا» نجد أنها تعتبر الأناس المعوّقین و ناقصی الخلقة کالعمیان و الأحداب،و الصم،و البکم،و المشلولین أناسا مقدسین یلیقون بالإحترام و التکریم‌ لأنهم جمیعا مخلوقون و أبناء لرب واحد(الأسطورتان‌ رقم 64 و 65).

3-و تؤکد اسطورة«کونو»أن العناصر البیضاء و السوداء تقوم بینها الأخوة و أنها جمیعا من‌ أب و أم واحدة(الأسطورة رقم 26).یراجع‌ کتاب أفریقیا و أساطیر الخلقة،تألیف بولی بایر الذی ترجمه للفارسیة ز.أ.صیدقی،ص 299.

و هذا الإدراک و النظرة حول الوجه العالمی
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 92)

للإنسان یستمر فی المجتمعات الإنسانیة المختلفة، و لکن بأشکال متنوعة،و یطفح کما قلنا علی أغلب‌ الثقافات و الأصول الأخلاقیة و المواد الحقوقیة و إن کان بشکل مبعثر،و من ذلک ما نراه فی‌ مجموعة قوانین«جوستنیان»الذی اعتلی‌ الإمبراطوریة الرومیة عام(527 م)و دام حکمه 38 سنة،فقد جاء فیها:

«ان المائزبین القانون المدنی،و قانون عموم الشعوب، هو:ان علی أی من الأقوام و الشعوب التی تحکمها القوانین‌ و العادات المرعیة أن یجعلوا بعض أمورهم علی أساس القانون‌ المختص بهم،و یقیمو البعض الآخر علی أساس القوانین المشترکة بین الشعب و کل أبناء الإنسان.و القانون الذی یتخذونه لهم‌ بالخصوص یسمی القانون المدنی،بمعنی ان أحکامه منحصرة بذلک الشعب،أما القانون الذی یری کل أبناء البشر بعقولهم‌ الصافیة ضرورة حکومته فیما بینهم و ان علی الشعوب جمیعا اتباعه فهو قانون کل الشعوب،ذلک لأن الشعوب تراعیه و تطبقه علی شؤون حیاتها،و قانون کل الشعوب مشترک بین‌ کل الأجناس البشریة لأن الإحتیاجات الإنسانیة فی الحیاة دفعت الشعوب لإیجاد بعض النظم،فالحروب مثلا أوجدت‌ نظام الأسر،و العبودیة.مع أن کلنا الظاهرتین تخالفان‌ الطبیعة الإنسانیة ذلک لأن الناس کلهم بملاحظة القوانین‌ الطبیعیة قدولدوا أحرارا»(مجموعة جوستنیان فی الفقه‌ الرومی،ترجمة عبد العزیز فهمی-ص 6-8).

و ان الوجه العالمی للإنسان و الذی له حقوق‌ عالمیة فی الأدیان الإلهیة الحقة یصل الی أوج السمو. و کما سنبین فی المباحث بکل صراحة و جزم.و إذا نظرنا الی الغرب وجدنا هذا الإتجاه الإدراکی‌ یتمو فیه خصوصا فی فترات النهضة و یظهر علی‌ کتابات أی من مجتمعاته بأشکال مختلفة و من ذلک‌ الدستور الفرنسی الذی وضع عام 1795 فی إحدی‌ و ثلاثین مادة تحت عنوان:الحقوق و التکالیف‌ الإنسانیة و 377 مادة أصلیة،و قد بدأ بهذه العبارة:

«إنّ الشعب الفرنسی یعرض أمام واجب الوجود الإعلان التالی الشامل للحقوق و التکالیف الإنسانیة»2.

و إحدی النقاط الرائعة لهذا الإعلان تکمن فی انه‌ استمد من المبدأین المعروفین للواجبات العالمیة للإنسان(الأول:ما لا تحبه لنفسک فاکرهه‌ للآخرین،الثانی،أحسن الی الآخرین لیحسنوا الیک‌ بالتالی)و إن کان المبدأ الثانی-مع الأسف- یجعل صفة المساومة فی القیام بالتکالیف هدفا للأفراد بمعنی أنها تقررانه لکی تستفید من إحسان‌ الآخرین علیک أن تحسن إلیهم!

هذا فی حین أن القیمة الحقیقیة للإحسان‌ للآخرین تکمن فی نفس الإحسان دون توقع الجزاء و الأجر.و قد جاء فی القرآن الکریم
«انما نطعمکم لوجه‌ اللّه لا نرید منکم جزاء و لا شکورا»

(الدهر:9)و هی‌ و إن نزلت فی مدح أهل البیت(ع)و لکن لما کانت قد بینت القیمة الأساسیة لأنماط الإحسان‌ فهی توصیة لکل الناس.و للشاعر المولوی أبیات‌ یبین فیها القیمة الذاتیة لذلک و مضمونها:(ان الوردة اذا لم تضحک،و لم تهز علمها لنشر رائحتها الطیبة،و القمر اذا لم یبزغ و لم یتمایس،و الشمس إذا لم تملأ السماء نورا فما هی إذن وظیفتها فی الحیاة؟).

و بملاحظة هذا الإتجاه الجدی للإسلام نحو عرض الوجه العالمی للإنسان و حقوقه،فإنه کان من‌ الضروری أن یقوم المحققون الإسلامیون بتوضیح‌ و تفسیر المیثاق العالمی لحقوق الإنسان،و یلحظوا السیر التطوری لمواد هذا الإعلان فی تحقیقاتهم،و ربما کان علیهم-علی الأقل-أن یفتحوا فصلا عن‌ رسالة الأنبیاء الإلهیین فی توضیح الوجه العالمی‌ للإنسان و حقوقه.

و کما سنری فی تفسیر العلل و الدوافع لوضع و تنظیم المواد الحقوقیة العالمیة،فإنّ الإسلام قد أوضح
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 93)

الأسس الکاملة لهذه المواد،و ان کل المحتوی‌ الإسلامی لتلک المواد یمکن أن یلاحظ فی مجال‌ الحقوق الإسلامیة.

یقول«و ایتهد»بکل صراحة:«إنّ قیمة الخدمات‌ التی قدمها الأنبیاء العبریون لحریة الإنسان لا یمکن وصفها من حیث العظمة».

ان المذاهب الإلهیة أقامت-بکل جد و تضحیة -أسس برامجها الرسالیة علی«الحیاة المعقولة»التی‌ لا تعود ممکنة الا اذا وجد التنظیم الإنسانی علی‌ أساس العدالة و الحریة المعقولة و التسابق فی طریق‌ الخیر و الکمال.و کما سنوضح عند تفسیر و تطبیق مواد الإعلان العالمی لحقوق الإنسان،و کذلک فی‌ البحث عن العلل و الدوافع لوجودها،فإنّ الإنسان‌ قد وجد فی المنطق الإلهی للأنبیاء قیمته النهائیة و عرف المعادلة القائلة«(الواحد-الجمیع)»کما قررتها الآیة القرآنیة الشریفة:

«من أجل ذلک کتبنا علی بنی اسرائیل انه من قتل‌ نفسا بغیر نفس أو فساد فی الأرض فکأنما قتل الناس جمیعا و من احیاها فکأنما احیا الناس جمیعا».

3

و الروایة المعروفة جدا:
الخلق کلهم عیال اللّه و أحبهم الیه أنفعهم لهم»

4.

و روی عن الصادق(ع)ان الرسول(ص)قال: و من سمع رجلا ینادی یا للمسلمین و لم یجبه فلیس بمسلم.

فان الآیة و الروایتین تبین بکل وضوح و صراحة المبنی الأساسی للحقوق العالمیة للإنسان،و لذا فاننا نأسف بشدة لمشاهدة أشخاص یتحدثون عن‌ الإعلان العالمی لحقوق الإنسان و لکنهم-و منهم‌ بعض المسلمین-لا یشیرون الی وجود المبنی السابق‌ فی المصادر الإسلامیة.و سوف نری فی البحث عن‌ العلل و الدوافع هذا الإعلان و فی مادته الأولی: ان الهدف الرئیس للأنبیاء العظام هو تنبیه أفراد الإنسان لهذه الحقیقة السامیة و ان لیس علیهم إقامة الروح الأخویة بینهم فحسب بل علیهم أن یکونوا أعضاء جسد واحد،و علیهم کذلک أن یعلموا و یتقبلوا حقیقة انهم‌ لووفقوا للحیاة المعقولة فان اتصال أرواحهم بالروح‌ الإلهی سیعود أشد من اتصال أشعة الشمس‌ بالشمس نفسها.

و إذا لم تستطع البشریة أن تصل الی مقام‌ (الأخوة)(العضویة العائلیة)(وحدة الروح العالیة) فإنّ الإسلام لن یترک الناس،و انما یقول:
«قل یا أهل الکتاب تعالوا الی کلمة سواء بیننا و بینکم الا نعبد الا اللّه و لا نشرک به شیئا و لا یتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون‌ اللّه،فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون»

(آل عمران: 64).

و بملاحظة هذه الآیة الشریفة و المواد التی سنذکرها فی المباحث المتعلقة بتفسیر مواد الإعلان العالمی لحقوق‌ الإنسان و تطبیقها،یجب القول بأن مبنی و اساس‌ الحقوق العالمیة الإنسانیة قد بدأ من الإسلام و هو الرافع الحقیقی للواء دین ابراهیم علیه السلام.

قد ینبری البعض،فیقولون:إنّ المخاطب-أولا -هنا هم أهل الکتاب فقط،لا کل الناس،ثم أنه لم‌ یأت فی هذه الدعوة سوی مادتین،و لذا فلا یمکن أن‌ نجعلها مبنی للحقوق العالمیة للإنسان،الا أن جواب‌ هذا القول ان هذه الآیة تطرح عنصرین مشترکین‌ بین أهل الإسلام و أهل الکتاب،یعتقد بهما الطرفان‌ و یبیّنان بالتالی اقترابهما من الوحدة،و إذا کانت‌ المدارس و الأقوام و الشعوب الأخری أیضا تتبع هذین‌ العنصرین الجامعین فان الآیة ستشملهما أیضا،أما حول العنصرین المشترکین فنقول:ان اللّه تعالی‌ جعل هاتین المادتین(العبودیة اللّه،و الخلاص‌ و التحرر من قیود العبودیة و التسلیم أمام الآخرین) کلمة و حقیقة مشترکة بین کل الناس المعتقدین‌ بالأنبیاء و العاملین بالکتب السماویة،و اذا رکزنا قلیلا علی هاتین المادتین فاننا سنصل من خلالهما الی
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 94)

کل المواد الحقوقیة العالمیة،فإذا وفق الإنسان لعبودیة اللّه،و نفی الشرک،و خلص نفسه من قیود الأسر و الرق،ثبتت له حیثیته و قیمته الإنسانیة الذاتیة، و اذا تحققت الحیثیة و القیمة الذاتیة لأفراد الإنسان‌ فستتوضح تماما ضرورة الحریة و السلام و الصفاء، و بوضوح هذه الضرورة سیسعی للوصول الی ذلک، و إحدی الخطوات علی هذا السبیل هی وضع و تنظیم مواد الحقوق العالمیة لکل الأفراد و المجتمعات.

و علی هذا فان الإعتقاد بأن المواد الثلاثین‌ للإعلان العالمی لحقوق الإنسان هی أمور جدیدة، لیس صحیحا بالمرّة،کما أننا أشرنا الی أن فکرة إصلاح العلائق الإنسانیة فیما بین الأفراد قد نمت اما مباشرة أو غیر مباشرة فی أذهان الناس المتکاملین، و کانت موجودة علی الدوام لدیهم و لتوضیح هذه‌ المسألة یجب ان أقول:

إنّ العقل المتکامل مطلع علی الهویة و الخصائص‌ المادیة و الروحیة للنوع الإنسانی،و هو یدرک أن دفع‌ التسلط المدمر و الظلم و الجور عن أفراد النوع و تحقیق‌ الحریة و العدالة لهم،یوجد فی نفسه-هو-نشاطا روحیا شدیدا یسببه ارتفاع المسؤولیة الضخمة عن‌ کاهله و اداء الواجب الذی کان یحس به فی‌ أعماقه،و ذلک قبل أن یؤدی رفع الحیف المذکور الی‌ بعث الفرحة فی نفوس أولئک المظلومین.

البحث و التحقیق فی العلل و الدوافع:

جاء ذکر العلل و الدوافع لوضع و تنظیم الإعلان‌ العالمی لحقوق الإنسان فی الجعل السبع التالیة،و لما کان الإطلاع علی محتویات المواد المذکورة فی الإعلان‌ و تقویمها یجب أن یسقه الإطلاع علی العلل‌ و الدوافع لوضعها،فقد رأینا أن من اللازم القیام‌ بالبحث حول کل من العلل المذکورة فی مقدمة هذا الإعلان:

1:تقول المقدمة:«نظرا لأنّ معرفة الحیثیة الذاتیة لکل أعضاء العائلة البشریة،و حقوقهم‌ المتساویة و غیر القابلة للتنازل تشکل أساسا للحریة و السلام فی العالم».

و نعلق هنا قائلین:

ان قضیة اعتبار الحریة و السلام أمرین ضرورین‌ للأمم لا یتمان دون معرفة للحیثیة الذاتیة لجمیع‌ الأفراد،هی قضیة صحیحة و متینة تماما،و لا معنی‌ لأی تردد فی هذا التلازم،الا أن التحقیق یحتاج الی‌ دقة أکبر فی المسائل التی نطرحها فیما یلی:

المسألة الأولی:و هی مسألة مهمة جدا،ترکز علی‌ السؤال التالی:ما هو طریق إثبات الحیثیة الذاتیة، بمعنی الإحترام الذاتی لأفراد الإنسان؟

لقد کان علی الإعلان أن یوضح فی مقدمته‌ الإجابة علی هذا السؤال،أو کان علیه أن یطلب من‌ المفسرین-علی الأقل-من المتخصصین فی العلوم‌ الإنسانیة المتنوعة أن یجیبوا علیه و هم من قبیل علماء النفس،و الأخلاقیین،و العلماء المحققین،و المعتقدین‌ بالدین،و علماء العلوم السیاسیة،و الحقوقیة و المؤرخین الموضوعیین،هذا اذا افترضنا ان الواضعین‌ لم یتأثروا من قبل بالمبادئ المسبقة النابعة من نظرتهم‌ الشخصیة و راحوا یردون میدان التعقل و التعمق فی‌ المتلقیان و الإحساسات الإنسانیة السامیة و یثبتون‌ الحیثیة الذاتیة(القیمة الذاتیة)لهم فی إطار یسمو علی‌ المساومات و الحاکمیات الثقافیة الرائجة دونما دلیل‌ و برهان.

ذلک اننا فی مجال الإعلان العالمی لحقوق‌ الإنسان لا نواجه قوانین و حقوقا خاصة لأی من‌ الشعوب التی یمتلک کل منها لنفسه أدلة و رسوما و عقائد دینیة و مبانی و کلیات و تعریفات خاصة یثبت بمقتضاها القوانین و الحقوق الخاصة به و یصححها.اننا فی هذا الإعلان نواجه أقواما و امما
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 95)

متفاوتة،و ثقافات و أدیانا متنوعة و سوابق تاریخیة مختلفة،و قدرات و امتیازات و عناصر متفرقة. و حینئذ فنحن بهذا الإعلان العالمی،نقول لهم جمیعا: إن علیکم جمیعا فی قبال هذه المواد الحقوقیة أن تغضوا الطرف عن قومیاتکم و ثقافاتکم و سوابقکم‌ الخاصة،و فوق هذا عن قدراتکم و امتیازاتکم و خصوصیاتکم العنصریة.فی حین اننا لا نستطیع أن‌ نقول لهم ذلک،لا یمکننا ان نستخدم قدرتنا لنلغی کل‌ الخصائص المذکورة،و لا نستطیع أن نقول لهم- علیکم أن تسلموا متعبدین-برفض خصائصکم و تلزموا أنفسکم بتطبیق مواد هذا الإعلان،و لیس‌ لأحد حق الإعتراض علی ذلک بأن له فی بیان المواد الحقوقیة آراء نفسیة أو أخلاقیة أو فلسفیة أو دینیة أو سیاسیة أو تاریخیة أو حتی فلسفیة خاصة.ذلک لأننا قلنا من قبل،إن هذه الحقوق العالمیة تتمایز عن‌ الحقوق و القوانین الخاصة بأی من الشعوب،حیث‌ الحقوق و الواقنین الخاصة بأی من الشعوب،حیث‌ یکون اشتراک أفرادها فی التاریخ و البیئة و الأخلاق‌ و الأسس الدینیة و الثقافیة و الجغرافیة و غیر ذلک‌ موجبا لقبول نظام حقوقی خاص لا یحتاج معه الی‌ تعاون العلماء و المحققین فی الفروع المتنوعة للعلوم‌ الإنسانیة.

و خلاصة الأمر:ان تحقیق التمهید الحقیقی للأمم‌ کی تقبل هذه الحقوق العالمیة یجب أن یسبقه حذف‌ لمعادلات من قبیل(الإنسان ذئب للإنسان،و المؤدی‌ الی الشکل التالی«الإنسان الخاوی فی العالم‌ الخاوی»و لا یتم حذفها من الصفحات العلمیة للإنسانیة الا بأدلة کافیة مقنعة.

و إذا لم یستطع المفکرون فی العلوم الآنفة حذف‌ المعادلة المذکورة إستنادا للأدلة القاطعة فان اتباع‌ أمثال«بورجیا»و«ماکیا فیلی»و«هوبز»فی أی‌ مجتمع و عصر بل و فی أی مجموعة من الناس سوف‌ یفسرون الحریة و السلام-و هما أهم العوامل‌ و الدوافع الأساسیة لوضع الإعلان العالمی لحقوق‌ الإنسان-علی أساس احتیاجاتهم،و یعتبرون کل‌ القیم و الأصول الإنسانیة وسائل لتحقیق أهدافهم، فلیس العنصر الفعال فی أدمغتهم شیئا سوی ان‌ الهدف یبرر الوسیلة.

ان هذا التیار محرقة للقیم،و قد ضحی علی‌ امتداد التاریخ بملایین القرابین،و ها هو ینتظر ملایین القرابین الأخری.إنه نفس التیار الهدّام‌ الذی قد یؤدی حتی بأکثر المفکرین رجاء الی‌ الإضطراب،و یکدر علیهم راحتهم،فهذا الشاعر المولوی،رغم کونه من أنشط المفکرین و العرفاء فی‌ القرون و الأعصار(و اعتقد ان العرفان الإیجابی‌ بشکل عام یلازم الرجاء الحسن)،إلاّ انه عندما یلاحظ التیار الآنف یقول بکل تألم أبیاته الفارسیة (الآتیة فی دیوانه)5و التی تعبّر عن تشاؤمه فی النظر الی الإنسان و دعوته لان یعمل لحاله بمفرده،فلیس‌ لأی انسان أمان،فقد یریک مظهره الخادع الا انه‌ یخفی حقیقته الشرسة.

و هذا«الفردنورث و ایتهید)یقول بعد رؤیة هذا التیار:

«ان الطبیعة البشریة معقدة الی الحد الذی یجعل قیمة البرنامج المکتوب علی تلک الأوراق لتحقیق الإصلاح‌ الإجتماعی لا تعدل-لدی الحکام-قیمة تلک الأوراق‌ المسودة نفسها».

التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 96)

المسألة الثانیة:هی استعمال مصطلح(أعضاء العائلة البشریة)و هی تحمل قیمة أخلاقیة:و رغم‌ ان أسمی الأهداف و أکثر العلاقات الإجتماعیة فائدة و ایجابیة و بناء لأفراد الإنسان هو أن یتصور جمیع أفراد الناس أنهم أعضاء عائلة واحدة،نعم رغم‌ ذلک فانه منذ ظهور الحیاة الإجتماعیة لحد الآن لم‌ ینتقل من المستوی الذهنی للأفراد المتکاملین الی‌ الواقع الخارجی باستثناء تلک الموارد التی استطاع‌ القادة الأخلاقیون و الإلهیون فیها-من خلال‌ وجدان المنطقة الروحیة للأفراد-أن یدخلوا الحیاة الإنسانیة و یعرفوهم علی الوحدة المتحققة فی‌ أعماقهم و یدیروهم بروحیة أعضاء عائلة واحدة.

قد یقال:إننا نشاهد طوال التاریخ أنماطا من‌ الحیاة المنسّقة و المنسجمة فی المجتمعات البشریة رغم‌ أن قیادتها لم تکن بید القادة الأخلاقیین و الإلهیین الا انه یقال ازاء هذا ان الحیاة الإجتماعیة المنسجمة کانت موجودة أیضا فی العصر العبودی،فکان أغلب‌ العبید المساکین لجهلهم بالأصول الإنسانیة و الحیثیة و القیمة الذاتیة یعیشون حیاتهم الإجتماعیة فی مجامیع منسقة و برضا اضطراری و ظاهری‌ لا أساس له.و سر هذا أن الطاقة الحیاتیة العظیمة جدا خلال التاریخ کانت تمتلک بذاتها عامل بقائها و استمرارها و هی توجه الأفراد و تدیرهم بأی شکل‌ و وسیلة توفرت لهادون أن تلتزم بالقیم و المقامات‌ الأسمی(و إن کان الأفراد فی أفقهم الذهنی یسعون‌ دائما نحو القیم الأفضل و المقامات الأسمی)خصوصا و ان البشر استطاع أن یظهر من نفسه-عندما یرید التحرک الجماعی-قدرة علی الإنسجام و التناسق‌ و الوحدة مع قطع النظر عن الفلسفة و دوافع ذلک‌ التحرک،و استطاع واقعا فی نفس البرهة التی یقوم‌ فیها بالحرکة الإجتماعیة أن یحقق مضمون معادلة (الجمیع یساوون واحدا)إلا أنه و بعد زوال عوامل‌ التحرک الثائر یعودون متفرقین لا تجمعهم وحدة،فی‌ حین أنه تحت قیادة الأنبیاء و من خلال إثبات‌ العنصر الأساسی برسالتهم(ع)و هو«ان الجمیع‌ یشکلون أعضاء العائلة الإلهیة»،إستطاع أفراد الانسان أن یجدوا حقیقة الأخوة و«العضویة العائلیة»بل الوحدة الأسمی من ذلک(أی أن‌ یکونوا أشعة من شمس الروح الإلهیة).و مع‌ الإحساس بمثل هذه الوحدة یمکننا أن نخاطب البشر بمحتوی البیت الشعری الفارسی القائل:

لماذا کل هذا الهیجان و الضعف و عدم التناسق؟

و تسود الکل رفقة سفر الحیاة و عضویة القافلة و وحدة الولادة7

أما إذا لم یوفق البشر لمثل هذه الخطوة فان هناک‌ أمورا عظیمة جدا مثل أنواع الأنانیة و التکبر تقوده الی‌ الحروب المستمرة(الی الحد الذی یطلع به علینا مدّعون للعلم و الفکر لیقولوا:ان الحرب و الدمار هما من مختصات الذات الانسانیة)و تقف أنماط العبودیة و طلب المنفعة الضیقة و عبادة اللذة الأبیقوریة (الهدونیة)و نقض العهود و التنافس السلبی(لا الایجابی البنّاء)أمام المسیرة الإنسانیة فتمنعها من‌ تحقیق روحیة الأخوة و العضویة العائلیة و غیرهما واقعا(لا بشکل ظاهری مراء نفعی)و حتی اننا- و مع الأسف-نجد أن بعض مواد هذا الإعلان‌ العالمی للحقوق و الذی اعتبر الحریة دون تفسیر و توجیه من أسمی الآمال البشریة،لم تلتفت الی أن‌ ترک الحریة دون تفسیر أو توجیه منطقی یؤدی‌ للإستفادة منها فی مجال الترشید العقلی و النفسی، الأمر الذی یمکن أن یجعل هذه المواد بنفسها من‌ عوامل التفرقة الخطرة للإنسان عن الإنسان،فضلا عن أن تکون دافعة للأفراد لتقبل روحیة الأخوة و العضویة العائلیة.

و سنقوم الی حد ما فی المباحث التطبیقیة لمواد
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 97)

هذا الإعلان بدراسة الشرائط العقلانیة المحققة لعضویة الأفراد العائلیة و روحیة الأخوة و هی من‌ أهل العلل و الدوافع الأساسیة لوجود هذا الاعلان.

المسألة الثالثة:ان مقدارا مهما من العناصر الأساسیة لمواد هذه الحقوق مثل(الحیثیة الذاتیة للأفراد)و(العضویة العائلیة)و حتی(السلام‌ و الحریة)تنتسب الی أعماق الشخصیة الإنسانیة و تستند الی الوجدان فی الضمیر الصافی،و لذا فهی‌ بحاجة الی إثبات قابلیة أفراد الإنسان للمحبة المتبادلة.و رغم اننا نجد الوسائل المختلفة المتبعة لتشجیع الناس علی الحب المتبادل سواء بواسطة الأدیان الإلهیة أو الحکماء الحقیقیین أو حتی بواسطة المتسلطین المتکبرین الذین بمثل هذا الشعار أرادوا المیدان الإجتماعی لهم-وحدهم لا غیر-(حتی‌ انه لیمکن القول بأنه لیس هناک ظاهرة إنسانیة محبوبة تمتلک نفس مستوی ما تمتلکه المحبة نفسها فی‌ القاموس الانسانی).نعم رغم کل ذلک فان الموفقیة ضئیلة الی الحد الذی لا نستطیع معه أن نقول:ان‌ الإنسانیة قد قامت بخطوات علی طریق المحبة.و ما قلناه لیس نطرة طوباویة شخصیة،لأنّها نظرة قد اعترف بها المتفکرون المصلحون فی الشرق و الغرب‌ جمیعا.

و السبیل الوحید الأکثر ضرورة و فائدة لکی‌ تصل البشریة من خلاله الی رشد المحبة الإنسانیة و تکاملها(لا الإشباع العاطفی الساذج غیر المتجذر و لا الإشباع النفعی)عبارة عن الطریق الذی اختطه‌ أولو الرسالة و الأنبیاء للإنسانیة،و هذا الطریق عبارة عن:أولا-أن یثبت لکل فرد من أفراد الإنسان‌ لزوم احترام الذات الإنسانیة لکی یستطیع أی فرد أن یجب نفسه أولا بمعنی انه یعبر من احترام ذاته الی‌ حبه لها ثم یتحرک ثانیا-من خلال إدراک اشتراک‌ الجمیع فی تلک الذات الإنسانیة(التی تمتلک‌ احترامها لارتباطها بالکمال الإلهی المطلق)-نحو محبة الآخرین أصالة لا علی أساس الإحساسات العاطفیة الساذجة و العابرة و لا علی أساس النفعیة.

المسألة الرابعة:اننا نری انه ما دام التکامل‌ الذهنی و الروحی الإنسانی یبرر نشاطاته بإدارة الحیاة الطبیعیة المحضة و اتساع الذات الطبیعیة فی أبعادها، و ینظر الی أوامر الأدیان و الأخلاقیین و الحکماء حول‌ التعدیل المعقول للمیل و الحاجات باعتبارها أساطیر واهیة و باعثة علی الغفلة و النوم،فإنّ هذه المواد الحقوقیة السامیة-بل حتی لو فرضنا نوعا أسمی من‌ هذه المواد الحقوقیة التی لو طبقت علی الأرض‌ و الناس لتبدلوا الی عالم الملائکة و الملکوت- لا تستطیع أن توصل الناس الی تلک الأهداف‌ المعلنة.

ان وضع و تنظیم مثل هذه الحقوق السامیة لأناس یوجهون مسیرتهم الذهنیة فی إطار إدارة الحیاة الطبیعیة المجردة و الإتساع فی إطارها،یشبه بناء قصر شامخ علی قمة جبل برکانی.

2-تقول المقدمة:

«و نظر لأنّ عدم الإعتراف بحقوق الإنسان و الإستهانة بها تؤدی الی الأعمال الوحشیة التی تدفع الروح الإنسانیة الی‌ العصیان،و ان تحقق عالم یتخلص فیه أفراد الإنسان من‌ الخوف و الفقر فی مجال إظهار عقیدتهم الحرة یعد من أسمی‌ الآمال الانسانیة».

و المسائل التی یمکن ذکرها فی هذا الخصوص‌ هی:

المسألة الأولی:لاحظنا فی المسائل المتعلقة بالعلة رقم واحد ان عدم التفات القادة الإجتماعیین و المسؤولین التربویین الی قانون لزوم تعدیل الأنانیات‌ و عبادة اللذة و التی أدت بدورتها الی الحرمان
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 98)

الإنسانی من المحبة المتبادلة و أشعلت دائما نیران‌ الحروب و الذل،عدم الإلتفات هذا أدی الی‌ استمرار هذا الألم المحطم.فبدلا من أن یقوم أفراد الإنسان باعتبار أنفسهم أعضاء العائلة الإلهیة عادوا کما یقول(هوبز)(ذئابا فیما بینهم).و علیه فما دامت‌ العلة متوفرة فالمعلول موجود و هو«عدم الاعتراف‌ بحقوق الإنسان و الإستهانة بها المؤدیة الی الأعمال‌ الوحشیة»و لذا یجب القول:ان کل المقالات‌ و النشاطات و وضع و تنظیم و اقرار مثل هذه المواد الحقوقیة لا صلاح الإنسانیة هی تماما نظیر الإحتفاظ بالمستنقع المولد للبعوض و الإتجاه نحو القضاء علی‌ بعض أفراد البعوض الضعیفة.

المسألة الثانیة:جعلت الحریة العقائدیة و انتفاء الخوف و الفقر فی هذه الفقرة أسمی آمال الإنسان. و لو کان واضعو هذه المواد الحقوقیة یملکون معلومات‌ شاملة عن الأبعاد الروحیة الإنسانیة سواء فی الحالة الفردیة أو الحالة الإجتماعیة لکان علیهم أن یقوموا حریة العقیدة و نفی الخوف و الفقر بشکل أکثر منطقیة،و رغم الأهمیة التی تمتلکها هذه الأمور فی‌ الإعادة للبیئة الإجتماعیة للحیاة الهادفة فانها علی‌ اختلافها فی الماهیة،من المناسب أکثر ان ینظر الیها باعتبار أسمی المسائل للدخول فی الحیاة:ذلک اننا سنوضح‌ عندما نحاول تفسیر هذه المواد الحقوقیة و تطبیقها،أن‌ الحریة فی اظهار العقیدة و العلم و الحریة السیاسیة و الحریة الدینیة و ما الی ذلک،رغم کونها من عوامل‌ اللذة و النشاط،یعد جانبها الطریقی-مع الإلتفات‌ لما تملکه من واقعیة و ملاحظة اللوازم و الخصائص‌ التی تملکها-أکثر منطقیة من جانبها الهدفی.

و لکی لا یحصل هنا نوع من الإلتباس نؤکد علی‌ نقطة هی:ان قیمة الحریة لا تستند الی تلک الحالة النفسیة التی یمتلک بها الإنسان القدرة علی انتخاب‌ نمط معین من بین الأنماط المائلة و السبل الممتدة أمامه‌ فحسب،و إنما تکمن قیمة الحریة بذلک النمط و السبیل‌ الذی اختاره بالدقة.

فمثلا هل تری تمتلک الحریة قیمتها حینما یستعملها الإنسان فی مجال سلب الآخرین حریتهم؟ و المجرمون و المتکبرون و المتسلطون فی التاریخ‌ ینطلقون من احساسهم بالحریة لیرتکبوا إجرامهم، و إلاّ فانه فی حالة الجبر لا یوصف أی عمل بالسوء.

أما بالنسبة لنفی الخوف و الفقر فیجب القول بأنه‌ وقع هنا خطأ أیضا،و هو أنّ هناک فرقا کبیرا بین‌ العامل المدیم لوجود شی‌ء و الهدف الأعلی من‌ وجوده،ذلک ان الخوف و الفقر یمنعان من إستمرار حیاة الأفراد و انتفائها فی الواقع رفع المانع من إستمرار هذه الحیاة،و لذا یمکن القول بأن لها عاملین لدوامها لا هدفین لها.و لهذا لا یستطیع أی انسان أن یدعی‌ ان الهدف الأعلی لحیاته هو هذه الحیاة الخالیة من‌ الخوف و الفقر.

3-یقول الإعلان:«نظرا لأنّ الحقوق الإنسانیة یجب أن یدافع عنها أساسا من خلال تطبیق القانون لئلا یضطر الإنسان للنهضة ضد الظلم و الضغط باعتباره العلاج‌ الأخیر».

و هذه العلة و الدافع الذی یعتبر بلوغ الأفراد لحقوقهم الإنسانیة من خلال تطبیق القانون صحیح‌ من وجهة النظر الحقوقیة،الا أن الدول غیر المنحازة و هیئة الأمم المتحدة إذا لم تستطع القیام بعب‌ء إثبات الحیثیة الذاتیة لکل الأفراد بالدلیل و البرهان‌ فأی إلزام قانونی یستطیع أن یکون مؤثرا فی البین؟

و لهذا الدلیل نجدنا نشاهد منذ عام 1948 فما بعد (و هو تاریخ الإقرار بهذه الحقوق)أنماطا من التفرقة العنصریة و الإقتصادیة و السلطویة،و الحروب المحلیة و المحدودة التی حدثت-و ما زالت تحدث-بین‌ الشعوب و البلدان،لذا یقال«بأن الإنسانیة للدفاع‌ عن نفسها-دائما-فی میدان التنازع للبقاء تجد نفسها مضطرة للنهضة العنیفة الدمویة».

التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 99)

4-و یقول الإعلان:«نظرا لأنّ من اللازم- أساسا-القیام بتشجیع علائق المحبة بین الشعوب».

و هذه العلة و الدافع من حیث المطلوبیة لا تردد فیها،الا أن هیئة الأمم المتحدة و الدول غیر المنحازة یجب أن تفسر قبل کل شی‌ء کیفیة استهداف و تحقق تقویة علائق المحبة بین الشعوب رغم الشیوع‌ المؤسف للنفعیة بین الذین یجولون فی میدان انتخاب‌ الأصلح(الأقوی).

5-و یقول الإعلان:«نظرا لأنّ الشعوب فی هیئة الأمم قد أعلنت من جدید فی المیثاق ایمانها بالحقوق‌ الأساسیة للانسان أو مقام الفرد الإنسانی و قیمته،و تساوی‌ حقوق الرجل و المرأة،و أکدت عزمها الراسخ علی دعم‌ عملیة التقدم الإجتماعی و ایجاد حیاة أفضل فی بیئة أکثر حریة».

و هذه العلة و الدافع بالستثناء نوع من التعقید تبدو فی مسألة تساوی حقوق المرأة و الرجل مما یجعلها بحاجة الی تفسیر و تحلیل(التساوی)و(الحقوق)؛ هی أمر صحیح و وجیه،غایة الأمر انه یجب الترکیز علی ثلاث مسائل هنا:

المسألة الأولی:تتعلق بمسألة«تساوی حقوق‌ الرجل و المرأة»و التی نتعرض لها عند تفسیر و تطبیق‌ المواد المتعلقة بها.هل اللازم هو التساوی فی الحقوق أو العدالة فیها؟

المسألة الثانیة:اننا قلنا سابقا انه لا یستطیع‌ الحقوقیون المحترفون وحدهم أن یقدموا الإثبات‌ الحقیقی لقیمة الفرد الإنسانی المعلولة للإعتراف‌ بـ(الحیثیة الذاتیة لکل أفراد الإنسان)و انما یحتاج‌ الأمر-حتما-الی المتخصصین فی العلوم النفسیة و الأخلاق و الدین و السیاسة و التاریه لیتعاونوا بکل‌ جد فی هذا المضمار.

المسألة الثالثة:ان الرغبة الروحیة لشعوب الأمم‌ المتحدة هی ما ذکر من العلتین و الدافعین فی الأمر الثالث،الا أن أهمیة الذین قرروا ذلک و اعتبروا من‌ قبل الأمم المتحدة ممثلین لها هی أکبر بکثیر من أن‌ یعملوا شیئا دون أن یتعمتعوا بالأخلاق و العقائد البناءة.لذا نلاحظ المشکلات التی واجهتها عملیة التطبیق لهذه المواد.

6-و یقول الإعلان:«نظرا لأنّ الدول الأعضاء التزمت بضمان الإحترام العالمی و المراعاة الواقعیة لحقوق‌ الإنسان و الحریات الأساسیة عبر التعاون مع الأمم المتحدة».

و اذا قلنا إن أشد أنماط الإلتزام التی تستطیع أن‌ تعقدها الدول قیمة و بناء هو هذا الإلتزام الدولی‌ لتأمین الإحترام العالمی و المراعاة الواقعیة لحقوق‌ الإنسان و الحریات الأساسیة لم نجانب الصواب، غایة الأمر یجب أن نلتفت هنا الی مسألتین أیضا:

الأولی:ما قلناه سابقا من لزوم تهیئة عوامل تقبل‌ الحقوق العالمیة من خلال تقبل الحیثیة و الشرف‌ الذاتی للإنسان.

الثانیة:لما کانت التیارات السیاسیة و الشخصیة و الثقافیة الموجودة بین الدول الأعضاء-و المؤدیة أحیانا للتنافی بین تلک التیارات-توجب اختلاف‌ نظرات المسؤولین فی تلک الدول حول الطبیعة الإنسانیة،و ما ینبغی و ما یلیق بالإنسان،لذا فنحن‌ نؤکد مجددا الحاجة الشدیدة للتفاهم فی مجال أصول‌ القیم و الحیثیة الذاتیة للإنسان.

7-«نظرا لأن حسن التفاهم المشترک‌ بالنسبة لهذه الحقوق و الحریات له کمال الأهمیة فی‌ مجال التطبیق الکامل لهذا الإلتزام،فإنّ الجمعیة العامة تعتبر هذا الإعلان العالمی لحقوق الإنسان‌ هدفا سامیا مشترکا لکل الشعوب و الأمم،لیأخذه‌ جمیع الأفراد و کل أرکان المجتمع بعین الأعتبار دائما،
التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 100)

و یسعوا بجد لتوسیع احترام هذه الحقوق و الحریات‌ بواسطة التعلیم و التربیة،و یضمنوا-من خلال‌ الإعداد التدریجی القومی و الدولی-الإعتراف‌ و العمل علی التطبیق الواقعی و الحیاتی لها سواء بین‌ نفس الشعوب الأعضاء أو بین شعوب الأقطار التی‌ تقع فی نطاقها»8.

و الموضوع المهم فی هذه العلة و الدافع و الإستنتاج‌ من مجموع العلل و الدوافع المطروحة فی مقدمة الإعلان العالمی لحقوق الإنسان یمکن ذکره فی‌ مایلی:

ان من المحال-بشکل عام-ان یتم حسن‌ التفاهم المشترک الواقعی بالنسبة لأمثال هذه‌ الحقوق و الحریات المعقولة،ما لم یتم تعرف أبناء النوع‌ الإنسانی بعضهم علی البعض الآخر تعرفا روحیا. ذلک ان الاحساس بلزوم وضعهم أمام الحقیقة هو إعلان من جانب أولئک الطلائعیین الحقوقیین‌ و الإقتصادیین و السیاسیین فی المجتمعات الإنسانیة لیعلّموا الناس انه الی جنب الححقوق المؤمنة للتعایش‌ الطبیعی بین أفراد الإنسان توجد حقوق للأرواح‌ الإنسانیة،فإذا شاء المسؤولون فی المجتمعات أن‌ یحکموا بین الإنسان و تاریخ الإنسان کان علیهم‌ بجانب الحقوق المؤمنّة للتعایش الطبیعی،أن یراعوا حقوق الأرواح الإنسانیة.

و ان أحد أکبر الإشکالات التی تقف بوجه‌ (حسن التفاهم المشترک)بین الأمم و الشعوب هو هذا التمزق فی أسالیب حیاة الآدمیین و المؤدی لا الی‌ ارتفاع حسن التفاهم المشترک بین الأقوام و الشعوب‌ فحسب و انما یؤدی الی ارتفاع تلک الروحیة المقدسة لحسن التفاهم هذا و جعل کل فرد غریبا عن الفرد الآخر،و أدی الی فصل البعد الأخلاقی عن الحقوقی، بفصلهما عن البعد الإجتماعی،و فصل الأبعاد الماضیة عن البعد السیاسی،و کذلک فصل الأبعاد السابقة عن البعد العلمی،و فصل الأبعاد الخمسة الماضیة عن البعد الفلسفی و التعرف علی الواقع، و فصل کل ما سبق بالتالی عن الدین و بالتالی‌ اغتراب الإنسان عن نفسه و الآخرین.

ان هذا الفصل الذی عدّ أمرا مرغوبا فیه بل‌ ضروریا بالأسلوب العلمی المحدود،أدی الی‌ إضعاف حس الإشتراک فی الحیاة و حس وحدة (الحیاة المعقولة)فی أعماق أبناء الإنسان،و لهذا نقترح الطهتمام بالأسلوب الترکیبی(سنتتیک)الی‌ جانب الطهتمام بأسلوب المعرفة التحلیلیة (آنا لیتیک)فی مجال معرفة الحیاة الإنسانیة،إذ بهذین‌ الأسلوبین الأساسیین نستطیع أن نضع أسس‌ الوحدة بین أرواح الإنسان،فنعدهم بذلک لتقبل‌ الحقوق العالمیة.

و اننا لنلاحظ النقطتین المهمتین اللتین ذکرناهما فی مقاطع من المقدمة التی کتبها روبرت هوکوت‌ جاکسون‌9لکتاب(الحقوق فی الإسلام):

النقطة الأولی:التفرقة الصارمة بین الأبعاد المهمة جدا و المترابطة تماما فی الحیاة فی القانون‌ الأمریکی،فی حین ان الفقه الإسلامی یلاحظها بشکل کامل:

«ان القانون فی أمریکا له تماس محدود مع تطبیق‌ الواجبات الأخلاقیة،و الحقیقة هی أن الفرد الأمریکی فی‌ نفس الوقت الذی قد یکون فیه فردا مطیعا للقانون یستطیع‌ أن یکون فردا وضعیا فاسدا»10.و یقول أیضا فی هذا المقدمة:«و من هنا فان قانوننا فی أمریکا لا یطرح واجبات‌ دینیة معینة بل هو یحذفها بکل دفة»11.

و نحن نعلم ان هذه التجزئة بین الأبعاد الأخلاقیة و الدینیة و الحقوقیة لدی الإنسان لا تختص‌ بأمریکا بل ان کل الأقطار الغربیة و الشرقیة- عادة-تحقق هذه التجزئة فی القانون.

التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 101)

ثم یعرج جاکسون بعد العبارات المذکورة لبیان‌ وحدة الأبعاد الحیاتیة للإنسان فی القانون الإسلامی‌ علی النحو التالی:

«الا انه علی العکس من ذلک تعد الإرادة الإلهیة منبعا للقانون،تلک الإرادة التی تجدّت لرسوله محمد(ص)،و هذا القانون و هذه الإرادة الإلهیة تنظر الی کل المؤمنین کمجتمع‌ واحد و إن تألف من قبائل و عشائر متنوعة،و سکن أمکنة و محلات متباعدة عن بعضها.ان الدین هنا هو الطاقة الصحیحة و السالمة لتحقیق التلاحم بین الجماعة لا القومیة و لا الحدود الجغرافیة.کما أن الحکومة نفسها هنا مطیعة للقرآن و لا مجال فیها لتشریع آخر فضلا عن السماح لها بالنقد و الشقاق و النفاق،و هذا العالم فی نظر المؤمن مسرب الی العالم‌ الآخر و هو العالم الأفضل.و ان القرآن لیعین القواعد و القوانین و أنماط سلوک الأفراد بعضهم مع البعض الآخر و بالنسبة لمجتمعهم لکی یتم ضمان التحول السلیم من هذا العالم الی ذاک.و لیس من الممکن أن تفصل النظریات‌ و الأفکار السیاسیة أو القضائیة عن تعلیمات الرسول،تلک‌ التعلیمات التی توضح أسلوب السلوک تجاه الأصول الدینیة و نوع الحیاة الشخصیة و الإجتماعیة و السیاسیة للجمیع...»13.

و بملاحظة ضرورة التناسق و الإتحاد بین کل‌ الأبعاد الإنسانیة فی(الحیاة المعقولة)،فانه ما دامت‌ هذه الضرورة غیر مضمونة لا نتوقع قیام المجمع‌ المتشکل من أفراد یستطیعون من خلال التمتع بالحیاة المعقولة أن یعترفوا بکمال التناسق،و الإتحاد باحترام‌ حقوق الآخرین و بضمیر حر تماما.و یعد ذلک أمرا غیر ممکن فضلا عن أن نتصور المجتمعات و الأقطار المتنوعة فی العالم مع کل تباینها فی العنصر و اللون‌ و الثقافة و البیئة و الأخلاق و الدین.هذه المجتمعات‌ تتحد،و تشکل أعضاء لعائلة واحدة،و تتعایش معا بروح الأخوة.

النقطة الثانیة:ان الفقه الإسلامی من خلال‌ إشباعه للإحتیاجات الحقوقیة للأقطار و المجتمعات‌ المختلفة إستطاع أن ینشر نداء العدالة و المطالبة بها فی‌ أکثر نقاط العالم،و هنا یوضح جاکسون هذه الحقیقة علی النحو التالی:

«ان تشخیص هذه النقطة و هی أن هذا الدین-و هو الدین الأکثر شبابا من بین الأدیان-قد أوجد فقها أشبع به‌ حس طلب العدالة لدی الملایین من الشعوب التی تعیش‌ تحت الشمس الحارقة لآسیا و أفریقیا و بضع عشرات الآلاف‌ التی تعیش فی اقطار أمریکا...لقد آن الأوان أن لا نعتبر أنفسنا وحدنا الشعب الذی یجب العدالة أو یفهم معناها، ذلک أن الأقطار الإسلامیة نفهسا جعلت الوصول الی هذا الهدف شعار مسیرتها»14.

و نقول ختاما:انا قد بیّنا فی هذه المقالة بعض‌ الصعوبات فی هذه المقدمة لحقوق الإنسان،و لم‌ نقصد من عرضها الاّ الرجاء الواثق بأن حقوق البشر التی هی من أعظم ما جاء به الإنسان فی إصلاح‌ الإرتباطات المتنوعة بین الإنسان و أخیه الإنسان‌ مستمدا من الجذور الدینیة و الثقافیة و الأخلاقیة و غیرها النابة فی الحقل الإنسانی العظیم الممتد عبر التاریخ،ستتمکن من دفع الصعوبات المبحوث عنها فی المقالة من أداء ما جعل علی عاتقها من‌ الإصلاحات اللازمة فی صلة الإنسان بأخیه الإنسان‌ و بالکون و باللّه سبحانه،و ذلک بإعادة النظر فی‌ بعض المفاهیم و إضافة بعض القیم العالیة التی لا بد لمثل هذه الحقوق البناءة من مراعاتها@

التوحید(عربی) » شماره 16 (صفحه 102)

الهوامش

(1)-لکی یتم الإطلاع علی السیر التکاملی لمواد الحقوق العالمیة للإنسان یراجع کتاب(حقوق الإنسان و سیرها التکاملی فی‌ الغرب)للدکتور مهدی أبو سعیدی.

(2)-کتاب الدستور الفرنسی للدکتور قاسم‌زاده(ص 44 و 45).

(3)-سورة المائدة،الآیة 32:و الواقع ان هذه القیمة قد منحت‌ للإنسان و لم تکن مختصة ببنی إسرائیل،ذلک لأن القیمة ترتبط بالذات الإنسانیة و لا نتحصر بدورة خاصة أو مجتمع خاص أو مذهب معین،و إن کان ظاهر الآیة ان هذا الأمر مقرر لبنی‌ إسرائیل،إلا ان هؤلاء لا خصوصیة لهم لتقبل القیمة الواقعیة للإنسان و انما أرید إطلاعهم علی هذه الحقیقة مثلهم مثل غیرهم‌ من الأمم.

(4)-دیوان المثنوی الرمضانی دفتر رقم(2)ص 83 البیت 32- 34 و 39-42.

(5)-المولوی-دیوان شمس التبریزی.

(6)-نقلنا مقاطع هذه المقدمة(العلل و الدوافع لوضع و تنظیم المواد الحقوقیة للإنسان)من کتاب(حقوق الإنسان و السیر التکاملی لها فی الغرب)تألیف الدکتور مهدی أبو سعیدی،من ص 269 فما بعد.

(7)-المدعی العام الأسبق للولایات المتحدة الأمریکیة.

(8 و 9)-الحقوق فی الإسلام،جمع و تنظیم السید مجید خدّوری، و هربرت ج لیبسنی.ترجمة السید رهنما،ص ج من المقدمة.

(10)-المصدر السابق.

(11)-المصدر السابق.

(12)-المصدر السابق.

آخر تحديث: الجمعة, 20 ديسمبر 2013 19:46
 

كليه حقوق اين سايت متعلق به انجمن علمی و پژوهشی فقه قضایی است و نقل مطالب بدون ذكر منبع غير مجاز مي باشد
مسؤولیت مقالات به عهده نویسنده بوده، درج مقاله به منزله تایید آن نیست
Template name : Alqaza / Template designed by www.muhammadi.org

SMZmuhammadi July 2010